23/02/2012

حسن مطلك: الطريق الى العالمية في كتابة الرواية العراقية / حسن الطائي


حسن مطلك : الطريق الى العالمية في كتابة الرواية العراقية
حسن الطائي
يتميز الإبداع الفني والشعري والفلسفي والروائي والقصصي، بميكانزميات البحث، والاستقصاء في نتاجه الروائي، التي تمحورت عناوينه، وافكاره، وثيماته حول الإنسان ككائن يقترن وجوده بمحيط ينعم بالحرية والاختيار، مع وضع محركات تأخذ على عاتقها قراءة الآخر من خلال الانغماس، والتحليل، الذي يقدم صور متعددة لعملية الصراع بين الانسان وعالمه، خاصة إذا ما كان من نمط لا يقبل التفكيك بين الحرية والانتماء، وينطبق ذلك على حسن مطلك الذي يعد احد رموز كتاب الرواية العراقية في الثمانينيات من القرن المنصرم، لتفرده بابتكارات لم يسبقه فيها احدا في الأسلوب والمنهج والفكرة، وبناء عناصر الرواية، والقصة القصيرة، حيث يعتمد على اليات الدور والمبادلة بين الحدث، والمكان والزمان والشكل، بالإضافة الى تجذير الموقف الأخلاقي بصور تضع القارئ أمام تحدي النص الهادف الذي يضع الفن مقابل الحرية والانعتاق من كل أشكال التوتوليتاريا التي استطاعت تجنيد الأقلام (المريضة)، وممارسة التطبيل علي أنغام الموت.
 "دابادا" .. الطريق الي العالمية في كتابة الرواية العراقية
وهذه الرواية عنيت لكاتبها الكثير، فهي عالمه المتجلي في الزمان، والمكان، والصيرورة المحركة لفعل الأشياء، وعلاقة الإنسان بمحيطة المفعم بغريزة البقاء، ووفرة المشاعر الدافئة التي يحب أصحابها البقاء دوما في عالمهم الطفولي البريء. الرواية التي كتب عنها مشاهير النقاد العرب، كجبرا ابراهيم جبرا وغيرهم ممن وجدوا فيها انجازا عراقيا يستحق الوقوف عنده
وحين صدورها لأول مرة تميزت ردود الأفعال نحوها حسب مستويات السائد في الساحة الثقافية العراقية، التي كانت تستنسخ رؤى الخطاب التعبوي الموجه سيما كتاب الصحف الرسمية ورؤساء "اتحاد الأدباء الشباب" في تلك الفترة، حيث كتب عنها محرر الصفحة الثقافية في صحيفة القادسية، ورئيس "اتحاد الادباء الشباب" في حينه (علي الشلاه) في العام ١٩٨٩ واصفا اياها بالناضجة، إلا انها محاولة في رسم طريق متفرد يغرد خارج السرب الذي لم يعتد الطيران بعد، وقد اعتبر الأسلوب الجديد في شكل وبناء الرواية جموحا اذا ما قيس بالنتاج الروائي السائد في تلك الفترة التي تستهلك أدب المعركة ومهرجانات (علي خط النار يابن أمي)؟
أما (عدنان الصائغ) الذي كان رئيس اتحاد الادباء الشباب، من عام ١٩٩٠ الي العام ١٩٩٢ فقد كان أكثر جرأة من سلفه، في دعوة الشهيد حسن مطلك في المشاركة في فعالية ثقافية لقراءة أحد أعماله القصصية التي عنوانها: "حسن أبجد هوز"، لغرض التنويع والابتعاد عن التكرار الممل للنتاج الثقافي العراقي الذي يعيد ويكرر مديح الدكتاتور، وجرائمه ضد العراق وشعوب المنطقة.

قلب النظام مع عدم استنساخه
بعد خوض الكاتب الشهيد حسن مطلك تجارب الحرب المريرة التي زجه النظام فيها عنوة حاله حال الكثير من الادباء والمثقفين الذين لهم موقف من النظام يضعهم في حاله من الشك والمتابعة التي تنتهي بنهايات مأساوية، اقلها إرسالهم الى جبهات القتال لغرض التخلص منهم باسم أداء واجب خدمة العلم، اما أقرانهم من الخريجين الذين لهم ولاء مبالغ فيه لنظام المجرم صدام، فيحظون بدورات ضباط تدريبية خاصة، يتم من خلالها إرسالهم الي مواقع خلفية وبرتبة ضباط مجندين أو يتم انتدابهم الي دوائر التوجيه المعنوي، وصحف النظام الرسمية.
خطة التغيير
التجربة التي بلورت فكرة التخلص من رأس النظام، كانت تتمحور على خطة ناجحة في الأداء، والتنفيذ، ومحكمة التصويب في نفس الوقت كون المنفذ من الدوائر المقربة في أحزمة الحمايات الخاصة للرئيس صدام وهو النقيب سطم الغنام مع مجموعة من الضباط الكبار من عشائر الجبور، حيث يستخدم الأسلوب الذي اغتيل فيه السادات اثناء عرض عسكري. أكد الشهيد حسن مطلك عليهم انه يعمل على تأسيس رؤى جديدة في حال نجاح المحاولة، وإشراك ضباط، وشخصيات من قبائل أخرى مخاطبا إياهم انه لا يريد إبدال قبيلة حاكمة بقبيلة أخرى؟
وتم اشراك شخصيات من قبائل متعدد عربية وكردية بناء علي رغبته، إلا ان المحاولة باءت بالفشل كغيرها من السابقة واللاحقة، وبقيت آثارها ممتدة في اعماق ذوي ضحايا شهداء الموقف، والكلمة الحرة، كما عبر عن ذلك الدكتور محسن الرملي شقيق المغدور الشهيد حسن مطلك في حوار معه عن أعمال ومواقف الشهيد حسن مطلك في اذاعة لورا في زيورخ، الذي يتعرض نتاجه الأدبي والروائي للتهميش من قبل المسئولين في وزارة الثقافة العراقية، ومسئولين اللجان الثقافية، والإعلامية في البرلمان العراقي .
ووجه الرملي ندائه لهم بطباعة نتاجه الأدبي الذي يزداد الطلب عليه من أبناء محافظة الموصل، ومحبي الأعمال القصصية والفنية، للكاتب الشهيد، سيما انه فنان تشكيلي في بداياته الابداعية، ويمثل مرحلة ثقافية نقلت الأدب الروائي العراقي الي العالمية بعدما حظيت أعماله باهتمام عالمي، كما ترجمت اعماله الي أكثر من لغة عالمية.

--------------------------------------------------------------
*حسن الطائي: كاتب وصحفي عراقي يقيم في سويسرا.


*نشرت في (بابنيوز) بتاريخ 20/2/2012م.
*وفي (كتابات) بتاريخ 21/2/2012م.

11/02/2012

حديث إذاعي عن حسن مطلك / سويسرا


حديث إذاعي عن حسن مطلك / سويسرا



في إذاعة (لورا) في زيورخ/ سويسرا وعلى مدى ساعة ونصف، تم تخصيص حلقة كاملة من برنامج (مواضيع من العالم العربي) الذي يعده ويقدمه الصحافي العراقي حسن الطائي، للحديث عن حسن مطلك إنساناً ومبدعاً له موقفه الكبير الذي دفع من أجله حياته.
وقد تم بث الحلقة على الهواء مباشرة بتاريخ 5/2/2012م المصادف يوم الأحد في تمام الساعة الرابعة والنصف بتوقيت سويسرا، ومما جاء في تقديم الصحفي حسن الطائي للبرنامج قوله:
"حسن مطلك روائي عراقي حقق العالمية في الإبداع الأدبي.
تميز المحيط الذي تبلورت فيه مواهب الروائي العراقي الكبير الشهيد حسن مطلك بالتلقائية، والوضوح، والمباشرة في المواقف، فيما تلجأ إلى الرمزية في التعبير أحياناً بهدف إيصال الصورة والحدث الأمر الذي ترك أثره في نتاجه الروائي كما في رواية "دابادا"، وهي الرواية التي شكلت منعطفاً كبير في مسيرته الإبداعية وأوصلته إلى مصاف الآداب العالمية بعدما حظيت باهتمام النقاد والمختصين.
في هذه الحلقة من برنامج (مواضيع من العالم العربي) عبر راديوا لورا في زيورخ، وفي حوار إذاعي نخصصه عن حسن مطلك، سوف نسعى لاستعراض جوانب من حياته، ونتاجه الأدبي، ورفضه لسلطة الفرد الواحد.. هذا الموقف الذي كلفه حياته بعد اتهامه بالمشاركة في محاولة لقلب النظام العراقي السابق.
وذلك في حديث لنا مع شقيقه الدكتور السيد محسن الرملي كاتب وناقد وأكاديمي عراقي يقيم في مدريد، وكان أملنا أيضاً أن يشاركنا الحديث السيد عبد الزهرة زكي شاعر وإعلامي عراقي يعيش في بغداد، ولكننا للأسف لم نتمكن من الاتصال به ".
إعداد وحوار: حسن الطائي
للاستماع إلى هذه الحلقة من البرنامج، على هذا الرابط:

Themen aus der arabischen Welt
Der irakische Schriftsteller Hassan Mutlak erlangte internationale Bekantheit durch seine Spontaneität, Klarheit und die Metaphern in seinem Werk, besonders im Roman "Dabada" 1988 (Dabada ist ein Laut der Kindersprache). Mutlak hat das Interesse von Kritikern und literarischen Fachleuten geweckt. Er aktzepierte kein autoritäres Regime. Er wurde 1990 verhaftet wegen Beteiligung an einem Putsch gegen Saddam Hussein. Nach einem halben Jahr erhielt er die Todesstrafe und wurde erhängt. Er gilt als Märtyrer für die Meinungsfreiheit und für den Frieden.
Wir diskutieren sein Leben und Werk mit seinem Bruder Dr. Muhsin Al-Ramli und dem irakischen Publizisten und Dichter Abdul Zahra Zaki.
Redaktion und Moderation: Hassan Altaei
jeden ersten Sonntag im Monat
موقع راديو لورا وصفحة البرنامج
على هذا الرابط:


01/01/2012

شـهـادة جـمالـية عـن الـحرب / حسن مطلك

شـهـادة جـمالـية عـن الـحرب

   حسن مطلك
       فَرضَت عليّ الحرب تجربة، ومن هذه التجربة حصلتُ لنفسي على مقدمة منطقية كبرى: إن كل ما يخاطب النفس فهو مقنِع. أصبحت هذه المقدمة منهجاً لجميع كتاباتي في هذا المجال. لقد اكتشفت خصوصية الكتابة عن الحرب، أو ما يسمى بأدب الحرب لغرض الدراسة والنقد. لأن الكتابة عن الحرب لا تختلف عن أي نوع آخر من الكتابة، غير أن هناك خصوصية معينة، كما قلنا، لهذا النوع، فحظ الخيال أقل، وكلمات العزاء أقل فاعلية وتأثيراً من الفعل، فلا قيمة للعزاء إذا لم يقدم على شكل فعل: أن تعمق معي خندق القتال أفضل من أن تقول لي: اصبر. وكان عليّ أن أنقل الفعل نفسه في القصة أو الرواية خالياً من كل كلمة مفتعلة، خالياً من كل تطلع آمل.
  فقد كانت هناك فكرة سائدة عن أدب الحرب: أن يحمل النص قذارة الحرب نفسها. ولكن تجربة الليلة الأولى في الجبهة علمتني، فيما بعد، أن أواجه الحالة الدموية بنص رقيق، وأن الجانب الشعري والجمالي يجب أن يحتفظ ببعض الهدوء والكبرياء. ألتمس منكم أن تسترخوا في مقاعدكم الآن، لأنني لن أُسمعكم صوت انفجار قنبلة، فهذا الأمر لن تتصوروه أبداً.. فأطلب منكم الانتباه إلى الجملة الأولى في آخر قصة كتبتها عن الحرب، اسمها  (بطل في المحاق) :" في إحدى الأمسيات من زمن الحرب، طارت شظية مسننة فنبتَت في ظهر خالد وهو يضحك بكل قوة، لكن الابتسامة لم تسقط عن وجهه فجأة، بل انسحبت بتمهلٍ لتحل محلها صورة الألم.. وكأنه حُقن بالحِبر..". وهناك في موضع آخر من شوط التجربة الطويل تأكد لي أن القليل من الجد لا يكفي لإنشاء قصة تصعد إلى مستوى الحدث ذاته، فليس هناك حدٌ أدنى للكتابة عن الحرب، لأن ليس هناك حدٌ أدنى للموت. أعني ملامسة النار باليد والروح وهو الاختيار الوحيد الممكن لتقدير درجة حرارتها. لقد لامستها بيديّ هاتين، حتى لقد كان من السهل أن أفقد يدي التي أكتب بها، وكان هذا يرعبني أكثر مما لو أني متُ فعلاً.
  لو حدثتكم عن جميع مشاهداتي، رغم قصر المدة التي قضيتها في الجبهة، والتي لا تتجاوز بضعة شهور، دخلت فيها معركتين، إذن لاحتجت إلى حزمة أوراق، ولاحتجنا إلى وقت لنسمع.. وربما نـحتاج إلى أكثر من وقـفة لـنتأمل.
  ولنقف هنا عند تجربة صغيرة: خرجت مرة بصحبة دورية قتالية في الأرض الحرام، ليلاً طبعاً، كان ذلك في أرض الجنوب المنبسطة، وكان الرصاص المعادي ينفذ من بيننا كسنارة الحياكة، وحدث أن سكنَت الجبهة بقية الليل، وبعد ما نفذنا الواجب ـ فقد كان لها فترات من الصمت أشد هولاً من لحظات الاصطدام ذاتها ـ كنا نمشي طوال ليل حالك.. نمشي ونمشي ونمشي.. فاعتقدت بأن رغبتنا بالعودة إلى مواقعنا، قد صورت لنا الطريق أطول مما هو عليه في الواقع.. وهكذا، حتى بدايات الفجر الأولى، حيث اكتشفنا أننا كنا ندور في دائرة صغيرة من الأرض. وكان لهذا الدوران أكثر من معنى لديّ؛ ففي قوانا اللاواعية كنا نحمي أنفسنا دون أن نعرف، إذ أن الخوف من المتوقَّع.. الخوف الذي لم نتمكن أن نعلنه لبعضنا مخافة المزيد من الخوف، جعلنا نشعر أننا محاطون بالموت أينما اتجهنا. وفسرت تاريخ الحروب كلها على أساس هذا الدوران. وتعلمت أشياء كثيرة في هذه التجربة؛ عرفت، مثلاً، أهمية المكان بالنسبة لأي حدث، وأهمية أن يكون المكان معروفاً لأجل الألفة، فليس هناك شيء يفوق المكان في الأهمية بالنسبة للجندي، وبالنسبة للقاص والروائي والمسرحي.. فطوال تلك الفترة، وفي لحظات الحاجة إلى الأمن، كنت أحمل في داخلي صورة لبيتي القروي أينما ذهبت، فمعرفة المكان معرفة مباشرة تكفي لإنشاء قصة صادقة. وثمة دلالات أخرى للحدث تستطيعون تصورها.
   ظلت الحرب معي حتى بعد أن غادرتُ الجبهة، وهي معي الآن وغداً وبعد غد، في تجربتي وتجربة الآخرين. في تجربة (حسين عبدالقادر) مثلاً: الذي أُصيب بشظية صغيرة استقرت في عظم الحوض. فهو في كل محاولة لكي يلامس زوجته يكاد يموت على طرف السرير، في ذروة لقائه الجسدي بها.. لحظة الإضاءة الجسدية. كانت هي تستمتع، بينما كان يتألم بأشد ما يكون الألم، فلم يكن يريد أن يطلعها على ألمه مخافة أن تفقد سعادتها ولذتها به.. ذلك أنه كان يحبها جداً، فعليه أن يخفي ويحتمل.. يخفي حتى بكاءه. وهذه الحادثة وحدها يمكن أن تلخص الحرب كلها... قلت سأكتب عنه لتحديد هذا الانكسار، ففي معركة الفاو كانت طلقة مارقة قد خرقت زمزميته وهو يهم أن يـروي عـطشه.
  لقد لاح لي الأمر أحياناً؛ أن الكتابة إزاء مثل هذا الألم مجرد لعبة، وشككت أحياناً في إمكانية أن أكون وفياً لأخوتي هؤلاء... إن حسين عبدالقادر قد حمل الحرب بداخله حتى يومه الأخير.. ألسنا بحاجة إلى أكثر من وقفة هنا؟. وأكثر من تأمل؟.. ألم تكن هذه التجربة الفريدة أقوى من أصوات المدافع مجتمعة؟.
  في بداية الحرب كان لدينا الكثير من المبررات للحلم بخوض هذه التجربة، بسبب قراءاتنا السابقة عن أدب الحرب في العالم، حين دخلناها فعلاً، وبكل أبعادها وحرارتها، أصبحت مبرراتها أقل. فقد تحولت الأسئلة إلى غصة. ذلك أن الأسئلة الكبرى تُصنع في أوقات الفراغ. أما في الحرب، فثمة ذهول يعتم كل إجابة. فلماذا لم تحظ الحرب بكفايتها من التنظير؟ ولماذا استُبعِدت من مشاريع أغلب الفلاسفة؟ مع أن معظم شعوب الأرض قد خاضت هذه التجربة وستخوضها في يوم ما.. فهل هذا يعني أن التساؤلات الكبرى لا تأتي إلا من أوقات الفراغ فعلاً؟.
  إنني أفتح هذا الباب لكم، ومن خلال تجربتي الصغيرة، وتجربة بلدي، أن تدخلوا وتفتحوا ملفاً للحرب، إلى جانب ملفات الديمومة والكينونة والانطولوجيا.. والوجود في ذاته، وفي ملفات الكتابة والنقد الأدبيين إلى جانب الحبكة والأسلوب والمضمون والثيمة والسوريالية، وليبتدئ المفهوم الدقيق لأدب وفكرة الحرب من هنا والآن.
   وبعد ذلك، فإن القصة التي كتبتها والتي أحلم بها لم تتحقق بعد بحيث تكون بمستوى التجربة، لأن الحرب لم تنته بالمعنى الفعلي بعد، فقد نبتت في داخلنا، كما قلت... إذن فالقصة التي أحلم بها تجعلك تتلمس المكان حولك بحثاً عن سلاح أو ملجأ تختبئ فيه.
   هناك شيء آخر عرفته من خلال تجربة الحرب؛ عرفت بأننا لسنا جادين أبداً، لا في كتاباتنا ولا في قراءاتنا، ذلك أن ما كتبناه وما قلناه لا يساوي جزءً يسيراً من هذا الألم الهائل: ألم الصدمة المميتة المُعرية.. صدمة الحرب.. وجهاً لوجه أمام الموت." وكل مواجهة حقيقية للموت هي وجود أصيل" كما سماه (هيدجر). وبعد التجربة بدأت أقرأ وأكتب بجنون.. أكتب، لا لكي أحمي نفسي فحسب، ولا لكي يلمع اسمي أكثر.. بل لكي أكون أكبر من مؤامرات العالم كلها، أكبر من العالم نفسه.. ولأصنع لنفسي معنى يتجاوز كل ألم وانسحاق، لأكون بمستوى الحرب من حيث الفعل.. وإلا فإنها ستبقى أكبر مني.
-------------------------------------------------
*مداخلة قرأها حسن مطلك في ملتقى عن أدب الحرب، ونشرت هذه الشهادة في كتاب (ذاكرة الغد) دار الشؤون الثقافية/بغداد1989. وفي كتاب (الأعمال القصصية) لحسن مطلك، الصادر عن الدار العربية للعلوم، سنة 2009م.

03/07/2011

كيف التقيت بـ حسن مطلك / إيناس عبدالله

كيف التقيت بحسن مطلك

إيناس عبدلله
القراءة كالحب، جرثومة نلتقطها على مهل لتنتشر فيما بعد كالقدر الذي لا يحده سوى الانبهار والتسليم، وهناك كتاب نتخذهم من خلال كتبهم كالعشاق تماما،كأمراضنا الشتوية، ربما كالرصاصة التي قد تشلنا في حرب ما، شيئ سيبقى معنا كما يبقى العمر، و يعيش كما يعيش الشك معششا في الركن القصي من اليقين!
لم اكتب عن كاتب في حياتي، إيمانا مني بأن المشعوذين لا يشون بمؤامرات بعضهم البعض، ولا بقدسية وكرامة وعظمة ان يكون المرء كاتبا له خصوصية الانبياء او الممسوسين، ولكنني لم استطع منع نفسي، من الإعجاب بصخب، بكاتب مثل حسن مطلك.
انني عمليا اقيس تأثير أي كاتب في كقارئة، بمقياس الاستحضار الدائم لما قرأت، حين ارى الحياة تتماهى وتتشابه مع أدق لفتاتته وحين تتقاطع كل طرق الحكمة وتصل الى روما أحلامه ،حين أكون في صفه مئة بالمئة نعاني سويا وبزخم، من مضاعفات الجمال!
لطالما كنت كقارئة اولا وككاتبة ثانيا لا أؤمن بالوجودية ولا بالغوغائية او السوريالية.. وهي ان تجذرت بالفن فلقد اختلطت ايضا بعالم الأدب ولكني اومن بالفلسفة كركن مهم للإبداع الأدبي، واعتقد جازمة ان هذه الفلسفة هي ما قاله بالضبط كارل ياسبرز:
(جوهر الفلسفة يكمن في ان طرح الاسئلة أصعب من الاجابة عليها) لكن، من غير الكاتب قد يكون من طارحي هذه الاسئلة، وضحايا أجوبتها؟الكاتب الحقيقي سوف لن يجرؤ على رتق التمزق، بين السؤال والإجابة، إنه ينتقل الى خطة اخرى، أن يطرح السؤال والإجابة محاولا اقتفاء اثر الحقيقة في كل منهما وموازنته من اجل فهم افضل، ويقول حسن هنا:
(إن السؤال الكبير المهم....يجب أن يجد إجابة تغطيه)
لقد طرح حسن مطلك الكثير من الاسئلة غير التقليدية، عن الحياة العامة ـ الخاصة، وقد برع في ولوج كنه التداخل بينهما بروية وبحرفية عالية، من التفاعل الميتافيزيقي، مرورا بالعاطفي وحتى النفسي مع الانثى_المحيط ،هذا التفاعل ذو الحساسية غير العادية، والنظرة الشاملة العميقة بدا مثاليا الى حد كبير، إذ أن كل ذرة من المدينة هي ركن شاسع من العزلة المبهمة، وكل ذكرى لمسة من إمرأة حالمة، هي انشطار نووي عن القلب وانسلاخ بربري عن الحنان ،ذلك الحبل السري الخفي الذي لا يقطعه سوى الاغتراب والقطيعة!.
لقد أبهرنا احيانا بالنتيجة ومحاولة رتق ثغرة المسافة بين السؤال وجوابه ،إلا انه ككل الأبرياء وقف حائرا امام سؤال الكائنات الأزلي..... ما الحب؟!
إن حقيقة الحب كما أراها مثلا ليست ككل الحقائق، لان الوعي لا يبررها، بل هي برهان اللاوعي الغريب والقاطع.. لذلك لم تأت الاسئلة عند حسن على شكل إدانة ولا الإجابات على شكل تهديد أو تفويض ،ولذلك أقل وصف ممكن لأسلوبه العميق والتحليلي والجاد والمتحري للصدق حتى في أحوج اللحظات للكذب، بأنه مذهل وملهم!
برأيي ان القارئ روائي صامت وبأن الكاتب الذكي هو من يكتب للصمت بكل ما اوتي من صراخ،فنسمعه ونعيه تماما، وليست الفكرة بأن يتقولب الكاتب حسب باروميتر معين لاستقطاب الجمهور، بل أن يكسر كل المقاييس لترويض وكسب ذائقة القارئ مهما كان مستواه وترتيبه في الحياة او الأدب.وفي الكتاب نرى صراعا بين رغبة حسن في التوجه لجمهور وبين حساسيته ككائن يتعمد العزله،ولا يمكنه بأي حال سوى الشك دوما بقدراته كمبدع رغم كثرة البراهين، تماما كما فعل كل الكتاب الكبار قبله.
أسلوب حسن السهل الممتنع بهرني وكان بطلا أيضا من أبطال هذه المذكرات أو السيرة، فبين قوة الكلمات أمام ضلال الحياة وتكلسها في قعر النفوس، وبين الأيماءات التي تجعل القراءة بين السطور أوضح من القراءة فوقها نتوحد تماما في لذة الأنصات لهذا الأنسان غير العادي، غير المتملق والقادر دوما على قول الحق،حتى ولو كان همسا يزحف بروية من العالم الاخر.
في (ظلالهن على الارض) ثمة اسئلة مزعجة كموجة حرائق،ثمة قلق عنيف وحزن لا يليق بفارس كلمة، ثمة ظلم وحروب وفقر وخوف أي ثيمات الحياة الملاصقة للامعقول، ثمة بحث مضني عن الأمان ولو في الأحضان الأدمية الهشة المتقصفة كعيدان الشجر الجاف، ثمة عقل جبار وآسر،وشفافية عاشق حتى الرمق الأخير، ثمة روح لا تستوعبها عبثية الأيام.. ثمة سفر طويل ومتعب الى داخل الداخل حيث لا حدود تماما، ولا وصول نهائي!
نعم هذه مقدمة طويلة للتعريف بكاتب، لكن حسن مطلك لم يكن كاتبا فقط، بل فيلسوفا رفيع المستوى، عاشق من الطراز الاول واخيرا ضحية بريئة لم يكلف موتها الجلاد شيئا ،لكن ذلك الموت كان اكثر كلفة من إبادة شعب كامل، ذلك لأن الكاتب ضمير جمعي مضغوط في شخص واحد، ولأن العبقري البريئ دوما مسيح مؤجل يموت نيابة عن مؤمنين وأغبياء كثر!
كنت اتسكع في مكتبة نائية، وعادة ما اسخر كثيرا من الكتابات التي تؤرشف للحب، او تتسول حضور قراء يجبرهم فقرهم العاطفي على التعويض بالتهام الكتب والروايات العاطفية، حتى انني أقرأ كل شيئ لشكسبير عدا روميو وجولييت لكثرة ما استهلكت مثل علكة قديمة، حين لمحت كتاب (ظلالهن على الارض)..... لحسن مطلك
تأملت العنوان قليلا، و قرأت العبارة التالية:
(هكذا لا فرق بيني وبين ما افكر به........ بما انني سقت نفسي بقسوة الى الاعتراف بعدم الكذب. انا والكتابة شيئ واحد)!
حسن يتبرأ من موهبة معينة بشكل خاص أي الكذب، بما ان كل كاتب وشاعر هو بالضرورة كاذب فطري موهوب، لكنه يتوحد مع الماهية القصوى لذلك الفعل أي الكتابة، لقد ملكني كقارئة عند جملة انا والكتابة شيئ واحد ولذلك لم استطع الفكاك نهائيا ليس فقط لأنني اتعاطف مع فعل الكتابة، بل لأن حسن يتيم العالم ليس له أبا غير الحرف، وحتما حين نتوحد في مطلق شيئ محدد فنحن نتيتم من كل شيئ عداه، ولا نرضى بغير تلك الأبوة المستحيلة!
الظلال خفوت محسوس وحاضر، والأرض تجسيد للشساعة فكيف يقبض ظل امرأة على الكرة الارضية هكذا الا اذا كان من ابتداع كاتب تماهى كليا مع كلماته، حد أنه أتخذها له كظل أبدي بحيث لم نعد نعرف الحدود التي قد يتبخر عندها الواقع ويبدأ فيها الحلم بالهطول!
كانت ستكون مذكرات هذا الرجل العاشق عادية لو انه أراد لها ذلك ولكنه وأراهن بكل قوتي على الرهان..
أراد أن يوجه صفعة حارة وحارقة لكل من تسول له نفسه، ان يرى الحب كما نراه اليوم او نكتب عنه ونحلم به اليوم ، شهوة فارغة تستنجد بالخيال الفضائحي والكلمات الاكثر ذلا كي تعطيها زخم الاستمرار، ولهاث مبني على فقر... إحساس وتدني او علو مستوى ادراك نظرة الجنس للجنس الاخر، وأحيانا مافياوية عاطفية دفينة في امتلاك اخر قلب يدق من اجلنا. لا ليس هذا الحب ولن يكون.
يقول حسن:
(لم افكر بالرضا إذا ما اصبحت مجرد مسطر حروف)
(جاءت تلك المعجزة فدخل الجمال كله الى الغرفة، ذهبت تلك المعجزة فخلفت سحابة من عطر، وبين المجيئ والذهاب سنوات من الشفاء والتخلي والحرية، إنها رعشة جسدية وضعت العاطفة في اكواب)!
(تناولنا قبلة.......سحبت نفس التاريخ)!
(اكاد اسمح لنفسي ان تعوم في هذا الهواء السلس والمتوتر، أن تكون مشروع لحلم إمرأة،واقول: إنني كنت محتاجا جدا بأن أٌستخدم هكذا بلا أية عوائق، وبلا شفقة على نفسي، وأن أغطس في الانهيار منقادا ومستسلما بكيفية تنتمي الى الهيولي إلى اللامحدود... انتزاع كل ثألول تاريخي كل ذكرى معاندة، ذلك أن العطر الأنثوي كان يدور حول الجسد من الخارج ولا يلمسه)
(حين ذهبت شعرت بأنني فقدت احد اعضائي)
كتاب حسن مطلك إذن:
هو لاهوت متكامل عن الايمان والمحبة والبغض والغيرة والالم كبطل في حياتنا،الصراعات المحيرة للانسان، ولصاحب العقل الذي لا يهدأ، فالأذكياء غالبا، أناس يعيشون دوما في دوامة المعاناة القسرية، والعواطف البركانية، انه دليل جوعى الحب إلى الإشباع، ودليل الشك الى اليقين، أنه الصديق الأغلى في ليالي القحط العاطفي وغبار طلع الأحزان
وهو عن محنة الكتابة والحرية وسطوه الضمير المثقوب برصاصة العرفان، وما يجره من ويلات على صاحبه الهزيل.. عن القرى النائية في الفجر وجماليات الاستيقاظ عن طريق عصفور وعن بهجة الطين وممرات الكليات المعتمة والحبيبات اللواتي لا يذكرهن كما تذكر الحبيبات العاديات هن لسن حبيبات بل حيوات كاملة متكاملة!
يقول حسن:
(لم أنس عندما جلست على سطح بيت مهجور، في جبهة الحرب، في مكان لصيق بمياه شط العرب، المكان أشبه بشرفة معلقة في الهواء تطل على غبار العجلات المدرعة، وكانت أسرة الجنود تتشمس في ممرات غابة النخيل أو أوحي إلي أنني ألمس نينوى بأصابعي، وان رائحة المطر تتسرب إلي، في اليوم التموزي الأحمر، أزقة الحارات القديمة، حيث دجلة يشق المدينة عنوة لكي يفصلني عنها، وذهبت الى الشتاء الماضي، لأتسلى بانفجار فقاعات الهواء على سطوح غدران الماء)
كتاب عن الحياة حين تنقلب من مفهوم بارد الى دم ولحم، الحرقة والايمان والفخر بالوقوع بالحب، اشياءنا الصادمة حين نكتشف في انفسنا شايلوك تاجر البندقية اللئيم حين نضغط على عشاقنا ليبعونا مالا يقدرون عليه، ارضاءا لنرجسيتنا النهمة
حسن الذي لا يحب المراة التي تهزم وتذوب وتتوحد بل التي تنفصل بجدارة وتكون مستقلة حتى بالحب المجنون
إذ أن الحرية هي أصل كل ما هو خالد وجميل وصحيح!
يقول:
(رميت عنها حمل الماضي....... زرعتها في الثقة مباشرة...... قربتها الى الأمان)
(يكفي ان أغمض عيني، أنا مذنب بما انني رجل، ياللخسارة، لقد اضعنا ثقة الله ومسحنا المرأة بشهوة الدم وأقفال صناديق الزينة ورنين يوم العرس).
(لم يحدث ما حدث لي لو لم تتحداني براءتها)
(يا ربي، إنني أحبها بجنون لا يباح لأحد)
(لا بأس، عودي إلى قطيع الناس، وتزوجي وتقبلي الصفع والكلمات الجارحة، وانجبي الأطفال...ثم هيئي لنفسك كرسيا ذا عجلات لكي تكوني جدة عتيقة، مثل كبرى شجرات الزيتون)
هو كتاب عن تراجيديا الفتات من الحياة، عن أن اصغر اللفتات والضحكات واللمسات قد تخلق عظمة الكائن او سقوطه المدوي.
يقول:
(لم نعد من سكان هذه الأرض المصبوغة بالدم...... إننا من كوكب آخر لا تعني لديه كلمة موت أكثر من نكتة فارغه تثير الضحك)
(إن غرورها يبدأ،حين تقتل غروري)
(لا تعرف انها نظيفة بينبوع طيبتها، وان سلاستها سلاسة النافورة)
(قال أحد الأصدقاء لي.......إنك بحاجة لأمراة كبريت)
حسن الذي فهم عناصر الطبيعة الموجودة في ارض النساء من الذهب الى الكبريت، كاتب سحبني طوعا وبابتسامة لأخوض في الروعة النقية كطفل يتقلب سعيدا في الوحل، مطمئنا الى ان الكلمات هي من تجعل هذا العالم الموحش بيتا حميما أزليا ادخلني طوعا، الى الرؤى الشائكة والحريرية الملمس عن ان الحياة كلمة، والكتابة خلود، وقد فهمت بعد ذلك تماما لم مات حسن مطلك!
السياسة والديكتاتوريات والإنقلابات والمشانق لم تكن سبب موته الرئيسي بل الثانوي، رغم ان هذا الترتيب لا يعفيها من الجريمة المطلقة، بل الحرية التي قايضها حسن بالحياة تحت التراب، هي السبب!
كلمة أخيرة:
انني افهم تماما.. والان، ومن بين أنياب الأسف على غيابك ومتعة قراءة حرفك الحساس يا صديقي حسن، ان ما تخطه الروح الوثابة الرابضه كالشمس في نواحي الافق، لا يمكن وبأي حال ان يمحو اثارها دود المقابر، إذ ان الشمس عمليا لا تغرب بل الارض الجاحدة التي نحن عليها هي التي تدير ظهرها للنور!
إنني أكرر قراءتك يا صديقي كما تكرر المقبرة روادها ولا أمل ولا امتلئ، انما تجتاحني الحيرة المجيدة والعنفوان الصارخ، والرغبة في ان اصبح إمراة اخرى لا جلد لي سوى حريتي وبلا ملامح كالصدق، روح لا يمكنها المضي والتطهر بغير الأنغماس المطلق بالمسالم وبالبهي من الأرواح!
أنني أراك بهيا حتى في الإغماضة الاخيرة للمشنقة، ونقيا مثل ينبوع نئى عن السيول، وحارسا لبوابة الحرف والعاطفة.. والحراس لا يموتون، يبقون شيئا من خوفهم وشكهم وبكائهم عند العتبات دوما.........
لن امنع نفسي من الحب، لكن ليس قبل الوله بالحرية، التي قايضتها انت ببرود الطريق الآخر.. البعيد، حيث رحلات القلب، التي لا تنتهي بزمن ....... بل بيقين.
وصدقني حين أقول، لم أكن أعرف، أن هناك رجالا يشبهون الأبد بحد ذاته، إلا حين قرأتك!.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*إيناس عبدالله: كاتبة من فلسطين. Lilyrose13@maktoob.com
*نشرت في (كتابات) بتاريخ 4/7/2011م.
http://www.kitabat.com/i85477.हतं

30/01/2011

(العين إلى الداخل) حسن مطلك / عرض: حسين العنكود

(العين إلى الداخل) حسن مطلك
حسين محمد العنكود


عن منشورات (مؤسسة الدوسري للثقافه والابداع ) في البحرين صدرت مؤخراً الطبعه الاولى من يوميات وقصائد المبدع العراقي الكبير الراحل حسن مطلك، ويعد هذا الكتاب هو السادس بعد روايتيه الشهريتين (دابادا) و(قوة الضحك في اورا) وأعماله القصصيه (أبجد حسن هوز والحب هو الركض على حائط) ومذكراته الحرة في الحب (ظلالهن على الأرض) ومجموعته الشعريه (أقنعة.. أنا وانت والبلاد)... صدر الكتاب الجديد الذي يحمل عنوان (العين الى الداخل) كتابة حرة/يوميات وقصائد، والذي جاء بـ 141 صفحه وسييوزع في جميع المكتبات، يتناول تجربة الكاتب ويومياته وعذاباته وتمارين الكتابة وسفره العظيم في البحث والتقصي وانطباعات عن الكتابة وعن الالام التي عاشها أثناء كتابة روايته الشهيرة الأولى (دابادا) وعن العزلة والمجتمع والحب والحاجة والطموح باسلوبه المتميزوبلغه فائقة في الدقة والوصف.
ويفاجئنا وهو ابن الـ 22 عاماً كيف كان يفكر بعبقرية مدهشة حقاً، ويتكلم بطريقة الكبار.. يقول في إحدى يومياته: "انغام شوبان في غرفتي، وأنا وحيد وحزين.. حزين.. لقد قتلني (أوسكار وايلد) في (صورة دوريان جراي) انتهت الآن.. بأنغام شوبان.. لقد قتلني.. وأنني أنتحب.. أنا محطم.. وأريد أن أكتب.. يالغيرتي من هذا الفذ.. يالغيرتي من هذا الأديب الذكي العجيب..! أنا رجل رديء لا أصلح لشيء. أبكي.. وهاجس الكتابه يصلبني."
إنه عمل بحاجة إلى قراءة جادة يعيدنا بقوة الى مراجعة كل ما أنتجه حسن مطلك وضمه إلى حزمة الأدب العالمي بجدارة.
من الجدير بالذكر أن هذه المذكرات قام بجمعها واعدادها وتقديمها للنشر د.محسن الرملي شقيق المبدع الراحل حسن مطلك وهو أكاديمي وأديب مقيم في إسبانيا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في (مركز النور الثقافي) بتاريخ 9/1/2011م.
حسين العنكود

مذكرات نادرة لـ حسن مطلك

مذكرات نادرة لحسن مطلك

بعد عشرين عاماً من رحيله
عن مؤسسة الدوسري للثقافة والابداع

صدر حديثاً عن مؤسسة الدوسري للثقافة والابداع كتاب "حسن مطلك..العين إلى الداخل" ويعد الكتاب مجموعة من اليوميات والقصائد التي جاءت على هيئة كتابة حرة جمعها وأعدها للنشر الدكتور محسن الرملي.
ويعد هذا الكتاب ذي أهمية بالغة، حيث يكشف في أوراق ومذكرات ويوميات الروائي العراقي الراحل حسن مطلك ويقدمها للقارىء كما هي بأمانة شديدة كون الذي أعدها للنشر شقيقه الدكتور محسن الرملي بعد أكثر من عقدين على رحيل مطلك.
ويضعنا حسن مطلك تحت سطوة هذه الكتابة الحرة، واليوميات الدافئة التفاصيل بدءاً من سنة 1983 إلى عام 1989 وهو العام الذي اعتقل فيه.
حيث ينطلق حسن مطلك في تدوين تلك اليوميات مبيناً أفكاره ومشاهداته ومصادر ثقافته.
ويحتوي الكتاب الذي يقع في 141 صفحة من القطع المتوسط، في شقه الأول يوميات حسن مطلك بينما ينفرد الشق الثاني من الكتاب باثنين وعشرين نصاً شعرياً بلغة شعرية باذخة وعميقة قدم لها الدكتور محسن الرملي.
يقول مطلك في مذكراته المكتوبة في الرابع من يونيو عام 1983: " انتهت دراستي الجامعية. جالسٌ في غرفتي، في قريتي، اقرأ وأستمع إلى الموسيقى. لقد عزمت على شيء.. وإني لأرتجف حتى في الكلام عنه: أن أكتب رواية.. يا للهول..!
روايتي الأولى ستكون كافية لقتلي أو إحيائي.. وإنني خائف أيما خوف!
إنني أستجمع قوتي للوثوب، للافتراس، للبدء في الكتابة.. يا له من عمل شاق...! أتهرب منه مثلما أشتاق إليه.." موغلاً في تلك العوالم، مشرعاً لقارىء هذه اليوميات نوافذ على تلك التفاصيل ملامساً تلك الروح، مدفوعاً للكتابة دون أن يدري سبب اشتغاله بالكتابة أمام احساسه بالعجز الكبير أمام الكتابة بوصفها "كائناً خرافياً" كما جاء على لسانه في اليوميات.
وفي تقديمه للجزء الشعري من الكتاب ينقل الدكتور محسن الرملي عن حسن مطلك قوله: "الشاعر: شخص كتب قصيدة عظيمة ثم أضاعها."
ويضيف الرملي "هذه جملة نصوص شعرية، مضاعة- ربما عن قصد- عثرنا عليها متناثرة بين ما تبقى من أوراقه ودفاتره، منها أوراق لا صلة لها بالأدب كدفتر بأسماء الدائنين أو دفتر لرسومات خرائط البيوت مثلاً.. وهي بذلك توحي لنا بأنها قد كانت دفقات إبداعية لمشاعر وأفكار وحالات انتابت حسن مطلك فاحتواها الشكل الشعري، في حينها.. على عجل؟!، وتُركت كمسودات خام، مكتوبة كيفما اتفق، منها ما لم يكتمل بعد، ومنها ما شُطب عليه، ومنها ما هو بلا عنوان أو تاريخ، كتبت بعضها بشكل القصائد والآخر بالصيغ النثرية...
ومنها ما فقد حتماً.. لكنها جميعاً قد كتبت لمرة واحدة فقط دون إعادة.. ولو كان هو بيننا الآن لرفض أن نجمعها ونهتم بها. كل ذلك لأن حسن مطلك لم يزعم يوماً بأنه شاعر.. مع أن المعروف عنه بأنه قارىء نهم وناقد ذواق للشعر ومالك لزمام لغة مدهشة."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في جريدة (الآن).. وغيرها، بتاريخ 30/1/2011م.

http://www.alaan.cc/pagedetails.asp?nid=67088&cid=33#

مؤسسة الدوسري للثقافة والابداع
http://aldosariculture.com/home/
والتي يمكن مراسلتها على هذا العنوان
info@aldosariculture.com

26/01/2011

بورتريه إلى حسن مطلك / مهدي النفري

أنحني كزهرة لأصافح قلبي

بورتريه إلى حسن مطلك

مهدي النفري
-1-
الجمرة فوق جناحي الفراشة أتذكر جيدا في يوم ما سيأتي بأني كنت اراهن كثيرا على الماضي السحيق الذي لم يصل اليه احد / نعم انني ما زلت الشاهد الوحيد على ارجوانية الماء وقدح الفراغ وهو يمتلىء بكل اليقين / لست شيخا او حكيما كل ما اعرفه أنني طفل.
نعم ما زلت طفلا افكر كثيرا في كتابة اسمي بل اجزم انني ارسمه لاني لا اجيد الكتابه بين اربعة جدران وربما اكثر العدد، او قل ما اعرفه جيدا أن الارقام تعني لي اشواكاً زرعها الغير وعليّ جني الثمر / ولأنني اول حرف نطقته وأول همهمة خرجت بين شفتي (السؤال).
قال لي ابي (أرى ... ترى ... لا ترى ... الرؤيا...) وهو يهديني الهدية الاولى والاخيرة في حياتي حتى انه لم يشتر قط اي هدية في حياته لأحد لكنه فعلها معي ربما لأنني سيىء الحظ لدرجة أنني كلما رفعت رأسي لأرى هدب عيني وجدته ينفر مني بعيدا جدا ابعد من بصيرتي لي / اركنت هدية ابي الى قلبي. امسكت بالنبض ورزمت حلما طويلا فضفاضا كثوب يشبه الابدية وغموضها /
ما من مكان آمن لهذا المطر
ولا لتلك الشمعة وهي تجري خلف فراشة ميتة
كنت ارى الباب يقتطف منا حناجرنا / رأيتُ صمت امي وهو يصرخ من عباءتها
رأيت اغصان العزلة تشد اجنحة العصافير إليها
لكن لم اكتف بسقم اللغة ولا حتى اثر خطواتي وهي تنشد الافق موسما لها كالربيع

-2-
....................................................
نبوءات لم تدخل في اللوح المحفوظ
هناك كل شيء غامض
كل شيء واضح فقط للضرير
كل مرة اعانق الصباح
احتضنه مفلسا بعد صراع لم افكر في انهائه مع الليل
مهمتي انتهت
اعلن للجميع ان كل ما دوّنته لم يكن اكثر من صرخة سمعتها وحيدا / لست مهووسا بتعاليم الظل ولا نبوءات لم تدون في اللوح المحفوظ. إنني اشير فقط الى سديم احاول منه الوصول الى ألسنتكم التي تركتموها خلفكم في الجنة / لا ادعو احدا الى الحلم و التفكير في الرأس الوحيد الذي لا حقّ لكم في امتلاك افكاره /لا تجهدوا انفسكم فكثيرا مما ترون هو ظل لعظام ميتة تتحرك الان بينكم /
...............
جحيم بحجم وردة النسيان
لم يحصل لي أن اكتب عنك انت / الشعر عدوي الاول حين تكون انت الاختيار/
ثمة عالم وقمر وازهار وبحر وسراب ومطر وغيرها كل ذلك دونه الاخر فما بقي لي من جديد / ربما اللامبالاة او هذا الثوب الذي ارتديه وهو من براعة اناملك / كلا ان ما ادونه الان لا يفصل بين صيف وشتاء ولا بين مطر وحلم/ اريد شيئا آخر مثلا غابة اعد عدد اشجارها واغصانها / اعشاش بلابل في ارض محمية لا حق لأحد الوصول اليها / ضباب في اول انكساراته وهو يعانق الفجر/

جحيم آخر بلون عينيك
في احشائي تعيش زهرة التولب
ربما لو حضر
Walt Whitman
لكتب معي حقيقة ما صنعته القصيدة في اصابعه
انا هنا تحت سلم المطر
لا حاجة لي بحفنة الرماد
ولا ارصفة الغرقى بأحلام الغرباء
انني اترقب فقط نهارا بلا قراصنة
وهواء نقيا بلا صدمات

اشياء جميلة كجثة فاسدة
لست صديقا لأحد ولا عدوا كذلك / اعرف فقط انني نجمة لا يراها احد ولا ترى نفسها / هناك في سماء الفكرة تسقط لغتنا كجثة فاسدة / كل الذين رتبوا اعمارهم في شجرة الميلاد نسوا ان يعلقو جثث اصدقائهم /
..........................................................................
* حسن مطلك: أديب عراقي، من أعماله المعروفة (دابادا).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
**نشرت في صحيفة (القدس العربي) لندن، بتاريخ 10/1/2011م.
***مهدي النفري: شاعر ومترجم عراقي يعيش في هولندا. nuffari@yahoo.com

من رسوم مهدي النفري