25‏/09‏/2009

شهادة (1)/ رشا فاضل

بين تكريت وسديـرة وحسن مطلك!


رشا فاضل

من المحاسن الجديرة بالذكر للبيوت الثقافية هي اعادة التواصل الثقافي فيما بيننا تواصلا ابداعيا وانسانيا لم يكن ليصبح بهذا الشكل المنظم لولا وجود هذه المؤسسة الثقافية التي فتحت يدها لاحتواء المثقفين وتقديم الدعم المعنوي لهم ، ولعلي اسجل امتناني لهذه المؤسسة التي لولاها لما كنت تعرفت بالكثير من الشخصيات المعرفية الثرة بثقافتها وعطائها الفكري والانساني ومن هذه الشخصيات اذكر الدكتور الاستاذ نوري الظاهر الجميلي حيث اني لم التق به مسبقا ولم اعرفه الا في لقاءاتنا الثقافية في البيت الثقافي وجلساتنا الاسبوعية فيه حيث كان يشارك بلغته الباهرة الموضوعية التي تدخل في صميم الحدث الثقافي او الموضوع المطروح للمناقشة وهذه اللغة لم تكن نسيجا خاويا منزويا على بهرجة المفردة على حساب المعنى الذي غالبا ما يترهل وتضيع الفكرة بسبب المبالغة في الاحتفاء بزينتها الخارجية .
حين عرفت ان د. نوري من سكنة قضاء الشرقاط بادرته بالسؤال بعد انتهاء جلستنا الثقافية وكان سؤالي عابرا، على الاقل هذا ما حاولت ان ابينه له لكي لا اقع في دوامة الاسئلة والاجوبة التي غالبا ما انفر منها، فسالته :كيف هي الشرقاط الان ؟
فاجابني بسرعة وفصاحة اربكتني : تريدين الذهاب الى بيت حسن مطلك اليس كذلك؟
ضحكت واندهشت وانعقد لساني لبراعته بقراءة افكاري التي ظننت لزمن انها عصية على الامساك والقراءة والفهم ايضا !
فقلت له فورا: هذا هو مبتغاي .. وسالته بلهفة الاكتشاف : هل تعرفه؟
واخذ يقص علي حكايا الزمن الاخر .. زمن لم اكن فيه سوى رقما تائها بين الارقام لا اعي فيه تحول العالم من حولي وخروجه من مساره الكوني المعتاد ..
كنت اسجل كلامه فوق اوراق ذاكرتي فقد كان شخصية حكائية تنبعث من دفتي كتاب عريق خرج اخيرا ليقص لي الحكاية .. واية حكاية !!

لا اختلف عن المشاهد الذي تستهويه حياة الممثل على دوره في الفلم ..ووجه المغني على صوته الذي تشدو به الاغنية واكتشفت هذه الصفة التي كنت اجهلها في نفسي حين وجدتني اسأله عن كل ما يخص الروائي الشهيد حسن مطلك حتى وجدتني بعد انتهاء الحوار اشبه جارتي التي تدس رأسها في قدر منزلي لتعرف عدد ملاعق الزيت التي اضعها في الغداء كل يوم !

الاجمل من هذا ان دكتور نوري في حديثه الممتع عن مطلك تطرق الى محمود جنداري وبلهفة اكبر سالته : هل تعرفه ؟
فاجابني بابتسامة : انه قريبي وصديقي !

كان اذان المغرب يعلو من المنارات على اجنحة الحمائم .. والسيارة تنتظرني بمزمارها الغاضب ... وانصاتي معلق على دكتور نوري وهو يسرد لي الحكايا ..
واتفقنا ان تكون لنا رحلة الى بيت حسن مطلك وفي ذهني وجدتني اكتب عنوانا لهذا الرحلة :( في ضيافة حسن مطلك) .
وبقيت طوال الاسبوع ارسم شكل هذه الزيارة بعد ان اتفقنا على تفاصيلها ولم يعبر الاسبوع الا بعد تضرع طويل لألتقي بالدكتور نوري بأمل الاتفاق على الوقت الذي سنذهب به لزيارة قرية (سديرة).. وحال رؤيتي له سألته بلهفة وبلا مقدمات : متى نذهب ؟
فاجابني بابتسامته الحكيمة وقال – اصبري قليلا .. قرية سديرة تشهد اضطرابا امنيا هذه الايام .
واحبطت لهفتي .. لكن ابتسامته طمأنتني ان بامكاننا الذهاب في الاسبوع القادم وان انتظر منه اتصالا لنتفق به وطبعا كان الاسبوع (يتمشى على بيض) حتى وضع خطوته الاخيرة على عتبة الاسبوع الجديد وفي لقاء يوم الاحد الثقافي وجدتني وكالعادة اسأله بالحاح مثير للاعصاب : متى نذهب؟
وكانت ابتسامته تنتظرني ايضا فقال لي بصوته الحكيم : الم تسمعي بالسيارة المفخخة التي انفجرت قبل ايام في سديره؟ مازال الوضع صعبا !
للأسف كنت قد سمعت بانفجار هذه المفخخة التي احتفت بذهابي قبل ان اخطو الخطوة الاولى لكنه لم يدعني ليأسي واحباطي وكعادته كانت ابتسامته الامنه المطمئنة ترسم لي ملامح الرحلة في الاسبوع القادم وطبعا سانتظر اتصالا اخر منه وحين اتى الاسبوع القادم بعد الكثير من الاحلام واللهفة والانتظار وانا اخط ملامح مقالي القادم بعد ان وضعت له العنوان الافتراضي ، واتى الاسبوع المنتظر ونسيت لفرط لهفتي ان الامسية كانت مخصصة لي وانه لن يكون بامكاني ان اجثم على قلب دكتور نوري ككل مرة واتعلق بالاسئلة والاجوبة التي انتظرها منه باصرار

وكنت ارغب بالانقطاع عن القراءة واقول للحضور – فاصل اعلاني – وبعدها استدير للدكتور نوري وأهمس له : متى نذهب؟
ولكني كنت محاصرة بالحضور وكاميرا الفضائية التي اربكتني واحتفظت بسؤالي حتى الاسبوع الماضي الذي اتى بعد انتظار طويل ووجدتني اعلق سؤالي من جديد على اسوار الانتظار واسأله : متى نذهب؟
والابتسامة ذاتها كانت تنتظرني وهو يقول لي: اصبري فالوضع مايزال مضطربا في قرية سديره وحين اتيت اليوم اغلق الطريق ورائي وهنالك عمليات اعتقال وتفتيش وانا اخاف عليك لا اريد ان يحصل لك شيء فيأكلني الندم ثم لابد من الاستضافة في بيتي مازلنا بدو وهذه العادات لم تفارقنا بعد .

وضحكنا على البداوة التي قلت له انها اجمل مافينا ..
وتمن من اقناعي بأسلوبه العجيب في ارباك المقابل واقناعه ،
واتفقت انني ايضا سانتظر اتصالا اخر منه خلال الاسبوع الذي انتهى صامتا وغدا لي لقاء اخر معه ومع انتظاري الذي لاتهذبه السيارات المفخخة ونقاط الموت الفاصلة بين شارع واخر ..
اذ لابد من اكمال مقالتي التي ستكون في ضيافة (حسن مطلك) ..مقالتي التي لن تقف بوجهها المفخخات ولاوصايا البابا نوري وهو يرسم لي شوارع محشوة بالديناميت وقرى مفخخة باشباح الموت ..
اذ ليس ثمة اجمل من ان تولد الحروف وهي تراقص ظلال الموت الذي اصبح صديقا يتمشى معنا ويزاحم خطواتنا كل يوم في مسيرنا نحو الحياة .

----------------------------------
*رشا فاضل: شاعرة وإعلامية من العراق.
*نشرت في موقع (كتابات) بتاريخ 20/4/2008م.
وفي منابر ومواقع أخرى منها (النور).


http://www.alnoor.se/article.asp?id=22612

رشا فاضل والدكتور نوري الظاهر

ليست هناك تعليقات: