23‏/12‏/2022

حسن مطلگ.. الذي صدم التاريخ بالجغرافية/ فالح حسون الدراجي


حسن مطلگ.. الفتى الذي صدم التاريخ بالجغرافية..

وعبث بأنظمة الانقلابات العسكرية!

فالح حسون الدراجي

افتتاحية جريدة الحقيقة

‏سألت ابن صديق لي، تجاوز الثلاثين من عمره، حاصل على شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية، فضلاً عن كونه من أسرة تهتم بالأدب والصحافة والسياسة، قلت له: أتعرف حسن مطلگ؟

‏فقال لي: لا، أهو نائب في البرلمان؟

‏لم أجبه، لكني التمست له العذر، لصغر سنه، خاصة وأن إعدام حسن مطلگ جاء في السنة ذاتها التي ولد فيها هذا الشاب!

وقلت في سري "لأجرب مع شخص أكبر منه".. وهكذا توجهت بسؤالي إلى أحد المعارف الذين تجاوزوا الخمسين من العمر، وهو محامٍ، وله متابعات طيبة في الثقافة والاعلام، وسألته السؤال نفسه، فأجابني بالنفي أيضاً.. ثم سألت شخصاً سياسياً (محترفاً)، تجاوز الستين من عمره، عن حسن مطلگ، فقال باسترخاء وهدوء: أظنه

لاعب كرة سابق!

‏وسألت شخصين آخرين السؤال ذاته، ولم أحصل منهما على أفضل مما حصلت عليه من قبلهما!

فأوقفت هذا الاستطلاع العقيم، والمؤلم.

‏ولا أخفي عليكم، فقد شعرت بالإحباط واليأس والندم على ما فعلت، بعد أن تكشف امامي أمر لم أكن أريد معرفته والاصطدام بقسوته، واقصد به جهلنا، أو عدم اكتراثنا بما نملك من كنوز ومنجزات ونجوم عراقية لامعة.. ولعل المصيبة الأعظم، أن ملايين من العراقيين يعرفون شخصاً اسمه (جوجو…..!) ولا يعرفون البطل عبد الواحد عزيز صاحب الميدالية العراقية الوحيدة في تاريخ الاولمبياد. ويعرفون سعدون الساعدي - مع احترامي - ولا يعرفون (محمد خضير)، وهناك من يحفظ عبارات عديدة من اقوال (الاستاذة) بنين الموسوي ولا يحفظ بيتاً من شعر الجواهري.. ناهيك من جهلنا بمآثر شهداء العراق، الذين ضحوا بحياتهم من أجل ان تعيش الأجيال العراقية بكرامة وسلام.. إنه أمر مفجع حقاً، وإلا كيف أصدق أن خمسة أشخاص يمثلون خمسة أجيال عراقية، من ثقافات وتخصصات ومستويات علمية مختلفة، يجهلون كلهم شخصاً مثل حسن مطلگ أو (لوركا العراق)، كما كان يسميه الكثيرون، خصوصاً بعد النهاية المتشابهة لكلا الشاعرين! لا يعرفون حسن مطلگ، الفتى الذي عبث بأوراق التاريخ، وغيّر شفرات الجغرافية، وأخلّ بنظام الانقلابات العسكرية، وادخل بموهبته الإبداعية، كل العالم، في مغارة خرافية أشبه بمغارة علي بابا، ثم مضى الى أبديته حاملاً معه كلمة السر التي بها وحدها تفتح اقفال بوابة تلك المغارة العجيبة!

نعم، فأنا لا أصدق أن ثمة عراقيين لا يعرفون حسن مطلگ، وهو الشاعر الذي أدرك بصميمية عراقيته، أن نظام صدام الذي أهان البلاد وأباد العباد، لن يرحل (بالعيني وأغاتي) أبداً، إنما يمضي فقط بالمواجهة والدم لاغير، لذلك وقف بطول قامته وقال للثوار: أنا معكم.. وهذا دمي زيتاً لبنادقكم...!

وأصدق القول، فقد مضى دمه ممتزجاً مع دم الثوار في الحركة الجسورة التي كادت تقتلع نظام صدام، لولا وشاية أحدهم في الساعة الخامسة والعشرين، أي قبل الثورة بيوم واحد!

حسن مطلگ الولد الوسيم، والشاعر المرهف، والرسام الهادئ، والروائي المختلف، الذي هزّ الوسط الروائي العربي بروايتين: الأولى اسمها (دابادا) وقد صدرت طبعتها الأولى عن الدار العربية للموسوعات في بيروت سنة 1988، وهذا يعني ان حسن - الذي اشتغل عليها خمس سنوات- قد بدأ الكتابة فيها وعمره عشرون سنة. ولعل الشيء المهم هنا، أن الطبعة الثانية لهذه الرواية قد صدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في القاهرة سنة 2001، وهذه الهيئة لا تطبع طبعات ثانية أو ثالثة لعمل أدبي ما لم يكن عملاً كبيراً، حقق نجاحات فنية وتوزيعية مميزة، وأثار جدلاً واضحاً في الاوساط الثقافية.. كما طبعت الرواية طبعات عديدة اخرى..

لقد عدّت رواية (دابادا) من أهم الروايات العراقية التي ظهرت في نهاية القرن العشرين، باعتبارها " رواية مختلفة بكل المواصفات".

لقد قال جبرا إبراهيم جبرا عنها:" إنها رواية غير عادية، فهي جديدة وكاتبها شاب جريء". وقال الروائي عبد الرحمن الربيعي:" لقد أحببت هذه الرواية العصية، إنها رواية مختلفة، لا يمكن أن تذكرنا بأي عمل روائي آخر ولم تتعكز على إنجاز روائي سابق.. إنها رواية وحيدة ومكتفية بما حملت". وقال القاص محمود جنداري:"إن (دابادا) هي الكتابة بشروط الحياة". وقال الناقد د.عبد الله إبراهيم:"إنها رواية تستفز القارئ وهي تتصدى لقضايا كبرى، إن هذه الرواية ستثير إشكالات في مستوى القراءة ومستوى التأويل وستختلف الآراء حولها". وقال الشاعر صلاح حسن:" إنها الرواية العراقية الوحيدة التي ظهرت بهذه السمات المميزة.. إن (دابادا) هي حقاً رواية عراقية متميزة، وفيها من التجديد ما لا يمكن إنكاره على الصعيدين البنائي والمضموني، حيث يمكّناها من الوقوف إلى جانب الروايات العظيمة".

لقد فجر حسن مطلگ برأيي مخازن الرواية العراقية والعربية التقليدية بقنبلة (دابادا)، فاذهل بها الوسط الثقافي، مما دفع القاص كريم شعلان الى ان يقول:

"أتمنى أن يقرأ الجميع (دابادا) رواية الكاتب العالمي جداً حسن مطلگ ونافذته على فجر الرواية العربية". كما قال الشاعر والقاص عبد الهادي سعدون:"إن رواية دابادا قد خلقت وأثرت في جيل كامل من الأدباء الشباب".

إن ما فعلته رواية دابادا، بتميزها وتفردها وخصوصيتها، جعل حسن مطلگ يحلق بأجنحة الحلم في فضاء العالمية، ويفكر بجائزة نوبل جدياً - كما دون ذلك في يومياته التي تحدث عنها شقيقه القاص محسن الرملي- ولم لا، أليس الحلم مفتاح باب المستحيل؟

لكنّ صدام حسين الذي حرم - مؤكداً - العالم من منجزات هذا المبدع الكبير، قد حرم - ربما - العراق أيضاً من جائزة نوبل!

وبحسبة بسيطة نستطيع معرفة فداحة الخسارة التي الحقها بنا صدام ونظامه الدموي، إذا ما عرفنا أن حسن مطلگ استشهد وهو في التاسعة والعشرين من عمره، وقد أنجز في هذا العمر القصير كماً واسعاً ومنوعاً من الجمال والابداع المميز الثر، فقد كتب في تسع سنوات، روايتين مهمتين جداً، ومجموعة قصصية، ومجموعة شعرية جميلة بعنوان الاقنعة- أنا وانت والبلاد- تضم 21 قصيدة، مع 10 تخطيطات من تخطيطاته الشخصية. وكتاب العين إلى الداخل - وهو كتابة حرة، يوميات وقصائد) اضافة الى كتاب الحب.. ظَلالهن على الأرض، وهو كتابة حرة ومُذكرات- ناهيك من منجزه في الفن التشكيلي، والخط العربي، ورسم الكاريكاتير، لاسيما وأنه أقام معارضه الفنية مبكراً، وتحديداً، معرضه الشخصي الأول الذي اقامه سنة 1983 في جامعة الموصل ثم تبعه بمعرض آخر تضمن ثلاثين لوحة رافقت قصيدة طويلة للشاعر سعيد الغانمي تحمل عنوان "طائر الفينيق"، إضافة إلى تصميمه للعديد من أغلفة الكتب، منها غلاف (النزلاء) وهي الرواية الأولى لـحميد المختار، ومعرض مشترك لرسوم الكاريكاتير مع الفنان أكرم الياس سنة 1985.. وله أيضاً منحوتات واعمال نحتية مختلفة.. الم أقل لكم ان حسن مطلگ كنز من المواهب الفذة؟

والسؤال الذي يجب أن نطلقه في هذا المقال هو: كم رواية استثنائية كان سينجزها حسن مطلگ لو لم يعدمه صدام، وكم مجموعة شعرية، وقصصية سيتحف الدنيا بها، وكم معرضاً تشكيلياً ونحتاً مميزاً، سيقدم لنا لو عاش الى يومنا هذا؟!

ولكن هل اكتفى حسن برواية دابادا الشهيرة؟

طبعاً لا، فقبل أن (يصحو) الوسط الثقافي من صدمة (دابادا)، حتى حطت روايته الثانية (قوة الضحك في أُورا)، على ادراج المكتبات، لتشعل الساحة الثقافية بنار الجدل والسؤال والبحث والدهشة، فهذه الرواية لا تقل أهمية عن روايته الأولى (دابادا)، وقد جمعها شقيقه الدكتور محسن الرملي، من بين الأوراق التي تركها الراحل، " وهي تؤكد مرة أخرى عمق وقيمة مشروع حسن مطلگ وأهميته كروائي متميز، فمن بين الكثير مما تزخر به الرواية؛ نجد رؤية مختلفة عن السائد في تناول علاقة الشرق والغرب، حيث يطرح حسن هذه العلاقة على أرضية البعدين الإنساني والحضاري، موحداً بين الأزمنة، متخذاً من أرض عاصمة الآشوريين مكانا لحركة شخوصه، وقد كتبها مدفوعاً بعذابه لما يحدث".

‏إن الشهرة السريعة والواسعة لحسن مطلگ في الأوساط الثقافية العربية وحتى العالمية، بعد نشر رواية (دابادا)، انسحبت بالضرورة على جميع ما يخصه من مكان وعائلة وعلاقة، ومواقع دراسية واصدقاء، حاله بذلك حال الطيب صالح، بعد نشر روايته الشهيرة موسم الهجرة، حيث باتت قرية الطيب، (كرمكول) وبيته فيها بإقليم مروي شمالي السودان، محجاً للسيّاح يقصدونها من مختلف بقاع العالم، والشيء نفسه يقال عن السياب، إذ من سيعرف قرية (جيكور) لولا السياب الذي أضاءها بقناديل قصائده، حتى جعل الإنگليز وغيرهم يرونها ساطعة في أطلس الجغرافية، وكذلك فعل حسن مطلگ، إذ لولاه لما كان احد سيعرف مكان (السديرة) في العير او النفير ، بدليل أن قضاء الشرقاط نفسه، الذي تتبع له قرية السديرة، لا يعرف لحد هذه اللحظة، أهو تابع لمحافظة نينوى ام لمحافظة صلاح الدين!

لقد أعدم المجرمون حسن مطلگ قبل ثلاثين عاماً، واليوم نعدمه نحن بالنسيان والاهمال..

وقد أحزنني أمر العراقيين حين يجهلون حسن مطلگ بينما العالم يعرفه، ولما تغاضيت عن جهلهم، وقلت "ربما أنهم لم يقرؤوا الاعمال الروائية، أو لم يسمعوا به شاعراً، ورساماً ونحاتاً، لم أتغاضَ عنهم وهم يعلمون بانه ارتقى (مرجوحة الأبطال) عند اعواد المشانق، بسبب اشتراكه عام 1990 في ثورة 6 كانون المعروفة بحركة النقيب سطم الجبوري، التي نالت شهرة كبيرة، وقد ألقي القبض عليه، وحكم بالإعدام شنقاً. ولعل العامل الأبرز الذي دفعني للاعجاب بحسن مطلگ، هو وطنيته العالية، وكرهه للنظام الدكتاتوري، وشجاعته الفائقة، التي لا يعرفها عنه هذا الجيل ، والجيل الذي سبقه، والاجيال اللاحقة، إذ كيف لشاب مزدحم بكل هذه المواهب العالية، وهذا الجمال والشعر والفن والأحلام الخضر، بدءاً من حلم جائزة نوبل الى حلم مشروعه الابداعي في تأسيس الرواية العراقية الجديدة، والقصيدة البيضاء، وفي وسط كل هذه الزحمة والانشغالات، يجد لديه الوقت الكافي ليفكر، ويقرر - وهو المدرس والمدني والشاعر الرقيق- ثم ينفذ المشاركة مع ضباط في الجيش العراقي بانقلاب مسلح ومواجهة نارية مباشرة لإسقاط النظام الفاشي، فأي فتى مجنون هذا؟

شجاعة حسن وجميع الشهداء الذين معه، يقابلها جحود وتناسٍ حكومي وشعبي مبالغ فيه، عكس ما يحظى به الشهداء في امريكا، وأوروبا واليابان من تكريم وتقدير واستذكار عال، ولا اكشف سراً لو قلت إني لم ارَ بعيني بلداً يحترم شهداءه، ويكرم عوائلهم، ويقدس تضحيات ابطاله مثل تكريم إيران لشهدائها، والشيء نفسه رأيته لدى الشعب المصري، من ناحية الفخر والتباهي وتقدير المبدعين، فحين تسأل أي مواطن متعلماً كان او أمياً، عن أي أديب او فنان مصري، سواءً كان نجيب محفوظ أو شكوكو، أو كان محمد عبد الوهاب او احمد عدوية أو حتى شعبان (شعبله)، فستسمع بحقهم كلاماً منمقاً جميلاً، فيه مديح غير طبيعي، ومعرفة بكل مفردات حياة وعطاء هذا الفنان، مع باقة عطرة من الالقاب والصفات الفخمة عكس (جماعتنا)، إذ حين تسأل المواطن عن فنان أو شاعر عراقي، فسيرتدي حالاً نظارة بعدسة تكبير ليبحث لك عن اخطاء أو ما يظنها اخطاء لذلك الفنان أو الشاعر العراقي..

أذكر مرة، سمعت استطلاعاً اذاعياً في أحد أيام العيد، سأل فيه المذيع إحدى المواطنات العراقيات عن رأيها بصوت الفنانة (…….)؟

فقالت: والله يا عيني هاي المطربة ما تعجبني!

فقال لها المذيع: ليش؟

فقالت: لأن تارسه حلگها حمره!

فضحك المذيع وقال لها: شنو علاقة الصوت بالحمره حجية الله يخليچ، أريد رأيچ بصوتها؟ فقالت: عوع.. تتعيقل هوايه...

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشرت في صحيفة (الحقيقة) العراقية، العدد 2334 بتاريخ 4/12/2022م

*فالح حسون الدراجي: شاعر وإعلامي عراقي، رئيس تحرير صحيفة: الحقيقة.

قبر حسن مطلك

اِشتقتُ إلى الحرية من أجل الذود عن الحرية

أغار على وطني

22‏/12‏/2022

بناء عنوان دابادا / عدنان أبو أندلس

 

ركائز التقطيع لأساس بناء عنوان رواية

"دابادا" للراحل حسن مطلك 

عدنان أبو أندلس

صراحة تباطأتُ كثيراً في قراءة هذه الرواية من حيث كونها عصية على الإدراك، وحسب ما قيل:" لمسنا وبشكل مباشر صعوبة الفهم لرواية "دابادا"*1 من قبل القُراء العاديين وكثير من المثقفين"*2. نعم وجدت ذلك عياناً، ومن ثم هي لا تعطي نفسها بسهولة، لوجود مصدات نفسية مخترقة لفضائها الصاخب في الهدوء، وذلك التعالق النفسي والفلسفي الشرس الذي تستبطنهُ، ويموء في حبكتها كي ينفجر، ونقلات مقتطعة قصدياً أخذت شكل الترميز والتمويه والإبهام. لذا آليت على نفسي أن اخذ عنوانها، حصراً:" إن هذه الرواية شأنها شأن أي عمل إبداعي مُجد، لا يمكن تلخيصها، فتلخيص الرواية لا يُبقي إلا على الحكاية فيها"*3. حيث تجمعت هذه التكهنات سوية فكانت لي عائقاً من إكمالها. حقيقة رأيتها قد غرفت من شتى المناهج والمدارس بكل صنوفها، وقد انفتحت على مصاريعها تجاه النصوص والأجناس الأخرى.. حتى حسبتُ من دون إنهائها، وأيضاً بعدها لمزاجي المتقلب بين المضي أو الارتخاء حيناً آخر، لذا عزفت عن إكمالها رغم محاولتي لمرات عدة، غير أن أقلب صفحاتها الاستهلالية، وأركنها جانباً وأتخلى عن مقصدي، لكن هذه المرة عزمت أن أكملها رغم تململي منها، وقد حدث هذا، لذا تراني قد ارتحت هنيئة، غير أني لم أفك رموزها وطلاسمها المبثوثة في متنها كما كنتُ اتشهى.. حيث ابتعدت عن تأويلها وتحليلها غير أني تناولتُ "العنوان “بوصفه المدخل أو العتبة التي يجري التفاوض عليه لكشف مخبوءات النص الذي يتقدمه ذلك العنوان"*4. فهو بحد ذاته المستغلق الذي يمكن أن يُفتح رغم غلقهِ بإتقان محكم، وهو عتبة أولية ومفتاح للولوج لتلك الغابة المكتظة ودروبها غير المطروقة. لو ركزنا على اللفظ "دابادا" نراه بحد ذاته، من أنه بني بهندسة معمارية ورصفت حروفه بدقة، وثبتت على ركائز أساسية كدعامة من التشفير والألغاز ورصف حروف متعاقبة، وكذلك لما للعنوان من قيمة فنية في معرفة ما في متن النص، من استمكانات "للعنوان أهمية خاصة في توجيه النظر الى البؤرة التي تنكشف عندها خطوط الموضوع ومناحي القول فيه"*5 تحيلنا عنونة الرواية الى سماع الدوي البعيد بتعاقب انفجار حروفها المتتالية، هي حين نتلفظ مفردة "دابادا "وكأنها صرخة في فراغ العدم... يبدأ التقطيع لها من حيث التشكيل "دا "لذا يخال لنا بأنها لفظة طفولية بائنة من خلال الترديد والتلفظ، تحمل معها قوة صراخ مستعصية لا تحدها حدود أو عوازل، حيث الوحدة قاتلة للضياع، والنافذة مشرعة على الأثير لكنها لا تسع الصيحة المكبوتة بقوتها.  ومقطع "با" فقدان الأبوة في مرحلة فرز الأصوات الأولية، ربما، أي مرحلة بداية الصبا، لذا كان اللفظ ينطلق من أعماق النفس. ومقطع "دا" المكرر هو رجع الصدى من تلك الدائرة اللفظية المحكمة.. هذه الحروف تشكل في تراتبيتها بؤرة مسحورة في المتن، وتفاعل غريزي فعال في الحبكة، لذا تكون في المجمل بما يشبه الهذيان من سيل الكلمات التي ينقلنا اللفظ الى صراع زمني متقادم للغة الطفولة التي فقد أحساس المناداة له بـ الأبوة، ويلاحظ من تقطيع الحروف وكأنه يردد "دا" الأخوة والألفة، و"با" وكأنه يتلفظ مفردة "الأب"، أما "دا" المتكررة وكأنه رجع الصدى في ارتطام قسري.. حيث تجدها ملغزة –مطلسمة – مموهه – رصف حروف وتعاقبها، صرخات طفولية مكتومة، حتى أضحت تراكمات مختمرة.. إن الزمن ضائع ومفقود فيها، هي صرخة لأقاصي الجزع من الكلام. ولها تشبيهات وتوصيفات عدة ببعدها الفلسفي وحمولاته حيث تدور الحروف وتناور على تشكيلة حتى ينطق الأخرس بكلمة مفهومة.

فـ"دابادا" هي أيضاً تعني: "دابادا" بدقة وفعلاً، لأن الكاتب يستمد هذه الكلمة من فحوى الرواية... بل من صميم ذروتها؛ عندما يفقد البطل السيطرة المنطقيّة على اللغة فيشرع بما يشبه الهذيان المتدفق لسيل من الكلمات التي يجمع من بعض حروفها هذه الكلمة ليصرخ بها ويكررها، في محاولة منه لقول كل شيء دفقة واحدة"*6 حين قرأتها وجدتها قصيدة نثر طويلة مفتوحة على كل الأجناس، ويمكن أن أشبهها بقصيدة "عواء" لـ ألن غيسنبيرغ، أو عنوان مجموعة سركون بولص "الوصول إلى مدينة أين" أو رواية طه حامد الشبيب "اللا أين". وبتقطيعها تشبه عنونة المجموعة القصصية "روشيرو" لـ حسين رشيد.

هي مناطق بلا أمكنة ولها زمن، أي متاهات ومديات غير معلومة، يعني لا وجود للمكان عند مؤلفيها، اطلاقاً. أما الأمر يختلف في الرواية، فزمانياً، هي مفتوحة على زمن مغلق يدور في ذهنية المؤلف فقط. والمكان بين حياتين: "إن حبكة الرواية تحدث في فراغ يفصل بين زمانين، زماننا هذا، والزمان الذي سينسج برزخ من فراغ، وهو لا محالة متوقف، فأما النكوص الذي يؤدي الى التلاشي، وأما الزمان الجديد _ كعمل جديد _ الذي سيقودنا الى الولوج في الحياة الجديدة من خلل تلك الصرخة في الفراغ."*7 وأخيراً تبقى عنونة الرواية بمقاطعها الثلاث لغزاً، ربما لا يقبل التأويل، ولا يُطاوع الكشف عنه، بل سيبقى مضمراً أو مستوراً حتى حين: وقد كثرت التحليلات بشان المفتاح الذي سيفتح المستغلق "أما معناها، فهو أقرب ما يكون إلى معنى تعبير (إلى آخره) أو (الخ)، أو تكرار كلمة (كذا وكذا) أو (وهلم جرّا).. فهي تحاول وصف أشياء وأفعال متعددة في آن واحد. وهكذا فهمها حسن مطلك أيضاً حيث يقول:" نعم، ولكنها لا تعني هذا وحسب في الرواية، وهي تستخدم في المجتمع وربما يكون الاستخدام قريباً؛ فهي تأتي أيضاً عندما يحاول شخص ما أن يصف حادثة ثم لا يستطيع أن يكمل لشدة ما بهرته الحادثة ولشدة تأثره بها أو تأثيرها عليه، فيقول لك في النهاية: ودابادا... الخ"*8، وستظل لغزا عصياً للإدراك...

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش :

1- رواية، حسن مطلك، دار المدى، ط4 2016

2- د. محسن الرملي –تمهيد... محاولة تلخيص الرواية، دابادا، دار المدى، ط4

3-د.عبد الله إبراهيم "الاحتفاء برواية عراقية، صحيفة " القادسية" بتأريخ 12-8-1988 م، بغداد . وأعيد نشر المقال في مجلة " ألواح " العدد 11 سنة 2011 م ، مدريد .

4-العنوان في الشعر العراقي المعاصر، ضياء راضي الثامري، جامعة البصرة، كلية الآداب 13.

5-د.سوادي فرج مكلف، دراسة "نبوءة العراف في العنوان الفني، جامعة البصرة، كلية التربية، مجلة الأقلام، العدد السادس، ك1 سنة 2000 .

6-د.يوخنا ميرزا خامس، قراءة في عنوان رواية "دابادا"، سلخ للتراث وانتصار لحياة البرزخ .

7- كوكل، 11-8-2011

8-د.محسن الرملي، دابادا.. العنوان الصعب، مدونة حسن مطلك، 8-11-2011 .

https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=pfbid02zqtMgMHkDf1tVyYgucACiA3crdsQWC5iPWX79JsXW3NTaD9X24YLuzmSpgjHYQHfl&id=100005265301263

محسن الرملي وعدنان أبو أندلس، بغداد 2022

دابادا.. إجادة الرموز / هيفي الملا

 

دابادا.. إجادة الرموز

هيفي الملا

بعض الروايات لا تقتصر أن تكون سرداً أو حواراً مباشراً، لذلك فمن الصعب تحديد مبتغى الكاتب ومراميه البعيدة، تلك الروايات التي تستفز القارئ وتخلق إشكاليات في مستوى التأويل، لأنه مختلف بطرحه ولغته الترميزية العالية، من العنوان (دابادا) مرورا بصرخات الضياع في الفراغ وانتهاء بالنهاية اللامتناهيةُ، ربما لن أستطيع تلخيص الرواية، لأنها مستعصية علي التلخيص، ولأنني غير متيقنة من تشربي لمعانيها والرموز التي وضع الكاتب حسن مطلك أصبعه عليها، وحقا أنا بحاجة لمكابدة أخرى للقراءة، عسى تلك الانتقالات المفاجئة تتجلى وتمسي أكثر وضوحا، وعسىاني أربط بين فكي تلك الكماشة التي طرفاها، حزن يلف الرواية، منذ مشهد الخريف وتصوير ضياع الأب تائها وراء الأرنب المبقع، وبين الضحك ونافذته، التي تثير تساؤلات شاهين، الطفل الكبير الهزيل المنعزل منذ كان عمره سبع سنوات، الضحك الذي يجهل سببه ويكتشف لاحقاً، أن من يسكنون مقابل نافذته يضعون المسامير في النار حتى الاحمرار، ثم يلقونها في الماء ويضحكون على هذا.. وهل ذلك يستدعي كل هذا الضحك، الذي يشد انتباه شاهين الملتف بالحزن والعزلة والضعف.

للحظات قادتني الرواية إلى جو كافكائي سوداوي، وتخيلت شاهين الحشرة غريغور المنعزلة في غرفتها، والتي ترمز إلى مسخ الإنسان شكلاً، وتدميره من الداخل أيضاً، نعم حشرة ضعيفة خجولة ولكنها مليئة بالصراخ.

قد اقرأ الرواية مرة ثانية بعد أشهر، حتى أحسم بعض التشويش، وأمسك بخيوط الحدث المبعثر، وأفهم تلك اللغة السريالية أكثر، واستوعب التداخل الزمني منذ الصفحة الأولى "قامت هاجر، يقول شاهين وهي أمه" عبارة سهلة جدا تلخص أن هاجر هي أم شاهين، لكن كان من الممكن التعبير عنها بأسلوب قواعدي أسهل، هذا الكاتب الذي أجاد لعبة الرموز لم يكتب عن فراغ، ولم يقصد من تأويلاته المباشرة، إلا أهداف بعيدة المنال، تاركا ساحة الإبداع للقارئ.

قد يستطيع القارئ الحاذق بلوغ تلك الرموز بقراءة جادة، أو بعد قراءة ثانية، فتلك القرية الصغيرة هي العراق بوجعه وتناوب الأزمات عليه، وشاهين هو رمز الشاب الضائع الذي فقد البوصلة، لذلك قرر العزلة، وعندما خرج من العزلة، كان كائناً غريباً هجينا بلينه وتصرفاته وردود أفعاله.

زمن الرواية القصير وهو ثلاثة أيام فقط، ممتد وطويل بمقياس الوجع والتناقضات التي عاشها بطل الرواية، الذي يختفي في النهاية كما اختفى قبله الأب.

شخصية حلاب، الذي اغتصب السلطة، والذي حاول تدجين شاهين ليراقب حماره قندس في نزهاته، لن يخفى على قارئ رمزية هذه الشخصية، وما أشد روعة مشهد شاهين الذي يركض والدم يتقاطر من كفه، ظنا منه أنه قتل الحمار قندس.. فيما المدية قد جرحت كفه هو، والحمار في نزهته سالماً، شاهين صرخة حقيقية في وجه الفراغ، ودابادا التي صرخ بحروفها هي كل شيء، وهي لا شيء،

حاولت تلخيص الرواية فاستعصت، الحل يكمن في قراءتها فقط، ولكنني أشبعت فضولي في القراءة لهذا الكاتب الذي رحل في سن مبكرة، تاركا الفجيعة في قلب أهله، والفراغ في ساحة أدبية هي بأمس الحاجة لهكذا أقلام ساحرة.

https://www.facebook.com/photo/?fbid=2549950368480252&set=a.685789521563022

هيفي الملا

08‏/11‏/2022

اهداء إلى حسن مطلك / قصيدة: محمد السويدي

 قصيدة

حَكِي

إلى الروائي (حسن مطلك) 

محمد السويدي

ظِلي كرائحةِ الأحجارِ في البِرَكِ

مسوَّدٌ في بلادِ الشمسِ والحَلَكِ

أنا القريبُ من الأسماكِ

أُخبرها بما يفكرُ فيهِ حاملُ الشبكِ

طفلٌ بلا لغةٍ

لم يخبروه بأنَّ العمرَ من ورقٍ

والأصدقاءَ حَكِي

لا أملك الصبحَ حتى أُوقظ المدنَ

التي تنامُ على تنويمةِ المَلِكِ

أطوي المدائن عثمانيةً سفرًا

ولا مدينةَ عندي غير (منتَفكِ)

النهرُ جدِّي الذي أوصى

بأن تضعَ البلادُ صورَته

في علوةِ السمكِ

كم باع شيبته كي يشتري خُبُزًا

لأنهُ ساكنٌ في حارةِ (التنكِ)

يقولُ في حكمةٍ للجائعين:

كُلوا النُّجومَ في نَهَمٍ من قصعَةِ الفَلَكِ

ليبعث اللهُ خبازينَ في بلَدٍ

مبشرين بأفرانٍ من الكَعَكِ

..

أنا قطارُ القرى

فجرًا أمرُّ بها

وذكرياتُ روائيٍّ مع السّكَكِ

لا أضحكُ الآن فالأدغالُ ميِّتَةٌ

لكن سأقرأُ ليلاً (قوةَ الضَّحِكِ)*

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*قوة الضحك في أُورا: رواية لحسن مطلك 

محمد السويدي: شاعر عراقي

https://www.facebook.com/mhmd.alswydy.9

28‏/09‏/2022

لوحة: رسالة حسن مطلك إلى محسن الرملي / للفنان سيف مطر

 

هذه اللوحة الرائعة المليئة بالمعاني والدلالات، هي من أعمال

الفنان العراقي المبدع سيف مطر

 

الذي وضع لها عنوان: حسن مطلك: رسالتي الأخير إلى أخي محسن الرملي

*زيت على قماش 120x50سم

تم انجازها في سبتمبر 2022م الموصل

https://www.facebook.com/photo?fbid=5394539860665114&set=a.125717167547436 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وهذا ما كتبه عنها، كقراءة لها، الأستاذ خالد مهيدي:

لستُ ناقداً تشكيلياً، ولكن كل ما يتعلق بـ حسن مطلك يثير فيّ شهوة التأمل والأسئلة، ذلك أن حسناً لا يمكن أن يكون عادياً أبداً، ليس لأنه ابن بيئتي، إنما لأنه تجربة مغايرة للنسق المألوف. فبعض عباراته تجعلني أرتجف دهشةً، لشدة إيغالها عميقاً فيما يمكن أن يصل إليه الحسّ والوعي الإنسانيان. تأمل معي مثلا عباراته (أحسّ بألم المسمار: المطرقة من طرف وصعوبة الاختراق من الطرف الآخر).
ولا شك أنّ ريشة المبدع سيف مطر تعبت، وهي تحاول أن تلمّ أشياء كثيرة وتضغطها في لوحة واحدة. أعرف التكثيف في النصوص، وهو أمر شاق، فكيف الحال مع الرسم؟! يا له من عمل شاق..!! عمل يبرهن على ما قاساه الرسام، فهو بحاجة لمعرفة عالم حسن مطلك من الداخل، ليجسده على ملامحه! هل تدرك معنى هذا وصعوبته؟! ويحتاج لمعرفة دهاليز (دابادا) الغامضة...

لاحظ معي وجه حسن وهو مكتظ بانفعالات مكبوتة، وبقعة الضوء على الجانب الأيسر من الوجه، وهي كل ما نعرفه عن حسن، فضلاً عن كونها الجزء الذي يتكئ عليه حسن ليعيش مع الواقع، ولكنها في النهاية لم تصمد، أمام حصار صفائح الخشب التي تحاصر حسناً من زوايا عدة، إنها وعيه الذي حاصره إلى أن قتله. فالواعي لا يمكن إلا أن يكون ثائرا، وفرص الثائرين قليلة في النجاة، لأنه (دا/ئماً با/ب المذبح دا/فئ)، دابادا الصرخة التي تشبه صرخة (ادفادرد مونك). دابادا النزيف الدائم لعيون كل من عرف من يكون حسن مطلك. فهل ترى نزيفها في عيني أخيه محسن الرملي؟ أنظر وسترى.

المسمار الذي كان يُحمّى على النار ويوضع في الماء ويحدث صوتاً (كششش) ليضحك على صوته السُّذج، ها هو يحمل (90) تاريخ وفاة من أراد انتشالهم.

في جعبتي الكثير لأقوله عن هذه اللوحة، ولكنه حقاً أمر متعب... فأي ريشة تلك التي اختزلت الكثير في لوحة واحدة؟!! لا أملك إلا أن أحيي سيفاً وأبارك له هذا الإبداع.

https://www.instagram.com/p/Ci8lxYmjXTx/?hl=es