23‏/04‏/2026

رواية دابادا باللغة الكردية

 

دابادا
حەسەن موتڵەگ
وەرگێڕانی لە عەرەبییەوە: کارزان عەلی
دەزگەی چینی بۆ چاپ و بڵاوکردنەوە 

صدرت في كردستان العراق الترجمة الكردية لرواية دابادا للكاتب العراقي الراحل حسن مطلك، وذلك عن دار نشر دەزگەی چینی وبفضل تعاون وتنسيق الأستاذ James Chini، وهذه أول ترجمة لهذا العمل الأدبي الفريد، بعد تعثُّر محاولات ترجمتها إلى الإنكليزية والإسبانية لشدة صعوبتها. قام بالترجمة المترجم المحترف الأستاذ كارزان علي Karzan Ali حيث بذل جهداً استثنائياً، واستغرق الأمر منه وقتاً طويلاً، لأنه كان كثير التدقيق والاستفسار عن التفاصيل.

هذه الرواية هي أبرز أعمال الكاتب العراقي الراحل حسن مطلك، الذي أُعدِم شنقاً سنة 1990، وقد أثارت الاهتمام والجدل منذ صدورها عام 1988 وإلى اليوم، لما فيها من فَرادة في الحداثة واللغة، وصعُب على الكثيرين فهمها، بحيث تم اعتبارها عملاً للنُخبة أو لنُخبة النُخبة، فهي أصعب رواية عربية، وذروة في توظيف مختلف تقنيات وأساليب التجريب السردية الحديثة، وكتابتها في ظل مرحلة الدكتاتورية، جعلتها مُحمَّلة بالرموز والإيحاءات والاشتغال اللغوي المُدهِش.

ولو كان مؤلفها حيّاً لأسعدته هذه الترجمة، وهو المُحب للأكراد وعاش وعمل معهم وكتب جزءاً كبيراً منها في كركوك. وسيسعده أن يجد قراءً جدد لها، فهو يهتم بالقارئ النوعي أكثر من العادي، لذا يقول: "إنه كَتَبها ليحمي نفسه من القُراء"، ووصفها:"دابادا: هي صَرخَة في الفراغ... تَشهَد نضال الإنسان ضد الموت التدريجي. إنها رَفسَة مُوَجَّهَة قبل حُلول الزَوال، لبعض الناس الذين يَرفَعون إنسانيتهم إلى الأعلى فيَخرُجون عن إطار الجَذب الاجتماعي ويَدخُلون في صفحات الأسطورة. إنها تشبه قصيدة غليظَة مَشحُونَة بِحِس الفَجِيعَة المُضحِك".       

كُتبَت عن هذه الرواية الكثير من الدراسات النقدية والأكاديمية ومازالت تثير فضول الدارسين. ولا شك أن القارئ الذي يُحب التحدي في القراءة، سيجد الكثير مما يعجبه، وسيعيد قراءتها بعد أن يفك خيوطها، وسيجد في كل قراءة جديدة متعة ومعرفة جديدة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

دابادا
حەسەن موتڵەگ
وەرگێڕانی لە عەرەبییەوە: کارزان عەلی
چاپکراوی نوێ
رۆمانی دەیەم

ئەو رۆمانەی ـ بە٫عس ـ نوسەرەکەی لەسێدارەدا
ئەم رۆمانە بە رەزامەندی و ئاگاداری بنەماڵەی نوسەر وەرگێڕدراوە
لە رۆژانی داهاتوو بڵاو دەکرێتەوە
شاعیری ناسراو سەلاح حەسەن لەبارەی داباداوە دەڵێت بێگومان دابادا تاقانە ڕۆمانی عیراقییە کە بەم هەموو خەسڵەتە ناوازەیەوە دەرچووە، هێندە تازەگەری تێدایە لە رووی بونیاد و ناوەڕۆکەوە کە نکۆڵی لێ ناکرێت، دابادا لە ریزی رۆمانە گەورەکاندایە.
دەزگەی چینی بۆ چاپ و بڵاوکردنەوە 

https://www.facebook.com/photo/?fbid=1369439541880286&set=a.455313796626203

حەسەن موتڵەگ
حەسەن موتەڵگ ڕۆماننووسی نوێگەری عیراقی، ساڵی ١٩٦١ لە گوندێکی نزیک شەرگات لە دایک بووە و ساڵی ١٩٩٠ لەلایەن رژێمی بەعسەوە لەسێدارە دراوە. دابادا بەرچاوترین کاری نووسەرە و یەکێکە لە ڕۆمانە ناوازەکانی ئەدەبیات.
رۆمانی (دابادا) یەکێکە لە چاپکراوە نوێیەکانی ئێمە و بە وەرگێڕانی کارزان عەلی و لە رۆژانی داهاتوو بڵاو دەکرێتەوە.
دەزگەی چینی بۆ چاپ و بڵاوکردنەوە

https://www.facebook.com/photo?fbid=1369490618541845&set=a.455313796626203

دابادا

حەسەن موتڵەگ

وەرگێڕانی لە عەرەبییەوە: کارزان عەلی

چاپکراوی نوێ

ئەو رۆمانەی ـ بە٫عس ـ نوسەرەکەی لەسێدارەدا

ئەم رۆمانە بە رەزامەندی و ئاگاداری بنەماڵەی نوسەر وەرگێڕدراوە

شاعیری ناسراو سەلاح حەسەن لەبارەی داباداوە دەڵێت بێگومان دابادا تاقانە ڕۆمانی عیراقییە کە بەم هەموو خەسڵەتە ناوازەیەوە دەرچووە، هێندە تازەگەری تێدایە لە رووی بونیاد و ناوەڕۆکەوە کە نکۆڵی لێ ناکرێت، دابادا لە ریزی رۆمانە گەورەکاندایە.

دەزگەی چینی بۆ چاپ و بڵاوکردنەوە

ئێستا بۆ داواکردن بەردەستە....

https://www.facebook.com/photo?fbid=1373400084817565&set=a.455313796626203

 

https://www.facebook.com/reel/1459611761913370

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

الطفل الذي في الصورة هو حفيد حسن مطلك، ولِد في أربيل ويعيش فيها، واسمه كردي: آرين

وربما سيقرأ رواية جده مستقبلاً بالكردية قبل العربية

https://www.facebook.com/photo?fbid=1503653705104654&set=a.509638041172897&locale=es_ES

كتاب: طريق إلى دابادا /د. عبدالجليل السامرائي

 طريق إلى دابادا

قراءة تحليلية

د. عبد الجليل السامرائي 

صدر كتاب نقد تحليلي بعنوان (طريق إلى دابادا) من تأليف الكاتب والأكاديمي العراقي الدكتور عبد الجليل السامرائي، ومما قاله المؤلف عن ذلك:

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فعطاء الله ورحماته تترى، إذ صدر لي كتابي الجديد "طريق الى دابادا"
وهو كتاب في النقد الأدبي الروائي، يتعرض الكتاب بالقراءة التحليلية، لأغرب وأعقد رواية في تاريخ العراق الحديث (دابادا)، وهي للمرحوم حسن مطلك، شقيق الروائي الدكتور محسن الرملي حفظه الله.
لماذا "طريق إلى دابادا"؟
سالني أحدهم، قلت: لأن الرواية في جزيرة ممنعة لها أسوار وحرس يدينون بالولاء المطلق لحسن مطلگ، منعها عن الناس بإرادته، يقول حسن مطلك، "كتبتها لأحمي نفسي من القُراء"!!! ليس أي قراء، بلا شك، إنما يقصد قاشطو الصفحات بلا جدية في البحث عن الطعم الكامن، أما أنا فصبرتُ على الموانع وجاهدتها وأخفقت (لأن المؤلف قد بث في ثناياها ما يجعل القارئ يتوقف عن القراءة)، ثم حاولت من جديد حتى تمكنتُ - كما أزعم- من فك كثير من شفراتها، عندها تذوقت جمال "دابادا" وهذا ما لا يستطيعه كل أحد، فإذا كنتم من محبي المغامرات الأدبية، فعليكم بـ "دابادا"، وإن استعصى عليكم الوصول إلى كنوز الجزيرة، فليكن معكم الدليل.
نرجو أن نكون قد وفقنا فيما ذهبنا إليه من اجتهاد في تحليل هذه الرواية العظيمة، ولن أنسى أن أقرر هنا أن النسخة الأولى من الكتاب مهداة إلى روح حسن مطلك.

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=24236417056011545&set=pb.100002097644184.-2207520000&type=3 

(طريق الى دابادا) وهو كتاب نقد أدبي، تعرضتُ فيه بالتحليل العميق لرواية "دابادا" للروائي المرحوم حسن مطلك.
لمن لا يعرف هذا الكاتب العراقي، فهو شقيق الأديب والروائي الدكتور "محسن الرملي". بالعودة إلى موضوع الكتاب، فإن رواية "دابادا" عمل روائي فذ ليس له نظير في العصر الحديث، انتهج فيه الكاتب عن قصد، أسلوباً أسميته "الصعب الممتنع"، ليخرج لنا برواية، ليس فقط عصية على الفهم، بل عصية على القراءة، فقد بث فيها الكاتب متعمدا، موانع قراءة لا يتحملها قارئ عام، قال هو عنها في كتابه (الكتابة وقوفا): "كتبتها لأحمي نفسي من القرّاء"!!!، ويقصد القرّاء من غير النخب. عندما رأيتها لأول مرة، لفتت انتباهي غرابة العنوان، خطر لي أن هذا العنوان هو كل ما يملك الكاتب من أوراق، لكنني حين قررت أن أقتحم الرواية كقارئ يستلذ بالجديد، فاجأني أسلوبها ولغتها، لكني توقفت بعد ثلاثين صفحة عن القراءة (كما لو كنت آكل طعاما مشبعا بالملح)، ثم قررت (بهمّة جديدة) أن اقرأها كلها. كان تحدياً مؤلماً إذ ارتفع منسوب موانع القراءة في عقلي إلى درجة غير محتملة، لكنني واصلت التحدي حتى آخر كلمة.
المفاجأة كانت، انني رغبت في قراءتها مرة أخرى، فإذا بها مرات تترى، وفي كل مرة أكتشف انني أمام كنز لغوي مُشفّر غاية في الرقيّ والأصالة والحداثة في آن معا، فأقرأ من جديد، حتى حفظت كثيراً منها، وهكذا وجدت نفسي أمام مسؤولية أخلاقية وعلمية؛ أن أدوّن ما فككت من شفراتها، فكان هذا الكتاب، الذي ترون.
نصيحة: إذا كنت كاتباً مبتدئاً، فقوّ لغتك وأسلوبك بقراءتها... وستعرف أثناء القراءة كم دفن العراق من مواهب ابنائه!

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=9351273551619140&set=pb.100002097644184.-2207520000&type=3 

كما سبق للدكتور السامرائي الحديث عن هذا الكتاب في برنامج سيرة ذاتية | في لقاء أجراه معه د. أمجد الجنابي في قناة سامراء.

رابط الحلقة

09‏/02‏/2026

شفرة يوميات حسن مطلك /كمال الرياحي

 

ما بين السطور..

كيف تحايل الإنسان على الرقابة باليوميات المشفرة؟

كمال الرياحي

عمد بعض الكتاب في تسجيل يومياتهم إلى التشفير، عبر اعتماد لغة غير متداولة كما فعل المؤلف الإنجليزي صموئيل بيبس (1633-1703م) الذي سجل يومياته اعتمادا على لغة مشفرة تسمى نظام توماس شيلتون الاختزالي Thomas Shelton Shorthand، مما أخر ترجمتها ونشرها لسنوات حتى تم تحقيقها بعد العثور عليها.

وقد عانى جون سميث من أجل تحويل النسخة الأصلية المختزلة إلى لغة إنجليزية عادية تسمح بنشرها وقراءتها في كل مكان والاستفادة من ذلك التأريخ الدقيق لمدينة لندن والأحداث الكبرى التي شهدتها وقتها، مثل وباء عام 1665 وحريق لندن؛ وقد صمدت اللغة المختزلة والمشفرة أكثر من قرن بعد وفاة صاحبها.

عربيا، يمكننا استحضار يوميات الكاتب والأديب والفنان العراقي حسن مطلك (1961-1990) التي نشر منها ما كان مكتوبا باللغة العربية، ولكن الروائي والناقد محسن الرملي -شقيق الكاتب الذي يرعى موروث حسن مطلك- كشف أن عددا مهما من يوميات حسن مطلك لم ينشر لأنها كانت مكتوبة بلغة رمزية ابتكرها حسن مطلك ولكنه لم يترك دليلا لحل شفرتها.

والواضح من مصير حسن مطلك، الذي قبض عليه في عهد نظام صدام حسين واتهم بالانتماء إلى مجموعة مسلحة سعت إلى إحداث انقلاب وأعدم، وكان واحدا ممن نفذ فيهم حكم الإعدام شنقا يوم 18 يوليو/تموز 1990، أنه كان يخشى أن تقع تلك اليوميات في أيدي مَن سيجعلها بين أيدي النظام، فعمد إلى اختراع تلك اللغة التي جعلت اليوميات إلى اليوم غير مقروءة.

ولا يمكن الجزم بأن اليوميات سياسية أو فيها كشف لأنشطته في المجموعة المعارضة التي انتمى إليها، فحسن مطلك كان يعيش حياة نفسية صعبة يعاني فيها من العزلة والتهميش وفشلا عاطفيا كشف عن بعض ملامحه في يوميات له.

فيكتب في إحدى اليوميات بخط يده بالعربية: "ليست لي رغبة في الكتابة اليوم، ليس لي رغبة في شيء أبدا، السبب يرجع إلى أن قواي النفسية لا تتجدد. إن قوتي تنفذ ولا تشحن من جديد. اضطهاد يومي، عزلة، لا امرأة، لا موسيقى جميلة، لا صديق، لا سيجارة، لا سينما، لا شارع، لا سوق.. أمامي جدران طينية وورائي جدران طينية، ونفس الأصوات يوميا نفس الوجوه.. أسأل نفسي دائما: ما معنى أن أكتب؟ إن الخوف من إكمال العمل ثم الفشل به سيقتلني. سأدفع الثمن غاليا".

يسجل مطلك كل هذا اليأس قبل أن يسترسل متحدثا عن حبيبته التي خانته وهجرته والتي يشير إلى أنها صارت "في خدمة الوطن والمؤسسات"، ويوقع: "أنصاف الرجال يسرقون النساء الجميلات بحجة أنهم واضحون وليس لديهم عالم خاص وجيوبهم مملوءة بالورق المقدس والرجال الخالصين إنما تهرول الريح في جيوبهم.. كيف يحدث هذا كيف.. إني أشيب في مقعدي، وأنت تزهرين كالغصن الجديد… يا ابنة الكلب" وينهي اليومية.

هذا الفشل العاطفي قد يكون أيضا سببا في بوح أراد له أن يكون مشفرا إلى جانب نشاطه السياسي المعارض؛ فالكاتب وصل إلى درجة من السخط واليأس يمكن أن تجره للبوح بأي شيء، لذلك ليس مستبعدا أيضا أن تكون اليوميات المشفرة يوميات عاطفية، خاصة أنه كان يعيش في ريف متعصب يجرم العلاقات العاطفية، وقد سبق لحسن مطلك وكتب أنه مهدد بالبنادق من العشائر.

وقد اعتمد التشفير والاختزال السجناء السياسيون في كتابة بعض يومياتهم وسيرهم داخل السجن اتقاء وقوعها بين يدي السلطة إذا ما هُرّبت.

كما اعتمد بعضهم الاختزال للتحكم في محامل الكتابة، حيث كانوا يكتبون على علب السجائر وعلب الكبريت وغيرها من الأوراق الصغيرة فيضطرون للاختزال المفرط ولغة الترميز، ونستحضر هنا كتاب "كريستال" للمناضل اليساري التونسي غيلبير نقاش الذي كتب مذكراته بالسجن على الأوراق الداخلية لعلب سجائر الكريستال.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*من مقال طويل نشر في موقع (الجزيرة نت) بتاريخ 31/1/2026م

https://www.aljazeera.net/culture/2026/1/31/%D9%85%D8%A7-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%88%D8%B1-%D9%83%D9%8A%D9%81-%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86-%D8%B9%D9%84%D9%89

كمال الرياحي أثناء تدريسه ليوميات حسن مطلك في جامعة تورنتو

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محاولة لفك شفرة يوميات حسن مطلك

بعد نشر صورة لصفحتين من يوميات حسن مطلك المشفرة، هذه محاولة لفك شفرة هاتين الصفحتين، قام بها الأستاذ عبدالقادر كامل العنكود، بالاستعانة بطرق خاصة من الذكاء الاصطناعي... نؤكد إنها محاولة تقريبية تخمينية، وليس بالضرورة أن تكون دقيقة، وإن بدت اللغة قريبة من أسلوب حسن مطلك.. مع كل التقدير والشكر للأستاذ عبدالقادر.


"لم أكن أعلم لماذا بدأت الكتابة بهذا الشكل،
لكنني كنت أشعر أن الكلمات لو خرجت كما هي فلن أستطيع احتمالها.
أنا لم أكن ضعيفًا، ولكن الأيام كانت أثقل مما أظن،
وكل مرة أقول انتهى الأمر، يعود من جديد.
في تلك الفترة كنت أراقب نفسي أكثر مما أعيش،
أكتب لأفهم، لا لأتذكر،
وأهرب من الصمت إلى الحروف.
لم يكن أحد يعلم بما يحدث في داخلي،
وحتى أنا لم أكن متأكدًا.. هل ما أشعر به خوف أم تعب أم شيء آخر.
أحيانًا أضحك بلا سبب،
وأحيانًا أثقل من أن أتكلم،
وكل هذا يمر كأنه لا يعني أحدًا سواي.
(....تعبير غير واضح....)
كتبت هذا حتى لا أنسى،
وحتى إن ضاعت الأوراق،
أعرف أنني كنت هنا،
وأنني قد حاولت"

https://www.facebook.com/photo?fbid=1433348335468525&set=a.1559140000985535&locale=es_ES

دفتر حسن مطلك

02‏/11‏/2025

من طاهر عصفور إلى حسن مطلك

 رسالة من طاهر عصفور إلى حسن مطلك

 

(من روائي على الطريق إلى روائي صار طريقًا)

تأخّرتُ في كتابة هذه الرسالة، ولا أدري لماذا.

ربما لأقرأك أكثر، وأستمتع بك أكثر،

وربما لأقف أمام أعمالك في صفاءٍ ودهشةٍ أكثر... وأكثر... وأكثر.

لكن جاء أخوك الأديب محسن الرملي، ومعه الصديق مؤمل الحطّاب،

ليذكّراني بتلك المهمّة التي ألزمتُ نفسي بها ذات صمتٍ طويل:

أن أكتب إليك.

أكتب إليك لا لأنك غائب، بل لأنك الحاضر الذي لا يغيب.

أكتب لأقول لك إننا ما زلنا نحاول أن نفهم اللغة كما كنت تفهمها أنت،

لا كأداةٍ، بل ككائنٍ حيٍّ يتنفّس ويحبّ ويتمرّد.

حين أقرأ (دابادا) اليوم، أشعر أنني لست أمام رواية،

بل أمام نهرٍ لغويٍّ يغسل اللغة من نفسها.

أشعر أنك لم تكتب لتُخبر، بل لتُبدع قولًا جديدًا،

وأنك لم تكن روائيًّا فحسب، بل كاتبًا يرى العالم بعينٍ لم تلوثها العادة.

كنتَ تعرف أن الحرف لا يُغيّر العالم،

لكنه يجعل الإنسان أقلّ استسلامًا للعتمة.

كنتَ تكتب بدمٍ يشبه ضوءًا حزينًا،

وبصبرِ من يعرف أن الجمال لا يُنجز بالسرعة،

بل بالوجع.

في هذا الزمن الذي يزدحم فيه الكتّاب وتغيب الكتابة،

نحتاج إليك أكثر من أي وقتٍ مضى.

نحتاج إلى تلك البراءة القاسية في عينيك،

إلى تلك اللغة التي تمشي في النار ولا تحترق.

يا حسن،

يا من تركتنا ونحن لم نكن جاهزين لغيابك،

يا من جعلتَ من موتك نصًّا مفتوحًا،

ومن صمتك درسًا في البلاغة.

أكتب إليك لأقول:

لم تمت، لأن الذين يكتبون بدمهم لا يموتون.

أنت حيّ في كل جملة تُكتب بتورّط،

في كل نصٍّ يتلعثم خوفًا من الصدق،

في كل كاتبٍ يعرف أن الكتابة ليست ترفًا،

بل عبورٌ نحو الضوء من تحت الركام.

سلامٌ عليك يا حسن،

في لغتك، في وجعك، في جرأتك التي لا تشيخ.

سلامٌ عليك يا أخي البعيد،

من أخٍ ما زال يسير في الطريق الذي بدأتَه،

حاملًا الحبر كمن يحمل وردةً في جنازة العالم.

*مُحبّك: طاهر عصفور

https://www.facebook.com/reel/2871262159732941

31‏/10‏/2025

لم آخذ حسن مطلك معي إلى موسكو/ مؤمل الحطاب

 

لم آخذ حسن مطلك معي إلى موسكو

مؤمل الحطاب

تشكّل علاقة القارئ بالكاتب المفضّل بعداً وجودياً يتجاوز حدود الاستهلاك الأدبي العابر إلى ما يشبه التماهي الروحي أو الانصهار الرمزي. ذلك أن الكتابة ليست نتاجاً نصيّاً فحسب، بل هي جزء من هوية متخيّلة للذات التي تبحث عن مرآتها داخل النصوص. ولكل إنسان كاتبه المفضل، وحين رأيت كتبه على التواصل الاجتماعي متوفرة في مكتبات بغداد، تذكرت فجأة، كمن داهمته عاصفة، أنني لم أُخطئ حين رتّبت حقيبتي في تلك الليلة الثقيلة في بغداد، لكني -على ما يبدو- تركت فراغاً في الحقيبة يتسع لكونٍ كامل حين لم أضع فيه كتب حسن مطلك. كنت أعرف أن السفر ليس انتقالاً من جغرافيا إلى أخرى، بل هو اختبار لصلابة الروح، ومع ذلك تركت مطلك خلفي كمن ينسى نافذة مفتوحة على الريح. ومع ذلك، لم أحمل معي سوى كتاب واحد “أبي فيودور”، الذي كتبته ابنة دوستويفسكي، كأنني كنت أتهيأ لرحلة إلى مدينة الأب الروحي للأدب الروسي، وأغفل عن نهر من بلادي بالتأكيد لا يُقارن بفيودور دوستويفسكي لكن كان من ورق وعظم لا من ورق وحبر.

في الطائرة، حين تحركت الأجنحة كأنها أرواح تتثاءب، أدركت أني أحمل معي كل ما هو فائض: قميصاً لا يلزمني، دفتر ملاحظات نصفه خالٍ، وعطراً لا يقنع سوى هواء المطارات. لكن لتارة أدركت أن حقيبتي مائلة. ليست مائلة بالوزن، بل بالمعنى. فقد اصطحبت صوت ابنة دوستويفسكي وهي تسرد حياة أبيها العاصفة لكني لم أحمل مطلك، لم أصغِ لصوت “دابادا” وهو ينهض من بين الرفوف، ولم أستمع إلى شخوصه وهم يطالبونني بجواز سفر مؤقت كي يعبروا معي إلى موسكو. وبالتأكيد كنت أتنقل بين صفحات الابنة، وأتخيل ظل الأب الكبير جالساً في المقعد المجاور، في حين ظلَّ حسن مطلك يطرق الباب من بعيد، يطالبني بمقعد لم أمنحه في الطائرة

في الدراسات الأدبية الحديثة، يُنظر إلى مفهوم الغياب بوصفه فعلاً تأويلياً، حيث ما يغيب عن النص أو التجربة لا يُقصي نفسه بل يفرض حضوره عبر الاستدعاء الدائم في الذاكرة.

كان في حياته القصيرة، يعرف أن الأدب أشد عناداً من الحديد. كتب كمن ينحت من صخرة، كمن يفتعل لغة جديدة ليقول إن العالم أكبر من قفص. حين أتذكر روايته أجد أنني أحتاج إليها في مترو موسكو أكثر مما احتجت إليها في أزقة بغداد، فالمترو هنا ليس سوى سرد طويل بلا راوٍ، أنفاق تمضي في عتمة لا تنتهي، ووجوه بعضها صلبة تحتاج إلى صرخة “دابادا” كي تتصدع. فحين سمعت امرأة روسية في المترو تصرخ على ابنتها، وقطعت سرب افكاري كنت في لحظة انغماس في حديث ابنه دوستويفسكي عندما منحتني هذه الابنة صورة الأب الذي حوّل آلامه إلى روايات خالدة. كان حسن مطلك -بغيابه- يذكّرني بأن في بلادي أيضاً آباءً أدبيين صلبتهم المقاصل، وبأن ابنتهم لم تكتب بعد كتاب “أبي حسن”.

لم آخذه معي، ولذلك شعرتُ في الليالي الروسية أن المدينة تنغلق عليّ كجرسٍ زجاجي. كنت أبحث في رفوف المكتبات العملاقة عن ظلال، عن كاتب يضع على الورق غضباً يشبه غضب دجلة حين يفيض، فلم أجد سوى نصوصٍ طويلة مثل سكة القطار، مدجنة بلغة الروسية، أو أخرى باردة لا تُشعل في صدري إلا مزيداً من البرد. هنا أدركت أنه لم يكن مجرد كاتب عراقي، كان صاعقة تنزل على اللغة نفسها، يخلخل قواعدها، ويزرع في أحشائها براكين من المجاز.

تساءلت: ما معنى أن تترك بلادك ولا تأخذ كتاباً يمثلها؟ كنت مثل مَنْ هاجر ومعه تراب الوطن على ثيابه، لكن من دون معنى. رأيت الروس يقرأون بوشكين ودوستويفسكي في المقاهي، وأنا أتأمل كأنني سافرت بلا جذور.

لقد علّمني غياب كتب أدبائنا أكثر مما كان سيعلّمني حضورهم. اكتشفت أن الكاتب لا يحتاج إلى جواز سفر كي يلتحق بك؛ إنه يختبئ في الذاكرة، في الجمل التي حفرت قلبك. ومع ذلك، ثمة ألم، ألا تلمس الورق، ألا تفتح الصفحات وتشم رائحة الورق الذي كتب به رجلٌ يعرف أنه يُدَوّن سطوره الأخيرة في حياة مسلوبة.

كان حسن مطلك، بشهادات النقاد، واحداً من أبرز الأصوات التي أرادت أن تؤسس سرداً عراقياً جديداً، لكنه دفع ثمن الحرية كاملاً. إعدامه لم يُخرسه؛ بل جعل نصوصه تتحدث بأكثر من لغة، وتهاجر بلا جواز. حين كنت أعبر الساحة الحمراء، خُيّل إليّ أنّ ظل صوت أبي يمشي جواري، يضحك من غفلتي، ويقول لي: “لماذا تُحمّل التفكير أكثر مما يحتمل؟”. 

لكن قلت له في المرة القادمة سوف آخذ حسن مطلك معي. ولعل ذلك هو الدرس الأجمل، أن الكاتب الذي لم آخذه معي إلى موسكو، كان حاضراً في كل مكان

*حسن مطلك (1961-1990) كاتب ورسام وشاعر عراقي. ويعد واحداً من أهم الأصوات الأدبية الحداثية التي برزت في العراق، في ثمانينيات القرن العشرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشرت في (قرطاس الأدب) بتاريخ 30/11/2025م.

https://qertasaladab.com/%d9%84%d9%85-%d8%a3%d9%8e%d8%ae%d9%8f%d8%b0-%d8%ad%d8%b3%d9%86-%d9%85%d8%b7%d9%84%d9%83-%d9%85%d8%b9%d9%8a-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d9%85%d9%88%d8%b3%d9%83%d9%88/

09‏/09‏/2025

عن رواية دابادا / محمد خضير سلطان

 

المحتوى السردي للزمن الفارغ في رواية «دابادا» 

محمد خضير سلطان

على الرغم من أن رسالة الشهادة، سامية الدلالة في أبسط معانيها، إلا أن الحياة والبقاء فيها لوقت قصير آخر لدى بعض الشهداء، ربما كانت ضرورة على درجة حساسة من الفهم العميق، لما يمكن أن يقدمه المرء من تجربة إبداعية نادرة، تجعل القائمين على هذا الأمر يفكرون بالاحتفاظ، بمن يختصون بتجربة مبدعة قابلة للنمو والتأثير، ويُستبعد صعودهم الجلجلة، أو ارتقاؤهم الموت، لأن في حياتهم قيمة إبداعية هائلة لا تقبل التفريط.

في هذا الشأن، روى لي الشاعر رياض النعماني هذه الحكاية نقلاً عن الشاعر مظفر النواب، قائلاً: حدث مرة بين عام 1960-1961، حين أقدم الحزب الشيوعي العراقي على إعلان تسليح عدد من أعضائه للدفاع عن النفس، إذ ملّ الحزب من احتواء وتحمّل وتصبّر الاعتداءات والاستفزازات المستمرة عليه آنذاك، على حد تعبيره، فتقدم العديد من الأعضاء لتسلّم أسلحتهم، وكان من ضمنهم الشاعر مظفر النواب، وحين تم توزيع الأسلحة عليهم استُبعد الشاعر النواب، إذ قال له الزعيم سلام عادل بما معناه من غير المعقول التفريط بموهبة نادرة نحتاجها أكثر وبمهمة أكبر وطبعاً يقصد المهمة الإبداعية.

في هذا السياق تمنيت يائساً لو أن فرصة نادرة من سراب ومكر التاريخ، استبعدت الروائي حسن مطلك عن مهمته السياسية، التي راح ضحيتها شهيداً، وأبقته في مهمته الإبداعية التي لم تكتمل. لو لم تختطفه السياسة عبثاً لكان الروائي حسن مطلك، ليس من المؤسسين للرواية الجديدة، ما بعد حقبة الستينيات فحسب، إنما من الذين يتبنون عودتها من المؤسسة السلطوية إلى محيطها المجتمعي، الرواية التي تتخلى عن كل الشرعات الأيديولوجية، وتخرج بيضاء بلا رتوش وزخارف، كانت توجّه وتقعّر الروايات والقصص لتضليل الرقيب، وتضيّع وعي القارئ بما بدده النص في شكله المتخفي عن إملاءات المؤسسة، والظاهر في موشورات فنية مركبة.

وإذا كان العديد من القاصين والروائيين الستينيين قد أسهم في تبني المشتركات العامة بين ما يريدونه على النحو الفني وما تبغيه المؤسسة بهدف البعد السياسي، وكانوا جميعهم مشدودين إلى مرساة واحدة بحبل قصير، غير أن الروائي حسن مطلك خاصة في روايته «دابادا» رمى مرساته في اتجاه آخر ليتخذ مضماراً فنياً جديداً حتى لو لم يكن بعيداً عن المياه والأجواء نفسها المنتجة للنصوص نفسها.
وعلى الرغم من ذلك، لم يشهد نص «دابادا» فضاءً سردياً حراً، ولجأ كغيره من النصوص إلى الزخرفة اللفظية المتناظرة مع السرد والتمويه الرمزي والقطع المفاجئ، والتوقف السردي، ليس لتضليل الرقيب لأن الرواية نُشرت خارجه «بيروت ـ الدار العربية للموسوعات سنة 1988»، ولكن هذه المرة لكي يتخلص من شراك القارئ «ليحمي نفسه من القراء»، كما يقول على الغلاف الأخير من الرواية، ويعني بالقارئ هنا العين الأمنية، «كما أوضح لي صديق الروائي الراحل المقرب الأديب أوات محمد أمين»، وليس القارئ العادي.

إذن، فإن جلّ الأعمال الستينية القصصية والروائية، يُنظر إليها الآن على انها نصوص مستعادة ومنفصلة عن ربقة الرقيب المؤسساتي وشراك الأعين الأمنية المحدقة بما فيها هذه الرواية، وإعادة فحص هذه النصوص، يجعلنا نقول ما الذي تبقى منها بعد سقوطهما (الرقيب وعين الأمن) أي أن أعمالاً أدبية كُتبت في ظروف التقييد والرقابة السياسية، وتعالق في نسيجها إخفاء ما يقلق، ويبعث على ريبة السلطات، وإظهار وسائل التجريب الفني كونها رد فعل على ذلك، حتى لو بدت سيرورة تطورية لفن القص والروي آنذاك، ولكنها تُقرأ الآن مجدداً في الفضاء النقدي الحر الذي سيفصل بين التعالق والتركيب والإخفاء والإظهار، وسيمهد حتماً إلى نشوء وعودة النص الجديد في حقبة ما بعد الستينيات إلى أدبيته وخطابيته الاجتماعية.

في هذا السياق، كان للروائي حسن مطلك طريقته الفنية في التضليل والالتفاف على الرقيب الأمني وتخطّيه، من خلال استخدام تقنيات سردية أخرى، لم تستخدم إلا في حدود ضيقة في النص القصصي والروائي الستيني، وبدت رواية « دابادا» متأثرة بها ومنسوجة وفقها، وإذا كانت هذه التقنيات السردية المستخدمة، تعود في معظمها إلى مؤثرات التداعي الحر والصور السريالية والتعدد الصوتي، إلا أن بناء المشهد السردي البروستي، نسبة الى مارسيل بروست، وتنوعاته الفنية بين الشعر والتجريد والموسيقى، وحاجة اللغة أن تقول شيئاً دائماً هو الغالب في بناء المشاهد السردية لدى « دابادا».
يذكر الناقد والأكاديمي الفرنسي جان إيف تادييه في معرض حديثة عن التقنيات السردية التي يستخدمها مارسيل بروست في رائعته «البحث عن الزمن المفقود»، أن كل شيء يجري في السرد، وكأنه استذكار وتراكم صفات وتوحيد بين الفن والذاكرة، ولكن سرعان ما يتوقف السرد أحياناً ويصطدم بعقبة خفية، ويلتقي بما يمتنع عن القول أو تغيير مجرى السرد. ويبدو أن رواية « دابادا» بنيت بكاملها على تقنية التوقف السردي، الذي يصطدم بعقبة خفية ومن ثم يتم إطلاق العنان للذاكرة لمتابعة أثر هذا التوقف عبر انتقالات مشهدية بين الانتظام والعشوائية ولكنها مؤطرة بما يحدد علاقتها بجملة التوقف السردية، إلى أن تنتقل إلى أخرى.

ما أن تبدأ الرواية بجملة سردية عن ضياع الأب في إثر أرنب مبقّع، وتليها بعض المعلومات التي تحدد زمن الاختفاء وعمر شاهين الإبن، حتى ينطلق التتابع الصوري للذاكرة في فضاء سردي آخر، كأنه نشيد يومي قروي غير منقطع، واستعراض مفصل لعادات ألفها الجميع في حياة القرية، وتم انتقاؤها لتتدفق باستمرار، إلى أن تنحسر شيئاً فشيئاً لتصل إلى جملة سردية أخرى مثل مراسم نزع حداد الأم وخروج شاهين إلى الناس، أو موت عبد المجيد بسم الفئران وغيرها، كل هذه الجمل السردية المنضوية في المتن الحكائي، لا تعدو سوى ان تكون قَطعاً سردياً في كل منها، يستأنف في ما بعد بسلسلة من التداعي المرسل، مثل فجوات، تسعى اللغة إلى ردمها وتتهيأ معها لجملة سردية جديدة حتى بلوغ الخاتمة.

ولم تكتف رواية «دابادا» باستخدام هذه التقنية البروستية، بل تخطتها إلى طريقة الروائي في ابتكار صيغته الخاصة للمحتوى السردي الذي يستخدمه بروست في البحث عن الزمن الضائع ويستخدمه حسن مطلك في البحث عن الزمن الفارغ، الزمن البروستي المفقود، لن يفقد سيرورته وجدليته التاريخية ومختف في مستويات عميقة من المكان نفسه، فيما الزمن الفارغ لدى مطلك خال من التاريخية ويستجمع عبثاً في مظان البحث الأركيولوجي الاستشراقي والكولونيالي، عن مكانه وموقعه الحقيقي في رمال آشور المترامية كذاكرة رافدينية، لا تحددها لحظة محلية مفارقة ومعاصرة.
كان بروست يقول «لو ظل لي في الأقل ما يكفي لتحقيق كتابي، لما فاتني أن أطبعه بطابع الزمن الذي يسودني بهذا القدر من القوة، ولو وصفت الناس فيه كأنهم كائنات خيالية، كأنهم يشغلون بالزمان مكاناً آخر أوفر اتساعاً بكثير من المكان اليسير جداً الذين خصوا به». إن القدر الكبير من التماسك الزمني والمكاني في البحث عن الزمن المفقود، لا يساوي الضائع والمهدور من الزمن الفارغ في «دابادا»، فالصرخة التي تطلقها الرواية في الفراغ، كما جاء في الغلاف الأخير، لا يمكنها أن تنتقل إلى الأسماع أبداً، لأن تردداتها ستصطدم في فضاء فارغ، والكائنات التي تبدو خيالية ومترابطة ومتكاملة مع مكانها السردي الجديد لدى بروست، ستكون أقل من شروع واقعي في دابادا، وتتعرف إلى نفسها لأول مرة لدى مطلك.

ولعل العنصر السردي المشترك بين الزمنين الضائع والفارغ هو محتوى اللغة الذي سيحسم عودة الضائع، وتشكيل الفارغ كما يضمن ملء وتوضيح جميع الفجوات وإحياء مكان السرد الجديد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشرت في صحيفة (القدس العربي)، العدد 11823 بتاريخ 8/9/2025م

https://pdf.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2025/09/Alquds-2025-09-08.pdf 

https://www.alquds.co.uk/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D8%AA%D9%88%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B1%D8%AF%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%B2%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%A7%D8%B1%D8%BA-%D9%81%D9%8A-%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9/