ما بين السطور..
كيف تحايل الإنسان على
الرقابة باليوميات المشفرة؟
كمال الرياحي
عمد بعض الكتاب في تسجيل يومياتهم إلى التشفير، عبر
اعتماد لغة غير متداولة كما فعل المؤلف الإنجليزي صموئيل بيبس (1633-1703م) الذي
سجل يومياته اعتمادا على لغة مشفرة تسمى نظام توماس شيلتون الاختزالي Thomas
Shelton Shorthand،
مما أخر ترجمتها ونشرها لسنوات حتى تم تحقيقها بعد العثور عليها.
وقد عانى جون سميث من أجل تحويل النسخة الأصلية
المختزلة إلى لغة إنجليزية عادية تسمح بنشرها وقراءتها في كل مكان والاستفادة من
ذلك التأريخ الدقيق لمدينة لندن والأحداث الكبرى التي شهدتها وقتها، مثل وباء عام
1665 وحريق لندن؛ وقد صمدت اللغة المختزلة والمشفرة أكثر من قرن بعد وفاة صاحبها.
عربيا، يمكننا استحضار يوميات الكاتب والأديب والفنان
العراقي حسن مطلك (1961-1990) التي نشر منها ما كان مكتوبا باللغة العربية، ولكن
الروائي والناقد محسن الرملي -شقيق الكاتب الذي يرعى موروث حسن مطلك- كشف أن عددا
مهما من يوميات حسن مطلك لم ينشر لأنها كانت مكتوبة بلغة رمزية ابتكرها حسن مطلك
ولكنه لم يترك دليلا لحل شفرتها.
والواضح من مصير حسن مطلك، الذي قبض عليه في عهد نظام
صدام حسين واتهم بالانتماء إلى مجموعة مسلحة سعت إلى إحداث انقلاب وأعدم، وكان
واحدا ممن نفذ فيهم حكم الإعدام شنقا يوم 18 يوليو/تموز 1990، أنه كان يخشى أن تقع
تلك اليوميات في أيدي مَن سيجعلها بين أيدي النظام، فعمد إلى اختراع تلك اللغة
التي جعلت اليوميات إلى اليوم غير مقروءة.
ولا يمكن الجزم بأن اليوميات سياسية أو فيها كشف
لأنشطته في المجموعة المعارضة التي انتمى إليها، فحسن مطلك كان يعيش حياة نفسية
صعبة يعاني فيها من العزلة والتهميش وفشلا عاطفيا كشف عن بعض ملامحه في يوميات له.
فيكتب في إحدى اليوميات بخط يده بالعربية: "ليست
لي رغبة في الكتابة اليوم، ليس لي رغبة في شيء أبدا، السبب يرجع إلى أن قواي
النفسية لا تتجدد. إن قوتي تنفذ ولا تشحن من جديد. اضطهاد يومي، عزلة، لا امرأة،
لا موسيقى جميلة، لا صديق، لا سيجارة، لا سينما، لا شارع، لا سوق.. أمامي جدران
طينية وورائي جدران طينية، ونفس الأصوات يوميا نفس الوجوه.. أسأل نفسي دائما: ما
معنى أن أكتب؟ إن الخوف من إكمال العمل ثم الفشل به سيقتلني. سأدفع الثمن غاليا".
يسجل مطلك كل هذا اليأس قبل أن يسترسل متحدثا عن
حبيبته التي خانته وهجرته والتي يشير إلى أنها صارت "في خدمة الوطن
والمؤسسات"، ويوقع: "أنصاف الرجال يسرقون النساء الجميلات بحجة أنهم
واضحون وليس لديهم عالم خاص وجيوبهم مملوءة بالورق المقدس والرجال الخالصين إنما
تهرول الريح في جيوبهم.. كيف يحدث هذا كيف.. إني أشيب في مقعدي، وأنت تزهرين
كالغصن الجديد… يا ابنة الكلب" وينهي اليومية.
هذا الفشل العاطفي قد يكون أيضا سببا في بوح أراد له
أن يكون مشفرا إلى جانب نشاطه السياسي المعارض؛ فالكاتب وصل إلى درجة من السخط
واليأس يمكن أن تجره للبوح بأي شيء، لذلك ليس مستبعدا أيضا أن تكون اليوميات
المشفرة يوميات عاطفية، خاصة أنه كان يعيش في ريف متعصب يجرم العلاقات العاطفية،
وقد سبق لحسن مطلك وكتب أنه مهدد بالبنادق من العشائر.
وقد اعتمد التشفير والاختزال السجناء السياسيون في
كتابة بعض يومياتهم وسيرهم داخل السجن اتقاء وقوعها بين يدي السلطة إذا ما هُرّبت.
كما اعتمد بعضهم الاختزال للتحكم في محامل الكتابة،
حيث كانوا يكتبون على علب السجائر وعلب الكبريت وغيرها من الأوراق الصغيرة فيضطرون
للاختزال المفرط ولغة الترميز، ونستحضر هنا كتاب "كريستال" للمناضل
اليساري التونسي غيلبير نقاش الذي كتب مذكراته بالسجن على الأوراق الداخلية لعلب
سجائر الكريستال.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*من مقال طويل نشر في موقع (الجزيرة
نت) بتاريخ 31/1/2026م
https://www.aljazeera.net/culture/2026/1/31/%D9%85%D8%A7-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%88%D8%B1-%D9%83%D9%8A%D9%81-%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86-%D8%B9%D9%84%D9%89
كمال الرياحي أثناء تدريسه ليوميات حسن مطلك في جامعة تورنتوــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محاولة لفك شفرة
يوميات حسن مطلك
بعد نشر صورة لصفحتين من يوميات حسن مطلك المشفرة، هذه
محاولة لفك شفرة هاتين الصفحتين، قام بها الأستاذ عبدالقادر
كامل العنكود، بالاستعانة بطرق خاصة من الذكاء الاصطناعي... نؤكد إنها
محاولة تقريبية تخمينية، وليس بالضرورة أن تكون دقيقة، وإن بدت اللغة قريبة من
أسلوب حسن مطلك.. مع كل التقدير والشكر للأستاذ عبدالقادر.
"لم أكن أعلم لماذا بدأت الكتابة بهذا
الشكل،
لكنني كنت أشعر أن الكلمات لو خرجت كما هي فلن أستطيع
احتمالها.
أنا لم أكن ضعيفًا، ولكن الأيام كانت أثقل مما أظن،
وكل مرة أقول انتهى الأمر، يعود من جديد.
في تلك الفترة كنت أراقب نفسي أكثر مما أعيش،
أكتب لأفهم، لا لأتذكر،
وأهرب من الصمت إلى الحروف.
لم يكن أحد يعلم بما يحدث في داخلي،
وحتى أنا لم أكن متأكدًا.. هل ما أشعر به خوف أم تعب
أم شيء آخر.
أحيانًا أضحك بلا سبب،
وأحيانًا أثقل من أن أتكلم،
وكل هذا يمر كأنه لا يعني أحدًا سواي.
(....تعبير غير واضح....)
كتبت هذا حتى لا أنسى،
وحتى إن ضاعت الأوراق،
أعرف أنني كنت هنا،
وأنني قد حاولت"
https://www.facebook.com/photo?fbid=1433348335468525&set=a.1559140000985535&locale=es_ES















