13‏/06‏/2026

حسن مطلك المبدع والإنسان والشهيد/المهدي نقوس

 

حسن مطلك.. المبدع والإنسان والشهيد 

المهدي نقوس

"لماذا وُجِـدتُ بكفين مبسوطتين

وكُبّلتُ بالاسم والدين والعائلة؟

لماذا يساعدني الرب كي أقتلهُ؟."

                         حسن مطلك

حسن مطلك، لمن لا يعرفه، صوت قادم من أرض السواد، وردة النار التي أورقت في صقيع الشمال. وأزهرت ولم تكد، حتى سرق من عنفوان صبوته بملامح شاب مغامر منفتح مقبل على مكائد الحياة ومكابداتها، كتاباته نبض من صخب وعنف وكبرياء، تبدد كل شك في مقدرة هذا المبدع الكبير على اجتراح الدهشة من معتق الكلام، وقدراته على استنباط انساق جديدة في الكتابة الروائية بواقعية سحرية فريدة من نوعها وقل نظيرها، وتطويع اللغة كانه يحرثها حرثا، ولأنه، ببساطة، كما قال صديقه وتلميذه حسين محمد العنكود ضمن شهادة بعنوان ذاكرة الصفصاف نشرها بمنتدى مطر: ”إن ما يكتبه حسن مطلك يختلف عن كل ما يكتبه الآخرون “..

مدين جدا هنا لشهادة الأخ الكاتب العراقي حسين محمد العنكود عن الشهيد حسن مطلك في لفت انتباهي لهذا الكاتب الشهيد الذي يحلو للبعض بتلقيبه بــ "لوركا العراقي"، والذي لا نكاد نعرف عنه شيئا سوى انه شقيق لمحسن الرملي، وانه رسام وروائي وقاص وشاعر استثنائي كان قيد حياته يفيض أملاً وكبرياء، وصاحب رواية ”دابادا"، إحدى أجمل ما كُتب في الرواية العربية الحديثة، والتي حرم منها القارئ العراقي والعربي في ظل النظام البائد… وفوق ذلك انه مات شهيدا بعد أن حكم عليه بالاعدام اثر مشاركته في محاولة انقلاب فاشلة ضد نظام صدام حسين، وهو بعد في عز شبابه وعطائه الادبي، وكنت كل مرة بعد ان قرات روايته الرائعة بحق “دابـــــادا” التي صدرت طبعتها الأولى عن الدار العربية للموسوعات في بيروت سنة 1988. وصدرت في طبعة ثانية عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في القاهرة سنة 2001، وثالثة عن الدار العربية للعلوم في بيروت 2006م .. ويعتبرها النقاد بأنها من أهم الروايات العراقية والعربية ..

*قال عنها الروائي جبرا إبراهيم جبرا:”إنها رواية غير عادية، فهي جديدة وكاتبها شاب جريء”.

*وقال الكاتب عبدالرحمن الربيعي:”لقد أحببت هذه الرواية العصية، إنها رواية مختلفة، لا يمكن أن تذكرنا بأي عمل روائي آخر – ولم تتعكز على إنجاز روائي سابق.. إنها رواية وحيدة ومكتفية بما حملت”.

*وقال الناقد د.عبدالله إبراهيم:”إنها رواية تستفز القاريء وهي تتصدى لقضايا كبرى، إن هذه الرواية ستثير إشكالات في مستوى القراءة ومستوى التأويل وستختلف الآراء حولها”.

*وقال القاص عبدالهادي السعدون:”إن رواية دابادا قد خلقت وأثرت في جيل كامل من الأدباء الشباب”.

 بالنسبة لي قرأت الرواية بشغف مكين، وأتخيل كيف أن كاتبها يمكن أن يمتلك هذه الملكة الابداعية الطافحة بالرقة، وهذا الإحساس الرهيب في استكشاف الأشياء والحالات العصية عن التوصيف، وبذلك الكم الهائل من النقاء والصفاء في التعبير وبحياد المناضل الثوري الذي ليس الا هو حسن مطلك، الذي يشيل هم القضية ويمتهن السياسة، ويحمل الكلاشنكوف ويمتشق القلم في نفس الآن..

 ولد حسن مطلك سنة 1961 في قرية سُديرة التابعة لمدينة الشرقاط في شمال العراق. أنهى دراسته الجامعية سنة 1983 في جامعة الموصل. وبعد أدائه للخدمة العسكرية الإلزامية عمل أستاذاً في معهد المعلمين في كركوك ومديراً لعدة مدارس إعدادية. تزوج وله ابنتين هما: مـروة وسـارة. حاز على الجائزة الأولى لقصة الحرب سنة 1983 عن قصته (عرانيس) والجائزة التقديرية سنة 1988 عن قصته (بطل في المحاق). أُعدم شنقا بتاريخ 18/7/1990 الساعة السابعة مساء، لاشتراكه في محاولة لقلب نظام الحكم.

حسن مطلك لا يجب ان ينسى ابدا.. وقد كتب يوما قائلا:

تذكرتُ تلك المرأة التي قالت لي: أحبك.

فقلت لها: لا وقت عندي لغير الكتابة ، وكتابتي ، كما تعلمين ، ليست مطلباً ذاتياً خاصاً ، فالذي يدفعني بالأساس إلى الكتابة هي الغيرة .. نعم .. الغيرة.

قالت: أتغار عليّ.

قلت: أغار على وطني، الذي كلما قارنتُ أدبه بآداب الشعوب اكتأبت، ودفعني ذلك للقراءة والكتابة.. وستبقى تلك الغيرة تنهشني حتى أحقق ما يحققه كاتب عظيم لوطنه.. أو أهلك دون هذا الأمر “.

 حري بنا التعريف بحسن مطلك الروائي والشاعر والشهيد، الذي وسمه البعض بحق بلــوركا العراقي.. وان نقرأ له ومنه، ما كتب وما كتب عنه.. ذلك أن الأبطال لا يموتون حيث وحينما يموتون ..

 وكما أنبأني الاستاذ حسين، في إحدى مداخلاته، التي ما زلت أعتز بها على الدوام :”ان سر التعلق ببعض النصوص، هو يعني بالضبط ان تلك النصوص تلامس شيئا فينا /أقصد نحن والمؤلف في لحظة معينه وعبر نص معين /نتلامس”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*المهدي نقوس: ناقد وكاتب مغربي.

*نشر في وكالة (الراصد نيوز 24) بتاريخ 16 أبريل 2026م

https://alrased.news/2026/04/16/%D8%AD%D8%B3%D9%86-%D9%85%D8%B7%D9%84%D9%83-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A8%D8%AF%D8%B9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%87%D9%8A%D8%AF-%D9%86%D9%82%D9%88/

12‏/06‏/2026

الشاعر حسن مُطلَك ..االذي لا يهدأ/ محمد جبري

 

الشاعر حسن مُطلَك.. الفتى الذي لا يهدأ

بقلم: محمد حسين جبري

لم أعش لحظة هجران المعنى في الروايات العربية إلا مع صاحب (الكتابة وقوفًا) حسن مُطلگ الذي يُمثّل هجران المعنى لديه نوعًا من الانزياح في الكتابة السردية، فالكتابة وقوفًا عند حسن مطلگ جملةٌ ترفض الكتابة الأفقية المُنبطحة الخاضعة إلى الواقع بكل صوره وتجلّياته مُعلنةً التمرّد على كل ما هو مؤدلج وموروث، وهذه الرؤية في الكتابة تُمثّل أعلى أنواع التجرّد من الحقيقة ومواجهتها، ويذكّرني هذا المصطلح بما قاله سركون بولص عن الكتابة من الأفق، حيث تكون الرؤية للفن شاملةً لمحاكاة التجربة الحياتية للإنسان، ولا تقتصر على اللغة وحدها، وهذا النمط في الرؤية الفنية داخل بنية الرواية يُعدُّ السبيل الوحيد لإظهار ماهو قابع في النفس، فيقترب فيها المعنى السردي من حدود الدرجة الصفر، فلا إجابة عن الأسئلة، وأنَّنا لا نحتاج إلى الإجابة عنها؛ لكي لا يكون الأدب توأمًا للفلسفة، وتتجلّى هذه الأسئلة في بواكيرها عند الأطفال، فالأسئلة التي يُقدّمها الأطفال واضحة المعنى ومخيفة، تسقط أمامها الأيدلوجيات والأقنعة، إنَّها المعنى في درجة الصفر، وقد كان الطفل الذي داخل جسده يقدّم هذا المعنى بغموض واقعي في روايته الأولى( دا .. با .. دا) التي كشف فيها عن أنماط التفكير الإنساني المنعزل، والمعاناة البشرية المُكثّفة، فكان ينحتُ أجزاءها باللغة ويرسم أبعادها بالمجاز، ويلتقط الصورة بعدسة العارف المدرك لكل ما هو طبيعي، ويُحلل بالأسئلة الذات الإنسانية المتأمّلة، فلم تكن هذه الرواية عالمًا سرديًّا خالصًا فحسب، بل هي قصيدة نثر تتكئ على آليات السرد المكثف، وترتبط خيوط السرد فيها بالشخصيات والأماكن والأزمنة، إلا أنَّ كينونتها الفنية تقترب من قصيدة النثر لذا يصعب على القرّاء قراءتها كأي عمل روائي آخر، وتحتاج إلى قارئ قد أخذ قبضة من رياح الشعر وأخرى من مياه السرد، فهو سيكون أمام قصيدة نثر طويلة وحوار داخلي لا يهدأ، يتدفّق كأمواج هائجة، لكنها لا تخرج عن ضفاف الرواية رغم هيمنة الشعرية المكثّفة على طابعها، فيضعنا حسن مطلگ في هذه الرواية أمام صورة تتجاوز فكرة النص المفتوح، وهي صورة الفن السردي التشكيلي بالاعتماد على الحواس، حسن مطلگ يؤسّس بهذه الرواية لأول مدخل لما سأطلق عليه بـ(الرواية الفنية) التي تحمل اشتراطات القصيدة النثرية والسرد والفن التشكيلي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشرت في موقع (مجلة الجمان)، بتاريخ 30 مايو 2026م بغداد.

https://m-aljuman.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%a7%d8%b9%d8%b1-%d8%ad%d8%b3%d9%86-%d9%85%d9%8f%d8%b7%d9%84%d9%8e%d9%83-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%aa%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%8a-%d9%84%d8%a7-%d9%8a%d9%87%d8%af%d8%a3/