13‏/09‏/2009

نقد / زيد الشهيد

نقــد

العَمى في النص .. والبصيرة في القراءة

تحركٌ قرائي في رواية " قوة الضحك في أُورا "
للروائي العراقي حسن مطلك

زيد الشهيد


تتداخل خطابات البشرية وتتمازج أفكارُها. يدخل الهم الإنساني وتأثيرات فعله في بوتقة انصهار الهموم، وتشكُّل الأفعال خروجاً إلى عالم النص بحيثياته الكتابية، وتعدد مستوياته.. ثم بتراكمات الحُقَب وتوالي الأجيال يغدو النص مجموعة نصوص، وتصبح تشابكاته الذاتية والموضوعية، التاريخية والأسطورية درباً يقود إلى ما أُطلق عليه حديثاً "التناص"؛ فيستحيل هذا التناص ـ كتوصيف موضوعي ـ شبكة معقّدة من البُنى النصيّة. أي نص داخل نص، استظهاراً لنص يُتيح للذات القارئة فسحةَ الإطلاع بحثاً عن المكنونات بعد تجاوز مبررات الظاهر منه ـ علامات وجهه الفارقة ـ حيث "لكلِّ كلامٍ وجهٌ وتأويل" على حد إشارة ابن رشيق، هذه التي لم تعُد في طرائق القراءة الحديثة ذات أهمية تستدعي الوقوف طويلا، إنما غدت القراءة ممارسةً لفعل التأويل.. التأويل الذي يبحث في "مناطق العمى" داخل النص تلك التي يشير إليها بول دي كان في كتابه "العمى والبصيرة"(1) ويؤكدها روبرت شولتز(2) مشيراً إلى "أن النص لا يستطيع أن يقول ما يعنيه، لأن الصمت في بعض النقاط الحاسمة يمكِّن معاني النص من الظهور."ص37، وهذا ما يجعل النصوص بعمومها غير مكتملة، مما يؤدي بالقارئ الناقد إلى اعتقاد اكتشاف الخبيء في ثنايا النص. أي الشيء الذي لم يبصره الناص زمن خلق نصّه وإرساله إلى بقعة الضوء. والقراءة وفق هذا المنظور تؤدي لخلق نص جديد بناء على افتراضات هي ذاتها اللبِنات لقيام صرح النص.. لكنَّه نص النقد/القراءة، لا نص الفحوى/الفكرة. النص الذي ينضم إلى سلسلة النصوص المكوِّنة لمفردة التناص، حيث يأتي القارئ الناقد ليكتشف مناطق العمى لدى نص القراءة فيدخل في هياج البحث، والاكتشاف، والتنوير.. وهكذا تبقى متوالية ضمنية النص لمناطق عمى لا يراها القارئ الناقد المدوِّن ليدخل عند رقعتها قارئ ناقد آخر. ومن باب هذا المفهوم نحاول الولوج إلى خطاب "قوة الضحك في أورا" الروائي وهو يحاور الزمن في تفاعلاته الأسطورية، ووجوده الأزلي عبر العودة إلى الماضي لاستكناه كنوزه المُهملة/المنسية/المتروكة بفعل تأثيرات إرث الجهل المتعاقب بالموروث لحقبٍ وفيرة رأت في هذا الإرث عِبئاً بناءً على تأسيسات فكرية لا تتوافق والمحمول الديني السائد.
فالبناء الظاهر رمزاً لزمن كفري مارق، والنحت الصوري للجسد البشري ـ أو المزيجي من بشري وحيواني ـ إنّما هو رمز لصنمٍ ينبغي، بل يجب ـ إصراراً ـ تهشيمه، وتحطيمه، ومحو أثره لأنّه يتعارض والخلق الإلهي الأوحد... ولقد شهدنا في عصرنا الحديث قبل أعوام فعل الجهل ونظرة التخلّف، والممارسة غير المسئولة لطالبان أفغانستان عندما ارتكبوا إثمَ تحطيم تمثالين فنيين خلاّقين، عملاقين وعظيمين لـ " بوذا " اعتقاداً من توجههم التخلفي أنهما ـ التمثالان ـ ينافسان الله في عظمته الألوهية، ويطيحان بجبروته السرمدي؛ جاهلين أنَّ "بوذا " هو إنسانٌ مِن خَلِقِ الله، وأنه ليس غير مصلح اجتماعي ينأى بحاملي أفكاره إلى الابتعاد عن التطرّف وارتكاب الحماقات، كذلك إشعارهم أنَّ الإنسان قيمةٌ عليا خلقها الله لبناء الخير والعمل الوفيق؛ لا للقتل المبرمج القميء وزهق الأرواح النقية البريئة.

أبجدية الخطاب الروائي.. عين أُورا
ينبني الخطاب الروائي لحسن مطلك على راوٍ عليم ـ لسان الأنا ـ صوت السارد يحكي عن حياة وتفاصيل اجتماعية تدور في كينونة قروية اتخذّت اسماً مُتخيلاً "أورا"، تجاور صروح أثرية لحضارة "آشور" التي وجدت ما قبل الميلاد وكبرت واستحالت إمبراطورية جمعت إرث الحضارات السابقة لها من (1) سومرية: نشأت في بلاد أور جنوب وادي الرافدين بآلهة واعتقادا وخط مسماري خليق بولادة الكتابة الأولى/صور المشاعر. و(2) بابلية: عملقت حضارتها مسلاّت القوانين وأسسّت للبشرية نظامها الاجتماعي والحياتي، وقالت للإنسانية خذي: هذه العجلة للتنقل فصارت الحركة مثل تحقيق لخيال، فلم تعرف القدمان تماسّاً للأرض في انتقالها، وصار الوصول لأيّما قصبة أو مدينة أو موقع يسيراً قياساً بالوصول ترجّلاً. وبعد ذلك اليقين الزمني كانت ( 3) لآشور: إمبراطوريتها المترامية ووجودها المهاب.. وكانت ل" أورا " بعد ثلاثة آلاف سنة وجودها. يترجل أهلها على ذات السهب، ويشمّون ذات العطر المنبعث مع أنفاس الطبيعة ودخان خبز التنانير، يشيع مُعلنا التوازن الأزلي لبني الإنسان.
يسوح السارد يحكي بذاكرة الطفولة مشهداً حياتياً حصل مرةً لحدث يبقى في ذاكرة الصبي ذي التسعة أعوام غريباً وغير مألوف حيث الأب والعم ورجال القرية في حالة هرج ومرج وأمر مهول في نظر وذائقته المتغرِبة، المتسائلة بلا اكتناه رد ولا صيد جواب؛ سوى العبارة المترددة صدى يوم سمعها من أبيه:" سترى اليوم شيئاً عجيباً،، سترى رجلاً ذا عين زرقاء".
وذو العينين يشهده رجلاً غريباً، أحمر البشرة، أزرق العينين؛ وهي إشارة إلى العهد الاستعماري الإنكليزي، إذ دخل فرأى إرثاً متروكاً ومهجوراً تعبث به ضحكات الغبار، وتتراكم فوقه تهالكات السنين. أمّا البشر فلا اكتراث لهم به اعتقاداً من أنَّ ما يظهر على الأرض ليس إلاّ لأناس أبادهم الله لأنهم لم يعبدوه؛ وما تحتها بواقي لا يصُح الوصول إليها لأنها مسكونة بالجن وملعونة من السماء. أمّا ذو العين الزرقاء فيرى نقيض ذلك. يرى أنَّ الماثل كنزٌ لا يُثمَّن، ووجود لا يُمتلك إلاّ بالخيال، وسط غبار بشري تنتفي عنده قدرة تمييز الذهب من التراب، والحكمة من الشتيمة. لذلك كان اليوم يوم غضب؛ وتلك الساعة التي جلبت رجالات قرية أورا ليقفوا أما "ذو العين الزرقاء" يوم ويل وساعة حساب قاسيين.. لماذا؟.. لأنَّ أحدهم ارتكب إثماً بنظره، ويجب أن يُحاسب أمام الجميع.. ذلك الإثم يتمثل بتغوّط أحد القرويين على دكّة العرش؛ الحافة التي كانت يوماً ما من زمن تاريخ غائر موقعاً لجلوس الملك الآشوري " شلمنصر ".. فالقروي المجهول هو المستهين ـ جهلاً واستهانةً وإهمالاً ـ بالإرث. أمّا ذو العين الزرقاء الذي عرف الصب السارد لهذا الخطاب أن اسمه "أوليفر" فهو المهتم علماً ويقيناً بأهمية المكان؛ وهو الذي لا يريد تبصيرهم بقيمة المكان إنّما لأنَّ من تغوَّط سيعيق جهوده في الاكتشاف بغية السرقة.
السرد وصفي. يبني الناص آجرات خطابه اعتماداً على ذات ساردة تغور إلى مصافي الفتوة عبر قطار الذاكرة كاشفاً همود انصهاره ومثيراً بواعث انطماره؛ عارضاً تضاريس أسرة، وطبيعة ممارسة، وجغرافية مكان، ومعطيات العلاقات الثنائية بين الصبي ـ بنظرته التفسيرية والتصويرية في زمن حاضر ـ وبين الأشياء ـ بوجودها الماثل هيكلياً أو تأثيرها الفاعل تخيّلياً وزمنها الغائر في أحشاء الماضي "لا شيء محدد في أورا، ولا سيما الوقت، حتى أننا محاطون بأنقاض، وأن أوليفر يطلع علينا يومياً بخبر جديد من تحت التراب: الطائر زو، الإله آشور حل محل أنليل السومري واستحدث "أدد" إلهاً للعواصف، كالح هي نمرود الحالية، سنحاريب هو الذي أسس نينوى"ص49
ويسرد الصبي في مشهديته ليعرّفنا على أبيه "آدم" العامل لدى "أوليفر" في الحفر والتنقيب؛ وعمّه "أدهم" الحداد ذي القبضة القوية والجَموح الهائج الذي لم تُطح بهيبته إلاّ تلك المرأة التي أدخلها غرفته ـ في بيته لحظة كانت تهينه وتشتمه لأنّه لم يكمل عمل قفل أوصته بإصلاحه ـ وخرج وقد أذلّته بغوايتها، تماماً كما أذلّت المرأة في الأساطير السومرية "أنكيدوا" الجبار فأدخلته بفعل غوايتها إلى حومة الوعي متخلّياً عن قوته الجبروتية المهولة.. ويأتي الحديث عن أب البشرية ليعطيه اسم "دلهوث"، مُقدِّماً وتناسله في أسلاف عاب عليهم انقسامهم، متسائلاً: "كلكم أبنائي فما الذي جعلكم تنقسمون إلى عشائر وأنتم من ظهري؟" بينما يعطي الراوي لنفسه اسم "ديّام" ولأخته "ديّامه" وهي أسماء غائرة في الزمن تعود للعصور الأزلية، عصور بدء الوجود على طبيعة الأرض يوم كانت هذه الأرض تحتاج لتناسل بشري لتشعر بوطأة ثقله البغيض على الأرض.
ويحدث إن شرع يوما ما فيضان بمثابة طوفان يتناص والطوفان الأزلي الذي حدث للخلق ولجدّنا "نوح" حينما أغرق ـ الطوفان ـ الأرض وتماهى مع العواصف والأعاصير وجنون الرياح.. يحدث الفيضان فيغيّر المعادلة المألوفة لحياة القرية، ويطيح برتابة الأيام. ولأنَّ القرية تعيش تحتَ طائلة الفقر والأعمال الرعوية الرتيبة فقد تضررت بيوت الطين المتهالكة وانهالت الجدران، بينما طفت القدور والأواني وعاثت المياه بطمأنينة الأسرة التي ليس لها سوى الزرع المحدود ورعي الأغنام المعدودة، ورضا الأب في عمله ولو بشيء من الخنوع تحت أوامر "أوليفر"..
في هذا الخطاب يجد المتلقّي نفسه إزاء اشتغال اعتمد محورين في انطلاقته التدوينية ليبني وجوده ويحرك شخوصه وفق موتيفات متناقضة. أولها طمعي استحواذي؛ والآخر براغماتي يهدف إلى العيش بمردود يتجاوز أطر ما تهبه الأرض من زرع والحيوانات من مشتقات.. تمثّل المحور الأول بـ "أوليفر" المنقب عن الآثار بطريقة خداعية ذاتية أنانية، فيما كان آدم القروي ومن بعده ولده "ديّام" وعائلة العم "أدهم" التي تشكل نسيجاً واحداً مع عائلة أخيه آدم يحمل تمثيل المحور الثاني.
تظهر نوايا أوليفر كمرموز لمستعمر يوظّف الوداعة تارة والحزم تارات لتحقيق مآربه في السرقة والاستحواذ وسط جهل الكثيرين وحنق البعض الذي يرى نفائس ممتلكات الجدود وارث الحاضر يُنتهك من قبل أغراب، فقد سرق أوليفر "الثور المجنح" وهرّبه متبعاً الخديعة المظلِّلة لحظة الاعتراض والاحتجاج. "عندما علم أبي بالخبر ثار ضد أوليفر، فأقنعه الأجنبي أن الثور لم يُسرق وإنما طلبته الحكومة، ولم يكن أبي ليقتنع فقال له: ولو..!.. انه ثور أورا " ص43
ويغور الناص في سرد وقائعٍ حدثت في عائلة العم أدهم تاركاً أوليفر بعيداً عن السرد وجاعلنا أمام العم الحداد الذي ابتلي بورم خصيته فأجهز على بترها في إحدى لحظات الشعور بالحنق على نفسه، وتخلصاً من عواقب تواصل ورمها الذي سيجلب له العار. هنا يستطيع المتلقي اكتشاف منطقة عمى نسي الناص إلقاء الضوء عليها ليكتشفها هو ـ أي المتلقي ـ حيث الخصية تمثل في نظر العربي رمزاً للذكورة التي هي لسان الفخر. فالجنس وإثباته هو ما شغلنا أنفسنا به فنسينا الرسائل الإنسانية الواجب حملها وتفعيلها فخلّفتنا الأمم وراءها ولم ننتبه إلاّ ونحن تائهون في غياهب الضياع؛ مستباحون بمن كنا نستهين بهم ونتندر عليهم.. وفي تواصله السردي الموصوف لعائلة أدهم الحداد يتناول السارد البنت "تفاحة" التي وهِبت صفات الرجولة فلم تدع الزوج الوصول إليها إلاّ بعد ليالٍ طوال تركت العروس وراءها وانتهت رجولتها بقتله وتقطيعه، ثم رميه إلى النهر. "تفاحة ابنة الحداد الكبرى تسمع قصة أبيها فتقتل زوجها وتعود إلى أورا. الحكاية أبعد من ذلك بكثير من تاريخ زواجها حين أعدت لعريسها عشر ليال سوداء من الصراخ والدفاع المستميت عن غشاء رقيق. حيث سمع الناس في أقصى القرية صراخها كلما اقترب منها، ولم تنفع كل المحاولات لإقناعها بعكس ذلك، لا أقراص المُنوّم التي دُسّت في طعامها، وكانت كافية لقتلها فلم تنم، ولا محاولات العجائز بإقناعها أن العملية سهلة، وأن لا ألم فيها على الإطلاق وانظري إلى النساء يتزوجن وينجبن؛ حتى اتفق بعض المقربين من العريس بربطها على جنبات الغرفة بالحبال؛ باعدوا ما بين الفخذين وفرقوا يديها لكي لا تدافع.. وهكذا تمَّ كل شيء."ص65
ويستعين أوليفر بالشاب ديام بعدما تخلّى الأب آدم عن خدمة هذا الرجل الأجنبي الطامع السارق , ولأجل أن يستمر في سرقة الكنز الأثري يأخذ ديام مرةً في سيارته مغمض العينيين حتى لا يكتشف هذا الشاب موقع الكنز فيستحوذ عليه. لكن ديام المغمض العينيين بإحكام يصحح مسار أوليفر ويدعوه للانحراف قليلاً لئلا تسقط السيارة في بطن الوادي فيقتلان. وفي غمار دهشة أوليفر للتحذير يأتي الرد من النباهة والفراسة التي يتمتع بها الإنسان البدائي بمعرفته تضاريس الطبيعة وأحاجيها وألغازها الخفية بعض الأحيان.... إنَّ الحادثة الأقرب إلى الواقع تمنح النص بوليصة اهتمام القارئ المتلقي، وتبعث في نفسه رغبة الاهتمام واكتساب المعرفة وتنشيط الذاكرة لاستلهام الجديد اعتماداً على تجارب الغير في مضمار الحكي، وهذا ما مثلته وهذا ما مثلته الأهزوجة السردية لطبيعة الصورة التي مثلتها الذات الساردة وعرضتها بألوان ورتوش مؤثرة تدغدغ بهاء الذاكرة وتحفّزها على الاستلهام وامتصاص الدلالات. تعيدها لفحوى الحكايات ذات الأثر لتحقيق فعل التناص الذي هو "امتصاص وتحويل الوفرة من النصوص الأخرى" كما تقول كريستيفا لتحقق فعل الحدث التراكمي عبر المدلولات المتقاربة أو المتشابهة في إدراك قبض النهايات بتجانسها ذو النتائج الفاعلة. فالسرد الآتي في تصوير الحدث يمكِّن المرسل من الوصول إلى دواخل المتلقي لتبليغ رسالة التأثر إذ يتجسّد جانب أوليفر ـ المحتال ـ المندهش مقابل جانب ديّام العارف/الناصح.. كفّة الغريب الذي قد يطيح به القريب؛ وكفّة القريب الذي يتراغى الغريب في سلبه والاستحواذ عليه. والطريق الذي سلكه الغريب معتمداً على ديام الذي أراده كالأعمى أظهر عمى الغريب وبصيرة القريب وهما سائران في عربة تحقيق النهب "يذكره ديام بأنه على خطأ كبير. يجب أن تنحرف قليلاً يا مستر.. والاّ.. سنسقط في الوادي. فيصرخ به: لا ترفع العصابة عن عينيك ويجيبه بهدوء: لم أرَ صدقني، لم ارفعها صدقني. انه يعرف الأرض من خلال اهتزاز السيارة وثغاء النعاج. يقول: اخبرني كيف تعرف؟. لا فائدة يا مستر.. الأمر بسيط جداً. بما أن السيارة قد اهتزت أربعة اهتزازات عنيفة متتابعة فهذا يعني أنها أمام باب القلعة من جهة الشمال حيث يوجد الوادي. وبما أن النعاج كانت صامتة طول الطريق، وأخذت تثغو الآن، فهذا يعني أنها استدلّت بطبيعتها، وبما عودها الرعاة أن تشرب من غدير منخفض الوادي.. والأغنام تثغو حين تُساق إلى السكين أو الماء." ص92
وهناك عند البئر الذي كان لغزاً وهدفاً للاكتشاف يقف أوليفر صحبة ديام وقد جلب حبلاً وثلاثة أغنام لإنزالها إلى يم البئر المهمل منذ قرون سحيقة لاكتشاف إن كان ثمة قرار للبئر، مثلما كان يسعى لتبيان جو الأمان هناك، في الأعماق؛ ويقين عدم وجود مبررات اللعنة التي تسوق للقتل تماماً؛ تماماً مثلما يحدث للملعونين ممّن يفتضون أسرار فحوى الأهرامات في مصر ودروبها فيكون مآلهم الجنون أولاً ثم الموت آخراً.... وبالاعتماد على حذاقة أوليفر تنزل إحدى النعاج إلى قاع البئر المعتم فيعود الحبل فارغاً إلاّ من أحشاء النعجة الأولى فيهجم الرعب إلى نفس أوليفر، ويسوده اعتقاد أنَّ لعنة ـ لها مواصفات التمزيق ـ تحدث لمن يغير على مقتنيات الملوك الآشوريين. ويدخل بعين الفضول لفضح أسرارهم.. إنَّ الوهم الذي يحصل بفعل المصادفة وجملة الأقوال والاعتقادات المنقولة ـ مُعلَّمة بإبهام متوارث وحكايات تتأرجح بين تصديق العقل وقراره في اعتبار المسموع هياكل قادمة من محفّات الخرافة ـ كل ذلك يزعزع ثقة النفس ويدفع إلى اتخاذ الوهم مساحة لا يستهان بها من أبجدية الواقع الحاصل. وهذا هو ما جعل أوليفر يسقط في براثن الإغماء بعدما شرح لديام عن لعنة الفراعنة.
وفي محاولة ثالثة طلب أوليفر من ديام النزول لاكتشاف سر الأعماق.. وفي الأعماق شاهد ديام الكنز الذي لا تثمّنه نقود ولا أموال. شاهد الإرث الآشوري وكنوزه الهائلة فهل يخبر أوليفر بما رأى ليتيح لهذا الأجنبي سرقة بهاء الماضي ليثري على عتبة وجود الحاضر؟.. هذه اللحظة تشكّل المحك لدى ديام؛ هل يقول بما أبصر من مهولات الإرث العظيم أم يأتي بمشاهدات تطفئ عين الغريب وتجعل بحثه المتواصل والمستديم ـ بغية السرقة ـ هباءً وبلا نتيجة/بلا هدف/ بلا تحققات؟.
إنَّ الفقرة التالية المُختلَسة من الكتاب هي التي تتجسّد ذروة لخطاب "قوة الضحك في أورا"؛ وهي التي تجعل من الأحداث مرتّبة كيما تكون أكثر إقناعاً عند القراءة وأشد توجهاً عند التأويل حيث الترتيب المقنع للإحداث يدفع بهذا التأويل إلى أن يتصيّر ذا فاعلية أقرب إلى التصديق والتأثير؛ وهو ما يجعل المتلقّي القارئ ينحو باتجاه الوقوف مع إرهاصات الحدث وقوته ويدفع إلى جعل مناطق العمى في النص أكثر كشفاً، تتجلى فيها ما لم يقله المؤلف. وفيها ـ أي الذروة ـ يعود المتلقي لإعادة البحث، يتحرى ويكتشف.. يتفرس ويجوس؛ وبالتالي نحصل نحن القراء على نصوص موازية للنص البؤرة. فتكتمل الساردية التي ابتدأت بالسرد وأُضيئت بالتأويل/القراءة. "تنفتح دهاليز بمنزلة أبواب تساقط منها الجص. ممر المثوى الأخير للبشر الذين أضاعوا حتفهم. ممر معصرة العطور. ممر غرفة الزينة. مدخل خزائن الملك. مدخل آخر يؤدي إلى قاعة الرقص. ممرات مغلقة بأبواب صخرية كالتي شاهدها على فوهة البئر، شبيهة بالقمر في وضع المحاق (..) تبدو الجدران أقرب مما هي عليه في وضعها الحالي. أفضل مما لك يكن. لم تزل نظيفة تحت التراب. هنا جلس الملك، وجلست الملكة أيضاً. منضدة من المرمر. مقاعد تحتفظ بجلالها حتى بعدما باضت عليها الحشرات. ألواح مصنوعة بعناية يسند بعضها بعضاً في جيوب جدارية أعدّت لهذا الغرض. يتناول أحدها فيشعر ( بسلام طائر الخطاف على سلك الكهرباء).. وهذا ما يريده أوليفر. يريد لوحاً من المكتبة، لكي يريد المكتبة كلها. لكي ينجح. اللوح مخطط بإشارات متباينة الطول والاتجاه، ورقة من كتاب الحساب. ورقة من سجل منجزات الملك. خارطة لتوزيع الآلهة في قبة السماء. سيرة البطل ذي القرنين.. ورمحه مسند إلى العربة". ص132
ويؤول مآل أوليفر إلى الموت مقتولاً بفعل راصد له، وجد فيه الشخص الذي جاء ليسرق فهو إذاً لص ينبغي التعامل معه.. والقتل هنا يصبح وجها آخر للعنة التي تحل على منتهكي ممتلكات الغير وارثهم؛ تماماً كما اللعنة التي حلّت بالعديد ممّن قدموا منقبين في بواطن أهرامات النيل وممرات ملوكها الفراعنة.

الخطاب الروائي .. تداخل الشخوص
يتخلل الخطاب ظهور شخوص تدخل نسيج الأحداث لتضفي على البناء صفة التمازج والتشابك كيما يأتي الاشتغال بتوصيف يعرض اكتمالية قواعد البناء الروائي وشمولية الحياة الناشرة ألفبائيتها على المكان والزمان وحركة صانعي الأحداث. فثمّة سارة ابنة عم ديام تأخذ حيزاً من حركة السرد لأنَّ لها وجوداً في حياة ديام؛؛ هي التي أعلنوها خطيبةً له وهما بعمر العشر سنوات. وصارت تحضر في اهتمامات ديام وولعه بتصاعد الأعوام نحو الشباب.. وثمّة أبناء العم أدهم المشاكسون في فتوتهم؛ هم المشغولون بنصب الشراك والفخاخ للخنازير البرية لصيدها ومن ثم قتلها بطريقة النزق وتحقيق بجاحة الذات... ولديامة أخت ديام وجودٌ وامض من خلال نشوئها وترعرعها يكتشف ديام كبره.. هذا إضافة إلى ما رأيناه أول الرواية من دور محدود للأب والعم..
وبختام قراءة الرواية واستنباط حركة السرد ودوافع المؤلف في بث رؤاه يمكن الوقوف عند بعض ما يثير الاهتمام:
* ففي هذا الخطاب يتدخل المؤلف في التلاعب باستخدام المفردة. يوظفها لتكون صورة أو حركة؛ مرموز لفعل ساخر أو إشارة لمنطق زمني ورائحة مكانية. وهذا منحى يجيد فيه حسن مطلك استخدام المفردة كيفما ارتأى؛ بل ويتميز بتوظيفها المؤثر. والجملة في سرده التي هي لبنة في هيكل الخطاب الأدبي لديه تدل على تلاعبه اللغوي؛ فمن تفكيكها تتبدّى غرابة استخدامها في حسن تفعيلها وإشارتها. و"الخطاب الأدبي هو قبل كل شيء لعب بالكلمات"(3) كما يقول ميشيل ريفاتير و"أن من يقرأ الأدب يدرك بسهولة أنه لعب لغوي، سواء أكان لعباً ضرورياً تحتمه إمكانات اللغة المحدودة أم كان لعباً اختيارياً"(4) حيث أنَّ نواة معنوية واحدة تنقلب في صور مختلفة عن طريق اللعب بألفاظ اللغة وتغيير مواقعها بالاشتقاق منها"(5).
** يعتمد الخطاب الشعرية الموازية لمسارات الحدث. فاللغة تعوم على رغاوي الشعر؛ متعطّرة بأريج يجعل فعل المطالعة نشاطاً تحليقياً، والمد الروائي غيمة من الفن؛؛ أليست الرواية "مزيج من الأنواع الشعرية، من الشعر الطبيعي دون لمسة براعة وصفة شعرية، بل أنها تتكون من الشعر الفني ممتزج معاً؟" كما يشير باختين (6) فحين نقرأ رؤية ديام في حبه لسارة نخرج بمحصلة يقين الشعر في درب الرواية ونجازة التحليق عدواً في أزقة الروح ومنعطفاتها. "إننا نصر على أن نكون في حضور دائم بلا عذاب معروف، ولا عُقد ممكنة ولا أمل معذب؛ نتناول بعضنا ببساطة كما نتناول هواء التنفس دون أن يحاول أحدنا سرقة الآخر، دون أن نطمح إلى إذلال بعضنا. نترك الوقت يمضي وأيدينا متشابكة كجذور العشب المُعطر، وعيوننا الأربع تصير عينا واحدة مفتوحة نحو الحلم. نتخلص لحظة اللقاء من مشقة الجسد وأمراض البشر بما فيها الغيرة؛ بما فيها طعنة الإذلال التي اعتاد أحد العشاق أن يجهزها للآخر بعد عذاب القلق. أشعر بأننا لم نعد من سكان هذه الأرض المعتقة بالخطيئة. إننا من كوكب آخر لا تعني لديه كلمة (موت) أكثر من نكتة فارغة تثير الضحك." ص110
*** استخدم المؤلف أسماء ترجع بأصولها إلى الخليقة الأولى، فرأينا إلى:" آدم؛ سارة؛ ديّام؛ ديّامة.." وحتى اسم "تفّاحة" التي تحيلنا إلى الثمرة الأولى التي استخدمتها حواء لإغراء آدم في تناولها، في حين منح القرية اسماً وجعلها "أورا" قريباً من "أور" المدينة الأكدية التي تقع في الجنوب من وادي الرافدين... ومن الضروري إدراك أنَّ صناع الخطابات ولا سيما الشعرية يتجهون دائماً إلى استخدام الأسماء الغائرة في القدم، المستلة من التراث كقناع لإخفاء رؤيتهم لئلا يقعون تحت طائلة العقاب والمسائلة مثلما رأينا "كليلة ودمنة" وهي تجيء حكايات على لسان الحيوانات نأياً عن ضرر سيلحق براويها أو كاتبها إن هو تعرض لسلوكيات اجتماعية بشرية. كذلك ما قرأنا في عديد نصوص السياب والبياتي وأدونيس ومعهم أعداد لا تحصى ممّن سلكوا درب استخدام القناع؛ إلا أننا لا نجد مبررات هذا الاستخدام في خطاب "قوة الضحك في أورا"، بل نرتأي العكس. إذْ كان سيصبح للأسماء وقعها الفاعل لو أنها جاءت معاصرة تحكي الزمن الاستعماري الذي جاء لينهب كنوزاً تفتح له أنهاراً من ثروة لا تتطلّب جهداً كما هي المتاحف الآن في أوربا وأكثر بقاع العالم المادي. كان الأفضل لو جاءت الأسماء مشتقة من صفات كأن يُستبدل اسم "ديّام" بـ "راجح" دلالة عقله المتّزن الذي وظّفه في التمويه على أوليفر فأفشل مسعاه في سرقة آثار الوطن وارثه؛ وأن يجيء اسم "صابر" دلالة صبر الأب على تجاوزات أوليفر ثم رفضه عندما تمادى، مقرراً ترك العمل مع سارق محتال. كذلك "سارة" بنت عم عمّه الذي وصفها ديّام بأوصاف الجمال والفتنة القروية. ما ضرّها لو حملت اسم "نوّارة" كمرموز لمواسم الزرع والربيع وانفتاح الطبيعة على محبيها.. أيضا.. أيضاً، "أورا" القرية التي كان من المفضّل حمل اسمٍ قريب من ذائقة سكان الأرياف ومزارعي الأرض؛؛ في حين كان المؤلف موفقاً باستخدامه اسم "أوليفر"، وهو مرموز لصورة المستعمر وفعله النهبي والاستحواذي.
**** يحيل الناص الكثير من الصور المستلّة من الرُقُم والمسلاّة إلى كلمات ليدفعنا إلى إعادة تشكيل الصورة أو الصور بريشة خيالنا لتغدو أجمل من الواقع، وأكثر تأثيراً من تجسدها الماثل أمام العين. "اغرورقت عيناها وهي تنظر إلى هيبة الرجل المنقوش يسوط الوحوش التي تجري بلا عائق بجمال وقسوة لا مثيل لها."ص99.. وهي صورة أثرية للملك شلمنصر يعتلي عربته وقد تحركت أمامه الوحوش والأسود مرتعبة، منكفئة. وهذه صورة لرقيم مشهور احتواه المتحف التاريخي في بغداد وقد حوى الخطاب ترجمات صورية عديدة أحسن المؤلف توظيفها.
إن "قوة الضحك في أورا" هو العمل الروائي الثاني للمبدع العراقي حسن مطلك الذي سبق وأن قرأنا روايته "دابادا" ونشرناها عبر الصفحات الثقافية لصحيفة "العرب" ليضاف هذان الاشتغالان إلى الحركة السردية العراقية والعربية كي تؤشرا استمرار السرد العربي المتميز والذي لا يجب إغفاله والمرور عليه مروراً عابراً.
-----------------------------------------------------------
الهوامش:
(1) يشير "بول دي مان" إلى أنَّ أعظم لحظات العمى التي يمر بها النقاد بصدد افتراضاتهم النقدية هي أيضاً اللحظات التي يحققون بها أعظم بصائرهم..ص8.. "العمى والبصيرة" بول دي مان، ترجمة: سعيد الغانمي، منشورات المجمع الثقافي ـ الإمارات العربية المتحدة.
(2) السيمياء والتأويل/تأليف روبرت شولتز، ترجمة: سعيد الغانمي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1994.
(3) تحليل الخطاب الشعري: ستراتيجية التناص، محمد مفتاح، المركز الثقافي العربي/ط3 1992.
(4) المصدر السابق نفسه.
(5 ) المصدر السابق نفسه.
(6) ص164باختين، المبدأ الحواري. تزفيتيان تودوروف. ترجمة: فخري صالح، المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*زيد الشهيد: كاتب وناقد عراقي. zaid532000@yahoo.com
**نشرت في أكثر من منبر ثقافي، ومنها في صحيفة (المدى) العدد 256 بتاريخ 23/11/2004م بغداد.

رسالة من حسن مطلك إلى فارس السردار

رسالة من حسن مطلك إلى فارس السردار

أ أنا حقا على الطريق..؟
توصيف رسالة

فارس السردار
فارس السردار بريشة حسن مطلك

عمر هذه الرسالة قد تجاوز الـ 22 سنة. وقبل أن أكتب هذه الأسطر قرأتها. ليس سهلاً بالمرة أن لا أنزلق عاطفياً أمام مأساة حسن مطلك، لكن لم تكن قراءتي الأولى لها، فقد قرأتها مراراً ولا أريد أن أناقش محتواها بقدر ما أريد أن أنقل سطوتها وقدرتها على الحرث. قد يستغرب البعض وهو يتصفح شهادات الأصدقاء في موقع مجلة (ألواح) لا لشيء إلا أن حسن مطلك قد كان بعيداً عن التأثيرات العاطفية للأصحاب، أما هنا فهذا وجه آخر لحسن، ولكن مع فارس سعد الدين، أو قد يكون أي شخص آخر، ولكن ما يميز فارس هو الحميمية التي دفعت حسن للبوح له بهذه الرسالة.
هذه الفترة كانت قد نالت منا بقوة، ووضعتنا أمام حسم قناعاتنا، إذ لم تكن القراءات قد أنضجتها بعد، ولا الحوارات، لكن الحرب التي جربناها بصرامتها وواقعيتها ولونها القاني كانت لابد أن تطلق في الجميع ثوابتها وتعميماتها. وتنقلنا من تهويمات الافتراضات إلى الوقوف أمام هذا السد الفولاذي الذي رأينا كيف يتهاوى أمامه الإنسان: شهيدا أو منافقا.
وهكذا لم يكن فقط من تمزق جسده بالشظايا شهيداً، ومنهم من كان ينتظر ولا زال.
حسن مطلك هنا يكشف عن انتمائه ونسبه وولائه الذي أختاره عن قناعة. عندما قال (لقد ولدتني كلمة) التي كانت هي البدء. وهي التي وقفنا أمامها زمنا لسنا بقارئين.
يكتشف حسن في أولى أيام خدمته العسكرية حجم الهوة، ويكتشف الخسارة الفادحة، كما يكتشف أن الزمن المقرر اجتيازه يتحول من كلمة تحبو إلى جملة تتسيد صفحة بيضاء، لتذوبا معاً في وحدة واحدة، حتى تتحولا إلى شجرة أو نبع أو ضوء، لذلك كان حسن مطلك مندفعاً وصارماً أعانته بيئته، وانفلاته، وإيمانه أن الكلمة هي أساس التغيير.
عندما اقرأ رسائله، وهذه واحدة منها، أجد كم كان حسن مطلك محقاً فأتحامل على نفسي علّي أبقى واقفاً على تلك (هذي الطريق).
* * *

نص الرسالة

فارس الصديق جداً.
لقد ولدتني كلمة، ومضيت حياتي أعجن الفكرة لأحولها إلى شكل فأنفخ فيها فتصير كلمة، أنا أيضاً أحب الباذنجان كالقطيع، إنما لا يميتني شيء كالكلمة، الكلمة.
كل شيء، كل عبث أحببته، كل تخريب ضد الضمير ـ الحصاة، الذي وهبني إياه الآخرون، كل الميتات التي متها، الزيجات اللاشرعية، الحرف الأول من توقيعي الذي أحببته حب التجار لأوراقهم… ربما كل ذلك يذهب بعيداً، ربما يعلق بسنارات المغفلين، غير أنني "سأبقى ضبعا ..الخ" كما قال عني رامبو. أو أبقى شبيها لأليوت "أيها النمر القارئ المرائي.. يا شبيهي، يا أخي".
أعرف بأنك، حين تكتب إلي، وباختصار، إنما تحثني على أن ألعنك، لعلك اشتقت إلى لعناتي كثيراً، وأعرف بأنك تعرف بأنني أعرف نفسي حين تواجه القلم والورقة البيضاء الرهيبة، إنما تقوم بفعل التخديش الذي يعلو على الانفعال والبكاء شوقاً إلى أصابع الأم. يا صديقي الجميل: إنها العبارة القديمة، لطالما أضحكتك: "أنا أملك طاقة لا أعرف كيف أبددها".
والآن مرت طائرة من فوقي، وارتفع صياح المؤذن، ولأنني بدأت أنظر إلى الله بحياد، ربما لأنني أقتعد صخرة من صخور الفلاحين السذج، حيث الأشياء الوحشية، أشياء الأخوة البشر، وحيث الذعر الدائم من مخالب الأنثى الرقيقة.
أرفع سبابتي أمام عينيك، أهدد وأحتج: من قال بأنني هُزمت وأن العبارة، أصبحت خربشة؟ إذا سمعت أن حسن مطلك توقف عن العبث والقلق والكتابة فاعلم أنه قد توقف عن التنفس. قال لي نقيب حقير:
ـ كف عن هذه القصص التافهة.
ـ سيدي، إن قرار إعدامي أسهل من هذا الطلب الذي جاء بصيغة الأمر.
حسن مطلك يكتب ويكتب، ولا يؤجل. المرأة والكلمة والصديق هي عناصر لحياتي، أو ألوان أساسية في رأسي.
ذات ليلة خرجت شمس الجنوب من الأدغال، حارة لتوها، كأنما خرجت من فرج عذراء، كذلك كانت لزجة، رغبت أن أكون كئيباً، وهكذا أصبحت. أردتك، ربما أردت صديقاً آخر. لا شيء، لا شيء غير العدم. كان محاوري يتحدث عن النساء بصيغة الافتراس، وكنت على يقين بأنني سأقتله بعد دقائق إذا استمَر. ولأربعة أيام صمت عن الطعام والحديث، لم تنفع محاولة الأخوة السذج في إقناعي، لا بتقديم الشَربَت، ولا بإعداد الشاي على خشب صناديق العتاد.
أردت أن أخرج من ظلمتي، وأمزق ردائي الكهنوتي العاهر، فتذكرت منفى دستويفسكي، في رواية (ذكريات من بيت الموتى)، وقارنت، ثم خرجت عندما سبقني العريف دستويفسكي بالرتبة والكآبة. شكراً دستويفسكي لقد فتحت شهيتي فشربت كل زجاجات الشربت الصناعي المزيف.
كتبت رواية أطلقت عليها اسماً يشبه عناوين الأفلام. هكذا (دخول الأفعى المجنحة).. كتبت في آخر صفحة "انتهت" وختمتها بتوقيعي الجميل.. قالوا لي سنفحصها ثم نبت في أمر نشرها. قلت افحصوها. وهم يفحصونها الآن لتقرير صلاحيتها للنشر.
وإذا كانت أخباري قد انقطعت في الجرائد فهذا ليس ذنبي، لدي قصص كثيرة مقدمة للنشر، في (الأقلام) و(الطليعة الأدبية)، ماذا أعمل إذا كان الموظفون في مؤسسة الأدب يخافون على رزقهم بسبب افتتاحي لدكان صغير يبيع الكلمات في نفس الشارع، ربما لأن بضاعتي أفضل فقد حجبوها عن المشتري، لا تتأسى على كل حال، أنا أستطيع صناعة "قنبلة نووية" وإبادتهم، ولكنهم مزقوا قميصي.. وبقلمي وحده.. ربما بقلم رصاص أستطيع تخديشهم حد الموت.
كانت أجمل قصة كتبتها، وهي نائمة من ستة شهور في سجل الوارد لمجلة (الأقلام). قصة (ولدان وبنت حلوة).. كانت قفزة من قفزاتي حسب تقديري ومن خلال مراقبة نفسي. آخر ما كتبت قصة حربية سميتها (مستوى النار) وستعلن النتائج في نهاية شهر آب القادم ولن أفوز لأنهم لم يفهموها.
الآن أصبحت لي لغة خاصة، لكن لم تصبح لي قناعة خاصة بشأن شيء... ربما بعد حين ستسمع بأنني غيرت اسمي وتاريخ ميلادي، أنا الفتى الأخضر السعيد، كنت سعيداً، والآن صار من المحتمل أن أكون سعيداً، وربما في المستقبل أقول لك: من المحتمل بأنني كنت سعيداً. كل ما أعطتني إياه العسكرية هو خمسة كيلوات من اللحم، أضفته إلى وزني السابق. وأخذت مني كل شيء: الأصدقاء، الحبيبات، البهجة.. ومنعتني من مواصلة كتابة الرواية القديمة التي تسال عنها. وأنا أعتبرها مشروع الانتصار، أو القنبلة التي ستخرب دكاكين الأدب على رؤوس أصحابها. إنها تحتاج إلى كذا سنة من التفرغ والاحتراق، ولكن لا يمكن أن أخلعها من رأسي لحظة واحدة، مثلما لا يمكن محو الذكريات التي تحمل رائحة زهر البرتقال وطعم القطيفة القروية.
يا صديقي يا صديقي. أردنا أن نخوض خضم الأدب، وصعب علينا الرجوع إلى الضفة. لقد خلقنا الله أدباء، ولن يميتنا إلا أدباء، كما مات (فتز جيرالد) على أرصفة أمريكا، أو (إدغار الان بو) مات متيبسا على مقعد في حديقة، أو يقتلنا الخمر كما قتل صموئيل بيكيت وجه البومة.
لا شيء أشق من الكتابة، ولا شيء أصعب من نكرانها أو نسيانها، ولا شيء أصعب على الإنسان من الصدق والبراءة، ولقد ربطنا حلف بأقلامنا بأن نظل أطفالاً حتى سن التسعين، إذا لم نمت بالسكتة القلبية فلن نموت بالسكتة الأدبية... هذا هو حسن مطلك.
اكتب أيها الفارس، لوث الورقة، قل أي شيء، ولا تمهد للسكوت الأبدي، فإن من يعود نفسه على الكسل فإنه يحبب إلى نفسه الموت. اطمئن، وأريد أن أطمئن عليك.. أُريدك فوق مستوى اليوميات، والمشاريع المؤجلة، لقد زرع الله اللذة في المرأة وزرع في الرجل الطموح.
والســلام.

حسن مطلك
في 19/7/ 1984

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في العدد الأول من (الملحق الثقافي) لصحيفة (المسار) في أيلول 2006م العراق.
**فارس سعدالدين السردار: كاتب من العراق. farisalsardar@yahoo.com

02‏/09‏/2009

رسالة لصاحب (دابادا) الروائي حسن مطلك/ عبدالهادي سعدون

عبدالهادي سعدون

رسالة لصاحب (دابادا) الروائي حسن مطلك !

عبدالهادي سعدون

لهذه الرسالة قصة لا بد أن أقدم بها هنا قبل أن نمضي بقراءة ما جاء فيها.
وصلتني في ذلك العام نسخة من (دابادا) رواية حسن مطلك الأولى، المنشورة في بيروت، بعد أن رفضت لجنة وزارة الأعلام العراقية آنذاك السماح بنشرها بحجة مضحكة "بسبب من طليعيتها"!. هي النسخة نفسها التي تنقلت معي حتى مدريد والتي أعيد قراءتها على الأقل مرة واحدة في السنة. حمل لي نسخة الرواية، صديقي محسن الرملي ـ شقيق حسن ـ حيث كنا ندرس سوية في كلية اللغات وتعارفنا أساساً كان عن طريق الأدب والقصة على وجه الخصوص.
كان الكتاب الأول الذي يصلني بإمضاء صاحبه، لم يكن لي علاقة متينة بالوسط الثقافي العراقي، رغم معرفتي الدقيقة بأجوائه وكتابه عن طريق القراءة الدائمة، وعن طريق الصحافة التي اشتغلت فيها بوصفي مترجماً لمواضيع أدبية عن اللغة الأسبانية، وكنت أتجرأ في أحيان أخرى على نشر قصة لي هنا أو قصيدة يرضى عنها محرر هذه الصحيفة أو تلك المجلة. كنا نعرف بعضنا بشكل كبير ـ محسن وأنا ـ ونقرأ لبعضنا، ولكنني حتى اللحظة لم أكن قد قرأت لحسن مطلك غير قصة واحدة أو اثنتين.
ذكرت في مقالة سابقة (العدد الخاص عن حسن مطلك/مجلة ( ألواح)11 سنة 2001) بان قراءتي الأولى للرواية جاءت بلا فهم، وشكّل مسك خيوط تتابع أحداثها وشخصياتها صعوبة كبيرة، لم تواجهني شخصياً، بل واجهت أغلب الأصدقاء الذين قرءوها عن طريقي. بل أن العودة اليوم لقراءة المقالات التي كتبت عنها في فترتها، يكشف لنا سذاجة وضحالة وعدم فهم العديد من النقاد لها. ما يؤلم حقاً أن (دابادا) وبعد مرور هذه الفترة الطويلة، ما يزال يكتب عنها وبحقها مقالات سطحية، لا تمس سوى القشرة منها ولا تتطرق لعمقها وتفردها الروائي المتقدم. وهو نفس الألم الذي شعر به حسن مطلك عندما لم يجد من يتصدى لروايته الفريدة ضمن روايات فترتها والفترات التي تلتها، ليس في النتاج العراقي فحسب، بل على مستوى الرواية العربية. لعل من المناسب هنا الإشارة لما قلته في حوار سابق معي بأنه "من الأفضل البدء بتقويم الرواية العربية من فترة ظهور رواية دابادا" وهذا ما أصر عليه اليوم ونحن نقترب من ذكرى مرور عقدين من الزمن على كتابتها، وهي الفكرة التي تتجدد اليوم مع قراءة شاملة للمشهد الثقافي العراقي والعربي، ومع مناسبة صدور رواية جديدة لأسماء معروفة أو مبتدئة.
من مصادفات القدر أن يعاد نشر رواية (دابادا) بطبعتين جديدتين في مصر وبيروت، دون أن تحظى ولو بطبعة واحدة في بلده العراق، لا عن طريق دور النشر الرسمية ولا دار نشر أهلية، بينما نرى عشرات الكتب الضحلة تنشر ويحتفى بها، بينما في الواقع لا تصل لإبداع صفحة واحدة من كتابة حسن مطلك. ولكن اليوم لا مجال لتجاهل كتابات حسن مطلك، بعد أن أعيد نشر قصصه وأشعاره القليلة، وتم إصدار روايته الثانية المخطوطة (قوة الضحك في أورا)، وهي الرواية التي تجيء مكملة لمشهد (دابادا) الروائي، صياغته النثرية وأسلوبه التجديدي في طرق أكثر المواضيع قرباً من العراق بمغايرة حقيقية، وتؤكد بشكل لا مجال للشك فيه بموقع حسن مطلك في قمة روائيي العرب اليوم.
الحديث عن أدب حسن مطلك، يتطلب دراسات مطولة، وهنا ليس موضعها. بل ما دعاني للعودة لها هو اكتشافي لرسالة غير منشورة وجهها الروائي لي في عام 1988، رداًَ عن رسالة تهنئة بعثت بها بيد محسن الرملي أثناء نزوله نهاية الأسبوع لقريته (إسديرة الوسطى)، وكان أن استلمت إجابة عنها، تماماً بعد يومين من تاريخ رسالتي. لا بد من التأكيد على أن نشري لرسالتي ومن بعدها إجابة حسن، لا يأتي سوى للتوثيق لا غير (فرسالتي من تعابيرها وأسئلتها الساذجة وطريقة كتابتها المخجلة، لا مجال للالتفات لها، ولم يكن لي من عبرة في نشرها، سوى أنها كانت الدافع لرد حسن مطلك برسالة قيمة ذات جدوى كبير لدارسي أدبه ومتذوقي فنه الروائي، ومنها لفك بعض رموز روايته وتفحص آرائه في الكتابة والحياة).
نلاحظ من خلال قراءة كلمات حسن مطلك في رسالته ما شغل الروائي في فترة كتابة (دابادا) وبعدها. همه الدائم بكتابة الجديد بعيداً عن أسوار الرواية التقليدية التي وقع في شركها أغلب كتاب الفترة (كان قد شرع وقتها بمخطوط رواية الثانية (قوة الضحك في أورا) والتي يشير لها في الرسالة دون تسميتها). فهمه واختلافه مع الآخرين، رؤيته الحدية لمفهوم الأديب والكاتب، رغبته الصريحة بجدية الكتابة التي تحولت لمسرح سهل الدخول لأي شخص لمجرد كتابة نصوص بلا معنى.
إن قراءة كلمات حسن مطلك بعد كل تلك الفترة، تحيلنا للتمعن بها بوصفها نصوصاً جدية، عميقة حتى وهو يكتب بصورة شخصية لآخر. أنها فرصة التمعن من جديد لأثر أدبي قلما يصادفنا في الحياة الأدبية العراقية، ولعلها تذكرة لتناول أدب حسن مطلك بشكل أكثر عمقاً قبل أن تمر الذكرى العشرين لكتابه الأول، مروراً عابراً، مثلما مرت به رواياته وآثاره الكتابية المتعددة.
* * *

الرسالتان :

1ـ رسالة عبدالهادي سعدون:

" الأخ المحترم حسن مطلك.
إنه لمن دواعي سروري وفرحي أن أجد كاتباً عظيماً بأسلوبه وصنعته الأدبية يهديني روايته القيمة ألا وهي دابادا..
كما أكن لك كل التقدير لأنك سبقتنا واقتحمت بجرأة سياج الرواية الواقعية التقليدية، وصرنا بديهياً نجد من نستند عليه بعلو هاماتنا حين نطرق أساليب جديدة، أسميها مع نفسي "القصة اللا إنتمائية" وروايتك بأسلوبها التفكيكي والغرابة التي تحيطها بالتأكيد واحدة منها.
أكتب لك باقتضاب وإن شاء الله سيكون لنا لقاء قريب، ولكن هناك سؤال يحيرني أرجو أن تجيب عليه بوجهة نظر خاصة ومطولة!.
طالما كانت صرخة "دابادا" تعني اللاشيء بالنسبة للأبله شاهين والذي هو في الحقيقة أعقل الجميع.. فإنها كانت تعني الكثير.. أرجو أن تطلعني يا صديقي: لماذا اخترت "شاهين" أبلهاً.. هل هو بالتأكيد سيتكلم بصراحة.. أرجو الشرح لأجواء الرواية.. وهل أن الحمار هو القدر أم الحياة المنتهية طالما أن صاحبه هو السلطة التي تحكم؟.
كلها أسئلة وعندي الكثير لكنني سأكتفي وأنتظر جوابك القيم.. لك تحياتي القلبية على هذا النجاح وتحيات جميع أصدقائي ممن قرأوا (دابادا) بإعجاب..
يا رب؛ إنني لا أستطيع كتم ضحكي الهستيري المليء بالبكاء على شاهين وهو يعرف أنه لم يقتل الحمار بل ضرب نفسه لأنه لم يستخدم السكين بصورة صحيحة.. لقد شهقت لروعة التصوير.
وأخيراً لك كل التقدير والإعجاب ".
الصديق

عبدالهادي سعدون
8/11/1988
* * *

2ـ رسالة / رد حسن مطلك :

" الأخ عبدالهادي السعدون المحترم.
أفضَل تعريف سمعته للقصة "أنها تجربة عزلة". وأعتقد أنني لو تمنيت حقاً أن أفرد لك توضيحاً لـ(دابادا) لاحتجت لرواية أخرى سأسميها مثلاً "ميتا دابادا" فالمعذرة إذن.
ولكن.. أسمع. أعدك في يوم ما عن شيء سماه أحد الأصدقاء "الواقعية المطلقة" إشارة إلى كتاباتي، وهي فكرة مفصلة، إصبع ديناميت في جسد الموروث الأدبي، ـ أنا متعَب وقلق هذه اللحظة ـ ولا أرغب في الحديث عن (دابادا) بالذات، لأنها أتعبتني.. أريد أن أستريح يا أخي، هناك بعض التطور الذي أسميه تراجعاً عن (دابادا) في بعض الأحيان، تجربة روائية جديدة ستذبحني، أكثر عمقاً.. العقدة هذه المرة ليست في الشكل بل في الفكرة، لا سيما أنني مهووس بتاريخ الحضارات القديمة، وأشعر أنها ليست مجرد أحداث انتهت، بل هي طفولتي أنا، طفولتكم.. وأننا نحتاج جميعاً إلى وعي تاريخي، لا إلى وعي في التاريخ.
أنني لعلى ثقة بأنك أنت وجميع الكتاب الشباب يجدون في (دابادا) باباً للأدب القادم. إذ لم يعد من السهل أن نبدأ بكلمة "كان" كاستهلال قصصي، وهذه أول خطوة للنجاح../ قتل "كان".
حسناً: الحمار "قندس" هو الأيديولوجيا. أو لنقل الروح الخشبية المدللة لكل سلطة.
هناك إشارة لا أملّ من تكرارها على الأصدقاء: يا عبدالهادي لسنا جادين أبداً، لا في قراءتنا ولا في كتابتنا.. فلنجرب الكتابة في وضع الوقوف. لنكن جادين مرة واحدة وإلى الأبد.. وعلينا أن نفرق بين الأديب والكاتب، وذلك سهل لمجرد أن نجلس في اتحاد (الكتاب) العراقي.. ولا بأس أن نصاب ببعض الغرور، وليذهب موظفو الأدب إلى الجحيم ما دمنا نكتب بألم ونتعذب ونحترق. لنجرب أن نعطي أقصى ما لدينا في كل قصة مهما كانت حتى لو كانت طاقتنا ستفرغ نهائياً في قصة قصيرة واحدة، ولننس أسمائنا. فلتكن قصة واحدة عظيمة ثم نعتزل.. لنصرخ قبل أن يصل الطين إلى أفواهنا. قرأتُ في بعض كتب الأنثروبولوجيا عن قبيلة تعطي لكل لحظة حقها. في الحزن يهلك بعضهم من البكاء، وفي الفرح يهلك آخرون من السعادة، وفي العمل تنهار أجسادهم.. ولكن هناك، سينشأ في الداخل، داخل كل شخص، قوة عجيبة ورؤية واضحة للعالم.. فلنجرب.
المعذرة.. سنلتقي في يوم ما ".

حسن مطلك
10/11/1988
------------------------------------------
*نشرت في موقع (جذور) بتاريخ 13 أكتوبر 2006م.

29‏/08‏/2009

قراءة/ من التماعات الحكمة في (دابادا)


من التماعات الحكمة في (دابادا)

د. محسن الرملي

لا يكاد عمل أدبي كبير كالرواية أن يخلو من أقوال محبكة الصياغة وعبارات تأخذ شكل الحكمة أو المثل أو القول. ومنها ما يأتي بثه عن قصد فيما تكون الغالبية متأتية من خلال التدفق العفوي وبين ثنايا السرد الأدبي أو استجابة لمطلب فيه؛ حيث تولد الحالة الموصوفة أو أسلوب الوصف هذه الالتماعات. وأحياناً يكون الأمر معكوساً حيث تشكل الحكمة أو القول أو المثل الثيمة أو المحور الأساسي ومنطلقاً وغاية للعمل الفني ومن ذلك ما كانت تبنى على أساسه المسرحيات والقصص والروايات، كما أنها قد كانت من صلب ما يفترض توفره بالخطباء والفلاسفة والمنظرين وإلا فعليهم تعلمه وإجادته.. بل أننا نجد بأن هذا الأمر يمتد حتى إلى الأعمال الأدبية الحديثة والمتطورة المعروفة، ومثال ذلك أننا نجد الأقوال الجازمة والحكم المتدفقة بكثرة عند أوسكار وايلد وبشكل خاص في روايته (صورة دوريان جراي). كما نجدها عند موبيسان في قصصه القصيرة وعند سومرت موم، وبورخس وماركيز وبروست وغيرهم. هذا وقد كان عدد غير قليل من الكتاب ممن يضعون في مقدمة العمل أو في نهايته خلاصة له عن طريق استعارة أو صياغة قول أو حكمة أو مثل معين يكون بمثابة درس أو استنتاج، الأمر الذي يقودنا في أحيان كثيرة إلى تلمس أو فهم آراء وأفكار معينة لدى الكاتب.. بل أن أبرز العبارات التي مازلنا نستشهد بها في كتاباتنا وفي أحاديثنا وما أصبح منها أمثالاً سارية وقواعد يحتكم إليها ما هي في الأساس إلا مقتطفات من أعمال أدبية وقصائد قالها الشعراء ومضوا، ومنها بعض الأقوال التي كان لها الفضل الأول في تخليد عمل أدبي ما بكامله أو شخصية أدبية.. وتراثنا الشعري حافل بهذه الأمثلة التي يتداولها حتى العامة من الناس ممن سمعوا بها ولم يقرأوها لكنهم لا يترددون في المقايسة وفقها ودعم أرائهم بها.. ومن ذا الذي ينكر مار رفدتنا به (ألف ليلة وليلة) في هذا المجال؟. أو شعراء المعلقات والمتنبي والمعري وأبو نؤاس وأبو تمام وشوقي وخليل جبران والجواهري.. وغيرهم. وعلى الصعيد العالمي نسمع يومياً صدى كلمات دانتي وشكسبير وبرناردشو وثربانتس.. وغيرهم يتردد في أرجاء المعمورة مكتوبة ومسموعة وكأنها نصوص مقدسة تعمل على صياغة الأذهان وتعبئوها بالمعرفة والجمال.
وهنا نشير إلى أن الأمر المباشر الذي دفعنا لإحصاء هذا النوع من المقولات في رواية (دابادا) لحسن مطلك قد جاء بالأساس لما لاحظناه من ترديد متكرر لها على ألسنة عدد غير قليل من المثقفين والقراء ممن يحفظونها ويستشهدون بها في كتاباتهم وأقوالهم.وإننا نقوم بهذا الإحصاء بغض النظر عن مدى دقة تطابق ما سنورده مع متطلبات صفة (الحكمة) ذلك أن بعضها يزخر بحبكة القول لغة أكثر مما يتعمق بالدلالة المعرفية. هذا ويجدر التذكير بأنه لا يمكن لنا مقاضاة المؤلف على أساسها، لأنها أقوال مستخرجة من سياقاتها وهي أصلاً بعض من عمل أدبي بحت، أو ببساطة، لأن مؤلفها يستطيع أن ينسبها إلى شخصياته أكثر مما ينسبها إلى نفسه، إلا أن أهمية تأشيرها ستنفعنا كثيراً في فهم جوانب من شخصية وتجربة الأديب ذاته عبر ماستكشفه لنا عبارات مثل:" إن الشر فكرة وإن الحب طبيعة"،" بالحلم يتجدد كل شئ"،"الطفولة ضباب".. وهكذا حيث مضينا نصطاد ما أمكننا اصطياده من التماعات الحكمة المتناثرة على مساحة سيل التدفق الدابادي. وتدلنا غزارة هذه الشذرات على الميل الواضح لدى حسن مطلك نحو التفلسف وصياغة القيم وفق رؤيته ومفهومه. وأحياناً يخيل لنا بأن كل سطر في دابادا هو حكمة إذا ما عمدنا إلى تأويله بصيغ مختلفة. ومع ذلك فإن الحكمة بمفهومها التقليدي قد توفرت فيها.. وإن كان كاتبها يتردد بالجزم النهائي على مشروعية أو قطعية صواب أحكامه، وهو يكاد يذكر موقفه من ذلك في ص139 بالقول:" إنه لمن العسير أن يتخيل الآن أية حكمة اتبعها لإيصال العاطفة إلى شكل المعادلة الحسابية".
وهذه طائفة مما أحصيناه:

ـ كل حقيقي جدير بالنسيان حتماً. ص5
ـ معزول لأنه حر في أن يسقط أو يستمر. ص9
ـ الجدة مُقعَدة؛ علامة احتجاج الأسلاف ضد الجيل. ص9
ـ إن الشر فكرة وإن الحب طبيعة. ص18
ـ للإنسان فتحات كثيرة إحداها للضحك. ص20
ـ لم أنس ولكنني كنت غير قادرة على المجيء أو على إيفاء ديونكم.ص26
ـ الأمور لا تبدو كما هي عليه لأنها تُرى بأعين متباينة الحدة. ص27
ـ في الحقيقة إن ما يعد شخصياً قد يعني الآخرين أحياناً بالفضول وبغير الفضول. ص27
ـ هواية العالم الأزلية: تبرير حركة الأشياء. ص28
ـ الطفولة ضباب. ص36
ـ غريب غربة الأعمى عن مقعده. ص46
ـ كلهم آخرون بالنسبة إلى بعضهم. ص58
ـ يقول الأحياء إن الحياة صعبة.. ما أروع أن تكون صعبة!. ص58
ـ الإنسان الأقدم ينقصه التعبير عن الألم. ص58/64
ـ لا يدري ما جدوى التصديق.. حقيقة: ما جدوى التصديق؟. ص69
ـ ما من أحد يبتعد عن الطفولة مسافة خطوة. ص67/73
ـ أقول: ربما. وكلمة (ربما) أدق الكلمات تعبيراً عن الاحتمال. ص79
ـ الرجل شوك جميل لأنه مُخيف. ص59
ـ لا بديل عن المرأة الشيطانة، الضحكة النادرة، البياض الهلالي في العينين، الإلتـفاتة الذكية لأنثى الرجل… ص82/193
ـ خرج إلى الظلمة ليرى نفسه بوضوح. ص82
ـ لا شيء مؤكد.. لا شيء. ص83
ـ يشعر بأنه لا يرغب بالخلود.. إذا كان ثمة خلود في ذلك الفراغ. ص85
ـ حنان الأم يفوق الحكمة. ص76
ـ الخيال منبع الكوابيس في الصحو وليس في النوم أبداً أبداً. ص90
ـ إنها أكاذيب تأتي بها الروايات الواقعية. ص105
ـ يظل الاعـتراف الأول.. البوح الأول.. وسـيلة مغلوطة في وضـع خـط النهاية. ص106
ـ إن المرء ينكر بداياته بعدما يبلغ، ولكن البداية تبقى أعظم خطوة تقريباً من بين الخطوات الفاشلة التالية. ص106
ـ لا يمكن قياس مقدار العذاب. ص108
ـ الأرض قديمة.. شئ مخيف، غير أنها يمكن أن تكون مليئة بالمسرات الشبيهة بقصاصات الحب. ص109
ـ يـمكن أن يـحب الرجـل أكثر من مـرة في حين لا تـستـطيع الـمرأة ذلك. ص109
ـ إن البنايات تـنمو بينما يـنـشف الحليب. ص110
ـ نعم.. بالحلم يتجدد كل شيء. ص113
ـ أقول لكم: كان العالم طرياً في البدء ولكنه هوى على رأس مُـثَـقـب.. بالأخص فوق فتحات الأسلحة. ص113
ـ تـلك الأغاني التي تتحدث عن مـعنى الحياكة، هـي في الأصـل؛ أغـنية واحـدة. ص113
ـ لأن الاخـتيار يـقـسّم الـروح.. فإن خُـيّـر بـين شيئين فـسـيخـتارهـما مـعاً. ص121
ـ قلما يلتقي صديقان بلا أسلحة ملفوفة. ص128
ـ إن أكـثر الأشـياء عـذاباً؛ تلك التي تـتجه مباشـرة إلى الموضوع الـذي يُـعـذب. ص105
ـ إن الكُتاب يشهدون على جميع مآتم الأرض، ويتحدثون عنها.. لأنهم أكثر المخلوقات بطالة. ص129
ـ إننا نغني عندما نطمئن. ص130
ـ لم يكن أي شئ يعنيه من هذا العالم؛ لذلك يتعلم بطيئاً. ص135
ـ أراد أن يمنح ابنه بعض القسوة لأجل سلم الرجولة الوعر. ص135
ـ إنه من أصعب الأمور أن يُكون الإنسان فكرة محددة عن الأشياء حين يعتبرها الآخرون زمناً مضى بلا أهمية. ص137
ـ إنه لمن العسير أن يتخيل الآن أية حكمة اتبعها لإيصال العاطفة إلى شكل المعادلة الحسابية. ص139
ـ الـقـريـة؛ مأوى الوجع الكبير. ص140
ـ كانت تريد أن تعطيني قلبها مثلما تقدم تفاحة ناضجة.. للأسف لا أريد هذا.. أعني لا أريد أن تمنحني بسهولة. ص142
ـ تكلم يا أخـي.. ولا تنظر إليّ باتهام هكذا؛ تكلم.. تكلم. ص142
ـ الخوف سبب العدوان. ص145
ـ إن الهجوم الأول لا يؤذي؛ لأنه يستطلع وسائل دفاع الفريسة. ص145
ـ إن الرجل الحقيقي هو الذي يحذف ساعات الخطر الحقيقية ويقترب من القرار بإلغاء صيغ التعجب في تحجيم الذات. ص146
ـ أطلب منك أن لا تَـفـزَع. ص146
ـ لا تتحرك بعيداً عني، ولكن لا تلتصق بي فتحد حركتي. ص146
ـ ادفعوا عني هذا السواد لأرى. ص157
ـ القلب المكروه؛ كما هو مؤلم.. جدير بالقذف. ص160
ـ كلهم يريدون الضوء.. فلماذا الظلمة. ص165
ـ يا عيني.. يا عيني.. يتكلمون عن العين في الظلمة!!. ص165
ـ العاصمة بيت الشهرة، والشهرة خـسـارة للجميع. ص177
ـ الأسماك الكبيرة التي تأكل الأسماك الصغيرة.. إلـى مـتـى؟.ص210
ـ تستعد للخسارة النهائية وليس الهزيمة النهائية. ص212
ـ ويسقط.. غير أنه نادراً ما يصل إلى الإغماء. ص210
ـ ليس ثمة أحد بالتحديد يجلس مكان أحد. ص214
ـ إن الدنيا الجميلة شيء ثقيل لا يُـطاق إذا ما حبست العصافير غناءها وحدثت فيضانات في الهند. ص194
ـ ……………………………………
ـ ………………………………………….
ـ ……………………………………………………
-------------------------------------------------------
*نشرت في العدد 11 من مجلة (ألواح) سنة 2001 مدريد.

06‏/05‏/2009

قراءة تحليلية / وديع العبيدي

وديع العبيدي

جدلية الزمان والمكان في رسالتين إلى حسن مطلك
- قراءة تحليلية -

وديع العبيدي

شيء ما يشدّك هنا.. قوة جاذبية غير عادية.. تبدأ بالعنوان.. نبرة تحدي صارخ.. ليس التحدي الشخصي وانما التحدي الوجودي.. فـ(الوعد) لازمة تتعلق بالزمن أكثر من أي شيء آخر. دالة مرتبطة بالمستقبل (الغيبي). وهنا يتكامل الأفق الميتافيزيكي ليربط بين –لا ممكنين- ماضٍ منصرم، ومستقبل غير منظور. كلاهما يجتمعان في دالة واحدة!.. واحدة فقط، وهذا أهم ما في الموضوع، (الغياب)!.
غياب + غياب = (حضور)
مراهنة الكاتبة المبدعة الصعبة هي جمع الغيابين في نقطة - قيد التخلّق-، قوتها أنها هي التي تتكفل عملية التخلق.. هي المقتدرة على تحويل الغياب إلى حضور. ومنح الحضور مزيدا من البهاء والحيوية.
*
ورد صبيح وهي تكتب رسالة، توجهها إلى شخص آخر، لم تقل شيئا عنه، في سطورها الأولى، الفقرة الأولى، الثانية.. حتى الأخيرة. في السطر الأخير.. الأربع كلمات الأخيرة سوف تذكر الأسم. وبعد ذكر الأسم.. تسود حالة صمت (..). الصمت الذي يعقب المعادلات الصعبة، المعادلات القهرية التي يعجز عن حملها ابن الانسان. "ونحو الساعة السادسة، حلّ الظلام على الأرض كلّها حتى الساعة التاسعة، وأظلمت الشمس، وانشطر ستار الهيكل من الوسط."* فالغياب ظاهرة ميتافيزيكية أكثر منها لعبة وجودية يزعم البعض التحكم بها. الغياب الذي وصفه حسن مطلك بالحفرة في (دابادا)، الحفرة بمعنى فراغ، تقوم دعامته في (الغيب/ الما وراء). القادر على تحقيق صعقة كهرومغنتية تفصل بين فضاءين بستار العتمة. العتمة بمعنى العجز عن الرؤية، واستحالة التواصل. لحظة الصمت.. في نهاية المقطع، هي ما يعقب الغياب، وهي ما يسبق الغيب/ المقبل.
على غرار الأولى جاءت رسالتها الثانية. وبالتالي فأن القارئ يبقى مسكونا بالترقب والفضول لمعرفة المقصود بالرسالة. حديث متدفق من جانب واحد. الطرف الثاني (المخاطَب) لا توجد أية معلومات عنه. رغم الكناية الحميمة التي يحملها حرف (كاف الخطاب). والذي يمسّ القارئ من طرف خفي، باعتباره المعني بالرسالة قبل غيره. هكذا يتأجل اسم المخاطَب حتى السطر الأخير، الكلمات الأربعة الأخيرة من الرسالة. ثم يعقبها (صمت). ولا يغلق الستار.
عدم ذكر اسم (الغائب)، كناية عن احترام واجلال كما هي في تقاليد العهد القديم. ومساحة لتمثل الرّهبة والتواضع أمام رمز يحاط بالعظمة والتبجيل. ولكنه في المقابل يمكن أن يمثل إشارة إلى فقر الصلة أو شحة البيانات والذكريات الخاصة، بين طرفي الرسالة. لكن الكاتبة لم تترك فرصة لظهور هذا التساؤل، من خلال الحميمية الدافئة وانسيابية اللغة التي تفعم بها حواس القارئ. فمن خلال حالة (التخلي) التي افترضتها لكتابة رسالة عزيزة، منحت المكان حالة الامتلاء الكامل، بلغتها الشعورية المتدفقة وتلقائيتها الدافئة.
*
مادة الخطاب..
بدل التعريف بالمرسَل إليه، بدأت بالتعريف بنفسها، وهو أمر يملأ جزء من فضول القارئ ويزيده قربا من فحوى الرسالة. (أنا عراقية، عراقية مثلك، وُلدت عام 1980، ولحسن الحظ، أو لسوء حظي، كان عليّ أن أخرج من هناك وعمري سنتين فقط. ولكن هذا لم يُنسني حبي لوطني، ولا أن أنساكم..). عبر هذه الكلمات العفقوية البسيطة والقليلة، استطاعت الكاتبة تهريب معلومة كبيرة وحاسمة في النص، بسهولة تضارع حنكة حسن مطلك في تهريب الأفكار عبر فوضى اللغة. الأهمية تتعلق بغياب الكاتبة عن وطنها في سن مبكرة (سنتان فقط) قبل أن ترتسم ملامح الأمكنة والذكريات في ذاكرتها. ان (غيابها) هذا الخارج عن إرادتها، يضارع (غياب) حسن مطلك الخارج عن إرادته نوعا ما. وبالتالي، فقد وجدت في الاتصال أو التواصل مع ذاكرة (حسن مطلك) ما يسدّ جانبا من الغياب في حياتها الماضية. وإذ تضع صورة التعريف أو التقديم في بداية رسالتها الأولى، فانما تجمع بين غيابها - عن المكان- وغياب الراحل – عن الزمان- لتكون حصيلة المعادلة بين الطرفين، (حضور) في الزمان والمكان.

غياب (مكان) + غياب (زمان) = (حضور) -زمكان-
أما التعريف بالمرسَل إليه، فقد استعاضت عنه بحديث مسهَب عن نظيره. لقد تعاملت الكاتبة مع لوركا بتعاطف كامل كما لو كان هو المقصود بالرسالة. ولو أمكن اعتماد فكرة التناسخ، سيمثل غارثيا لوركا، نسخة حسن مطلك المدريدية، فيما يمثل حسن مطلك، لوركا العراقي مع فاصلة ستة عقود من الزمن. وهي تبرر تركيزها المبالَغ فيه على لوركا بتلقائية بريئة.. (من الممكن أن يكون ذلك بسبب شغفي المستمر في متابعة أعمال لوركا، أو قد يكون بسبب علاقة والدي به، هل تعرف؟ إنه من المعجبين بلوركا.). لكن وراء هذا الزعم البرئ تكمن ضرورة ملحة، قد تغيب عن القارئ لأول وهلة، وهي أنها تكتب بلغة (اسبانية) غير لغتها أو لغة (حسن مطلك)، وأهل اسبانيا لا يعرفون الكثير عن حسن مطلك، لكنهم يعرفون (لوركا) جيدا. وهي استخدمت (لوركاهم) لتقريب صورة (مقصودها) العراقي إليهم، وذلك عبر المتقارَبات النصّية التي جمعت موتيهما أو مقتلهما الدراماتيكي، وهما في ذروة الشباب والعطاء. الكاتبة تحرق أشواطا سريعة في اختراق دائرة المتلقي الاسباني عبر التماهي الثقافي بين حضارتين. ولكن كيف يمكن لهكذا مقارنة أن تكون.. بين بيئة استقرار سياسي واقتصادي (اسبانيا) وبيئة قلقة ومضطربة سياسيا كالعراق؟..
لكي تنجح الكاتبة في مقاربتها، تدير عجلة الزمن إلى وراء، إلى تاريخ اسبانيا في الحرب الأهلية الطاحنة يومذاك، تلك الحرب التي علست شاعرية غارثيا لوركا وهو يتأهب للمغادرة إلى (باريس). يومها كانت طلقات الطيش أقرب إليه من الحلم. فالمقارنة هنا، بين بلدين وزمنين، لم يكن للانسان أو الشاعر اعتبار ما فيهما، حيث الاعتبار الأول والأكبر هو للعسكر. كان لوركا (جمهوريا) واثقا بالمستقبل، لكنه وقع صريع رصاص فرانكو الملكي. وكان حسن مطلك (مستقبليا) واثقا من خلاص العراق، لكنه راح ضحية استبداد الدكتاتورية. في الحالتين كان الرهان على المستقبل، وفي الحالتين كان المستقبل محكوما بالاعدام. وفي الحالة الثالثة يأتي رهان ورد صبيح على المستقبل: أعدك!. المستقبل الذي انتظر طويلا.. هل سيطول انتظاره في عيون (ورد)؟!..
*
استعارة المكان..
في الرسالة الأولى تم استعارة المكان الاسباني : غرناطة- أرض الأندلس، كناية عن المكان العراقي، واستعارة جيل 27 كناية عن الزمن العراقي، وشخصية لوركا كناية عن حسن مطلك. في الرسالة الثانية، ينمو المكان الميثولوجي، منتقلا من حالة ماضي بعيد (past participle) في بلد أجنبي إلى حالة مستقبل مفترَض في الوطن الأم. ففي الرسالة الثانية يكون المسرح هو أرض العراق، والمكان هو بيت العائلة التي انتظرت عودة حسن مطلك طويلا.. ها هي تستقبله في صورة حسن مطلك الجديد، الثالث، الحفيد، المقبل من كنه المستقبل. وبهذه الطريقة تحقق الكاتبة حالة الربط بين الماضي والمستقبل، بوضع دعامتين، تمهدان لعبور الحاضر نحو المستقبل. وما الحاضر هنا غير حسن مطلك.. الحاضر الغائب. الحاضر باستمرار مسلسل العنف والتصفيات في العراق، والحاضر بما يحمله من وعد وثقة بالمستقبل النابض في كتاباته المتواصلة الصدور بفضل وفاء شقيقه الأريب الشاعر والروائي الدكتور محسن الرملي. وبالتقاء نكهة الوعد في عنوان النص، مع وعد ولادة الحفيد، تكتمل رسالة الكاتبة وتحقق صداها الذي يتردّد في الطرف الآخر من الغياب/ الحضور.
*
تجديد فن (الرسائل) نصا أدبيا..
ان تألق الكاتبة ورد صبيح في ابداعها المتفرد على أكثر من صعيد لافت للانتباه، يزداد جدارة بنفحها الحياة في نمط (فن الرسائل) أو (المراسلات) الذي تجاوزه النص الحداثي، واعتبره كثيرون من مخلفات التراث البائد، فأعادته نصا نابضا بالحياة، لم تنحدر به إلى السرد القصصي، ولم تقع في فخ الشعرية، وانما احتفظت له بمقوماته، في لغة حديثة متدفقة بعيدة عن الاطناب والبديع التي اشتهر بها هذا النوع من الأدب. وحسبي ان هذه البادرة الجريئة تحسَب لها في باب التجديد والابداع العصري الذي يستحق إعادة النظر والاعتبار إليه. كما يمثل ايذانا بولادة كاتبة مبدعة مميزة، سيكون لها شأن بيّن.
..
مع خالص التحية لها ولروح حسن مطلك وعائلته الكريمة!..
لندن
الثالث من مايو 2009
----------------------------------------------
* نشرت الرسالة في موقع كتابات الالكتروني بتاريخ الثاني من مايو 2009.
* انجيل لوقا 23 (44 ، 45).
----------------------------------------------
*نشرت هذه القراءة في موقع (كتابات) بتاريخ 5/5/2009م.

02‏/05‏/2009

كتابة / ورد صبيح صادق

حسن مطلك وابنته الكبرى مروة

أعدك يا حسن مطلك

ورد صبيح صادق

في الحقيقة انني لا أدري لماذا أكتب لك هذه الرسالة، ربما لأنني أظن في أعماق نفسي بأنك ستقرأها، فأنت بشكل من الأشكال لا تزال حياً بين كل أولئك الذين يتذكرونك، أو ربما أكتب لك لحاجة في نفسي.. لأنني أريد أن أقول لك بانك قد ذكـّرتني بحلم.
لاحظ، أنا عراقية، عراقية مثلك، وُلدت عام 1980، ولحسن الحظ، أو لسوء حظي، كان عليّ أن أخرج من هناك وعمري سنتين فقط. ولكن هذا لم يُنسني حبي لوطني، ولا أن أنساكم، لقد حللتُ بأرض غارثيا لوركا... نعم لوركا شاعرك وشاعري أنا أيضاً، شاعر جيل الـ 27، لقد عشت هناك، في غرناطة، ولهذا فان طفولتي هي هنا في أرض الأندلس، في هذه الفناءات وبين تلك السنادين، ومن الممكن أن يكون ذلك سبب شغفي المستمر في متابعة أعمال لوركا، أو قد يكون بسبب علاقة والدي به، هل تعرف؟ إنه من المعجبين بلوركا.
لقد كنت أحلم زمناً طويلاً بأن ألتقي في يوم ما بكاتب عراقي يُشعرني بأنه يمتاز بحس أحد أدباء جيل الـ 27. لقد كان ذلك أملاً أو من الممكن أنه كان خيالاً، لأنني بالكاد أقرأ العربية كما أقرأ الاسبانية، ولكن ظل أملاً في مخيـّلتي.
أتذكّر في هذا الصيف كنت في زيارة للمغرب، أمام البحر، قلت لصديقتي ثينتيا: "في يوم من الأيام، عندما أستطيع، سأبحث عن كل واحد منكم، عن شعوركم، عن انطباعاتكم المشتركة حول أولئك الذين يعانون.
هل تعرف؟ لقد أعدموا أيضاً ذلك الظالم الجائر الدكتاتور، وكان هنالك من يبكي فرحاً، وكان هناك من يبكي عليه، وآخرون لم يشعروا بشئ، قد يكون ذلك بسبب الخوف أو السلوى ، أو قد يكون بسبب الحزن على أنفسهم، حزن لأنهم فرحوا، حزن لأنهم لم يستطيعوا أن يشعروا بشئ. تألم على كل تلك الأيام التي عشناها، وتوجعات عليكم لأنكم لم تستطيعوا أن تعيشوا هذه الحياة.
أظن أن الحدث بذاته لم يكن سلوى لك، ولا لأولئك الذين فقدوك. سأظل أكتب لك وسأظل أروي لك ما يجري في بلدك وبلدي العراق، بلد جميع العراقيين، كيف أن الصراع لم ينته بعد، وكيف أن الظالم الأكبر قضى على ظالمنا، ولكن لا نزال مظلومين.
إنه جزء من التزامنا الاخلاقي تجاه وطننا أن نعرف بوجودك، وبأنك لوركا العراق، وأن وجودك لم يكن حلماً، وإنما هو هدية. فقد وحـّد ذاتي وأحلامي وذكرياتي، وحّد ذكريات طفولتي مع طفولتي في غرناطة، لقد أيقظت فيّ الحلم والخيال والنيّة كي أستطيع قراءتك وأن أعدك من أعماق روحي، أن أكتب كتاباً عنك عندما تسنح لي الظروف.. كتاب عنك وعن لوركا، أعدك يا حسن مطلك.

* * *

كما وعدتك سابقاً، ووعد الحر دين عليه، فلا أزال أكتب لك من بعيد. على بعد مرتين، مرة لأنني لست في العراق، ومرة أخرى لأنك لم تعد موجودا...أكتب لك من أرض لوركا، ولكن هذه المرة أكتب لك كي أبشـّرك بأحسن الأخبار.
فخلال سنوات كانت كل الأخبار التي من وطننا تحمل في طياتها نبوءة شر لنا، نحن الذين نعيش في المنفى. إن اتصالاً هاتفياً مع وطننا يعني الألم، يعني الإعلان عن مصيبة ما، عن انفجار قنبلة أو عن وفاة أحدكم، أو حوادث قتل.
الاستماع لصوت مرتجف، ذلك الصوت.. انه البكاء وحتى ولو لم يكن بكاءً، فإنه يُـشعرنا بالخوف، فنبدأ بالهروب منه على الرغم من حنيننا اليه.
عندما غادرتَ أنت هذه الحياة تركتَ خلفك وردتين في ساحة المعركة، ابنتيك (مروة وسارة) أينعتا بين الحروب والحصار والاحتلال.
كان القدر لك بالمرصاد، ففرقكَ عنهما وعاشا دونك، ففقدت َطفولتهما بين يديك، ألعابهما، ابتساماتهما، احتضانهما، وفقدت حتى حضور زفافهما، ولكن هما أيضا فقدتا وجودك.
والآن فان زهرتك، وردتك، قرة عينك، ابنتك الكبيرة، مروة، قد أنجبت ولداً، وطبعاً فقد أطلقوا عليه اسم (حسن) فأسعدوا أخيك ومحبيك. لقد وصلته مكالمة هاتفية، فاهتز بذلك صوته، ذلك الصوت الذي ترك افواهنا مُـتيبّسة، ذلك الذي نخشاه، ولكن في هذه المرة فإن سبب انهائه المكالمة مع نظرة مغرورقة كان وصول خبر سار، نظرة أمل.. أمل في أن يعيش هذا الطفل في حرية، تلك الحرية التي كافحتَ من أجلها، ومن أجلها أعدموك. إن من واجبنا الأخلاقي أن نسعى لأن يعيش هذا الطفل، حفيدك يا حسن مطلك.. في عراق حر.
--------------------------------------
*ورد صبيح صادق: عراقية تعيش في إسبانيا، والنصان كتبا ونشرا بالإسبانية أولاً ثم تمت ترجمتهما هنا إلى العربية. wardsadiq@hotmail.com
و
نصب الحرية في بغداد

20‏/04‏/2009

حوار/أجراه: عبدالرزاق الربيعي وعلي جبار عطية

الربيعي والراحل الحي حسن مطلك في سالف الزمان
بمناسبة صدور كتابين جديدين له ..
حسن مطلك : الحب هو الركض على الحائط 
كتب :عبد الرزاق الربيعي و علي جـبار عـطية
.. سـبـحـان اللّــه! مثلما كان الروائي الراحل حسن مطلك يفتخر بأنه يقطع المسافة بين الموصل وبغداد والتي تتجاوز أربعة مائة كيلومتر بثلاث ساعات بسيارته (الميتسوبيشي) وبسرعة مائة وأربعين كيلو متر في الساعة كذلك كانت حياته الدنيوية سريعة فغادرنا دون أن يكمل الثلاثين من عمره!. غادرنا تاركاً روايته الفذة (دابادا) التي طبعت في بيروت عام 1988 وابنتين هما (مروة)و(سارة) وزوجة طيبة تحب بلدته (الشرقاط) وقريته (سديرة)على الرغم من بساطة هذه القرية وتفضلها على مدينة مولدها بغداد بكل ما فيها.. جمعتنا معه الأقدار يوم 1/9/1988 ودارت بيننا أحاديث شتى كعادتنا كلما نلتقي ولا أعرف لماذا خطرت ببال أخي علي تدوين ما جاء في هذه الجلسة التي دامت أربع ساعات. وكان المرحوم منزعجاً لعطل أصاب سيارته. وقبل خروجي من بغداد تسنى لي حمل بعض الأوراق القديمة وكانت هذه السطور من بينها.. والتي لا أعتبرها حواراً يستكشف آفاق تجربة حسن مطلك وثقافته الغزيرة وأراءه الجريئة.. بل لا تعدو أن تكون أكثر من (دردشة) دارت بين أصدقاء لم يكن يدور بخلدهم أن القدر سيختم على الكثير من اللقاءات التي هي في طي المجهول بالشمع الأحمر ..! لقد أفلتت هذه( الدردشة) من قبضة النسيان وأسوار التلف بفضل إلحاح التدوين.. ذلك الإلحاح الذي حفظ لنا الكثير من النصوص الأدبية والآثارية على الألواح والرقم الطينية!. فكم من الأحاديث فقدت بمجرد انتهاء الجلسات !! الذي حفزنا لإعادة نشر هذا الحوار الذي سبق لنا نشره قبل سنوات عديدة في عدد خاص من مجلة "الواح " هو صدور كتابين جديدين للراحل حسن مطلك عن الدار العربية للعلوم في لبنان يحمل الأول عنوان (الأعمال القصصية) ويضم هذا المجلد مجمل القصص القصيرة التي كتبها حسن مطلك وسبق نشرها في الصحافة الثقافية أثناء حياته والبعض لم يسبق نشره، قام على جمعها وإعدادها شقيقه الدكتور محسن مطلك الرملي وقسمها إلى مجموعتين (الحب هو الركض على حائط) وهي القصص الخاصة بموضوعة الحرب، ومجموعة (أبجد حَسن هوّز) المتنوعة في مواضيعها وتقنياتها. أما الكتاب الثاني فيحمل عنواناً رئيسياً هو (كتاب الحب) وعنواناً فرعياً (ظِلالهن على الأرض) يمكن عده من المذكرات فيما كان مؤلفه قد عده (كتابه حُرة) كونه اعترافات ويوميات تتعلق بالحب، وبشكل خاص عن تجربتين من بين التجارب العاطفية التي تخللت الحياة القصيرة لحسن مطلك الذي ولد عام 1961 وأعدم عام 1990. 
*في البداية قلنا له: لماذا تفضل القرية؟
- القرية افضل من المدينة؛ لأنها لا تقطع أحلامك وتتيح لك قدرة على التأمل والعزلة.. وعندي أن الإنسان مسؤول عن أعماله فهو واحد على الرغم من العلاقات الوهمية مع الناس ويجب أن يعي هذه الحقيقة ولا يخاف الموت، وقريتي (سديرة) متكافلة اجتماعياً، فالذي يصيب أحدهم يصيب المجموع. والناس فيها يتدخلون في كل صغيرة وكبيرة، ويجب عليك ألا تستاء من هذا التدخل ... ..ومع هذا فقد أنجبت بلدتي ثلاثة قصاصين هم: (محمود جنداري) و(حمد صالح) و(حسن مطلك). 
*كتبت رواية أسميتها (دابادا) فماذا تقصد بهذا الاسم؟ وما الذي تريد تحقيقه من ورائها؟
- أعني بـ(دابادا) ما بعد اللغة، وحين انتهيت من كتابتها عرضتها على عدد من دور النشر في العراق فرفضت طباعتها مما اضطرني إلى طبعها في بيروت وكلفتني ألف وثلاثمائة دينار(حينها كان الدينار العراقي يعادل ثلاث دولارات!) مقابل ثلاثة آلاف نسخة!. لقد أكدتُ في هذه الرواية على خطي المتميز في صنع عالم ما بعد اللغة وتجسيد الانتظار وصنع النص المزدوج الذي فيه معنيان؛ ظاهر ومضمر، وتناولت الهجران من باب أن الإنسان يعيش دائما في حالة هجران . 
*لكن القاريء قد لا يستطيع إكمال قراءة روايتك!. 
- لا أريد القاريء الكسول. ويسعدني أن تترك روايتي قبل أن تكملها.. فالرواية التي تتحداك تنفعك . 
  * كيف استقبل النقاد روايتك ؟.
ـ لقد قال القاص موسى كريدي عن الرواية :انها تعد فتحا في عالم الرواية العراقية المغلق، وللناقد عبد الله ابراهيم رأي مشابه ظهر في جريدة (القادسية) وضرب الدكتور علي عباس علوان أولاده بعد قراءة الرواية!. 
  * وما موقف النقاد الشباب من الرواية؟.
- صنف الناقد خضير ميري روايتي بالمصطلح الذي أعمل عليه (الواقعية المطلقة) ورأى بأنها تجمع كل المدارس الأدبية من كلاسيكية واشتراكية وطليعية ونفسية واجتماعية ورومانسية وغيرها. 
* بمناسبة ذكر اسم (خضير ميري)، برأيك لماذا يهاجمه البعض رغم ثقافته الموسوعية؟. 
- لأنه يدل هذا (البعض) على نقص معرفته. وهنا يحدث التصادم ويثير الزوابع في كل أمسية.. لأنه قد وصل إلى درجة عالية من الوعي برغم رأسه الصغير!. 
* مثل ماذا؟. 
- في إحدى الأمسيات أسكت خضير ميري الحاضرين حين طرح عليهم هذا السؤال :أنتم تتحدثون عن الموسيقى في الشعر، فمن منكم يعدد لي السلم الموسيقي!؟. إن خضير ميري ذو قدرة عجيبة على القراءة والتحمل وقد توصلنا أنا وهو إلى أن الإنسان يعيش في إشكالية مستمرة؛ فما أن ينتهي من مشكلة حتى يقع في أخرى وعليه (الإنسان) طرح الأسئلة دائماً ومعرفة الأشياء. 
  * ما دمنا بصدد القراءة، بودنا معرفة آرائك بعدد من الأسماء الأدبية المؤثرة؛ مثل (كافكا)؟ 
- إن (كافكا) في روايته (المسخ) قد جسد ضآلة إنسان في حشرة، فهو قد حوّل الإحساس بالمهانة لدى مساح أراض يحاول أن يكتشف العالم .. حول شعوره النفسي بالمهانة إلى صورة مجسدة، وهذه هي فضيلة كافكا وسره. 
  * ومارسيل بروست؟. 
- إنه أعظم روائي عالمي؛ فقد كتب رواية (البحث عن الزمن المفقود) في ثمانية آلاف صفحة ومات بعد كتابتها. 
  * وماذا عن دوستويفسكي ؟. 
- لعبته النفسية أصبحت مكشوفة. 
  * وكازنتزاكي ؟. 
- رائع في كل ما طرح.. خاصة في (زوربا). 
* وماركيز؟. 
- يجيد صنعة الرواية لكنه لا يضيف شيئا فكرياً للقاريء.. فهو سطحي. 
* كثيرون قد تناولوا موضوعة الحرب في كتاباتهم، فمن رسخ في ذهنك من هؤلاء؟. 
- أعظم من كتب عن الحرب الكاتب الروسي (جنكيز ايتماتوف) في روايته (جميلة). 
* لـماذا؟. 
- لأنه ليس في روايته ذكر مباشر للحرب، فهي تدور فيما بعد الحرب، وتطرح معاناة فتاة روسية فقدت زوجها. 
  * ماذا عن الروائيين العرب؟. 
ـ خذ من الطيب صالح روايته (عرس الزين) لا (موسم الهجرة إلى الشمال). 
  * ومن مصر؟. 
ـ خذ إبراهيم أصلان لا نجيب محفوظ الواقعي الذي يمكنك حذف فصول من روايته من دون أن تؤثر عليها!. 
* وماذا تريد من الكاتب؟. 
- أن يقصد الشيء في كل كلمة يكتبها ولا يمكن حذفها. 
* كيف توضح علاقتك بالشعر؟. 
- لقد بدأت حياتي شاعراً لكنني أدركت بأن الشعر يحتاج إلى تضحيات كبيرة فانقطعت عنه كتابة لكن علاقتي به مستمرة قراءة وحفظاً. * وماذا عن قراءاتك؟. ـ أقرا كثيرا في الفلسفة والأدب. 
* قضية القراءة والكتابة تشغلك، أليس كذلك ؟. 
ـ نعم ولديَ دراسة عنوانها الحالي (الكتابة والقراءة) حاولت فيها كشف أسرار صنعة الرواية لبعض الكتاب. 
* هل لديك بحوث أخرى؟. 
- كثيرة في مجالات المعرفة الإنسانية المختلفة، ولقد قمت ببحث حول الآثار الآشورية فوجدت مثلاً؛ أن آلاتهم لا تختلف عن آلاتنا بشيء.. حتى الفأس نفسه!. 
* لكنك تهاجم العلم رغم تخصصك العلمي.. لماذا؟!. 
- لأن العلم خان الوعي فحوّل الإنسان إلى آلة. وعندي أن (كارل ماركس) ملعون ملعون.. فهو الذي جنى على البشرية !!. إن كل ما وصل إليه العلم قد توقف وهو الآن يعمل على تطوير الأشياء ولهذا يجب الاتجاه نحو الإنسانيات، ودراسة الإنسان.. فهو السر الذي لم يُكـشَـف بـعد !. 
* وماذا يجب علينا أن نفعل ؟. 
- أن نـتـشـبـث بـالأمـل.
----------------------------------------------------------------
*نشر في أكثر من منبر ثقافي منها مجلة (ألواح) العدد 11 سنة 2001م مدريد. و(آرام) وغيرها.