20‏/09‏/2023

حسن مطلك.. الأديب الثائر/د. حميد العلاوي

 

حسن مطلك.. الأديب الثائر 

د. حميد العلاوي

ذلك الفتى الذي عبث بأوراق التاريخ، وغير شفرات الجغرافية.. ثم مضى إلى أبديته، حاملا معه كلمة السر ...

إنه الكاتب والروائي حسن مطلك، ذلك الشاب الوسيم، والشاعر المرهف، والرسام الهادئ، والروائي المختلف.

الكاتب المتفرد الأسلوب، عندما كتب روايته المثيرة للجدل (دابادا) والتي كانت فلسفية المنحى، عصية على الفهم، وكأنه أراد لها أن تكون لغزاً محيراً من بعده، فكانت كما وصفها: صرخة في الظلام، وانتهاء بالنهاية اللا متناهية.

استخدَم أسلوب التعقيد المركَّب، مجسداً علاقته بالميتافيزيقيات، أو ما يُعرف بفلسفة البراهين الدامغة.

بحيث أنك في كل مرة تعيد قراءتها، تكتشف أشياءً جديدة.

كيف لا يكون نتاجه كذلك، وهو القائل الرواية: خطأ مقبول؛ يعطينا شكلاً بديلاً عن الواقع.

ويقول في موضع آخر: الرواية هي أن نُعبر بكل دقة ووضوح عن عدم فهمنا للعالم..

حسن مطلك يُعبر عن نفسه في دابادا، في أكثر من موضع، برمزية فريدة، فمشهد الخريف وضياع الأب تائهاً وراء الأرنب المبقَّع اللون، والضحك غير المبرر، وهو نفسه شاهين؛ ذلك الشاب التائه الذي فقد البوصلة، لذلك قرر العزلة، شاهين.. صرخة حقيقية ساخرة في وجه الفراغ.

رحل حسن مطلك وهو في عز شبابه، وفي قمة عطائه، تاركاً لنا الفجيعة في الساحة الأدبية، وهي بأمس الحاجة لهكذا خيال فلسفي واسع... ومن أشعاره:

عشتار

"عشتار... يا ابنتي

...  من المنفى البعيد

أكتب القصيدة المحطمة

إليك يا سيدة الشواطئ الجميلة.

وبابل القديمة تحاصرها الرياح والعساكر.

إليك يا صغيرتي اشتقتُ."

وقد رثاه شقيقه محسن الرملي قائلاً: "منذ رحيلكَ وأنا مكسور الجناح، مكسور الظَهر، مكسور القلب، مسكوب الدمع، مسكوب الروح، مسكوب العُمر، تائه وسط الخرائب العامرة بالأوهام.".

أُعدِم حسن مطلك لأنه انتفض ضد الظلم، عندها قال للثائرين؛ أنا معكم وهذا دمي زيتاً لبنادقكم. رحل حسن مطلك كما رحل حمد صالح، ومحمود جنداري، وإبراهيم حسن ناصر.. رحلوا قهراً، وكمداً، رافضين واقع القمع والظلم والحرب والخوف والخراب ...

"قل لهم إنني مازلتُ حيّاً، حدثهم عني كي لا ينساني أحد، لأنني أخاف النسيان، أكثر مما أخاف الموت".. من مؤلَّفه: (الكتابة وقوفاً).

"لا حرية في العراق، إن المرء هنا إما أن يكون مجرماً أو ميتاً". حسن مطلك، من يومياته (العين إلى الداخل)، طُبعت بعد رحيله..

ووصف قريته الجميلة (إسديرة) في روايته (دابادا) بقوله: "قمر وربيع وموت قليل".. وهو القائل: "أغار على وطني، الذي كلما قارنت أدبه بآداب الشعوب اكتأبت "....

"أخبرني عن الأهل والمنزل القروي، وأخبرها عن خطيئة هذه البلاد التي مزقتني".

وعندما دُفن حسن مطلك في مقبرة (اسديرة)، لأنه كما يقول الطغاة؛ تآمر على النظام آنذاك، رثاه أحد الشعراء من قريته، حيث قال:

"أريد اسأل ترابك وادري ما ألكاك .

بس كلي المشانق ما استحت منك!

واسديرة بحزن لبست هدوم السود.

واشتاكت لصوتك ولضحكك وسنك".

 

كُتب على شاهدة قبره:

"أغار على وطني

اِشتقت إلى الحرية، من أجل الذود عن الحرية.

 (دابادا)

اسديرة 14/9/1961

بغداد 18/7/1990" 

https://www.facebook.com/photo?fbid=3520673171479458&set=pcb.3520673271479448