06‏/10‏/2023

عن كتاب الحب لـ حسن مطلك / ورود الموسوي

 «كتاب الحب» لـحسن مطلك

.. «ظِلالهن على الأرض» 

ورود الموسوي

أيُّ يدٍ اسْتطاعتْ خلق هذا الشعور الغريب المرهف القاتل الذي نسمّيه حبّاً؟ أيُّ يدٍ استطاعت أن تدسّه برفقٍ في شرايين البشر وتوزعه على أوردتهم بجرعاتٍ مميتةٍ أحياناً ومنمِّلةٍ أحياناً أخر؟ كيف يمكن فهم هذا الشعور النادر وتلك اللحظة المارقةِ كسهمٍ يخترق قلبك ليستقر في دمك وتشعر بسريانه وارتعاشه المُتَكَرّرِ في كيانك العصبيِّ كلّه؟!

هذا الكائنُ الرقيقُ الشفيفُ اللطيفُ الخفيُّ الذي لم يستطع أحد من الفلاسفة القدامى بما فيهم أرسطو، ولا فلاسفة العصر الحديث، ولا حتى علماء النفس - الذين راحوا يضعون أنماطاً وأشكالاً للحب – إيجاد تفسيرٍ أو تعريفٍ واحدٍ له غير تسميته بكل تجرّد «حباً»، وأنّه «يُشبه الأسطورة التي يعجز الفَهمُ البشريُّ عن إدراك كنهها أو ماهيتها، إذ لا يستطيع أحدٌ التعبير عنها إلا مَن صدّقها في معناها» بحسب قولِ أرسطو.

المولّد الأول

لكنّي حين أمعنُ النظرَ بالحبِّ محاولاً إيجاد تفسير له أو معنىً، أجدهُ يُشبه الى حدٍ كبير في سِرّانيّته ونورانيّته وكُنهه المبهم «الرُّوح» وكيف لا، وهي مسكنه الأول وموطنه الأمّ ومنها انطلاقته البكر ومنها تجواله في قلوب الناس وملله منهم أيضاً!

فالروح هي المحرّك الأول والمولّد الأول للحب وبعد استعداده لقبول روح أخرى سيهبطُ الى النفس التي بدورها تبدأُ بتوزيعه على الحواس والخيال والذاكرة ليتفاعل معها جميعاً ويبدأ بلعب دوره المقدّس! بينما تظلُّ الروح شاهدَةً على ما أبدعته وأنتجته ووزعته.

ولأني أتبنّى هذه النظرية بقوّة - أعني - القائلة بارتباط الحبّ بالروح ارتباطاً مباشراً ووثيقاً، فإنّ الحبَّ يتبعُ وعاءه بكل صفاته وتجلياته. ولأن الروح عصيّةٌ على فهمنا حتى يومنا هذا رغم محاولات الفلاسفة بشرحها وتحديدها واتفاقهم على أنها «جوهرٌ وكمال أول»، لكننا ما زلنا عاجزين عن تحديد كنهها وماهيتها والردُّ الإلهي واضحٌ بأنها من أمر الله «ويسألونك عن الروحِ قل الرُّوحُ من أمر ربي وما أوتيتم من العلمِ إلا قليلاً» (الإسراء: ٨٥). وبناءً على الفرضية التي أطرحها هنا بأن الحبّ متعلّق بالروح ولا يتجزأ عنها فهو إذن «من أمر الله» أيضاً ولا يمكننا تحديدَ ماهيته ولا كنهه لأنه يتبع حاضنه الأول.

مفاهيم مغلوطة

وعدمُ قدرتنا على تعريفه أو تفسيره لا يمنعنا من التعرّف على تمظهراته بعد أن يدخل النفس مستعدّاً لاحتضان روحٍ ونفسٍ أخرى، بل يمكننا تتبع إشاراته للحواس والعقل والقلب وأفعاله في الإنسان. كما يمكننا التعرف على الأعراض التي يُحسّها ويشعر بها المحب حين يُصابُ بالحب؟

لكنْ، أين نحن اليوم من كل ما تقدّم؟ قد يُلاحَظُ في السنوات الأخيرة التصاعد المبالغ به لكل ما هو حسي ومادي على ما هو روحاني وما ورائي، بطغيان موجة كبيرة من المولّد الأول حول مفهوم الحب حتى صار مُعرَّفاً بصفاتٍ حسّية بحتة وخرج من ارتباطه الروحي الى ارتباطه الجسدي، وأصبح بعض الشعراء والشاعرات وبعض الأدباء يتغزلون بالحب حتى يصبحَ الحب سلعةً وموضوعاً مرتبطاً في ذهن أغلبية الرجال برفيقة فحسب.

المتن

كان لا بد من الهامش كي ندلف بهدوء الى «كتاب الحب - ظلالُهن على الأرض -» لحسن مطلك الصادر عن الدار العربية للعلوم ناشرون - عام ٢٠٠٩ - الذي أعادت طباعته دار المدى لاحقاً، وهو يحملُ رسائل ومذكراتٍ جمعها الروائي المقيم في إسبانيا محسن الرملي، مختصراً فيه تجربتين في الحب عاشهما «حسن مطلك».

أقول ندلفُ بهدوءٍ وروية كي لا نجرحَ أحداً من أبطال الحكاية التي راح يرويها البطل نفسه، المُحبُّ نفسه وهو يعيد تشكيل فلسفته لمعنى الحب من خلال البرهان وأعني - تجربته الخاصة -. فبدا لنا كقراء أن التجربة الأخيرة هي الأقوى والأصدق في حياته القصيرة التي انتهت بإعدامه عام ١٩٩٠ في ذروة عطائه.

يطالعنا الجزء الأول من الكتاب بعنوان «ظلّ الباشق على الأرض»، ليكون الباشق الجارح رمز الحب السام الذي لا يحمل الوعي الكافي ويتجسد باللوعة والحسرة والتدفق الشعوري بالحرمان والإحساس المرّ بالخسارة، وذلك بعد أن تزوجت حبيبته «ميسلون والتي كان يرمز لها بـ م» من «ثابت صديقه الذي كان رسول الحب بينهما والذي يرمز له بـ ث»، وما بين تجربته مع «م» وسقوطه في تجارب عابرة وصولاً الى حبيبته الأخيرة التي جاءت في الجزء الثاني آخذةً عُصارةَ ما تعتّقَ في جيوب «حسن» من حبّ ووعي ونضج ومسؤوليةٍ كاملة الرجولة أمام كلمة «أحبكِ» ليمنحها عنواناً مضيئاً ولْتكون «ظلّ القمر على الأرض»، بل ظلهّا عليه هو، وهي مرآته التي محت بإطلالتها كل مَن عرفهن من النساء قبلها بحسب ما نقرأ في الرسائل، فـ«هاشمية التي أسماها هدى ويرمز لها بـ هـ» تتجلى بحضرتها العواطف والأحاسيس والمشاعر الجياشة. ينزعُ عنه صلابته ليكون عارياً أمام حبه إلا من رقّته ككاتب وشغفه كمبدع فتراه يتخلى عن كل شيء إلا أناه الباحثة عن أسرار «السعادة» المفاجئة هذه!

هو الذي قد تكون القسوة والصلابة من سماته التي اعتاد عليها واعتادها الناس منه، إلا أنه لا يخجل من تحوّله أمامها وحدها وهي - الرمز المطابق والمعادل للحب - طفلاً يود الانتحاب.

اكتشاف المعنى الحقيقي

في كتاب الحب يعيد حسن مطلك اكتشاف المعنى الحقيقي للحب ليس له فحسب بل لحبيبته ذاتها وللمجتمع ولكل من سيقرأ هذي الرسائل - التي لربما امتنع عن نشرها لو كان على قيد الحياة وقيد القرار - لكنها لم تكن رسائل شخصية بحتة، بل تحمل بين طيّاتها الكثير من همومه هو كفنان وكاتب مبدع وإنسان واعٍ بكل ما يدور حوله، يملك تطلعات وهموماً جمالية وفلسفية خاصة. فالحب في حياة حسن مطلك ليس ترفاً وجودياً بل هو الوجود بحد ذاته، مركز وجوده هو وانتماؤه للحياة بكل تفاصيلها، فهو لا يرى الحب معنى بسيطاً تجود الحياة عليه بامرأة جميلة فقط بل الحب لديه «مركز القلب» «كنز الحياة» «روحه هو» التي تحلّ بروح محبوبته، فينصهران معاً روحاً واحدة في جسدين (بحسب نظرية أرسطو)، فالحب أعلى درجات الوجود السامي، وحين تسنحُ الفرصة بأن يتجسَّد ويحلّ في جسدين، فإنما هو يتجسد تلبية لنداء الروح ليصبحَ جسدا المحبوبين ترجمانَ لما أمْرتهما به الروح:

تُرى من منّا - أأنا أم أنتِ - سيقدّرُ جلالة اللحظة التي خلطتنا؟

لحظة كنا فيها جسدين لشخص واحد....

تُرى كيف يمكن أن نخونَ هذه اللحظة؟

تُرى كيف يُمكن أن نفترق لمجرّد أن تعرّض أحدنا للقسوة من قبل الآخر؟

ومَن مِن بعدنا سيقسو علينا هذه القسوة اللذيذة إذا قلنا.. «وداعا».. وذهبنا). ص ١٠١

رسائل إنقاذ

وأنت تقرأ كتاب الحب.. سترى علامات الرفعة والأصالة والشغف والكبرياء وعزة النفس التي يتحدث بها عن نفسه كإنسان رغم اعترافاته الكثيرة بإخفاقاته كشخص لديه محدودية في قدرته على مواجهة المجتمع وتحمّله.

لم يلبس حسن مطلك قناعاً وهو يكتب لحبيبته التي هي - نفسُه وروحه - والمرء لا يلبس أقنعة أمام «نفسه وروحه»، لذا كان يعيد نفخ الروح بهذا الكائن المسمى - حبّاً - بحسب فهمه هو ووعيه هو، وكأنّ هذي الرسائل، رسائل إنقاذٍ موجّهةٍ لجيل العصر الحديث من الكتّاب والمشتغلين في حقول نشر المعرفة الذين يغضّون الطرف عمّا يُكتَبُ ويُنشَرُ ويروّجُ له ويُعلَّبُ ويُصدَّرُ للناس باسم الحب بهيئته الحديثة الفارغة! وكأنّهم يتعمّدون تفريغ الحب من نواته الأولى وطاقته الكبرى التي من أجلها خُلق بأن يكون مصدر قوةٍ لا ضعفاً وأن يكون مصدر وعي لا جهلاً وأن يكون له ملامح يعكسها على قلوب المحبين وأشكالهم أيضاً، خصوصاً «المرأة» التي كان مشغولاً بها حسن مطلك من خلال تعجُّبه واعتراضه ونفوره من المرأة التي ترضى لنفسها أن تكون آلةً ولعبةً بيد الرجل وتابعة له.

روح الحب الكريمة

أخيراً، وأنتَ تغلق «كتاب الحب» لحسن مطلك لن تملك إلا أن تتأسف على فقدان هذا الرجل بعمرٍ مبكر وهو يملك وعياً عالي التفاصيل. يملك احتراماً واعياً للذات لا غروراً فجّاً، ويملك احتراماً عالياً للكتابة وأسئلتها. هذا الرجل الذي يصفُ نفسه بأنه «لا يهدأ أبداً» بفرادته وطيبته وأصالته تَجَسّد حيّاً نابضاً ومتوّهجاً لحظة إعلانه لحبّه. ظلَّ حيّاً ونابضاً حتى وهو يحاول الموت مراراً ليفهم سرّ بقائه، وهو يجيبُ لاحقاً على كل لعناته برسائله الضاجّة بالحياة والتي لم تهدأ أبداً مذ لحظة كتابتها وتفريغها على الورق مروراً بكل هذي السنين التي تكاثر بها المحبون ما زالت كلماته صاخبة، بيّنةً، واضحة ومشتعلةً، بأن يصبح المُحِبّ و- خصوصاً المرأةَ - إنساناً واعياً لحظة الكشفِ وتجليه أمام الحب، وألا نكون أذلاءَ، عديمي كرامة باسم حبٍّ مزعوم لا يُرادُ منه غير آلته.

فالحبُّ روحٌ كريمةٌ ترفعُ قَـدْرَ صاحبها لعالم أعلى ولا ترضى له الهبوطَ لعالمٍ أسفل!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشرت في الملحق الثقافي لصحيفة (القبس) الكويتية، العدد 30 مايو 2023م

*ورود الموسوي: شاعرة عراقية تقيم في لندن، من أعمالها: (وَشْمُ عقارب)، (هل أتى...!)، (لا أسمع غيري)، (مقام البنت والعاشق) و(ما قالته الرصاصةُ للرأس)

https://d.alqabas.com/archive/1683139191702_hFSEz.pdf

https://www.alqabas.com/article/5911979--%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%A8-%D9%84%D8%AD%D8%B3%D9%86-%D9%85%D8%B7%D9%84%D9%83-%D8%B8%D9%84%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%86-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%B6