25‏/07‏/2020

شعراء عراقيون شهداء / ميزار كمال




شعراء عراقيون ارتقت بهم قصائدهم الى الشهادة 


ميزار كمال

كان العراق في أوج انفتاحه على العالم الحديث في السبعينيات من القرن الماضي، أدبًا وفنًا وسياسة. لكن هذا لم يدم طويلًا، فحين هيمن حزب البعث على السلطة بدأ يُضيِّق دائرة الانفتاح حتى أغلقها تمامًا؛ وتمثَّل ذلك بحظر الأحزاب المعارضة، وملاحقة المنتسبين لها. ونال شعراء العراق المعارضون نصيبًا كبيرًا من القمع، فمن لم يستطع الهرب أو السكوت، كان مصيره في قصر النهاية أو الشعبة الخامسة، مشنوقًا، أو ذائبًا في أحواض “حامض النتريك (HNO3)”. هذا المقال يتناول ترجمة خمسة شعراء عراقيين أعدمتهم سلطة البعث، وهم يمثلون النبرة العالية لصوت الشعر العراقي الرافض للديكتاتورية.
-----------------------------------------------------------
*الشاعر رياض البكري
(مَن يمدُّ الآنَ كفّيه لكي نحارب؟)
يُعرّفه جيل السبعينيات بأنّه لوركا العراق، إذ كان من أبرز شعراء البلد في تلك الفترة. أبوه كمال البكري كان يساريًّا وموظفًا في السكك الحديد، وكان مطاردًا من السلطات في العهد الملكي وكذلك من سلطة الجمهورية الثانية بعد انقلاب عام 1963 بسبب نشاطه السياسي المعارض. سُجن مرات عدة، وخسر وظيفته من جرّاء ذلك، لكنّ الابن الذي سار على خطى أبيه، خسر حياته، وضاع شعره في الصحف العراقية والعربية موقعًا بالأسماء المستعارة خوفًا من عيون السلطة.
ولد رياض البكري في مدينة بابل عام 1950، لكنّه لم يلبث بها إلا قليلًا، مثلما لم يلبث في أية مدينة يهرب إليها والده متخفيًا من رجال الأمن. ترك رياض البكري الدراسة لمّا أكمل الإعدادية، عمل في مطبعة بالعاصمة بغداد، واعتقل عام 1971 بعد مشاركته في مظاهرات عمّالية يسارية مناهضة لحزب البعث، وظل مسجونًا في قصر النهاية لمدة 18 شهرًا خرج بعدها بكفالة مالية. أسس مع الشاعر محمد علي الخفاجي (جماعة النشء المعاصر) ونشر قصائده في صحف عراقية وعربية . ترك العراق وغادر إلى لبنان لينضم إلى المقاومة الفلسطينية، وتحديدًا إلى «الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين»، وكان يُعرف باسم (أبو نضال).  ظل رياض البكري يتردد سرًّا على العراق بين عامي 1976 و1977 متنكرًا بأسماء مستعارة، ومستخدمًا جوازات سفر مزورة، حتى ألقي القبض عليه أخيرًا في بغداد نهاية عام 1977، ونُفذ به حكم الإعدام شنقًا 1978 .
مقطع من قصيدة للشاعر نُشرت تحت اسم «روشن» في مجلة “إلى الأمام”:
من يمد الآن كفيه لكي نحارب
من ينزع الجلد الفلسطيني والمصري والسوري كي نحارب
من ينزع الجلد الطوائفي في لبنان كي نحارب
من يخرج السودان من زنزانة التعذيب كي نحارب
من يفتح الطريق للخليج.. إنَّه الخليج.. إنَّه الخليج
واهب المحار واللؤلؤ والردى
أصرخ بالخليج: يا خليج.. يا خليج.. يا خليج
مد لي يدا
 ------------------------------------
*الشاعر خليل المعاضيدي
(هنا موسم للكآبة والوحل)..
خليل المعاضيدي من مواليد مدينة بعقوبة عام 1946، تلقى تعليمه الأولي في مدارسها، ثمَّ درَس الأدب الإنجليزي في جامعة بغداد، وعمل مدرسًا للغة الإنجليزية في مدارس محافظة ديالى من عام 1970 حتى عام 1978 حين فُصل من الوظيفة، وعمل دهّانًا في صباغة الدور والمباني. شكلت قصيدته “هلّا قرأتَ البيان الشيوعي؟” نقلةً نوعيةً في معارضته للسلطة، وتأثيرها يأتي في قراءتها مطلع السبعينيات أمام جمهور كبير في حدائق نقابة المعلمين بمدينة بعقوبة.
ظلَّ خليل المعاضيدي ملاحقًا من قبل السلطة، وتحكي شقيقته أنَّ رجال الأمن اختطفوه في إحدى المرات ورموا أمامه قطعةً من اللحم في حوضٍ مليء بـ«حمض النتريك (HNO3)» وهددوه بإذابة جسده مثل تلك القطعة إن ظلَّ يمارس نشاطاته المعارضة للدولة. لم ينجح خليل المعاضيدي بالتخفي كثيرًا، ففي عام 1981 ومع بداية الحرب العراقية الإيرانية، اعتقل وظل مصيره مجهولًا حتى عام 1984، حين أبلغت السلطة عائلته بنبأ إعدامه، ورفضت الدولة تسليم جثَّته ومنعت أهله من إقامة مراسم العزاء.
من شعره:
في الطريق إلى الحب
أوقفني الجلنار وبعض من العوسج الفظ
أعطيته لحظةً من جبيني ثمَّ نمتُ على طلقةٍ في الظنون
في الطريق إلى الحرب
دوَّخني الجبناء الكثيرون
دارت بقربي المعارك
وانطفأتْ طلقةٌ في الظنون
 --------------------------------------
*الشاعر والروائي حسن مطلك
(قريبة هي الساعة التي سأقول فيها لكل شيء: وداعًا)
كان شاعرًا ورسامًا وروائيًّا ونحاتًا، وكان ثائرًا أيضًا. ولد حسن مطلك عام 1961 في قرية سديرة التابعة لقضاء الشرقاط في شمال العراق، بدأ ولعه بالرسم مبكرًا، لكنَّ أباه الذي كان رجلًا متدينًا كان يمزق لوحاته لأنَّه يعتقد أن الرسم حرام، ومن أجل هذا لم يحقق رغبته في دراسة الفنون الجميلة، واختار التخصص عوضًا عن ذلك في التربية وعلم النفس، في جامعة الموصل التي تخرج فيها عام 1983. أنهى روايته الأولى (دابادا) عام 1988، وأصدر مع مجموعة من أصدقائه مجلة «المُربّي»، ونشر فيها مقالتين إحداهما عن الفن التشكيلي، والأخرى قراءة لرواية الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال». حاز على جائزة الدولة التقديرية سنة 1988 عن قصته (بطل في المحاق). وفي عام 1990، شارك حسن مطلك في محاولة لقلب نظام الحكم مع مجموعة من الضباط، اعتقل على إثرها ونُقل إلى سجن الشعبة الخامسة بمديرية الأمن العامة، وأصدرت بحقه “محكمة الثورة” حكمًا بالإعدام، وأُعدم شنقًا في العام نفسه.
من شعره:
كن سعيدًا مرة واحدة وانتحر
مرةً واحدةً فقط
مرةً واحدة
أقول لك -وهذا اكتشافي-
إنَّني الناجي الوحيد على جبل الطوفان
وأقول إنَّني آخر من وجد السعادة
وعزفَ في ثقوبها
لن أسمع صرختك وأنت تقول لي: هي كذبة
---------------------------------------
*الشاعر مناضل نعمة
(وحدي.. يسكنني ضدي)
حياةٌ قصيرة، لكنَّها حافلة بالمضايقات والاعتقالات والموت، هكذا يمكن تلخيص حياة الشاعر مناضل نعمة الجزائري الذي سقط في هاوية الموت وهو لم يزل في الرابعة والعشرين من عمره. ولد مناضل نعمة هاشم الجزائري في البصرة عام 1960. وهو من عائلة ثورية كانت تسكن في بداية منطقة (الجمعيات) التي كانت تسمى أيضاً بحي المعلمين. عمل فترة كاتباً في مصلحة التمور في البصرة. أكمل دراسته الثانوية (الفرع الأدبي) عام 1980 - 1981. كتب أثناء دراسته الثانوية قصائد عديدة رافضة ومشاكسة تعرض بسببها إلى المضايقات والاعتقال والضرب من قِبَل عناصر في الأمن الطلابي. أُجبر على الالتحاق بالجيش أثناء الحرب العراقية-الإيرانية، وكانت وحدته العسكرية في المنطقة الشمالية. فحاول اجتياز الحدود، ولكن ألقي عليه القبض هو وشقيقه الأصغر (باسم) في تشرين الثاني (نوفمبر) 1983، بتهمة محاولة اجتياز الحدود العراقية-التركية. فحكم على الشقيقين بالإعدام شنقاً. وفي شهادة الوفاة الرسمية التي حصلتْ عليها العائلة بعد سقوط النظام، ثُبِّت تاريخُ الوفاة في 17 نيسان 1984.
من شعره:
أتعرفها ...؟
انها جثةٌ باردة
أتعرفها ...؟
بلى
انها جثتي
ومن موضع حزني عواء يسيل
إذن أنت قاتل
إعترف
لن أبايعكم أبداً
-- 
إعترف
لن أبايعكم أبداً
وانحداراتكم دائماً
دائماً فاسدة
 ------------------------------------
*الشاعر خالد الأمين
(هنيئة الرقبة التي تحمل رأس البلاد)
أُعدم الشاعر خالد الأمين في سجن قصر النهاية ببغداد عام 1972، وتُرجِّح الروايات أنَّه أُلقي في حوض من «حامض النتريك (HNO3)»، وهذه الطريقة في الإعدامات كانت شائعة حينذاك عندما كان ناظم كزار مديرًا للأمن العامة. ولد خالد الأمين لعائلة كردية في مدينة الناصرية عام 1945، وكان أبوه من أثرياء المدينة القلائل، وقد أكمل تعليمه الابتدائي والثانوي في مدارس الناصرية، ثمَّ نال شهادة البكالوريوس بالاقتصاد من جامعة بغداد عام 1967. انتمى خالد الأمين إلى «الحزب الشيوعي العراقي»، وكان محظورًا حينها بعد سيطرة «حزب البعث» على السلطة. وعن هذا يقول الكاتب حسين الهنداوي الذي كان رفيقًا لخالد الأمين في تلك الفترة: (لا أذكر أننا تحدثنا بمفردات الأيديولوجيا اليابسة أو بالشعارات. وضع تنظيمنا الطلابي ورفده بالأعضاء الجدد كان موضوعنا الأساسي في لقاءاتنا السرية العديدة. تأثر خالد الأمين بالشعر الفرنسي، وقرأ رامبو وبودلير ومالارميه وسان جون بيرس واراغون، كما كتب مقدمات لقصائد فرنسية مختارة ترجمها الكاتب أحمد الباقري في كتاب حمل عنوان «رصيف سوق الأزهار». لا تتوفر للشاعر خالد الأمين سوى ثلاث قصائد هي “القلب البديع”، و”منفضة الأصابع المحشوة بالأصوات”، و”الغرف”.
من شعره:
وددت لو أثقب غرفتي
لأسيل نحو الشجر، حزينًا، وبغبرة خفيفة
لأني أعلم اليوم
ليس ثمة بلل في هذه الساقية
بل ولا حتى نافذة تشرق منها زهرة الليل
---------------------------------
*نشرت في صحيفة (طريق الشعب)، العدد 179 بتاريخ 21/7/2020م بغداد.

18‏/07‏/2020

حوار مع حسن مطلك / علي جبّار عطيّة

حوارٌ مُقدَّمٌ لرحيلٍ مُعجَّلٍ
الروائي حسن مطلك:
العلم خان الوعي، والقتل صار بوسائل الإعلام!

علي جبّار عطيّة
في يوم 1990/7/18 جرى تنفيذ حكم الإعدام شنقاً حتى الموت بالروائي حسن مطلك (1961م-1990م) بتهمة التآمر لقلب نظام الحكم فيما يعرف بـ(مؤامرة الشرقاط).
لم تشفع له نجوميته الأدبية الصاعدة، في تخفيف الحكم إلى السجن المؤبّد، ولا انتماؤه إلى قريةٍ قدّمت الكثير من القرابين لتظلّ راية الوطن ترفرف عالياً!
إذن واجه مصيره المأساوي، كأنّه على موعدٍ معه كحبيبٍ يلاقي حبيبه!
كان يفتخر بأنّه يقطع المسافة بين الموصل، وبغداد التي تتجاوز أربعة مئة كيلومتر بثلاث ساعات بسيّارته (الميتسوبيشي)، وبسرعة مئة، وأربعين كيلومتراً في الساعة، لكنَّه في مساء يوم الثلاثاء الموافق ١٩٨٨/٩/٦ م تعرّض إلى حادث اصطدام بسيارةً من نوع (ريم) ضربت سيارته ضربةً هشمت الخلفية حيث حوض السيارة الذي ضم ٧٢٥ نسخة من روايته البكر (دابادا) التي كان فرحاً بطباعتها في بيروت.
طلب حسن مساعدتي في إنقاذ الكتب من مكان الحادث عند تقاطع السكة الحديديّة في منطقة (الطوبجي) قريباً من ساحة عدن على مسافة نحو خمسة كيلومترات من مدينة الكاظمية.
كان الناس ينظرون إلينا بإشفاقٍ، واعترف سائق الريم بخطئه، ووعد أمام شرطيّ المرور بتحمّل تكاليف التصليح التي قدّرت بألفي دينار عراقي (٦٠٠٠ دولار أمريكي).
هل كانت هذه الحادثة نبوءةً مبكّرة لما سيحصل للروائي الذي كان يمنّي النفس بتجديد بنية الرواية العراقية لكنَّ طاحونة الدكتاتور طحنت أحلامه الغافية على شجرة سدرٍ غير مخضودٍ في قريته (سديرة)، وبلدته (الشرقاط) التي يعتزّ بانتمائه لها أيما اعتزاز، كما يعتزّ بأبيه، ويفتخر أنّه ربّاه تربيةً دينيّةً.
رحل حسن تاركاً ابنتين هما (مروة)، و(سارة) وزوجةً طيّبةً، وروايةً فريدةً.
تعرّفتُ إليه قبل سنتين من رحيله المفجع، والفضل في ذلك لشقيقي الشاعر، والكاتب عبد الرزاق الربيعي الذي كان صديقه المقرّب جدّاً، لذا كنتُ محظوظاً بلقاءات كثيرة معه في بيتنا في مدينة (الدولعي) المجاورة لمدينة الكاظمية، وكنت أتلقّف آراءه تلقف الظمآن للماء.
في يوم الخميس الموافق ١٩٨٨/٩/١ م قبل حادث الاصطدام بخمسة أيامٍ، كانت لي معه جلسةً طويلةً امتدت إلى أربع ساعات، سارعت بعدها إلى تدوين ما دار فيها، ثم عرضتها عليه في اليوم التالي، فأخذته الدهشة حين عرف أن آراءه مدوّنة، واطّلع عليها، وبقلم الحبر الأسود بدّل ثلاث كلمات هي: كلمة (القاص) صارت (الروائي)، وكلمة (قرية) صارت (قضاء)، وكلمة (الرواية المطلقة) صارت (الواقعية المطلقة)، ثمَّ أجازها، وعلق ساخراً: (أنت تصلح أن تعمل في جهاز المخابرات)!
بعد ثلاثين سنة على رحيله، أُعيد نشر أغلب ما جاء في هذه الجلسة من آراء بعد التنقيح، والتعديل والإضافة التي سمح بها الجو العام.
إنَّ بعض هذه الآراء نشر سابقاً، وبعضها ينشر لأول مرةٍ لأنَّي أكتب بلا رقيبٍ، ولله الحمد.
كان حاضراً معنا في هذه الجلسة، وغيرها شقيقي الشاعر والكاتب عبد الرزاق الربيعي الذي أعطى للجلسة طابعاً أدبياً، ومعرفيّاً، بمداخلاته، ننشرها اليوم، لعلّها تسلّط الضوء على شيءٍ من تجربته السرديّة المتفرّدة.
*لماذا تفضّل القرية؟
- القرية أفضل من المدينة؛ لأنها لا تقطع أحلامك، وتتيح لك قدرة على التأمّل، والعزلة.. وعندي أن الإنسان مسؤول عن أعماله، فهو واحد على الرغم من العلاقات الوهميّة مع الناس، ويجب أن يعي هذه الحقيقة، ولا يخاف الموت، وقريتي (سديرة) متكافلة اجتماعياً، فالذي يصيب أحدهم يصيب المجموع، والناس فيها يتدخّلون في كلّ صغيرة، وكبيرة، ويجب عليك ألّا تستاء من هذا التدخّل... ومع هذا، فقد أنجبت بلدتي ثلاثة كتاب قصة هم: (محمود جنداري)، و(حمد صالح)، و( حسن مطلك).
(ملاحظة: بالطبع يمكن عد الدكتور محسن الرملي رابعهما، لكنّه خلال إجراء الحوار كان مازال طالبا في كليّة الآداب، قسم اللغة الإسبانيّة)
*كتبت رواية (دابادا)، فماذا تقصد بهذا الاسم؟ وما الذي تريد تحقيقه من ورائها؟
- أعني بـ(دابادا) ما بعد اللغة، وحين انتهيت من كتابتها عرضتها على عدد من دور النشر في العراق، فرفضت طباعتها مما اضطرني إلى طبعها في بيروت، فطبعت ثلاثة آلاف نسخة ، وكلّفتني ألف، وثلاث مئة دينار عراقي (٣٩٠٠ دولار أمريكي).
لقد أكدتُ في هذه الرواية خطّي المتميّز في صنع عالم ما بعد اللغة، وتجسيد الانتظار، وصنع النص المزدوج الذي فيه معنيان؛ ظاهر ومضمر، وتناولت الهجران من باب أنّ الإنسان يعيش دائما في حالة هجران.
*لكنّ القارئ قد لا يستطيع إكمال قراءة روايتك!
- لا أريد القارئ الكسول. ويسعدني أن تترك روايتي قبل أن تكملها.. فالرواية التي تتحدّاك تنفعك.
*كيف استقبل النقّاد روايتك؟
- لقد كتب القاص موسى كريدي عن الرواية: انها تعدّ فتحا في عالم الرواية العراقية المغلق، وللناقد عبد الله ابراهيم رأي مشابه ظهر في جريدة (القادسية)، ولقد قال لي الناقد علي عباس علوان أنه (عنّف) أولاده بعد قراءته للرواية!
*وما موقف النقاد الشباب من الرواية؟.
- صنف الناقد خضير ميري روايتي بالمصطلح الذي أعمل عليه (الواقعية المُطلَقة)، ورأى بأنها تجمع كل المدارس الأدبية من كلاسيكيّة، واشتراكيّة، وطليعيّة، ونفسيّة، واجتماعيّة، ورومانسيّة، وغيرها.
*بمناسبة ذكر اسم (خضير ميري)، برأيك لماذا يهاجمه بعضهم برغم ثقافته الموسوعيّة؟
- ذلك لأنّه يدلّ هذا (البعض) على نقص معرفته. وهنا يحدث التصادم، ويثير الزوابع في كلّ أمسية.. لأنّه قد وصل إلى درجة عالية من الوعي برغم رأسه الصغير!
*مثل ماذا؟
- في إحدى الأمسيات أسكت خضير ميري الحاضرين حين طرح عليهم هذا السؤال: أنتم تتحدّثون عن الموسيقى في الشِعر، فمن منكم يعدّد لي السلّم الموسيقي!؟.
إنّ خضيّر ميري ذو قدرة عجيبة على القراءة، والتحمّل، وقد توصّلنا أنا وهو إلى أن الإنسان يعيش في إشكالية مستمرة؛ فما أن ينتهي من مشكلة حتى يقع في أخرى، وعليه (الإنسان) طرح الأسئلة دائماً، ومعرفة الأشياء.
*هل تظن أن الشخصية العراقية منقسمة؟
- أقول لك شيئاً: لقد كُلفتُ مع عددٍ من الباحثين من جهةٍ حكوميةٍ قبل سنوات بإجراء بحثٍ نفسي، بشأن الشخصية العراقية، وكانت النتيجة أنَّ الشخصية العراقية تعاني انقساماً، وحين أردنا رفع نتيجة البحث عقدنا اجتماعاً بشأن الصيغة واختلفنا، فبعضهم أراد تغيير صفة الشخصية من سلبية إلى إيجابيّة، إلا أنّ الأستاذ المشرف رفض تغيير أيّة صيغة، وقال: إنَّ اجتماعنا بشأن تغيير الصيغة برغم معرفتنا بحقيقة انقسام شخصيتنا؛ دليلٌ على انقسام الشخصية العراقية! وجرى رفع نتيجة البحث كما هي.
* بودّي معرفة آرائك بعدد من الأسماء الأدبيّة المؤثّرة مثل :(كافكا)؟
- إنَّ (كافكا) في روايته (المسخ) قد جسّد ضآلة إنسان في حشرة، فهو قد حوّل الإحساس بالمهانة لدى مساح أراض يحاول أن يكتشف العالم، إلى صورة مجسّدة، وهذه هي فضيلة كافكا، وسرّه.
* ومارسيل بروست؟.
- إنّه أعظم روائي عالمي؛ فقد كتب رواية (البحث عن الزمن المفقود) في (٨) آلاف صفحة، ومات بعد كتابتها.
*وماذا عن دوستويفسكي؟.
-  لعبته النفسيّة أصبحت مكشوفة.
*وكازنتزاكي؟
-  رائع في كلّ ما طرح.. خاصّة في (زوربا).
*وماركيز؟.
 - يجيد صنعة الرواية، لكنه لا يضيف شيئا فكرياً للقارئ؛ فهو سطحي.
*كثيرون تناولوا موضوعة الحرب في كتاباتهم، فمن رسخ في ذهنك من هؤلاء؟.
- إنَّ أعظم من كتب عن الحرب هو الكاتب الروسي (جنكيزايتماتوف) في روايته (جميلة).
*لـماذا؟
- لأنه ليس في روايته ذكر مباشر للحرب، فهي تدور فيما بعد الحرب، وتطرح معاناة فتاة روسية فقدت زوجها.
كذلك عن دكتاتورية الدولة هناك رواية اسمها (العجلة الحمراء) في خمسين مجلداً كتبها روائي اسمه (سولجينيتسن) يعيش خارج بلاده، وقد حصل على جائزة نوبل للآداب.. في هذه الرواية يتحدّث عن ثورة روسيا منذ سنة ١٩١٧م، ولحدّ الآن.
إنَّ في الإتحاد السوفيتي أشد أنواع الديكتاتوريات، فالمواطن هناك أينما يفتح المذياع يسمع: هنا موسكو! ولا يعرف عن أخبار العالم إلا ما تسمح به السلطة!
*ماذا عن الروائيّين العرب؟.
- لا توجد رواية في العراق.. خذْ من (الطيب صالح) روايته (عرس الزين) لا (موسم الهجرة إلى الشمال).
ومن مصر خذ (إبراهيم أصلان) لا نجيب محفوظ الواقعي الذي يمكنك حذف فصول من روايته من دون أن تؤثّر عليها! أنا أريد من الكاتب أن يقصد الشيء في كلّ كلمة يكتبها بحيث لا يمكن حذفها.
أتذكّر كلمةً للروائي (حنّا مينة) يقول فيها: يبدو إنني أكتب لصالح السلطة؛ وإلا فما الذي يفسر بقائي حياً حتى الآن!؟
*عندك بكالوريوس في علم النفس وتعمل في التدريس، والنجارة والكهرباء، والسياقة، فهل هناك جوانب لا نعرفها عنك؟
- أنا أقرأ الفلسفة، والأدب، وأحفظ الكثير من الشِعر القديم، والحديث.
*لماذا هذا الشغف بالشِعر؟
- لقد بدأت حياتي شاعراً، لكنني أدركتُ بأن الشِعر يحتاج إلى تضحيات كبيرة، فانقطعتُ عن كتابته، لكنّ علاقتي به مستمرّة قراءة، وحفظاً، ولا تستغرب إذا قلت لك أنني أحفظ حتّى لأصدقائي، ومن بينهم صديقي عبد الرزاق الربيعي.
*قضية القراءة، والكتابة تشغلك، أليس كذلك؟
- نعم، ولديَ دراسة عنوانها الحالي (الكتابة والقراءة) حاولت فيها كشف أسرار صنعة الرواية لبعض الكتاب، أقول لك شيئاً: إنَّ أيّ شخصٍ بإمكانه أن يقرأ، ولكن أين هي الآراء؟ فلا تقل لي ما تعرفه نقلاً عن غيرك، بل قل لي: رأيك حتى لو كان ضعيفاً، والأدب هو الرأي.
*هل لديك بحوث أخرى؟.
- كثيرة في مجالات المعرفة الإنسانية المختلفة، ولقد قمت ببحث حول الآثار الآشوريّة، فوجدت مثلاً؛ أن آلاتهم لا تختلف عن آلاتنا بشيء.. حتى الفأس نفسه!
*لماذا تهاجم العِلم؟!
- لأنَّ العلم خان الوعي، وحوّل الإنسان إلى آلةٍ. وعندي أن (كارل ماركس) ملعونٌ ملعونٌ.. فهو الذي جنى على البشرية!! وإنَّ كل ما وصل إليه العلم قد توقّف، وهو الآن يعمل على تطوير الأشياء ولهذا يجب الاتجاه نحو الإنسانيّات، ودراسة الإنسان؛ فهو السرّ الذي لم يُكـشَـف بـعد!
إنَّ القتل بالرصاص، أو السيف، أو الحبل.. كلّها وسائل متأخرة، لقد ظهر القتل بوسائل الإعلام.
*وماذا يجب علينا أن نفعل؟.
- أذكر في أحد الأيام، أنَّي وجدتُ صديقيَّ الشاعرين فضل خلف جبر، وعبد الرزاق الربيعي يائسين فأخذتهما إلى منطقةٍ صخريةٍ، ولفتُ نظرهما إلى نبتةٍ مدّت جذورها وسط الصخور مسافة إثني عشر متراً، وقلتُ لهما: هذه النبتة متشبثة بالحياة إلى هذا الحد، فهل تكونان أقلّ منهما؟
يجب علينا أن نـتـشـبـث بـالأمـل.
--------------------------------
*علي جبار عطية: كاتب وإعلامي عراقي.
*نشرت في (عالم الثقافة) بتاريخ 18/7/2020م

عبدالرزاق الربيعي وحسن مطلك
فضل خلف جبر وحسن مطلك