14‏/07‏/2021

اهداء إلى حسن مطلك / إيمان حماني

 

من إيمان إلى حسن مطلك 

إيمان حماني

ليل العراقِ طويل.. طويل

حزين كنبي قديم

كئيب كقبر خشبي

على هذه الأرض يحاصرني رجال البلاط

يسقط الأطفال في بِركة الجوع

تحترق الكمنجات ويبكي سعف النخيل

وأنا أُحدق في كف فلاح أفنى عمره شقاءا

لا أحد يُربت على كتفه المخلوعة وساقه المبتورة

أضم الصبر والثبات كتميمة مقدسة

أصافح تربتي المسروقة

أتوسد الخوف وظل فكرة هاربة

أنام وفي جوفي تمرات يابسة من زمن العجاف

وأنثر قمحي على أفواه العابرين الذين لم تمسهم الشمس

لم يتقنوا عادات الجلاد ولم يحفظوا أسماء اللصوص

كانت رغباتهم جميلة

ذهبوا دون عودة

تركوا ثيابهم وعظامهم وكلماتهم الخانقة

بكيتُ عليهم دهرا يا حسن

قتلتْهم الحياة ولم يُمجدهم أحد

هم مثلي عابرون فوق أزهار القيامة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*إيمان حماني: أديبة جزائرية، من أعمالها: امرأة قدت من حبر القصائد.

06‏/07‏/2021

ماجستير عن قصص حسن مطلك

 

رسالة ماجستير في الأدب العربي

 ناقشت

(العتبات النصية في قصص حسن مطلك القصيرة) 

في جامعة كركوك في العراق وبحضور السيد عميد كلية التربية للعلوم الانسانية الأستاذ الدكتور فرهاد عزيز محيي الدين وعدد من الأساتذة التدريسيين الأفاضل، جرت على قاعة كلية التربية للعلوم الإنسانية، يوم الأربعاء الموافق (23/6/2021) المناقشة العلنية لرسالة الماجستير الموسومة بـ (العتبات النصية في قصص حسن مطلك القصيرة) للطالبة (زينب احمد محمد)، 

وتناولت الدراسة مفهوم العتبات النصية بكل أشكالها كعتبة العنوان الرئيس والعنوانات الداخلية، وعتبة الغلاف، ثم تطرقت إلى حياة الكاتب العراقي حسن مطلك ومنجزه الابداعي، وتوصلت الدراسة إلى جملة من النتائج العلمية التي امتاز بها القاص، وإلى أهمية العتبة النصية في فهم النص الأدبي والولوج إلى داخله والكشف عن خباياه ومعانيه، وقد قررت اللجنة قبول الرسالة، ومنح الطالبة شهادة الماجستير وبتقدير (مستوف).

وقد تألفت لجنة المناقشة من السادة :
١_ أ.د ارشد يوسف عباس، جامعة كركوك ـــــ رئيساً .
٢_أ.م.د نوفل حمد خضر، جامعة كركوك ـــ عضواً.
٣_أ.م.د غانم صالح سلطان، جامعة الموصل ـــ عضواً.
٤_أ.م.د عبد الرحمن محمد محمود، جامعة كركوك ـــ عضواً ومشرفاً.

المصدر، موقع كلية التربية للعلوم الإنسانية، جامعة كركوك، بتاريخ 23/6/2021  

https://uokirkuk.edu.iq/education/index.php/component/k2/item/1087-2021-06-23-17-36-37

10‏/04‏/2021

دراسة في رواية: قوة الضحك في أُورا /اسماعيل ابراهيم عبد

 

شَعرنة الموضعة

والانتقال لـ قوّة الضحك في أُورا 

إسماعيل إبراهيم عبد

 

رواية (قوة الضحك في أُورا) لحسن مطلك هي رواية مشتقة من فكرة، الصدام أو الصراع أو التخالف، الحضاري.

في بنية الرواية تجديد لثيمات تمَّ التطرق إليها كثيراً على مدى عمر الكتابة الروائية. 

تلك الثيمات تتعلق بالإرث الآثاري وما تمخّض عنه النشاط الغربي المحموم للاستيلاء على مكنوزات الشرق الحضارية مـن لُقط وآثار ومخطوطات ومتحجرات وتماثيل فنية معمولة بطرق بدائية في غاية البهاء والجودة، مما لا يقاس بثمن.    

لمثل هذه المحمولات أقام الروائي حسن مطلك مَشْيَداً مربكاً بثرائه الجمالي، يشعُّ بالمتعة الروائية، وبالقيم الجمعية، وبالتجريد الفني التجريبي، يماهي به القضية الجمالية للإرث الحضاري لنينوى الآشورية.

من المتوقع، أن الروائي اخترع ـ إلى حد ما ـ سيرورة تأريخية تخص الرواية وطريقة بنائها، أي أن الرواية أُخْضِعتْ لإرادة جبارة كي تحافظ على/

جمالية البيئة. 

جمالية الإرث.

جمالية البشر.

بمقابل قبائح/

السلوك البشري الدوني. 

التوحش الطَمَعي.      

العلائق المضطربة للرغبات غير السوية.

التعامل الدوني بين الغرب والشرق.

استمرار الاستحواذ على جسد المرأة وجمالها.

 من أجل التصرف بعقلانية مع طبيعة التدوين الروائي التي أوجدها الروائي حسن مطلك يتوجب علينا اللجوء إلى بعض المحددات والمؤالفات لأجل فهم الجهد البنائي الذي استعاض به الكاتب عن مقيدات الروي التقـليدية.                                 

الاتجاه الذي يمكنه من ملائمة غاياتنا الثقافية والفنية المتواترة في ثنائيات:

(قوة الضحك في أُورا)، إنه متجه التأطير المضاعف، الذي به نستكشف طبقات الروي، وبيئات المروية، وثقافية السرد الحر.

التأطير المضاعف ـ بفهمنا ـ هو دوائر البناء المفتوحة من الخارج إلى الداخل وبالعكس، وتركيبها في الرواية سيكون على الشكل الآتي/  

أ ـ أُطر الدرجة الأولى (الكبرى) :    

هي قنوات التوصيل التي جعلت من الرواية بؤراً خارجية/ داخلية، مـكتفية بذاتها، محمولاتها تتجه نحو بطائن التمثل التي تترجم النقلات السردية الكبيرة على صياغة جزئيات متسلسلة تساوي 13 رقماً تجزيئياً، وهي بمثابة المشدّات لفواصل الروي.          

إنها المشاهد الـ (13) التي ملخص ترتيبها السردي سيكون/           

المشهد (1) : يبدأ بعنوان ـ قبل الفيضان ـ (أقنعة أُورا)، وقد عني بطفولة التعجب من سعة المطلق لمكان أُورا، أولا، ثم سعة الحلم بطفولة ترى لأول مرة عين زرقاء لأجنبي، ثانياً.  

المشهد (2) : ينتمي هذا المشهد إلى استذكار الفترة الرعوية مـن حـياة أُورا، يـمـثـل الحالة (ديام وأُخته ديّامة ونعجتهما)، وما سمعاه من المستشرق أوليفر عند جمعه لرجال أُورا لمعرفة من وضع غائطاً على دكة العرش، القضية التي ظلت تؤرق المستر أوليفر وقتاً طويلاً. ينتهي المشهد بلقطة (طمث ديّامة).                

المشهد (3) : إنه مكرّس لكارثة فيضان نهر دجلة، ومن بين أحداثه الأخيرة، أن ديّام يرى جدته عارية في حمام البيت قرب مربط الحمار، يشع جسدها ببياض آسر.

كما أن الصبي ديّام يحاول الخروج من مرحلة الصبا إلى مرحلة الشباب.          

المشهد (4) : يبدأ بعد عنوان ـ بعد الطوفان (بيضة الرخ) ـ، من بنياته الحكائية، موت الأُم وعدم تصديق الأب لموتها، ثم اعتكاف الأب الزوج وانكفاؤه بسبب ذلك، معتقداً بأنهم دفنوا زوجته وهي (حيّة) !   

ثم يتجه المشهد نحو رصد تطوّر العلاقة بين أوليفر وديّام، العلاقة التي وصلت حدّ القراءات المشتركة لأشعار وليم بليك...

ومن الأحداث كذلك، نمو حب ديّام لسارة، ابنة عمه الحداد..

كما تضمن المشهد استمرار اتهام أبو ديّام لأوليفر بسرقة الثور المجنح. 

المشهد (5) : يتخصص بتصوّر ديّامة امرأة تنضج وتثير حفيظة إبنيْ عمها فيغازلانها، لكنها لا تهتم لهما، فتقوم بالحفر لتجد (علبة من المرمر المضيء). وينتهي هذا المشهد بحادثة قطع الحداد لخصيته وتجمّع الناس لإنقاذه من الموت.

المشهد (6) : يدور حول البنتين سارة وتفاحة، ابنتيّ الحداد، عم ديّام، ومن بين أحداثه، أن يُحب ديّامُ سارةَ بجنون، ويسافر، ليعود ثانية بذات اللهفة والضياع ! الذي يشبه الموت. وفي المشهد إشارة إلى خيبة ديّام من السفر.

المشهد (7) : مصممة هذه المقاطع للقول بتحوّل الحداد إلى رجل مسالم يتحكم به ولداه القاسيان، ومن حوادثه زواج تفاحة بالقسر، والانتظار لسارة وديّام لبعضهما بشكل دائمي. يُنهى المشهد بتصوّر حالة عُري زوجة أوليفر. 

المشهد (8) : يُفتتح بصيحة دهشة لديّامة التي حبستها عشر سنوات، لجمال علبتها وجمالها هي. ومن بين الأحداث، توطد علاقة أوليفر بديّام ـ بتراحع زمني ـ.

سيُنهى المشهد بالعثور على البئر المؤدي إلى دكة العرش، بعد إحضار نعاج لإلقائها فيه لمعرفة عمقه وطبيعته واتجاهه.                                        

المشهد (9) : يتضمّن انبهار ديّامة بالملك الآشوري الذي وجدت إحدى عُلبه بالحفر قرب تنور العائلة، تصوّرته كأنه هو الزوج الذي تنتظره. أو أنها تنتظر زوجاً يشبهه، بعنفه ورجولته وسطوته وضخامته.

ومن بين مسرودات المشهد، تساؤلات فلسفية لديّام، كأنها مرحلة وعي ثالثة له، حيث طفولة العين الزرقاء (أولى) مراحل الوعي، والشباب والسفر (المرحلة الثانية)، ومن أحداث المشهد التأسف للفشل الذي لم يتوقعه أوليفر وديّام لتجربة إنزال النعاج في البئر.

المشهد (10) وفيه يتعمّق الحلم والخيال في نفس ديّام، مما يجعله في حالة استذكار رحب لسارة، بحيث ما عاد يفرّق بين أيام الأسبوع، لا فرق بين سبت أو خميس، ولا يَفْرُق عليه مكان هنا أو هناك.لكنه  يرى سارة في الحلم بصورة مفرحة،  ينتهي المشهد بعقد مقارنة بين ضياع ثور أبي ديّام التائه، وإشارات الأحلام المفزعة المتماهية مع عودة الفتى والثور إلى البرية! 

المشهد (11) : يبدأ بتعريفات فعل الأشياء لكل من الريح، قصص الحلاقين، وصف النهر والمصب، معنى المتأمل والزمان.. ثم يصل إلى نهاية سارة بعواء ومعدة موجعة (مرض الاستكلاب)، لكن ديّام يتصورها تقول: تخلصت من الكآبة، وبحضوره يقدّم لها البدائل التي تجعل قلبيهما في عيد، وصفاء.  

المشهد (12) : ينفتح ببدئه على الغضب كسقوط وعلى السقوط كـفشل.. من بين أحداثه المهمة، ملاحقة اللعنة لأوليفر، حيث يبتعد عن زوجته إيفيلين، وتفشل تجاربه ومشاريعه، ثم يستذكر أوليفرُ لياليَ لندن، وشعرَ أليوت، ثم يُذْكَرُ في المشهدُ حادثة إعادة تجربة إنزال النعجة إلى قاع البئر قرب دكة العرش.             

من الأحداث أيضاً، نزول ديّام إلى البئر ومعرفته بأسرار قصر الملك الآشوري، وعدم إخبار أوليفر بها، ليمثل ذلك مرحلة (رابعة) لوعيه الثقافي.

كذلك تستَذكر حادثة، المطر الذي هدد مبنى أوليفر.

من حوادثه الطريفة، إصابة ديّام بالتوحد مع السر، تحت الأرض، سر البئر، الممر إلى دهاليز وغرف قصر الملك والملكة..

ينتهي المشهد بنظرة فاحصة متأملة للعلبة المرمرية لدى ديّامة.

المشهد (13) : يختصُّ هذا المدون بخلاصة وختام وحكمة وثقافة ما بعد اكتشافات ديّام، وعدم بوحه مما جعل أوليفر يفقد عقله..

ينتهي المشهد بالآتي:

[ورأى أوليفر يزحف بسرواله الأبيض ذي العلّاقات النحاسية ويبتسم بوداعة، ثـم ينحني ليقطف العشب بأسنانه...                                 

                                                                   شباط 1987]              

ب ـ أُطر الدرجة الثانية (الأساسية) :

في المحيط المحدد لمساحة هذه الدرجة الإطارية، من الفعل السردي، سنجد مقيدات ذات طابع اشتراطي أو استلزامي، بمعنى، أن اكتمال وجود الجملة الروائية (المشهد الصغير) يؤلف مشيّدة بمستوى درجة أساس أولى، يسوّغها البعض كعلاقة لغة أولية (توزيعية)، كونها ذات علاقات تتابعية أُفقية مثلما يؤشرها رولان بارت ويؤيده د.سمير الخليل بقوله "العلاقات بين المفردات...علاقات قائمة بين الفصيلة الواحدة، أو السياق الواحد.

 بمعـنى أن كل مفردة توجد بعلاقة أُفقية بغيرها من المفـردات التي تسبقها والتي تعقبها في سياق خطي يسهم في تحديد معناها"([1]).

ثم يذكر في المكان ذاته (ص10)، ما معناه: أن النوع الثاني من العلاقات هو علاقات الترابط.

 يُرى: أن التركيب للعلاقات المتوزعة بين مظهور النص ومضمونه، سيكون مبرراً لتطريز الإطار الـثاني (الخارجي).

لننظر /          

[أسبح بحرية في الفاصل الزمني كما حدث لأُورا حين سقطت على رأس أحد صيادي الأسماك فلم تتحطم بشكل كلي...

كان ذلك في شهر آب المطلق، حين كانت السنة مقسّمة إلى قسمين متساويين: قبل منتصف آب، وبعد منتصف آب. ولم يكن أحد قد فكّر باختراع الشهور المعروفة، خاصة شهر شباط المتقلب، حين تم اختراع الملعقة والحذاء لأول مرّة] ([2]).

من وجهة النظر التوزيعية لّلغة، يكون أمامنا نص يعطي لنا صوراً أولية عن كيفية التفكير البدئي، حيث الفطرة تفسّر القول، والقول يُغْني حكمة المعنى... وفي مقدمة القول تكون سباحة الراوي في الـفاصل الـزمني لفيضان أُورا، وهي سبـاحة حقيقية، في وقت حقيقي، فترة هيجان دجلة في شهر آب.. وأن المطلق الزمني العفوي لتلك المرحلة هو عدم التفريق بين الفصول والسنين، فكل الفصول هي إما قبل منتصف آب أو بعد منتصف آب.                                    

كما أن العالَم آنذاك لم يخترع أدوات الحضارة، وحين تعرّف العالم إلى شهر شباط عرف أن الأدوات المهمة هي: الملعقة الخاصة بالأكل والحذاء الخاص بالمشي أو السعي. كأن الراوي يريد أن يجعل القول الفطري يساوي الحياة الفطريّة، وهو ما يشير إليه الغرض الأولي: اللغة علائق أُفقية (توزيعية). لكن تطور الوعي أوصل الفرد في أُورا ـ بحسب رواية قوة الضحك في أُورا ـ إلى أن تعتمد على أصل واحد هو دلهوث، الاسم الذي شاع في الممالك الآشورية عن الجد الأول والأكبر للسلالات البشرية. حين وصل الوعي إلى إدراك الأصل، قام ممثلون لدلهوث بأول محاولة لوضع القاموس الشفهي للأشياء بإعطائها أسماء/

[اهتدى دلهوث إلى الكلمات، وكانت العربية أولى الكلمات، فسمى البقرة بقرة والحمار حماراً، والنهر نهراً، والمنجل والقطاة والحذاء والـشوكة والخيط والعصا والمعول والصخرة والإصبع والعلبة والزهرة والنعجة والشاطئ واللحية والرمل والفانوس والقوقعة والرداء وحجر الرحى وحجر الجلوس والبرية، وكلمة لهب وماما وبابا وسليمان ودَلَـس ومراد وناصر بال وداثان ووردون والفأس والمشط والقلم والشمال والشرق وعطارد وخاتم الزواج وديّامة المترسبة في قعر الغرفة كالغرين المترسب في قعر النهر] ([3]).    

المقطع أعلاه يؤتي الأشياء كلمات، والكلمات أسماء..

ومن حيث التوزيع، يمكن أن نتعرّف على هذه الأسماء كونها أدوات عبّرت من الفطرة الأولى (السنة قسمان) إلى فطرية أكثر وعـيـاً، أي يوجد للإنسان متطلبات تعادل ما نسميه علاقات، وأن هذه العلاقات جعلت للأشياء أسماء.                              

يعني هذا: تشكل اللغة بالقاعدة الأولى (للأشياء أسماء من كلمات).

وهذه المرحلة هي مرحلة الوعي البشري الثانية.. 

عند ملاحقة المقطع سنرى أن تلك الأسماء تضمنت فعلاً واحداً هو كلمة (دَلَـسَ)، ليكون هذا زرعاً لرغبة الشر عند البشر.

وهكذا سيكون المقطع محتوياً على بدء جديد نحو تغير السياق، حيث أن اللغة لا تعمل إلّا حين تبني سياقات قادرة على إيصال الفهم..

وبتوضيح آخر: أن رسم صورة الأشياء بشكل تجريدي (حروف الكلمات) هو سياق فَهِمٍ اكتملَ نضجُهُ ليعبر نحو(قواعد) اللغة. وفي مرحلة اللغة (القواعد) يُبرْمِجُ تداولُ الأصلِ حالةَ التكامل اللغوي، الذي ينحصر بقواعد اللغة السلوكية للملك/

[ألم تقل جدتي أن دلهوث قال: كلكم أبنائي فما الذي جعلكم تنقسمون إلى عشائر وأنتم من ظهري؟] ([4]).      

فالقول أعلاه لغة متكاملة القواعد لكنها لغة حاجة مباشرة ليس لها غايات مضمرة!! وإنها لغة تامة الأداء، وزّعت الكلمات جملاً، وللجمل قواعد إبلاغية، وهو ما يرشحها لعلائق لغوية توزيعية فقط.   

هذا الترشيح يعني أنها ستكون لغة علائق تحتوي الإطار الثاني للمشهد، وهو إطار خارجي لا يصلح ليكون منعكساً أثيريا، إنما هو محتوى يحمل (التساوي) بين المظهر والمؤدى.                                                                      

ج ـ أُطر الدرجة الثالثة (الصغرى) :   

هي مرحلة تحديد المبثوث اللغوي بكيفياته الجمالية والأدائية، التداولية والثقافية. يمكن التصرف بهذه الأطر على أساس أنها مستويات علائق لكل من/ 

1ـ علائق التجاور والتخالف/         

من الممكن رصف الكلمات مع بعـضها وتوزيعها بشكل يؤدي إلى الانسجام والاتساق والتكامل والتوالي وتوحيد هدفها بالاتجاه نحو وحدة الموضوع.     

لننظر: [البدن.. بدنه صار أكثر هزالاً، وهو الآن، في هذه اللحظة يخرج من الغرفة مظللاً عينيه بكفه ويقول: أين الولد يا ديّامة؟ أما زال يجلس على سطح المعبد؟                            

ثم يرسل عينيه في خط بعيد صوب المعبد ويقول لأختي: أخشى أن يتحرك المعبد وينهار.. إنه يتحرك قليلاً نحو النهر.. أخاف أن يسقط بالولد، أنظري، ألا تؤيدين؟ فتقول: إنك تتوهم يا أبي، منذ زمن وأنت تتوهم. فيقول: ربما، ولكن ليس عندكِ من قوة البصر بحيث تلاحظين تحركاً لا يتجاوز الإصبع.. ويتجه إلى الزريبة لقضاء بقية النهار مع الثور] ([5]).                                                  

لنثبت الأفعال الحدثية المهمة أولاً، وعنها سنوضّع علائق التجاور والتخالف.                                                     

*افتقاد الوالد للولد ديّام.    

*التحاور بين الأب وابنته.          

*اللا إقرار بالتوهم.          

*رفض نتائج قول ديّامة.         

هي أربعة أفعال سردية، اثنان يقرران حالات، واثنان يقوّضان حالات.                

ـ هنا تساو خطي بين أفعال التسبيب (الافتقاد والرفض) وأفعال الإنجاز (التحاور والتوهم).         

ـ الأفعال الأربعة يتمم بعضها بعضاً من حيث الصياغة والدلالة.

ـ الأفعال تتجاور مع بعضها في مساحة الجمل وتتابعها لتملأ المدونة على الرغم من تعارض بعضها لبعض.         

ـ التخالف يساوي التعـارض ويرتب تركيباً نسقياً لعلائق التسلسل الإشاري.         

يمكن ترسيم التجاور بحسب تسلسل الأفعال في رقعة المشهد على أساس الرتب السردية ليكون الآتي:         

يقول الأب أين الولد يا ديّامة/ تجاور/ أنت تتوهم يا أبي. 

أما زال يجلس على سطح المعبد/ تفسر/ منذ زمن وأنت تتوهم.

ليس عندك من قوة بصر/ تقوّض/ انت تتوهم يا أبي.         

لا تلاحظين تحركاً لا يتجاوز الإصبع/ تخالف/ يتجه إلى الزريبة.

إذاً هذا التجاور والتخالف أدى مهام سردية، تراصفية، وأُخـــرى تفسيرية، وثالثة تقويضية، ورابعة تعارضية. بمعنى أن القول اللغوي حقق شروط الخطاب في مضامينه التتابعية، بالجوار والمخالفة/ اللتان ساوتا/ قوى التوزيع والسياق، ثم التأشير 2ـ علاقة التناصات (التحايث)/         

التناصات التي نعنيها هي، أن الجملة تنقل محايثها (المعنى) إلى جملة أخرى بما يديم علاقات تماسك المشاهد وفضاءاتها، ومن ثم تنتقل بالمضمرات الإشارية إلى أفق مفتوح من حيث الإزاحة ومرجعية السياق.

نريد ان نبين، بأن الجملة تحتمل وجود محايث لها من داخلها إلى خارجها الذي هو سياقها المصدري (المجتمع).         

وقد ينوجد محايث آخر من النمط المرجعي للنوع.

[كانت ليلة هائجة تنثر الكائنات الخفيفة من أرض إلى أرض. والريح الصافية تفرّق ذكر الذباب عن أُنثاه، والقبّرة عن صغارها. وينسى الكلب الكلبة فيلوذ ببعض الحيطان.

تأملت قبضة فأس الحطب وتأملت رأسه، فوجدت علاقة حميمة بين الشيئين.. فقاربتهما. وانتفض الجسد إلى الأعلى، دار دورة اللولب ثم سقط قرب الباب يوزع دمه في أنحاء الغرفة. ثم جاءت تجربة السكاكين الحادة المعلقة بمسامير خشبية. قطعت زوجها قطعاً صغيرة.. ثم قطعاً أصغر.. وضعته في الكيس مع بقايا قشور البصل، وغمسته في النهر]([6]).                                                               

هذا المشهد سبقه مشهد غريب ذلك هو قطع الحداد، أبو تفاحة، لخصيته المريضة بسكين..          

كذلك كانت العملية تشبه القتل.        

تفاحة ذبحت زوجها مـتَّبعَةً خطى أبيها في الصلف وقوّة الإرادة وقوّة الفعل.

 المشهد أعلاه يستثمر تناصات معكوسة من المجتمع إلى النص، وفي مشروع الرواية، نتوقع استهدافها لانتقال السلوك النصي إلى السلوك الاجتماعي..                                  

 تندرج التناصات ـ عموماً ـ على الوجهة الآتية/ 

ـ الابن على سر أبيه/ تتناص مع/ قطع الأب لخصيته.

ـ قطع تفاحة لرأس زوجها ـ ابن الحداد حداد/ تتناص مع/ أدوات القتل لدى الحداد وابنته تفاحة.               

ـ القوّة تلين الحديد/ تتناص مع/ قوى الحزم لدى القصاب والحداد والمرأة المسترجلة.

ـ القبض الحميم قبض رؤوس/ تتناص مع/ قبض رأس الفأس، قبض الرأس المحموم، قبض رأس العضو الذكري. 

ـ شجاعة النساء في اللعب على السكاكين/ تتناص مع/ لعبة التقطيع إلى صغائر سكاكين تفاحة. 

ـ قشور البصل لا تنفع ولا تضر/ تتناص مع/ فعل اللامبالاة بجـسد زوج تفاحة.                

ـ المندائيون بركة الماء/ تتناص مع/ تغميس تفاحة لجسد زوجها بالماء.                

ما الإشارات التي بثها التناص المتحايث أعلاه؟ 

إنها/                   

1ـ رد فعل القسوة في التربية يكون مدمرً لحياة المستقبل

2ـ التربية باتجاه تربية العضل تولد نزعة الجريمة.

3ـ القسر بالزواج يعطي نتائج استسهال أنهاء الحياة للمرأة والرجل، فقد يقتل الزوج زوجته، وقد تقتل الزوجة زوجها.  

4ـ سر التشفي في القتل مثل سر التعود على شرب الدم البشري. 

5 ـ ظروف المناخ والبيئة والمجتمع خلقت طبيعة اجتماعية ونصية لحدوث حالة العدمية الوجودية والنفسية للمشهد المروي.

يمكن القول بإيجاز: أن هذه الفواعل والأفعال أوجزت مهام علائقية تخص المشهد وطريقة رويه، وكذلك تناصاته، لتوصل فكرة مفادها (أن المحددات الذاتية ليست سوى تهشيم اجتماعي انتقل من علائقه المجتمعية إلى العلائق النصيّة فصار إطاراً بمستوى داخلي لبؤر حركة السرد في مشهد الرقم (6) من رواية (قوّة الضحك في أُورا)، على الأخص. 

3ـ العلائق الدلالية المخمنة 

في كل مشهد روائي لن يغيب الحضور لكائنات العناصر السردية الضامنة لتشعب الدلائل، إذا كان المروي ذا جودة مناسبة من حيث حيوية اللغة والأسلوب والفكرة.       

ولسوف يتهيأ القول لأن يشع دلائله المزاحة من المظهر إلى المضمر المخمّن للمعنى المبتغى لصوغها.

أن التعقيد الدلالي المظهري سيتبعه تعقيد دلالي مخمّن يزيد متعة التحدي القرائي.. 

أرى من المفيد أن نرتب مضامير سرد المشاهد القادمة بحسب توزعها الرتبي كوحدات جزئية تتوالى متجهة نحو غايات ونهايات القول ضمن التوالي السردي للمدونة.     

لنتابع/

*[يتبدل الوجه لحظة اللمس إلى وجهين ينافسان بعضهما في الحضور.                                 

                                                        ـ قوة الضحك في أُورا، ص67]                     

ـ دلائل العموم: المعنى العام يدور حول مخمنات من المعنى المبثوث في:             

ان وجهاً تعرّض لّلمس فصار وجهين متخيلين مجبولين على غرس الهيام، كل واحد فيهما مشكلة لوحدها من الوجد/ الدلالة/ تبدل الهيئة.

ـ دلائل الخصوص: إنها المخمنات التي تفيض بـ/   

+ فتى وفتاة تماسا بوجهيهما فصارا وجهاً واحداً منقسماً إلى بسمتين وقبلتين وصورتين/ الدلالة/ التماس. 

+ وجهان جيء بهما من مغيب الذكرى إلى البديل في التخيّل/ الدلالة/ المجيء.                

+ وجه واحد بين كفّين مُحبَين تحوّل إلى قلبين مضطربين نهمين لشعاع الشوق/ الدلالة/ اللحظوية.

+ وجه واحد كان حاضراً فزاد بهاه بلمس يد الحبيب فانقسم إلى ضوءين من الجمال والعجب/ الدلالة/ التخيل. 

+ بكارة حضور وجه الفتى، وشروق وجه الفتاة استزرعا الوجود بمطلق فطرة المتعة/ الدلالة/ التنافس.  

عندما نجمع (دلالة التماس مع دلالة المجيء مع دلالة اللحظوية مع دلالة التخيل مع دلالة التنافس) سيتولد لدينا مضمر نصي مخمّن يوضّع هيئة قرائن تحيل إلى تخمين باطني يوازي الأصل. 

*[يسكبان بلا مقدمات حلمية، دفـقة من الشعور الهائل فيما يخص قوّة الشيء ونسيان الزمن.                   ـ قوة الضحك في أُورا، ص67]                                                                    

دلائل العموم: هي دلائل يخمنها المحتوى الآتي:

تدفق محمول اللذة بانذهال مطلق يفجّر القوّة في النشوى والتملك/

الدلالة/ الاندماج الجسدي.

ـ دلائل الخصوص: يمكن تقصيها في: 

+ انسكاب التلذذ بلا حلم وصولاً إلى الانفلات في الرواء من غير حدود ولا شروط/ الدلالة/ الفوضى.

+ غياب الحلم والشعور وغياب للشيء والزمن والفعل والحس/

الدلالة/ قوّة النسيان. 

+ التضخم العاطفي بدد نظام العشق البدائي/ الدلالة/ الهولوية.

+ لا زمنية قدرية جس اللاوجود قـرّبا هيئة العاشقين من المحو/ الدلالة/ التدفق اللذائذي.

+ جمال العشق يندمج بعناصر الفن الجليل في تبادل لذة القول واللمس/ الدلالة/ عشق لحضور الظل (الشيء).

جمع دلائل الخصوص ينتج نصّاً موازياً يبطن الأصل مفاده، الذهال في الرغبة لنشوة مطلقة الرواء.

*[قوة الضحك بعد الحصول على... شرود شبيه بالتبخر. يذهب الكلام، تذهب الأماني الصغيرة في الحصول على... ويبدأ الاستغراق.                                   

                                                           ـ قوة الضحك في أُورا، ص67] 

ـ دلائل العموم: تُنْجَزُ في الآتي: الحصول والشرود يذهبان بالأماني نحو الانغمار بمتعة البحث عن القبلة والمضاجعة/ الدلالة/ نقاط الحذف.

ـ دلائل الخصوص: تتضمن المخمنات الآتية:

+ القوة ارتقاء لذة القُبَل سريعاً بسرعة التبخر، والصمت يحلو بغمرة الشجن/ الدلالة/ الضحك الذاهل عن الكلام. 

+ توقف البوح ووقتية النفع الجسدي يؤجل صغائر المحمولات من الضحك المبكي/ الدلالة/ الشرود. 

+ لا قوّة للمسرّة بوجع الذهان وضياع القول واستحضار الذكرى/ الدلالة/ الفقدان.                             

+ قـوّة التحصيل في تفتيت الرغبات وإهمال التعبير عنها/ الدلالة/ التوزّع.              

+ الرجل الراوي المؤلف يسرد أمانيه بولوج تـخـيـل جـمال الحذف بالغياب/ الدلالة/ الاستبصار. 

دلائل الخصوص تلك، بجمعها نحصل على قرينة/   

(القوّة تمويه للرغبات الحاضرة الغائبة بمطهّر القُبلة والمضاجعة).    

*[فلا أتأكد من وعيي حين أتأكد من وجودي حتى أُحاصره بكفي. أُقبّل الظل.. شيئاً عزيزاً. سنفترق بعد ساعة مثلاً. فراق الوجه بصورة دائمة. الفراق، منذ زمن، كلمة للتعبير عن أشياء كثيرة، ليست أبداً كخسارة المال، ولا خسارة الروح.. بل بمعنى أننا نعيش حياة ناقصة.                      ـ قوة الضحك في أُورا، ص67] 

ـ دلائل العموم: تتمثل بالآتي:    

الوعي بالوجود مثل التمسك بالظل، وهما غرق دائم في ماهية حياة تفتقر لعناصر وجودها/ الدلالة/ الانتفاء الكلي للسعادة في الوجد.

ـ دلائل الخصوص: تتمثل في الآتي:    

+التقبيل الموهوم بالوجود يقرّب النفس من جفاف طاقة الحياة/ الدلالة/ الخسران.                   

+الاعتزاز بالشيء ـ الوجه ـ مثل فراق سريع / الدلالة / دوام التعبير عن اللا شيء.    

+غياب لغة التعبير عن الوجود الحق غياب عن الوجود في المجهول/ الدلالة/ محاصرة الظل.

+العيش من أجل تقبيل الظل ذوبان في ضياع أزلي لمعنى العيش/ الدلالة/ فعل الكف.   

+سردية القول عن الفراق مظهر من مظاهر ذاتية الراوي الذي يبث المكنون التدويني لصيرورة الوجد/ الدلالة/ الوعي غير المؤكد.

بذات الطرق الالفة يؤكد مبدأ التخمين الدلالي صحة قراءة تشتت الوعي بين ماهيات الوجود الفقير.                                                                  

*[أشعر أنه سيذوب حالما أضع يديّ، غير أنه يزداد حضورا وإشراقاّ، ويتسع ليحتل مساحة المكان فأضطر أن أباعد يديّ لأحتويه، بسعة مساحة الحائط. طالما أنساه حين أتعمد ذكره.                                        ـ قوة الضحك في أُورا، ص67]

ـ دلائل العموم: تتمثل في:

ذوبان الوجه بشروق وحضور في مكان ما من الذاكرة يدفع بالتخيل لأَن يستوعب العشق بحضن سعته بسعة الحائط/ الدلالة/ تشتت الظل على ظُلة الحائط.                                                                  

ـ دلائل الخصوص: تتمثل في:

+الشعور بوضع اليد على ظل الشروق الذي يملأ الصدر بالعنفوان/ الدلالة/ الاضطرار.

+احتلال الظل للمكان يؤلف خللاً في الذوبان والاحتضان/ الدلالة/ الاحتواء.            

+ملازمة التذكر للنسيان التباس في الحس والتصوّر/ الدلالة/ غيبة الحضور.              

+تباعد الأيدي لأجل طي الذكرى/ الدلالة/ سعة الظلال على الجدار.

+التوق للجمال والعشق جعل المدوِّن يسير بالسرد جهة التضليل التذكري/ الدلالة/ ملازمة التحول الزمني للتحول النفسي.

يؤكد مبدأ التجميع التخميني الدلائلي الخاص، بأن عقدة التخمين هي التماهي بين التشتت والتخيل.

ملخص ما أسلفنا هو متسلسل التوابع الشكلية الآتي:

وصف الهيئة/ يؤدي إلى/ ذهال التلذذ بالعشق الذي/ يؤدي إلى/ تمويه الرغبات بمحذوفات النقاط التي/ تؤدي إلى/ تشتيت الوعي بين ماهيات عناصر الوجود الذي/ يؤدي إلى/ استيعاب التشتت بالتخيل.                                      

4ـ العلائق التداولية (التواصل في استعمال اللغة)/

يقول الدكتور سمير الخليل في كتابه مقاربات نقدية لنصوص حداثوية:"يُجمع تحت اسم الدلالية توجهات متعددة أساسها مميزات استعمال اللغة للمحفزات النفسية لدى المتكلمين وردود أفعال المتلقين وأنواع الخطاب الاجتماعية وموضوعات الخطاب كمقابل للطابع النحوي ـ نقلاً عن السعيد بوطاحين" ([7]).

ويقول في الكتاب ذاته: " أن القواعد التداولية تعلن عن شروط خاصة للتأويلات التي لها علاقة بالعلامات وبهذا يوجد مكوّن تداولي في كل القواعد لكن التداولية تقوم بتحريف التأويل بما ينسجم مع المتكلم والمخاطب وظروف الخطاب" ([8]).

إن سيرورة التداول ذي الرؤية البعيدة بتكثيفها للمعاني والدلالات المقدرة للجمل يسمح بتعامد هذه المكثفات وتراكمها لتتهيأ للقارئ مساحة صغيرة ذات قدر متعاظم من المعاني ما يضعه أمام انشغالات ولذائذ تبيح قدراً من الإنتاج التأويلي. ولسوف يكون متحفزاً لاتخاذ موقف (مع أو ضد) رؤى الكاتب، ومن ثم ينتج مؤلفه الخاص، وهو الهدف الأسمى من القراءة والكتابة كلتيهما.                                

من الممكن تنسيق عمل التداول على أساس القدر التأويلي لحالات عدة منها/ تداول المجاورة، تداول الصياغة، تداول المَجاز، تداول التلخيص، تداول الشَعرنة للوحدة الروائية (جزئية مشهد)، تداول التقنيات، تداول التبسيط. 

سنتقيد بالخمس الأُول لمساسها المباشر بمقاصد التدوين الروائي الذي بين أيدينا.                

ـ التداول بالصياغة:   

الكثير من المشاهد تأخذ لنفسها ذاتية صياغية تمكّن الفرد من جس نبض ما بعد الحداثة..

لننظر/   

[العاصفة تهدأ فيبقى المطر. يقظان، مكتمل البديهة. يلكزه حدس عصب الشم؛ فضيلة من فضائل البريّات. حدس عصب السمع، قدرة أُذني الفرس. حدس عصب البصر، بصر المرأة التي رأت أشجاراً تمشي فلم يصدقها أحد.]

(12) جملة، منها جملتان فعليّتان فقط. هذه أولى مظاهر الصياغة، والمظهر الثاني هو، الترتب الخيطي والخطي من البدء، بجملة برقية، باتجاه البؤرة الأخيرة من القص (المعرفة بحاسة اللمس اللامرئية)، إما المظهر الثالث فهو، الإهمال الزمني المتعمّد، بينما المظهر الرابع قد تقصد التعبير بالحدس، فيما المظهر الخامس وضّح التسبيب المتبني للترابط الجملي (قصديّة الصوغ).

هذا كله صيّر الترتيب الصياغي لارتبياّ، إلّا من باب الصواب النحوي. 

مثل هذا الصوغ يحقق أهدافاً إبلاغية عديدة منها/   

× تمكن الأسلوب من التأتي بالقارئ، كأنما هو أمام قصيدة نثر.

× استثمار طاقة اللغة لأجل زرع الفهم، موزّعاً على كل جملة، وشبه جملة، مستقلّة.  

× الترابط المتخفي وراء نثر العبارات أوجد خصوصية صياغية معنوية باتجاه تماسك السرد، ولولا ذلك لصار المشهد جملاً لا تداولية، وليس لها قيّد صياغي.

ـ التداول بالتجاور:    

هو جزئية يحققها التدوين على وفق الاشتراطات الآتية/   

× تجاور الجمل تجاوراً للتسلسل المنطقي لفكرة التدوين الروائي.

× تجاور الجمل تجاوراً نحوياً.

× تجاور الجمل تجاوراً مضمونياً. 

÷ حيث أن الروائي يضع الأشياء الفطرية في حركة مستساغة من قِبَل القارئ، خـاصة في (المطر يولد الرائحة، الرائحة تولد اليقظة، الرائحة واليقظة يولدان اكتمالاً بيئياً. وبالاكتمال البيئي يتولد حـدس الشـم الدقيق، ومن ثم الحدس والشم يصيرا بَرّاً لحدس السمع، المقارب لقوة السمع لأُذني الفرس) الذي يحفز الاستبصار لاستذكار التخالط الذهني:

(الأشياء المحسوسة + اللا محسوسة = المعاني).  

÷ تلك السلسلة هي مهيئات لا ترتبط مباشرة في مواصفات التراصف والتجاور النحوي إلّا من خلال وحدة أهدافها في منطق المدونة الدلالي والبلاغي.                    

÷ تنتمي جميع مفردات الجمل إلى باطن مضموني متجاور بذواته في فهم أزلي هو: بيئة الطبيعة هي أم المعارف والفنون والحدوسات كلها.

ـ التداول بالإيجاز:   

الإيجاز رديف التكثيف والحصر واتساع الفكرة، وهو ما يحقق درجة كبيرة من الجودة، حيث تتجاور مصـوغات البث مع بعـضها، ثم تتراص في توجيه تأثيرها فيتلاحم المنسوج التدويني بتناسق متتام، ليصل الإيجاز حد المطلق الحدسي في التخيل والتعدد التأويلي ـ انتشاراً.  

ـ التداول بالتلخيص:

الملخصات آلية كتابة غاية في الضرر، غاية في النفع، حيث أنها تفرّط بالكثير من مجمّلات ومكملات العمل الكتابي، لكن أهميتها تقع في عدة مواضع منها/                        

*تقليل جهد العين القارئة.    

*إيصال المعلومات بسرعة تختزل زمن الكتابة والقراءة.   

*تعطي مجالاً لاستيعاب معلومات كثيرة بمساحة صغيرة، ومعارف مختلفة على رقعة كتابية واحدة أو ما يقابل ذلك من الشاشات.

*تيسير عملية التواصل.

*تسهيل عملية التصنيف والتفسير إلى حد ما.   

ومن مضار تداولية التلخيص/    

+ إجهاد عين وعقل القارئ بمعلومات ناقصة عن الموضوعات التي تهمه كثيراً.                  

+ اقتصار المعلومات على الفهم الخاص للناقل المُلَخِص لها، والذي قد يكون مغايراً للمقاصد التي وجدت من أجلها.

+ عدم إتمام عملية التواصل من خلال قصور الرسالة الملخصة، التي تختزل جماليات القول، وقد تضحي بمنافع القول أيضاً لأجل توفير زمن القراءة.

+ فوضى التنوّع في (الملخصات) قد يشتت اهتمام القارئ وبالتالي يقلل متعته وعزوفه عن القراءة.  

+ عملية التلخيص تساعد على عدم دقة الجدولة والتصانيف الإحصائية والنوعية.

+ أكثر الأضرار تقع في تسلط قليلي الكفاءة على منابع المعلومات، ومن ثم نسبها إليهم بدعوى التناص أو الاستثمار أو أية صيغة مموّهة من صيغ سرقة أفكار الآخرين، لننظر/

[... والآن هذه أولى القطرات.. وديّام يحتضن الحبل كالنائم. يعرف بحسه الفائق أن النعجة قد أفلتت ولا يمكن إخراجها من هذا المكان المهجور، غير أنه ينتظر الأوامر. ولا يدري أوليفر شيئاً عن الوقت الذي يجب أن تمكث فيه النعجة قبل سحبها من العمق. قال: يجب أن يكون هناك وقت كاف للتأكد. يمطه الفضول. وقال له: اِسحب الحبل على مهل. خزّن احتياطياً من القوة لأجل السحبة الأولى، فانتفضت يده في الهواء. التفَّ الحبل، وبعد ثلاث، ثم أربع سَحبات، سقط أوليفر في الإغماء، إما ديّام فلم يلاحظ مثل هذا.                                                         

قال: يا يسوع!! وسقط في الإغماء. وقال الآخر: يا محمد.. وظل حائراً يوزع نظرته المندهـشة بين المدير الساقط وبقايا الأمعاء في نهاية الحبل] ([9]).       

الملخّص                                                                                                      

يُنقل عن الراوي: أنه وضع أولى خطوات فشل عملية التلصص على آثار أُورا من قِبَل الإنكليزي أوليفر، عندما أمر بإنزال نعجة، مربوطة بحبل من الوسط، إلى قعر بئر أثري، ومن ثم أمر ديّام بسحب الحبل، بعد أن تأخذ النعجة وقتاً في النزول للتعرّف العفوي، وحين سحب ديّام حبله عدة مرات خرج خالي الوفاض إلّا من أمعاء النعجة، مما جعل أوليفر يسقط مغشياً عليه.                                          

التطبيق  

أ ـ التطبيق الإيجابي/                 

1ـ من جهة القراءة: الأصل قد يحتاج إلى (5) دقائق تقريباً مع التأمل القصير.

ـ الملخص يحتاج (3) دقائق تقريباً مع التأمل القصير.

2ـ إيصال المعلومات: عدد كلمات الأصل (104) كلمة بينما عدد كلمات الملخصي الحدث ذاته مما يعني سرعة زمن الحصول على المعلومات بالمقارنة مع الأصل.                 

3ـ الاستيعاب: الملخص أعلاه له مَكَنَة أن يُضاف إليه موضوعاً آخر دون أن يؤثر هذا على مساحة عرض المكتوب الملخص، أو جهد القراءة، بالمقارنة مع الأصل.

4ـ التواصل: الملخص يداول المعلومات مع منافعها دون حاجة القارئ إلى ذكاء خاص في التفسير، على العكس من المدون الأصل.

5ـ التصنيف: مثلما هي الحالات الإحصائية في الجداول يمكنني إجراء مفارقة مقارنة بين النصين لتبيان صعوبة وسهولة التصنيف.

 

محتويات المشهد الأصيل

محتويات المشهد الملخّص

102كلمة

64كلمة

16نقطة توقف

3نقاط توقف

5 فوارز

5 فوارز

4علامات تعجب

لا توجد علامات تعجب

                                                                                                         إن التصنيف يوضح بأن الملخص أيسر من الأصل في حصر وإحصاء خصائص الكتابة بسبب قلة كلماته ونقاط توقفه وعلامات تعجبه.

ب ـ التطبيق السلبي/ 

1ـ القراءة: الملخص يضر القارئ عندما يضحي بالمعلومات الجمالية والتأويلية مثل:

ـ عدم التطرّق إلى المطر وتناصاته الاستعمالية.    

ـ عدم الإشارة إلى حالات جر الحبل وما رافقها من انفعالات.

ـ عدم التطرّق إلى الخلاف العقائدي بين ديّام وأوليفر.

ـ الملخص ضحّى بحالة الدهشة والحيرة لديّام. 

2ـ الفهم: ربما قصد الكاتب في المدون الأصلي، أن هناك تعاونا دوليا لأجل الكشف عن آثار أُورا، لكن الملخص يوجّه إلى أن بحث أوليفر نوع من السرقة للآثار الآشورية، وليس غير ذلك.. وهذا يعني أن الملخص ينحرف نحو الـمـبتغى المعكوس للمشهد.     

3ـ الجمالية: الملخص افترق بشكل صارخ عن الأصل من هذا الجانب، فلم يضع علامات تعجب ولا نقاط فصل أو وصل، إلّا قليلاً، ولم يشر إلى حالات ديام في خوفه وتمنعه ولا لحالات الصبر على الفشل عند أوليفر وديام، ولا لمؤولات وجود النعجة، أو مجمل مقاصد البلاغات والإبلاغات الواردة في المشهد، ولا إلى حالات الغمز عن المدير الساقط، ولا إلى الفرق الحضاري الأوروآسيوي...               

كما أن الملخص أهمل جماليات الصوغ اللغوي كلها تقريباً.  

4ـ تعدد الملخصات: بمثل حالة التلخيص الفائتة يمكن تلخيص أقوال أُخر من الرواية، لندّعي أنها الملخص الكامل للرواية، ومن ثم سيصير لدينا رواية منحرفة عن الأصل تماماً، ولنا أن نتصوّر مقدار الضرر الذي سيلحق بالمدونة الروائية بفعل التلخيص المفترض.   

5ـ عدم دقة التصنيف: التلخيص أعلاه جعل الأرقام توحي بقصور الكاتب وقلة كفاءته، بحسب الجدولة الرقمية السابقة، التي تبين مضمون الاستعمال اللغوي، بينما الحقيقة، أن النص مناسبة جمالية موحية بالكثافة الفنية للفعائل والصوغ والتأويل، ثم الانحياز للحيوات البشرية والحيوانية!                                           

6ـ سرقة الجهد: بين الملخص والأصل بون شاسع في الأسلوب والعبارة، فلو ادعيت أنه لي، بعد إجراءات بسيطة، ليصير قصة قصيرة ـ مثلاً ـ، فلن يعترض أحد عليه، بينما واقع الحال، هو سرقة لا تناصاً ولا استثماراً.            

ـ علائق شَعرنة المفردة السردية

القول السـردي يحمل شعريته بأدائه الدرامي، وبصوغه اللغوي، لكن شاعرية الروي تأخذ ـ بحسب ما نرى ـ بالحالة الانفعالية في الانحياز إلى قيم الخير، والذاتية، والإنسانية، والأنسنة. والأخذ بموجبات الوجود...

في المشهد الآتي سنجد كل جملة فيه مع المكملات توظب السرد لوظيفة شَعرنة انفعالية، كأن الجملة مفردة لفعل نفسي يقرر حالة متفردة لجزئية من قصيدة نثر. لننظر:

[يرى الأغصان قرب الحائط دانية من الأرض.

تلمّ أوراقها الملعقية ثقل القطرات،  

تلامس الأرض في بعض المناطق،

تلين وتنفتح كالحظ السيء   

والسمعة التي صعدت مع صعود رشق الطين على السور، في بعض المناطق..

ستخص حادثة الليل فماذا سيحكي للعربان؟] ([10])


التحليل جدولياً

سنقيم ما يشبه التقابل لنثر غـطاء الـشِعـر عند أعتاب القصد السردي بالشكل الآتي:

جملة الحدث

 السردي

المقابل الانفعالي

القصد الدرامي

 المشَعرن

الأغصان دانية

من الأرض

التوهم بأن الأغصان عاقلة

وتدنو بقصد إلى الأرض

الأغصان حزينة من

 أقدام وأيدي المارّة

عليها

الأوراق تلمُّ

ثقل القطرات

الإحساس بأن الأوراق تَعِبة

مثل البشر من الثقل

المضني على رقتها

أن الراوي مثقل مثل

الأوراق

تلين كالحظ

السيء

التصوّر بأن الأوراق تندب

حظها العاثر مثل البشر

الراوي منكفئ ومهزوم

وخجل من حظ البشر

الذي أزجى سوءه إلى

 الأوراق

تصعد السمعة

مع رشق

 الطين على

السور

سمعة سوء حظ الراوي

رشقة طين سيء الوجود

والمظهر

سمعة الشجر قدرية مثل

 سمعة بواكير البدء

 البشري

حكي الليل

حادثة مجهولة

على لسان

العربان

القص انعتاق متماه مع

ضلالة حكي الحوادث

المجهولة الأصل

تقاطع بيئة الليل مع متعة

الكلام عن مجهولية

قصص سرّاق ليل

الحضارات

 

 

 

 

 

                                                                                                        

قوة الضحك في أُورا، رواية حسن مطلك ـ أجدها ـ من أوائل الروايات التي صممت هموم الفرد الشخصية كهموم ثقافية عُليا في مُثُلها القيمية والفنية، هي من الروايات المهمة في أسلوب شَعرنة المفردة الروائية بطريقة طريفة طريّة لا تغلّب الشعر ولا تضحي بالسرد، تجمع الفطري والفني والانفتاح التداولي في مدونة ـ أيقونية ـ من مسبوكات جديدة جدية مستقبلية، لعلها، أول رواية عراقية تتقدم على زمنها عشرين سنة لاحقة.                         

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشرت في صحيفة (الزمان) العراقية، الطبعة الدولية، العدد 5534 بتاريخ 26 أيلول/ سبتمبر 2016

https://www.azzaman.com/archives/pdf/pdfarchive/2016/09/26-09/p9.pdf

وفي العدد 5535 بتاريخ 27 أيلول/سبتمبر 2016

https://www.azzaman.com/archives/pdf/pdfarchive/2016/09/27-09/p9.pdf

وفي كتابه (تكنو- ثقافة: الرواية في التداول المعرفي)، دار أمل الجديدة، 2018 الأردن



[1] د.الخليل، علاقات الحضور والغياب في شعرية النص الأدبي ـ مقاربات نقدية، 2012، ص10

[2] مطلك، رواية قوة الضحك في أُورا، ط2، 2006م، ص21  

[3] مطلك، رواية ثوة الضحك في أُورا، ط2، 2006م، ص22

[4] مطلك، رواية قوة الضحك في أُورا، 2006، ص22

[5] مطلك، رواية قوة الضحك في أُورا، 2006، ص41

[6] مطلك، رواية قوة الضحك في أُورا، ط2، 2006، ص63

[7] د.الخليل، مقاربات نقدية لنصوص حداثوية،2013، ص54

[8] د.الخليل، مقلربات نقدية لنصوص حداثوية، 2013، ص54

[9] مطلك، رواية قوة الضحك في أُورا، 2006، ص 94

[10] مطلق، رواية قوة الضحك في أُورا، ط2، 2006، ص123