“صرخة حسن مطلك”.. حضور للسيرة الإبداعية وغياب للجانب المأساوي
Published
On 5/3/2025
لم يكن فيلم “دابادا..
صرخة حسن مطلك” مجرد فيلم وثائقي عابر، يتمحور حول قصة حياة الروائي العراقي
الراحل حسن مطلك.
فما إن يأتي أحد على ذكر
هذا الاسم، حتى تتبادر إلى الأذهان فورا مشاركته في محاولة الانقلاب على النظام
المستبد الحاكم، وإعدامه شنقا في 18 يوليو/ تموز 1990، مع متهمين آخرين بالتخطيط
للانقلاب، من ضباط ومثقفين عراقيين كانوا يحلمون بتأسيس نظام ديمقراطي حر، خالٍ من
القمع والاستبداد.
أما على الصعيد
الإبداعي، فتخطر على البال موهبته المبكرة في الرسم وكتابة القصة القصيرة والرواية
الحداثية، فقد خطفت قصة “عرانيس” الجائزة الأولى سنة 1983، ونالت قصة “بطل في
المحاق” الجائزة التقديرية سنة 1988.
وحين صدرت روايته
الحداثية “دابادا”، قال عنها الروائي جبرا إبراهيم جبرا: لم أكنْ أتصور أن كاتب
هذه الراوية العظيمة في سن العشرينيات.. إنها رواية مغايرة.
وهي مغايرة حقا، لأن حسن
مطلك ذيلها بعنوان فرعي ثانٍ قال فيه إنها “تمرين روائي جديد في الواقعية المطلقة”
التي تتعالق مع العلم، وتضم بين دفتيها السينما والمسرح والموسيقى والسحر وما إلى
ذلك.
فلا غرابة إذن أن يركز
مخرج الفيلم علي ريسان في هذا الفيلم على الجانب الإنساني، من سيرة القاص والروائي
حسن مطلك، أكثر من تركيزه على الجانب المأساوي الذي يعرفه الأدباء والفنانون
التشكيليون، سواء في محافظته خاصة أو في العراق عامة.
فيلم وثائقي يهز المشاعر ويلامس الوجدان
سوف تتبين للمتلقي الذي
يشاهد الفيلم أهمية هذه المقاربة المدروسة، في تسليط الضوء على حياة حسن مطلك
الشخصية، وخلفيته الثقافية والفنية والاجتماعية، والمكانية إن شئتم.
وذلك لأن المخرج حاذق
ومطل على الأحداث برمتها، وقد منح قرية “سديرة الوسطى” بطولة مساوية وموازية
لشخصيات الفيلم الرئيسة، التي تتوزع بين أهله وذويه وأصدقائه من الكتاب والفنانين
والمخرجين المسرحيين، سواء في قريته الحميمة أو في محافظة كركوك، التي كان يدرس
فيها طلاب المعهد، ويلتقي بأدبائها وكتابها وفنانيها المعروفين محليا وعربيا.
وكانت هذه المادة كافية
لإنجاز فيلم وثائقي ناجح، يهز المشاعر ويلامس الوجدان، مع أن المخرج علي ريسان لم
يهمل الجانب المأساوي والنهاية المفجعة كليا، بل أشار إليها في مرثية وجهها إلى
الشهيد الراحل حسن مطلك، وكانت خير نهاية فنية يمكن أن تسدل الستار على حياة كاتب
وفنان متعدد المواهب، تنبأ بموته في باكورة أعماله الروائية “دابادا”، ومات قبل أن
يبلغ الثلاثين.
ترك حسن مطلك لقُرائه
ومحبيه إرثا يكاد يتجاوز 10 كتب، موزعة بين القصة القصيرة، والرواية “الحداثية”،
والشعر، والسيرة الذاتية، والكتابات الحرة، إضافة إلى لوحاته الفنية الكثيرة التي
انهمك بها منذ طفولته وصباه، حتى لحظة إعدامه التي تركت أثرا موجعا لدى أهله وأصدقائه
ومحبيه، من القراء والمتابعين لتجربته الأدبية والفنية على حد سواء.
يعوّل المخرج وكاتب
السيناريو علي ريسان على تقنية “الرؤوس المتكلمة”، وتعليق صوتي واحد فقط، ختم به
قصة الفيلم المؤلمة، وتسجيل بصوت حسن مطلك يُستعمل أول مرة، يتحدث فيه عن تقنيات
الرواية الحديثة.
وقد ارتأى ريسان أن
يلتقي 3 شخصيات من عائلة حسن مطلك، وهم أخوه د. محسن الرملي، وهو قاص وروائي معروف
يقيم في إسبانيا منذ سنوات كثيرة، وأخته كاظمية مطلك، وابن أخيه المعلم كامل
الرملي، وخمسة أصدقاء آخرون.
كما أسند دور حسن مطلك
في طفولته إلى حفيد أخيه، الطفل سامح ثروت حسين مطلك، الذين رأيناه في لقطات
ومشاهد متعددة في مستهل الفيلم ونهايته.
"يا أبي، تستطيع أن تفعل بي ما تشاء
لكنك لن تفهمني أبدا"
لا تكتمل قصة الفيلم من
دون المرور على الشخصيات الرئيسة بمجملها، ولتسهيل عملية السرد سنتوقف أولا عند
أبطال الفيلم من العائلة؛ أولهم أخوه محسن الرملي.
تحدث محسن عن موهبة حسن
وشغفه المبكر بالرسم، لكن موقف والده -وهو رجل دين متشدد- سبب له مشاكل كثيرة،
فمنعه من الرسم، وحرمه من الأوراق والألوان التي كان يوصي المسافرين بشرائها من
المدينة، مما اضطره للرسم على الحيطان، أو على رمال الشاطئ.
ولعل موهبة الرسم
المبكرة هي التي فتحت له باب السجن الموصد الذي كان محبوسا في داخله، فاستمر في
الرسم سواء شاءت العائلة أم أبت. وقد خاطب والده المتزمت ذات مرة قائلا: “يا أبي
أنا ملكك، وتستطيع أن تفعل بي ما تشاء لكنك لا تفهمني، ولن تفهمني أبدا، وحاول أن
تتركني في الأقل”.
يتوقف د. محسن في
إطلالته الثانية عند قلعة آشور، التي تقع على الضفة الأخرى من نهر دجلة، ليستكشفها
ويكتب عن تفاصيل فضاءاتها الداخلية التي يتخيلها، فليست كل التفاصيل واقعية بل كان
بعضها ينطوي على شطحات من الخيال المجنح.
يكشف محسن عن 3 تجارب حب
قوية مرت بحياة أخيه حسن، بغض النظر عن علاقاته العاطفية العابرة، ويؤكد في
إطلالته الثالثة على قوة حدس حسن، فقد تنبأ بموته قبل بلوغه الثلاثين.
ثم يعرج محسن على مشهد
أمه التي تجلس إلى جوار النافذة، وتتطلع إلى الشارع العام، لعل سيارة تقف وينزل
منها حسن، ولم تزل تنتظر حتى بعد إعدامه، إلى أن وافتها المنية ولم تحظَ برؤية
فلذة كبدها، الذي التفت حول عنقه أنشوطة الموت.
يوحي لنا محسن في
إطلالته الأخيرة بأن أخاه ما يزال حيا يرزق، وما تزال الصحافة تنشر الأخبار عن
كتبه الصادرة حديثا، مثل “الكتابة وقوفا” وغيرها من الإصدارات.
كاظمية.. الشقيقة والصديقة وكاتمة الأسرار
لا ترى كاظمية مطلك
نفسها شقيقة حسن فقط، بل ابنته الصغيرة وصديقته وكاتمة أسراره، فقد حرضها على
قراءة الروايات التي تناسب عمرها الصغير آنذاك، وكانت تهيئ له فرص اللقاء مع
حبيبته، إما بالاتصال الهاتفي، أو بدعوة الحبيبة إلى منزلها، حتى تزوجت وسكنت في
مدينة أخرى.
كان حسن ذا قلب طيب، لا
يولي اهتماما كثيرا بالولائم والأعراس، ولا يخشى الموت، وكان يفضل العزلة التي
يشتتها قلمه، وتبددها مكتبته المكتنزة بعيون الأدب العربي والعالمي.
تفوق دراسي في أجواء تعج بالمتميزين
يورد كامل الرملي -وهو
ابن أخي حسن- قائمة بأسماء أصدقائه الذين تعرف عليهم أثناء تدريسه في معهد
المعلمين بكركوك، بعضهم كتاب ونقاد ومخرجون مسرحيون، فمنهم محمود جنداري، وعبد
الله إبراهيم، وعواد علي، وعبد الرزاق محمد عزيز، وجعفر موسى وآخرين.
وقد كان يروي لهم
الفعاليات والأنشطة التي تحتفي بها كركوك، بصفتها مدينة أدب ومسرح وثقافة، ويرى
كامل أن عمه لو بقي حيا لشكّل ظاهرة جديدة في الرواية العراقية على الأقل.
ما يميز هذا الفيلم هو
مصداقية المشاركين فيه، فهم يتحدثون بعفوية ولا يزوّقون كلامهم بالمحسنات اللفظية،
فنرى صديقه المعلم إبراهيم أحمد خلف يقول إنهم في أواخر الستينيات كانوا يعانون من
فقر مدقع، وكانوا يدسّون الدشاديش في بناطيلهم، بدل القمصان التي لا يستطيعون
شراءها.
وكان من التلاميذ المتميزين هناك حسن مطلك، وإبراهيم حسن ناصر الذي أصبح أديبا معروفا في العراق، ولا ينكر إبراهيم منافسته للطلاب الأذكياء الذين يتبارون على المراكز الأولى، لكنه يقر بتفوق حسن بالرسم والخط والدراسة.
"العالم يُحكم بعصا واحدة لأن تعدد
العصي يفسده"
يدلي الكاتب حسين
العنكود -وهو من أصدقاء حسن المقربين- بآراء مهمة، منها أن التنقيبات الأثرية التي
بدأت مبكرا في قرية “سديرة الصغرى” قد أثرت على ثقافة أبنائها، فقد زحف الوعي
المتقدم إليهم أسرع من القرى والمدن المجاورة. كما أن قدوم المعلمين من شتى
محافظات العراق أدى دورا كبيرا في تعليمهم وضخهم بالمعطيات الثقافية المتنوعة.
ويتذكر حسين كلام صديقه
حسن الذي كان يقول: إن العالم يجب أن يحكم بعصا واحدة، لأن تعدد العصي يفسده.
وأشار إلى قصة
“العرانيس” التي فازت بالجائزة الأولى عام 1984، وتنبأ بأن رواية “دابادا” سوف
تحاربها لاحقا وسائل الإعلام، ونبّه إلى قدرته في الحدس، واستباق الأشياء بدقة
متناهية.
تُرى، ماذا كان سيقدم
حسن إلى الأدب العراقي لو عاش عشرين سنة أخرى؟
يعرِب الدكتور ياسين
سلطان -وهو صديق طفولة- عن إعجابه بمكتبة حسن الكبيرة آنذاك، مع أنه يقطن في قرية
صغيرة نائية.
أما المعلم المتقاعد
محمد حسن، فيروي لنا ولع حسن المبكر بالمسرح الرمزي الجاد، فقد أخرج مسرحية
“الطبيب” وجسدها معه على خشية مسرح متواضع. وقد حظيت هذه المسرحية الرمزية بإعجاب
الجمهور، من الطلبة والأساتذة وأبناء القرية.
وعي متقدم وذكاء مفرط في كتابة الرواية الحديثة
المتحدث الثامن هو
المخرج المسرحي عبد الرزاق محمد عزيز، وقد تعرف على حسن مطلك سنة 1979، حينما كان
يمشي مع الأديب محمود جنداري في أحد شوارع كركوك، ثم تطورت العلاقة، وصارا يلتقيان
كثيرا، حتى أصبحا صديقين حميمين.
وذات مرة جلب له مخطوطة
رواية “دابادا”، فأعجبته وأدهشته لما تنطوي عليه من وعي متقدم، وذكاء مفرط في
كتابة الرواية الحديثة، التي كان حسن يراها تمرينا في كتابة الرواية الواقعية
المطلقة.
ربما يكون صوت حسن هو
الأكثر تركيزا على الجانب الأدبي، فقد ترك كل ما تعلمه من الفن الروائي، وبدأ يكتب
وكأنه أول كاتب في العالم، كما نزع الرقيب من داخله، وتخلص من الرقيب الاجتماعي
والسياسي والديني واستبعدهم، لكي يكتب بحرية مطلقة.
وكان يرى أن الأدب
الجديد يجب أن يكون أدبا كليا، يتعالق مع الفنون والأجناس الأدبية الأخرى. أما
التعليق الصوتي الوحيد فقد جاء على شكل قصيدة سلسة منسابة، نقتبس منها هذه الأبيات:
رحل إلى الحرية من أجل
الحرية
تاركا لنا إرثا مدهشا لا
يموت
ودرسا بليغا في حب
الكائنات للأوطان
فهو القائل: “أغار عليك
يا وطني”
وضحى بكل شيء من أجل
حرية وطنه
ومر كشهابٍ فوق هذه
الأرض
فكان عليها شاهدا
ومر عليها شهيدا
ومن الجدير بالذكر أن
المخرج علي ريسان مخرج سينمائي عراقي، يقيم في السويد حاليا، وقد أنجز حتى الآن
أربعة أفلام وهي:
- “الأمكنة
المشاكسة”.
- “صاعد
السلالم”.
- “مرثية
بزيبز”.
- “دابادا..
صرخة حسن مطلك”.
ويفكر بإنجاز فيلمه الخامس عن القاص
الراحل محمود جنداري.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر في موقع (الجزيرة)
الوثائقية، بتاريخ 5/3/2025م