05‏/10‏/2009

قراءة / هدية حسين


سرقة التاريخ في رواية حسن مُطلك

هدية حسين

في التوطئة التي كتبها حسن مطلك لروايته ( قوة الضحك في أورا ) التي صدرت في العام 2002 عن دار "الدون كيشوت" بدمشق، يقول الكاتب: " أورا هي كل مكان لم أره، تاريخ مفتعل، بل رقصة ألم تأخذ شكل القبر، لأن المعادل الكلي لما قلت وهو الموت المخيف ومحاولة الهرب إلى مكان بلا ذكريات.. وليس أورا إلا ذكريات جارحة كبرت فتحولت إلى كوابيس ".
هكذا يدخلنا الكاتب قبل الدخول إلى الأحداث إلى ذكرياته الجارحة في رواية لم تر النور إلا بعد موته (أعدمه النظام العراقي السابق في 1990).. ومحاولة الهرب التي نتبعها في هذه الرواية ما هي إلا نبوءة الكاتب نفسه عما سيحدث داخل الوطن ممثلاً بـ ( أُورا ) تلك القرية المعزولة التي تنام على كنوز كثيرة ستكون مدعاة للطامعين، إذ ما أن يهم أحدهم ببناء كوخ على أرضها حتى يجد أثناء الحفر عظاماً بشرية وجراراً ورماحاً وقرون وعول.. إنها مكان للموت وللحب في الوقت نفسه.. قرية تعوم على مملكة بائدة، ويحدث أن يرى أحدهم بعين خياله " سنحاريب وهو يشرب نخب النصر متحصناً ضد الزكام بفراء السباع بينما رؤوس العيلاميين تتدلى ".
ويقول الكاتب أيضاً، في التوطئة: " هناك ذكرى بعيدة منذ كنت طالباً في الصف الثاني الابتدائي، شاهدت رجلاً وجد صندوقاً مرمرياً وباعه بأربعة دنانير إلى رجل إنكليزي.. آنذاك تعذبتُ ومازلت أتعذب ".. تلك الذكرى يستلها حسن مطلك من ذاكرته ليبني عليها ركائز روايته.. وكأن (ديّام) الشخصية الرئيسية في العمل هو ذاته حسن مطلك، ديّام الذي يجلس كل يوم على سطح المعبد الآشوري ليراقب النهر الملتف حول أشجار الصفصاف ومن خلال تلك الجلسات تبدأ أحداث الرواية، ففي أحد الأيام يرى حشداً من رجال القرية (أورا) بينهم أبوه يتجهون صعوداً صوب مركز الخرائب الأثرية تلبية لدعوة (أوليفر) الموظف الإنكليزي الذي يعمل في المنطقة.. يمضي ديام مع الحشد لرؤية ذلك الرجل ذي العينين الزرقاوين الذي يعتمر قبعة ويتحدث بلغة عربية ركيكة.. وهناك، حين يصل الحشد يوبخهم الإنكليزي على ما وجده من قذارة حول ( دكة العرش ) فتحدث مشاداة كلامية بينهم وبين أوليفر الذي يتهم القرويين بأنهم جهلة لا يعرفون قيمة هذا المكان، هو ذاته ـ أوليفر ـ الذي سيسرق الثور الحجري بمساعدة الحداد أدهم ـ عم ديام ـ وأبنائه بعد أن أغراهم بالنقود، وهو نفسه الذي سيسعى لاستكمال سرقاته بالبحث عن المكتبة الآشورية المطمورة تحت الأرض منذ آلاف السنين.
الطفل ديّام ليس معنياً بالمشاجرة المثيرة التي حدثت بين الرجال ومستر أوليفر قدر ما كان مندهشاً بشكل الرجل القادم من بلاد الضباب الذي كان يشبه جذور الجزر بعينين زرقاوين صافيتين وقبعة ذات حافات عريضة لينة، حتى أن الصغير لم يكن يشعر بالخوف الذي طال بعض الرجال من غضب أوليفر المنصب عليهم.. بل كان كلما التقى عينيه يبتسم دون أدنى شعور بالرهبة.
ذلك المشهد سيظل مطبوعاً في ذاكرة الصغير كما حكايات جدته التي تختزن تاريخ ( أورا ) وأورا هي تاريخ الأجداد وأرواحهم والحياة المستمرة لديام.. ما يخيف ديام هو ما يحدث لقريته بفعل الطبيعة عندما تتعرض للفيضان، وهذا ما وقع حين تعرضت إلى الانجراف بفعل أكبر فيضان أخذ الكثير من ملامحها وناسها ومعابدها الآشورية.. إنه خوف يتملك الصغير من زوال وجوده في هذا العالم، في حين نجد الخوف عند أوليفر مرتبطاً بمهنته، أي أنه خوف مهني يعرقل أو يوقف مشروعه بالبحث عن الآثار.

* * *

حين داهم الفيضان قرية أورا انتزعت الأعمدة واستسلمت الأشياء لقدرها.. هل هي مخيلة الطفولة التي لا تحدها حدود؟ أم أن ما أحس به ديام ـ أو المؤلف ـ هو جزء من الحقيقة المطلقة التي ترسم خطواتنا في المجهول؟ ها هي يد خفية غير مرئية تحمل ديام وتمنحه مكاناً فوق سطح المعبد ـ أثناء الفيضان ـ ومن هناك، في المكان العالي حيث تنفرش أورا أمام عينيه يتجسد المشهد.. ثمة جماجم تتدحرج وعظام آدمية في الطرقات وخيالات تجر الصبي إلى مشهد رآه قبل أن يولد حيث وصايا الجد الأكبر ( دلهوث ).. تلك الوصايا التي تناقلتها الأجيال وحملها الأحفاد على كاهلهم حتى أبد الآبدين والتي تتلخص في عبارة قالها الجد :" إن الإنسان يكون إنساناً عندما يخطئ أما الذي لا يخطئ من البشر فكيف له أن يكون إنساناً ويصعد إلى مرتبة الملائكة؟" ص26.
منذ ذلك الوقت الغارق في القدم صار الخطأ هو المبدأ الذي يحكم في هذه البقعة من الأرض برغم أن القرية دُمرت مرات ومرات ثم قامت من ركام حطامها لتولد من جديد، لذلك كله صار ابنها ديام خشن الطباع حاد السلوك سريع الغضب.

* * *

أخذ الفيضان بهياجه ما أخذ، الناس والحيوانات والأشجار. مات جد ديام أمام عينيه، مشهد يضاف إلى ما اختزنته الذاكرة ويحفر له مكاناً عميقاً فيها. أخذ الفيضان الجد بينما كانت أصابعه العشر متوترة، وحرص ديام أن يلم بآخر وميض له، ثم انكشفت عظام الأجداد وظهرت قطع الفخار المدفونة في الأرض منذ آلاف السنين، بل أنه ـ الفيضان ـ بلع حافة السماء، وامتدت رحلة الجوع بعد الفيضان عشر سنوات.

* * *

يلخص الكاتب حسن مطلك تاريخ العراق بتلك القرية الغافية على النهر والتي لا ترى من فصول السنة إلا فصلين، صيفاً حاراً جداً وشتاءً بارداً جداً، ولذلك يشخص على لسان أوليفر طباع الناس حسب هذين الفصلين حين يقول عن أهل أورا:" إنهم طيبون متسامحون، قساة غلاظ في آن واحد"ص30.
حتى الأم تفهم الأمر على النحو نفسه حين تقص على مسامع ابنها ديام عشرات المرات الحكاية ذاتها:" إننا أبناء دلهوث، فأنت ترى فينا الطيب والفاسد، ذلك الذي يجمع النقيضين في عقله"ص28.. لكن الأم ـ يقول ديام ـ :" ذهبت بلا أية فكرة عن الشر، ولذلك لم تكن من الممثلين لسلالة دلهوث وفق مقاييس جدتي، فدلهوث علّم أبنائه الشر قبل الخير لكي يتجنبوه قبل أن يفعلوا الخير، لأن الشر أقوى تأثيراً، ولذلك فإن مجرد إبعاده وإزالته هو من عمل الخير"ص44.

* * *

يمسك الكاتب حسن مطلك بتفاصيل المكان وناسه، يجسده لنا بعيني ديام فيموج بانكساراته وتعرجاته ودغله المتوحش وصياديه ومغازلات الصبيان للبنات والسباحة المشتركة في النهر، وتلك الخلوات السرية لهم بين الدغل الكثيف واكتشاف الذكورة والأنوثة، والفضائح التي تحدث من حين لآخر، واختزان الذكريات والأماني والحماقات والظمأ الدائم للحب الذي يزوغ لحظة الإمساك به، والحبيب الذي يعد بالسعادة بعد فوات الأوان والليل الذي يمور بأخبار الأرواح والحيوانات الغريبة والجثث الغريقة أيام الفيضان.. ثم من كل ذلك يصنع المؤلف قانون أورا:" لكي تكون رجلاً عليك أن تسعى إلى تصغير رجولة الآخرين لتكون الرجل الوحيد فتصبح وحيداً في المجابهة، لأنهم سيسعون لتصغير رجولتك".
بث حسن مطلك آراءه بين ما وراء السطور، لم يجهر بها فالسياف يكمن خلف الباب بانتظار زلة لسان أو زلة قدم.. قال بعض ما يريد لأن كل ما يريد توارى تحت جلده:" من أين لك البذرة التي تتحدث عن الخير.. ستكون واحداً منا بعد أن ترى التماع السكين في الظلام.. بطرق أخرى للتهديد كالورقة المثقوبة بمسدس، كالظلال اللصية الساقطة على الستارة آخر الليل، أو شكل السدس أو هوس التحري في الطعام بحثاً عن المدسوسات.. أنواع السيانيد والزرنيخ والأعشاب المحضرة محلياً.. وتمثيل المؤامرة كالتشاور بين اثنين تشير أصابعهما إليك.. منذ أيام أفردت أصابعي أمام وجهي لأتبين ما إذا كنت على قيد الحياة حتى الآن ودفعت نفسي مجبراً إلى كتابة مواعيد انصراف الرعاة ومواعيد رجوعهم وساعة سوق الأبقار إلى منصة إعدام القصاب و.. اعتبرت نفسي ميتاً بنبض".

* * *

نهار أورا مثل ليلها، وثمة أحداث كثيرة تخترق وجه سكونها فتغير نمط أيامها وسلوك أهلها.. العم أدهم يترك مهنة الحدادة إثر تعرضه لحادث مؤلم فيتحول إلى الشعوذة ويمارس طقوس السحر، ولأن ذلك التحول يكسر نفسية ولديه ( ياسين ومطلك ) ويجلب لهما العار فإنهما يتحولان من تسلطهما على الحيوانات إلى إذلال أبيهما بشتى الطرق، ثم يساعدان أوليفر في سرقة آثار أورا. أما آدم ( أبو ديام ) الذي تصدمه مشاهدته أولاد أخيه في تلك السرقة فيقرر ترك العمل في الآثار مع أوليفر.. ولأنه لا قدرة له على مقاومتهم فإنه يعتكف في بيته ويقوم على رعاية ثوره الحي كبديل عن الثور المرمري المسروق.. ويتحول حب الابنة ( تفاحة ) لأبيها إلى البحث عن رجل كبير القيمة وقوي الشكل لها تعويضاً عن الأب الذي امتهن السحر، وربما للرجل الذي تزوجته وهي صغيرة بالإكراه ثم انتهى على يديها إلى تقطيع جسده بالفأس.
أما ديام الذي أحب ابنة عمه (سارة) فلعله يبحث من خلال ذلك الحب عن علاقة خارجة عن نطاق المألوف من العلاقات وخارج اليومي الرتيب:" أحاول أن أفهم سر هذا التعلق بها.. إننا أنا وهي، ديام وسارة، لا نريد إذلال بعضنا بعض.. لا نريد جرح بعضنا بعض.. لا نريد تخليص بعضنا من بعض. لا نريد غير المزيد من العاطفة.. إننا نؤجل دائماً لحظة القتل، نطهّر بعضنا باللمس.. إننا نصر على أن نكون في حضور دائم بلا عذاب معروف ولا عُقد ممكنة ولا أمل معذب، نتناول بعضنا ببساطة كما نتناول هواء التنفس ودون أن يحاول أحدنا سرقة الآخر.. نترك الوقت يمضي وأيدينا متشابكة كجذور العشب المعطّر، وعيوننا الأربع تصير عيناً واحدة مفتوحة نحو الحلم.. وأشعر أننا لسنا من سكان هذه الأرض المعتقة بالخطيئة"ص110.
هذا هو الحب الذي يريده ويسعى إليه ديام، ولكن إلى أي حد يمكنه أن يحقق ذلك بعيداً عما جُبلت عليه النفس البشرية من آثام وخطايا؟.. وما الذي يمكن أن يحققه رجل في قرية صغيرة معزولة ومحاصرة بالسرّاق والقيم البالية وتكرار الموت بطرق مختلفة؟. قرية لها جذر في التاريخ القديم فيما خيوطها في الحاضر تكاد تنقلت.. رجل ليست له سلطة على الذات بقدر سلطته على أمانيه وأحلامه التي تصطدم بصخرة الواقع المرير.. حتى سارة التي تأتي بعد تجارب عاطفية وترسو سفينة أحلامها على شاطئ ديام والتي تظن أنها آخر التجارب، فإنها تستمر باللعبة.. لعبة الحب الذي يتوهج.. ثم ينطفئ.
أما لعبة سرقة الآثار فهي وحدها التي تستمر وسيكون لديام دور فيها، ولكنه دور لا يشبه ما يقوم به أولاد عمه، حيث يلعب لعبته مع أوليفر الذي أراد الوصول إلى المكتبة الآشورية المطمورة تحت بئر في منخفض الوادي.. حذره ديام من لعبة الموتى إلا إذا قدَّم القرابين للآلهة السفلى، فيهيئ أوليفر ثلاث نعاج وحبلاً ومصباحاً يدوياً، وستدخل النعاج تباعاً إلى البئر العميقة وستُفتَرس قبل أن ينزل ديام لاكتشاف الكنز.. يعلل أوليفر افتراس النعاج بأنها ذهبت طعاماً لأحد الآلهة تحت الأرض بينما يفسره ديام على أن النعاج ذهبت طعاماً لذئب جائع ربما يقبع في الدهليز الذي يربط قعر البئر بالوادي، ثم بعد ذلك ينزل ديام ويكتشف الكنز بنفسه لكنه حين يصعد ينفي ما رآه ويقول لأوليفر: لم أجد شيئاً يا مستر.
ربما أراد حسن مطلك أن يعيد صياغة تلك الذكرى، أيام كان طالباً في الصف الثاني الابتدائي وشاهد رجلاً وجد صندوقاً مرمرياً وباعه بأربعة دنانير إلى رجل إنكليزي، ليبقي على ذاكرة أورا وذكرياتها.
وإذا كان ذلك الرجل قد سرق وباع صندوقاً مرمرياً ليكتب، بعد سنوات طويلة، حسن مطلك روايته من صدى تلك الذكرى البعيدة.. ترى ماذا عساه سيكتب لو عاش ورأى ما آل إليه تاريخ العراق الحضاري من فوضى وسرقات؟؟.
-------------------------------------------------
*نشرت هذه المقالة في مجلة (عَمان) الأردنية/ العدد 103/ كانون ثاني 2004.
*هدية حسين: كاتبة عراقية تقيم في الأردن.
---------------------------------------------

ليست هناك تعليقات: