22‏/05‏/2026

في حضرة حسن مطلك / محمد جبر حسن

 

في حضرة القاص والروائي والشاعر والفنان التشكيلي العراقي

الشهيد حسن مطلك (1961 ـ 1990) 

محمد جبر حسن

أن تمسكَ كتابهُ بيديكَ

هو تسليمٌ لأصابعكَ إلى جمرةٍ لم تنطفئ

وإنصاتٌ لنبضٍ ما زالَ يترددُ بينَ السطورِ

رغمَ أنَّ الحبلَ كانَ مشدودًا على عنقهِ.

في هذهِ الصورةِ

لم أكن أقلّبُ الصفحاتِ

بل كنتُ أقفُ أمامَ ما تبقّى من رجلٍ

صارَ نصًّا لا يُدفَن.

إلى صديقي حسن مُطلك

ذلكَ المعلّقُ بين النهرِ والمشنقةِ

من علّمنا أنَّ الحبرَ قد يُصلبُ،

لكنهُ لا يموتُ.

قالَ ذاتَ يومٍ:

"أنا لا أكتبُ لأُعجِبَ، أنا أكتبُ لأهربَ"،

فلاحقتهُ غوايةُ الكتبِ

ثم لاحقتهُ المشانقُ.

كتبَ ليهربَ..

فصارَ نداءً،

وصارَ النداءُ سيرةً تُقرأ خفية

في زمنٍ صارَ فيه الصمتُ فضيلةَ الجُبَناء.

قال وهو يَطوي قُصاصَةً في جيبه:

"الرئة الثانية للرجلِ هيَ الحُلم.".

ثم صمت.

صمتَ كما يصمتُ الناجون من الطوفان

لا لأنهم نجوا

بل لأن الصوتَ

كان جريمةً أُخرى.

يا حسن.. يا صديقي

أيها المعلّق بين النهر والمشنقة

ما زال قلبك – ذاك الذي نُقش على جدار مدرسة في كركوك

يخفق كُلما سقطَ شاعرٌ آخر في بئر الصمت.

لم نعد نسألكَ أن تعودَ

فأمثالكَ لا يعودون

لأنهم لم يغيبوا.

نكتفي بأن نفتحَ كتبكَ

كمَن يفتح نافذةً في جدار مقبرة

ونُصغي..

لخطى خفيفةٍ تمرّ بينَ السطورِ

ولا تسألنا الطريقَ.

———————

*محمد جبر حسن: كاتب عراقي، من أعماله: حقيبة الأمنيات، ذاكرة وطن، الساعة الثانية بعد منتصف القلق، فم مغلق.

*نشر هذا النص بتاريخ 3/5/2026م

https://www.facebook.com/photo?fbid=8175172565940630&set=a.336530943138204

21‏/05‏/2026

قراءة نقديّة لرواية دابادا / إسماعيل آلرجب

 

لوعة السارد في واقع متشظّي

قراءة نقديّة لرواية (دابادا) المثيرة

لمؤلّفها الراحل حسن مطلك

بقلم الناقد العراقي إسماعيل آلرجب

إنّ القراءة المتأملة والواعية لهذا النص الروائي وهو من أعقد النصوص الروائية في الأدب العربي المعاصر، رواية "دابادا" للمبدع العراقي الراحل حسن مطلك لابد أن تلامس الجوهر الفلسفي والبنيوي للرواية، وسأقوم هنا بتقديم تحليل يغوص في تفاصيل هذا العمل السريالي الفريد:

1 ـ دلالة العنوان (تفكيك الشفرة اللغوية والسلطة)

إن لفظة "دابادا" لا تنتمي إلى المعجم اللغوي العربي المستقر، وهي اختيار واعي من حسن مطلك لكسر "منطقية اللغة" المقيدة.

أ. بين الطفولة والخرس الاضطراري: أنها دمج بين (بابا) و(دادا) وهو تفسير منطقي شديد العمق؛ فالطفل في بداية نطقه يفكك العالم إلى أصوات أولية، وحين تعجز اللغة البالغة والمكتملة عن التعبير عن وطأة القمع والتعسف السلطوي، يعود الإنسان إلى "النداء البدائي".

ب. التورية والإشارة: عندما تصبح الحقيقة تهمة تؤدي إلى الموت، يصبح "الخرس" أو التلعثم وسيلة دفاعية. "دابادا" هنا ليست مجرد غياب للمعنى، بل هي "فائض في المعنى"، صرخة احتجاجية ضد واقع لا يمكن التعبير عنه بالكلمات التقليدية، هي إشارة الأخرس التي تختزل ألماً وعجزاً عن مواجهة السلطة (سواء كانت سلطة سياسية، اجتماعية، أو حتى سلطة الموت والوجود).

2 ـ شخصيات الرواية :

إنّ الشخصيات (شاهين، هاجر، عواد، عزيزة، مسعود، والحيوانات كالحمار قندس والكلب شراد) هي "شخصيات عائمة". وهذا الوصف ينسجم مع تشظّي الواقع :

أ. تلاشي الحدود بين الإنسان والحيوان: حسن مطلك في "دابادا" لا يتعامل مع الشخصية الروائية بالمنظور الكلاسيكي (نمو وتطور وحبكة خطية). الشخصيات هنا تتحرك في فضاء سريالي وكابوسي. الكلب "شرار" والحمار "قندس" ليسا مجرد ديكور بيئي، بل هما مرآة واضحة لمصير الإنسان في تلك القرية؛ فالإنسان أُفرغ من إنسانيته والحيوان أُثقل بالهمّ الوجودي.

ب. العوم والتناثر: الشخصيات تظهر وتختفي لأنها تعيش حالة من "الاغتراب والتشظي". "شاهين" ليس بطلاً بالمعنى التقليدي، بل هو مركز لوعي مأزوم ومحاصر ببيئة طاردة. غياب التأثير المباشر لبعض الشخصيات يعكس العبثية؛ حيث يفقد الفرد قدرته على التغيير ويتحول إلى مجرد كائن عابر في فضاء كئيب وممتد.

3 ـ الشظايا السردية وروتين الحياة المكرر

أنّ متن الرواية عبارة عن "تجميع لشظايا سردية" يلامس البنية الفنية للعمل (البنية الفسيفسائية أو التجميعية):

أ. زمن دائري قاتل: الرواية ترفض السرد المتسلسل (بداية، عقدة، نهاية) لصالح الأيام المكررة والتشابه الحركي. هذا التكرار هو تجسيد لـ "عقوبة سيزيف"، حيث تستيقظ الكائنات لتعيد إنتاج نفس الألم اليومي.

ب. شظايا الواقع الكئيب: السرد يتشظى لأن الواقع نفسه متشظٍّ وغير مترابط. حسن مطلك ينقل لنا واقع القرية العراقية (أو الإنسان عموماً) ليس كحكاية ممتعة، بل كـ "صدمات بصرية ونفسية متلاحقة"، مما يجعل القارئ يعيش حالة من الاختناق والترقب المستمر.

4 ـ لوعة السارد، التهكم والاشمئزاز (السخرية السوداء)

تلك اللوعة هي المحرك الأساسي للنص. السارد في "دابادا" لا يقف محايداً:

أ. السخرية كآلية دفاعية: عندما تبلغ المأساة ذروتها، تتحول إلى كوميديا سوداء أو تهكم مرير. السارد يتهكم من محيطه ومن الفضاءات الضيقة والموحشة لأنه يرى زيف القيَم المحيطة به، ويرى كيف يتآكل الإنسان ببطء.

ب. الاشمئزاز الوجودي: هذا الاشمئزاز يذكرنا بأدبيات الفلسفة الوجودية (مثل "الغثيان" لجان بول سارتر). إنه اشمئزاز من روتين بيولوجي عاري من المعنى، ومن مجتمع يعيد إنتاج تخلفه وقهر ذاته بذاته تحت وطأة القوى المهيمنة.

5 ـ الشاعرية والمشهدية البصرية المبهِرة

رغم الكآبة والاشمئزاز والتشظي، تمتاز الرواية بلغة شعرية شاهقة الارتفاع، ونختار هنا مقطعا هو من عشرات المقاطع لتوضيح هذه المفارقة الجميلة: "أبصر الشمس جالسة على أغصان شجرة التوت والعصافير تستحم بالضوء".

أ. الهروب نحو الطبيعة: في ظل قسوة العلاقات البشرية وجفاف الواقع، يلوذ السارد بـ "أنسنة الطبيعة". يجعل الشمس تجلس، والعصافير تستحم بالضوء، في محاولة لخلق واحة من الجمال وسط صحراء القبح المحيطة.

ب. التضاد الفني: استخدام هذه الصور الفنية المبهرة يضاعف من إحساس القارئ بالفجيعة؛ فالعالم في أصله جميل وشاعري وممتلئ بالضوء، لكن الفعل الإنساني والسلطوي هو ما يحيله إلى كابوس مظلم ومكرر.

الرأي النقدي:

إن رواية "دابادا" هي وثيقة إدانة جمالية وفلسفية متقدمة جداً على عصرها (نُشرت طبعتها الأولى عام 1988). وأنّ نص الرواية يتميّز بالعبقرية ويرفض السائد، يتلعثم باللغة (دابادا) لكي يقول الحقيقة كاملة، ويستخدم التشظي والتهكم والصورة الشاعرية المبتكرة ليعبر عن أزمة كائن يعيش في عالم محكوم بالآلية والتعسف.

وأنّ قراءتي النقدية هذه متواضعة في تحليل بنيوية الرواية وتفكيك الخطاب الروائي العراقي والعربي الحديث فيها فالرواية حقا تثير الاهتمام .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*إسماعيل آلرجب: كاتب وناقد عراقي، المشرف على نادي القصة القصيرة العراقي والرابطة الأدبية. من أعماله: عازف الأرق، وادي الجن، ظلال القلق، العنتورية.

*نشرت بتاريخ 19/5/2026م

https://www.facebook.com/photo/?fbid=2781777238848042&set=gm.1763458951701911&idorvanity=304358330945321&locale=es_ES

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تعليق الكاتب طاهر عدنان عصفور:

لذلك بقي حسن مطلك وحيدًا كأثرِ حريقٍ قديم لا تستطيع الأمطار محوه؛ لأن بعض الكتّاب يكتبون الكتب، أما هو فكان يكتب روحه مباشرةً على جدار العالم، ولهذا تبدو نصوصه حتى اليوم كأنها خارجة من فم الأرض نفسها، متعبة، جائعة، ومغطاة بغبار الموت، ولذلك أيضًا... لا أحد يشبه حسن مطلك.

23‏/04‏/2026

رواية دابادا باللغة الكردية

 

دابادا
حەسەن موتڵەگ
وەرگێڕانی لە عەرەبییەوە: کارزان عەلی
دەزگەی چینی بۆ چاپ و بڵاوکردنەوە 

صدرت في كردستان العراق الترجمة الكردية لرواية دابادا للكاتب العراقي الراحل حسن مطلك، وذلك عن دار نشر دەزگەی چینی وبفضل تعاون وتنسيق الأستاذ James Chini، وهذه أول ترجمة لهذا العمل الأدبي الفريد، بعد تعثُّر محاولات ترجمتها إلى الإنكليزية والإسبانية لشدة صعوبتها. قام بالترجمة المترجم المحترف الأستاذ كارزان علي Karzan Ali حيث بذل جهداً استثنائياً، واستغرق الأمر منه وقتاً طويلاً، لأنه كان كثير التدقيق والاستفسار عن التفاصيل.

هذه الرواية هي أبرز أعمال الكاتب العراقي الراحل حسن مطلك، الذي أُعدِم شنقاً سنة 1990، وقد أثارت الاهتمام والجدل منذ صدورها عام 1988 وإلى اليوم، لما فيها من فَرادة في الحداثة واللغة، وصعُب على الكثيرين فهمها، بحيث تم اعتبارها عملاً للنُخبة أو لنُخبة النُخبة، فهي أصعب رواية عربية، وذروة في توظيف مختلف تقنيات وأساليب التجريب السردية الحديثة، وكتابتها في ظل مرحلة الدكتاتورية، جعلتها مُحمَّلة بالرموز والإيحاءات والاشتغال اللغوي المُدهِش.

ولو كان مؤلفها حيّاً لأسعدته هذه الترجمة، وهو المُحب للأكراد وعاش وعمل معهم وكتب جزءاً كبيراً منها في كركوك. وسيسعده أن يجد قراءً جدد لها، فهو يهتم بالقارئ النوعي أكثر من العادي، لذا يقول: "إنه كَتَبها ليحمي نفسه من القُراء"، ووصفها:"دابادا: هي صَرخَة في الفراغ... تَشهَد نضال الإنسان ضد الموت التدريجي. إنها رَفسَة مُوَجَّهَة قبل حُلول الزَوال، لبعض الناس الذين يَرفَعون إنسانيتهم إلى الأعلى فيَخرُجون عن إطار الجَذب الاجتماعي ويَدخُلون في صفحات الأسطورة. إنها تشبه قصيدة غليظَة مَشحُونَة بِحِس الفَجِيعَة المُضحِك".       

كُتبَت عن هذه الرواية الكثير من الدراسات النقدية والأكاديمية ومازالت تثير فضول الدارسين. ولا شك أن القارئ الذي يُحب التحدي في القراءة، سيجد الكثير مما يعجبه، وسيعيد قراءتها بعد أن يفك خيوطها، وسيجد في كل قراءة جديدة متعة ومعرفة جديدة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

دابادا
حەسەن موتڵەگ
وەرگێڕانی لە عەرەبییەوە: کارزان عەلی
چاپکراوی نوێ
رۆمانی دەیەم

ئەو رۆمانەی ـ بە٫عس ـ نوسەرەکەی لەسێدارەدا
ئەم رۆمانە بە رەزامەندی و ئاگاداری بنەماڵەی نوسەر وەرگێڕدراوە
لە رۆژانی داهاتوو بڵاو دەکرێتەوە
شاعیری ناسراو سەلاح حەسەن لەبارەی داباداوە دەڵێت بێگومان دابادا تاقانە ڕۆمانی عیراقییە کە بەم هەموو خەسڵەتە ناوازەیەوە دەرچووە، هێندە تازەگەری تێدایە لە رووی بونیاد و ناوەڕۆکەوە کە نکۆڵی لێ ناکرێت، دابادا لە ریزی رۆمانە گەورەکاندایە.
دەزگەی چینی بۆ چاپ و بڵاوکردنەوە 

https://www.facebook.com/photo/?fbid=1369439541880286&set=a.455313796626203

حەسەن موتڵەگ
حەسەن موتەڵگ ڕۆماننووسی نوێگەری عیراقی، ساڵی ١٩٦١ لە گوندێکی نزیک شەرگات لە دایک بووە و ساڵی ١٩٩٠ لەلایەن رژێمی بەعسەوە لەسێدارە دراوە. دابادا بەرچاوترین کاری نووسەرە و یەکێکە لە ڕۆمانە ناوازەکانی ئەدەبیات.
رۆمانی (دابادا) یەکێکە لە چاپکراوە نوێیەکانی ئێمە و بە وەرگێڕانی کارزان عەلی و لە رۆژانی داهاتوو بڵاو دەکرێتەوە.
دەزگەی چینی بۆ چاپ و بڵاوکردنەوە

https://www.facebook.com/photo?fbid=1369490618541845&set=a.455313796626203

دابادا

حەسەن موتڵەگ

وەرگێڕانی لە عەرەبییەوە: کارزان عەلی

چاپکراوی نوێ

ئەو رۆمانەی ـ بە٫عس ـ نوسەرەکەی لەسێدارەدا

ئەم رۆمانە بە رەزامەندی و ئاگاداری بنەماڵەی نوسەر وەرگێڕدراوە

شاعیری ناسراو سەلاح حەسەن لەبارەی داباداوە دەڵێت بێگومان دابادا تاقانە ڕۆمانی عیراقییە کە بەم هەموو خەسڵەتە ناوازەیەوە دەرچووە، هێندە تازەگەری تێدایە لە رووی بونیاد و ناوەڕۆکەوە کە نکۆڵی لێ ناکرێت، دابادا لە ریزی رۆمانە گەورەکاندایە.

دەزگەی چینی بۆ چاپ و بڵاوکردنەوە

ئێستا بۆ داواکردن بەردەستە....

https://www.facebook.com/photo?fbid=1373400084817565&set=a.455313796626203

 

https://www.facebook.com/reel/1459611761913370

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

الطفل الذي في الصورة هو حفيد حسن مطلك، ولِد في أربيل ويعيش فيها، واسمه كردي: آرين

وربما سيقرأ رواية جده مستقبلاً بالكردية قبل العربية

https://www.facebook.com/photo?fbid=1503653705104654&set=a.509638041172897&locale=es_ES

كتاب: طريق إلى دابادا /د. عبدالجليل السامرائي

 طريق إلى دابادا

قراءة تحليلية

د. عبد الجليل السامرائي 

صدر كتاب نقد تحليلي بعنوان (طريق إلى دابادا) من تأليف الكاتب والأكاديمي العراقي الدكتور عبد الجليل السامرائي، ومما قاله المؤلف عن ذلك:

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فعطاء الله ورحماته تترى، إذ صدر لي كتابي الجديد "طريق الى دابادا"
وهو كتاب في النقد الأدبي الروائي، يتعرض الكتاب بالقراءة التحليلية، لأغرب وأعقد رواية في تاريخ العراق الحديث (دابادا)، وهي للمرحوم حسن مطلك، شقيق الروائي الدكتور محسن الرملي حفظه الله.
لماذا "طريق إلى دابادا"؟
سالني أحدهم، قلت: لأن الرواية في جزيرة ممنعة لها أسوار وحرس يدينون بالولاء المطلق لحسن مطلگ، منعها عن الناس بإرادته، يقول حسن مطلك، "كتبتها لأحمي نفسي من القُراء"!!! ليس أي قراء، بلا شك، إنما يقصد قاشطو الصفحات بلا جدية في البحث عن الطعم الكامن، أما أنا فصبرتُ على الموانع وجاهدتها وأخفقت (لأن المؤلف قد بث في ثناياها ما يجعل القارئ يتوقف عن القراءة)، ثم حاولت من جديد حتى تمكنتُ - كما أزعم- من فك كثير من شفراتها، عندها تذوقت جمال "دابادا" وهذا ما لا يستطيعه كل أحد، فإذا كنتم من محبي المغامرات الأدبية، فعليكم بـ "دابادا"، وإن استعصى عليكم الوصول إلى كنوز الجزيرة، فليكن معكم الدليل.
نرجو أن نكون قد وفقنا فيما ذهبنا إليه من اجتهاد في تحليل هذه الرواية العظيمة، ولن أنسى أن أقرر هنا أن النسخة الأولى من الكتاب مهداة إلى روح حسن مطلك.

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=24236417056011545&set=pb.100002097644184.-2207520000&type=3 

(طريق الى دابادا) وهو كتاب نقد أدبي، تعرضتُ فيه بالتحليل العميق لرواية "دابادا" للروائي المرحوم حسن مطلك.
لمن لا يعرف هذا الكاتب العراقي، فهو شقيق الأديب والروائي الدكتور "محسن الرملي". بالعودة إلى موضوع الكتاب، فإن رواية "دابادا" عمل روائي فذ ليس له نظير في العصر الحديث، انتهج فيه الكاتب عن قصد، أسلوباً أسميته "الصعب الممتنع"، ليخرج لنا برواية، ليس فقط عصية على الفهم، بل عصية على القراءة، فقد بث فيها الكاتب متعمدا، موانع قراءة لا يتحملها قارئ عام، قال هو عنها في كتابه (الكتابة وقوفا): "كتبتها لأحمي نفسي من القرّاء"!!!، ويقصد القرّاء من غير النخب. عندما رأيتها لأول مرة، لفتت انتباهي غرابة العنوان، خطر لي أن هذا العنوان هو كل ما يملك الكاتب من أوراق، لكنني حين قررت أن أقتحم الرواية كقارئ يستلذ بالجديد، فاجأني أسلوبها ولغتها، لكني توقفت بعد ثلاثين صفحة عن القراءة (كما لو كنت آكل طعاما مشبعا بالملح)، ثم قررت (بهمّة جديدة) أن اقرأها كلها. كان تحدياً مؤلماً إذ ارتفع منسوب موانع القراءة في عقلي إلى درجة غير محتملة، لكنني واصلت التحدي حتى آخر كلمة.
المفاجأة كانت، انني رغبت في قراءتها مرة أخرى، فإذا بها مرات تترى، وفي كل مرة أكتشف انني أمام كنز لغوي مُشفّر غاية في الرقيّ والأصالة والحداثة في آن معا، فأقرأ من جديد، حتى حفظت كثيراً منها، وهكذا وجدت نفسي أمام مسؤولية أخلاقية وعلمية؛ أن أدوّن ما فككت من شفراتها، فكان هذا الكتاب، الذي ترون.
نصيحة: إذا كنت كاتباً مبتدئاً، فقوّ لغتك وأسلوبك بقراءتها... وستعرف أثناء القراءة كم دفن العراق من مواهب ابنائه!

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=9351273551619140&set=pb.100002097644184.-2207520000&type=3 

كما سبق للدكتور السامرائي الحديث عن هذا الكتاب في برنامج سيرة ذاتية | في لقاء أجراه معه د. أمجد الجنابي في قناة سامراء.

رابط الحلقة

09‏/02‏/2026

شفرة يوميات حسن مطلك /كمال الرياحي

 

ما بين السطور..

كيف تحايل الإنسان على الرقابة باليوميات المشفرة؟

كمال الرياحي

عمد بعض الكتاب في تسجيل يومياتهم إلى التشفير، عبر اعتماد لغة غير متداولة كما فعل المؤلف الإنجليزي صموئيل بيبس (1633-1703م) الذي سجل يومياته اعتمادا على لغة مشفرة تسمى نظام توماس شيلتون الاختزالي Thomas Shelton Shorthand، مما أخر ترجمتها ونشرها لسنوات حتى تم تحقيقها بعد العثور عليها.

وقد عانى جون سميث من أجل تحويل النسخة الأصلية المختزلة إلى لغة إنجليزية عادية تسمح بنشرها وقراءتها في كل مكان والاستفادة من ذلك التأريخ الدقيق لمدينة لندن والأحداث الكبرى التي شهدتها وقتها، مثل وباء عام 1665 وحريق لندن؛ وقد صمدت اللغة المختزلة والمشفرة أكثر من قرن بعد وفاة صاحبها.

عربيا، يمكننا استحضار يوميات الكاتب والأديب والفنان العراقي حسن مطلك (1961-1990) التي نشر منها ما كان مكتوبا باللغة العربية، ولكن الروائي والناقد محسن الرملي -شقيق الكاتب الذي يرعى موروث حسن مطلك- كشف أن عددا مهما من يوميات حسن مطلك لم ينشر لأنها كانت مكتوبة بلغة رمزية ابتكرها حسن مطلك ولكنه لم يترك دليلا لحل شفرتها.

والواضح من مصير حسن مطلك، الذي قبض عليه في عهد نظام صدام حسين واتهم بالانتماء إلى مجموعة مسلحة سعت إلى إحداث انقلاب وأعدم، وكان واحدا ممن نفذ فيهم حكم الإعدام شنقا يوم 18 يوليو/تموز 1990، أنه كان يخشى أن تقع تلك اليوميات في أيدي مَن سيجعلها بين أيدي النظام، فعمد إلى اختراع تلك اللغة التي جعلت اليوميات إلى اليوم غير مقروءة.

ولا يمكن الجزم بأن اليوميات سياسية أو فيها كشف لأنشطته في المجموعة المعارضة التي انتمى إليها، فحسن مطلك كان يعيش حياة نفسية صعبة يعاني فيها من العزلة والتهميش وفشلا عاطفيا كشف عن بعض ملامحه في يوميات له.

فيكتب في إحدى اليوميات بخط يده بالعربية: "ليست لي رغبة في الكتابة اليوم، ليس لي رغبة في شيء أبدا، السبب يرجع إلى أن قواي النفسية لا تتجدد. إن قوتي تنفذ ولا تشحن من جديد. اضطهاد يومي، عزلة، لا امرأة، لا موسيقى جميلة، لا صديق، لا سيجارة، لا سينما، لا شارع، لا سوق.. أمامي جدران طينية وورائي جدران طينية، ونفس الأصوات يوميا نفس الوجوه.. أسأل نفسي دائما: ما معنى أن أكتب؟ إن الخوف من إكمال العمل ثم الفشل به سيقتلني. سأدفع الثمن غاليا".

يسجل مطلك كل هذا اليأس قبل أن يسترسل متحدثا عن حبيبته التي خانته وهجرته والتي يشير إلى أنها صارت "في خدمة الوطن والمؤسسات"، ويوقع: "أنصاف الرجال يسرقون النساء الجميلات بحجة أنهم واضحون وليس لديهم عالم خاص وجيوبهم مملوءة بالورق المقدس والرجال الخالصين إنما تهرول الريح في جيوبهم.. كيف يحدث هذا كيف.. إني أشيب في مقعدي، وأنت تزهرين كالغصن الجديد… يا ابنة الكلب" وينهي اليومية.

هذا الفشل العاطفي قد يكون أيضا سببا في بوح أراد له أن يكون مشفرا إلى جانب نشاطه السياسي المعارض؛ فالكاتب وصل إلى درجة من السخط واليأس يمكن أن تجره للبوح بأي شيء، لذلك ليس مستبعدا أيضا أن تكون اليوميات المشفرة يوميات عاطفية، خاصة أنه كان يعيش في ريف متعصب يجرم العلاقات العاطفية، وقد سبق لحسن مطلك وكتب أنه مهدد بالبنادق من العشائر.

وقد اعتمد التشفير والاختزال السجناء السياسيون في كتابة بعض يومياتهم وسيرهم داخل السجن اتقاء وقوعها بين يدي السلطة إذا ما هُرّبت.

كما اعتمد بعضهم الاختزال للتحكم في محامل الكتابة، حيث كانوا يكتبون على علب السجائر وعلب الكبريت وغيرها من الأوراق الصغيرة فيضطرون للاختزال المفرط ولغة الترميز، ونستحضر هنا كتاب "كريستال" للمناضل اليساري التونسي غيلبير نقاش الذي كتب مذكراته بالسجن على الأوراق الداخلية لعلب سجائر الكريستال.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*من مقال طويل نشر في موقع (الجزيرة نت) بتاريخ 31/1/2026م

https://www.aljazeera.net/culture/2026/1/31/%D9%85%D8%A7-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%88%D8%B1-%D9%83%D9%8A%D9%81-%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86-%D8%B9%D9%84%D9%89

كمال الرياحي أثناء تدريسه ليوميات حسن مطلك في جامعة تورنتو

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محاولة لفك شفرة يوميات حسن مطلك

بعد نشر صورة لصفحتين من يوميات حسن مطلك المشفرة، هذه محاولة لفك شفرة هاتين الصفحتين، قام بها الأستاذ عبدالقادر كامل العنكود، بالاستعانة بطرق خاصة من الذكاء الاصطناعي... نؤكد إنها محاولة تقريبية تخمينية، وليس بالضرورة أن تكون دقيقة، وإن بدت اللغة قريبة من أسلوب حسن مطلك.. مع كل التقدير والشكر للأستاذ عبدالقادر.


"لم أكن أعلم لماذا بدأت الكتابة بهذا الشكل،
لكنني كنت أشعر أن الكلمات لو خرجت كما هي فلن أستطيع احتمالها.
أنا لم أكن ضعيفًا، ولكن الأيام كانت أثقل مما أظن،
وكل مرة أقول انتهى الأمر، يعود من جديد.
في تلك الفترة كنت أراقب نفسي أكثر مما أعيش،
أكتب لأفهم، لا لأتذكر،
وأهرب من الصمت إلى الحروف.
لم يكن أحد يعلم بما يحدث في داخلي،
وحتى أنا لم أكن متأكدًا.. هل ما أشعر به خوف أم تعب أم شيء آخر.
أحيانًا أضحك بلا سبب،
وأحيانًا أثقل من أن أتكلم،
وكل هذا يمر كأنه لا يعني أحدًا سواي.
(....تعبير غير واضح....)
كتبت هذا حتى لا أنسى،
وحتى إن ضاعت الأوراق،
أعرف أنني كنت هنا،
وأنني قد حاولت"

https://www.facebook.com/photo?fbid=1433348335468525&set=a.1559140000985535&locale=es_ES

دفتر حسن مطلك