11‏/08‏/2026

عن دابادا وحسن مطلك/ ياسين الحديدي

 

حسن مطلك روضان عبد الكافي الجبوري ابن سديرة

..  الروائي الشهيد ودابادا 

ياسين الحديدي 

تعودت باستمرار مراجعة صفحة صديقي وأخي عدنان أبو أندلس العزاوي، الله يرحمه، موظف في شركة نفط الشمال وهو ابن عم الأستاذ قاسم الزواي رئيس محكمة استئناف كركوك الله يحفظه، وهو وحده وموسوعة وخزين من المعلومات وهو الأديب والشاعر والرواي وهو ابن جبل حمرين والطبيعة القاسية والخلابة، وعاش طفولتة في محيط ضيق، هذا المحيط وصفاء الفكر والوحدة صنعت منه إنساناً أمتلك السؤال والجواب وهو يعيش محيطه وغرائبه، إنه فلتة الزمن بعد ان رحل من حمرين إلى قرية محصورة بين جبال أمدته بالقوة والعزيمة ان يخترق المستحيل ويكون لنفسه شخصية استمدها من الطبيعة التي عاشها اختصر السيرة الفذه والنادرة إلى الوصول إلى فلسفته التي اختص بها وهو المتميز بها الأديب الناقد، أمر على صفحته لكي أطوف بنقده إلى نقد كتب الشعر والروايات والقصص، وفي كل مرة تقطف ثمرا في إبداعه، وقبل يومين، أخذني بسياحته المجانية إلى الشرقاط  وإلى سديرة  لأتعرف على شخصية إنسان ورجل من ديرة آشور الشرقاط، إلى التعرف على الشهيد صاحب رواية دابادا. اسم الرواية يثير الفضول والاستغراب في معنى هذا الكلمة  الجذابة  وهي غير متدوالة  لغويا في القواميس أو في المجتمعات القروية، كلمة تكاد أن تكون حصرية فقط وبامتياز للشهيد. دابادا أغرتني على قراءة الرواية الحصينة المحصنة بالغاز وتعبيرات رمزية قل من يعرف طلاسمها ويفل مفاتحيها، رواية فلسفية بامتياز، وصدورها كان تحولاً في مسيرة الرواية العراقية. كتب عنها الكثير بعد صدورها عام 1988 وأصبحت حديث النقاد والأدباء وقضية رأي عام، كما يقال اليوم.  تناولها عمالقة الأدب والنقد بدون استثناء، وكتبوا عنها، والمقالة لا تسمح أن أذكر كل ما قيل عنها، لأنها ستتحول إلى بحث، وللحقيقة والتاريخ؛ لم يمر علي اسم الشهيد إلا بعد أن اطلعت على نشر أبو اندلس، القريب علي في صفحته. اخترت يوما كاملاً للبحث عن الكاتب ودابادا، وعشت ساعات حلوة وجميلة عن شخصية فريدة من نوعها، ومن خلال شقيقه  الدكتور المحترم محسن الرملي.

حسن مُطلك (1961 ـ 1990) كاتب ورسام وشاعر عراقي. ويعد واحداً من أهم الأصوات الأدبية الحداثية التي برزت في العراق في ثمانينيات القرن العشرين. ولد سنة 1961 في قرية سُديرة التابعة لمدينة الشرقاط في شمال العراق. أنهى دراسته الجامعية سنة 1983 حاصلاً على شهادة البكالوريوس في التربية وعلم النفس من كلية التربية في جامعة الموصل. أقام عدة معارض للفن التشكيلي وأصدر مع مجموعة من أصدقائه في الجامعة مجلة (المُربي) نشر فيها مقالتين إحداهما عن الفن التشكيلي والأخرى قراءة لرواية الطيب صالح (موسم الهجرة إلى الشمال). وبعد أدائه للخدمة العسكرية الإلزامية عمل أستاذاً في معهد المعلمين في كركوك ومديراً لعدة مدارس إعدادية. تزوج وله ابنتين هما: مـروة وسـارة. حاز على الجائزة الأولى لقصة الحرب سنة 1983 عن قصته (عرانيس) والجائزة التقديرية سنة 1988 عن قصته (بطل في المحاق). ثم نشر روايته (دابادا) التي تعتبر قمة أعماله الأدبية. أُعدم شنقاً بتاريخ 18/7/1990 الساعة السابعة مساءً، لاشتراكه في محاولة لقلب نظام الحكم. حيث راح يصفه بعض المثقفين إثر ذلك بأنه (لوركا العراقي). خصصت مجلة ألواح الصادرة في إسبانيا عددها 11/2001 عنه بالكامل، 300صفحة. كما خصصت عنه ملفات في صحيفتيّ (المدى) و(الزمان) العراقيتين. وكتبت الكثير من الشهادات عنه والدراسات عن أعماله، من بينها رسالة دكتوراه أنجزها عبدالرحمن محمد الجبوري في جامعة الموصل بعنوان (الخطاب الروائي عند حسن مطلك.. دراسة تأويلية).

واعود بكم إلى معنى دابادا كما فسرها من وجهة نظره الدكتور الرملي شقيق الشهيد.

   فماذا تعني تسمية (دابادا)؟.. ولماذا هذا العنوان بالذات دون غيره؟.. من أين أتت هذه الكلمة الغريبة؟.. لماذا اختارها المؤلف عنواناً على الرغم من أن الرواية تزخر بالكلمات والعبارات المدهشة؟.. ويبقى هذا التساؤل يحوم مع غيره في مدار اعتراف الجميع واتفاقهم على أن (دابادا) رواية مختلفة عن السائد التقليدي في الوضع الروائي العراقي وموروثه في أشياء كثيرة، إن لم نقل في كل شيء تقريباً، ابتداءً من أول كلمة فيها (دابادا) ألا وهي العنوان على الغلاف الأوّل وانتهاءً بما كتب على غلافها الأخير من أنها: "صرخة في الفراغ".

   فلا وجود لهذه الكلمة في معاجم اللغة العربية أو في أشعارها وأخبارها المعروفة، اللهم إلا ما كان موغلا في القدم أو فيما هو خارج أيدينا، ولكن المصدر الذي استقى الكاتب منه هذه الكلمة ـ على حد علمي ـ هو اللهجة المحلية العراقية، وبالتحديد اللهجة الدارجة في مناطق (الشرقاط) وقراه (سُديرات) مسقط رأس الكاتب، علماً بأنها كلمة آيلة إلى الاندثار، ولكنه التقطها من حديث العجائز والشيوخ والذين أذكر منهم بشكل خاص المدعو (شيخ العزاوي) الذي كان يستخدمها في أحاديثه بكثرة. أما معناها فهو أقرب ما يكون إلى معنى تعبير (إلى آخره) أو (الخ)، أو تكرار كلمة (كذا وكذا) أو (وهلم جرّا).. فهي تحاول وصف أشياء وأفعال متعددة في آن واحد. وهكذا فهمها حسن مطلك أيضاً حيث يقول:"نعم، ولكنها لا تعني هذا وحسب في الرواية، وهي تستخدم في المجتمع وربما يكون الاستخدام قريباً؛ فهي تأتي أيضاً عندما يحاول شخص ما أن يصف حادثة ثم لا يستطيع أن يكمل لشدة ما بهرته الحادثة ولشدة تأثره بها أو تأثيرها عليه، فيقول لك في النهاية: ودابادا..".

   إنها إذاً كلمة تُحَس أكثر مما يمكن شرح معناها أو تحديده بدقة قاموسية، وهي بالطبع وليدة خبرة جماعية شعبية متوارثة عن عدة أجيال ومتفصدة عن تجارب حوارية طويلة حتى استقرّت على هذا الشكل الذي استخدمه الناس واختاروا لها هذا الموضع في حديثهم، وهي في نهاية الأمر تشبه في حياتها وظروف ولادتها ولادة الحكايات الشعبية والأساطير والخرافات وشأنها شأن كلمات شعبية أخرى كثيرة.

   وضمن محاولاتي العديدة في تقصي معاني كلمة (دابادا) أذكر ما قالته لي صديقة أسبانيّة من سكان الشمال الذين يتحدثون القطلانية، من أن ثمة كلمة شعبية أيضاً يتداولها بعض الأهالي في قرى منطقتها وذلك عندما يبدأون بتعليم الطفل كيفية المشي بخطواته الأولى، وتلفظ (دابادا) منغمة عندهم بإيقاعية وليس لها دلالة لغوية، لذا فهي تشبه تماماً ما نقوله نحن في بعض مناطق العراق للغرض نفسه (تاته.. تاته.. تواته) لتحفيز الطفل وتشجيعه على الشروع بخطواته الأولى. وبالطبع لم تكن لحسن مطلك دراية بهذه المعلومة عند اختياره لهذه الكلمة، إلا أنه لم يرفضها حين أخبرته بها.

الله يرحمه حسن مطلك روضان  الذي شارك في ثورة 6 كانون المعروفة بحركة النقيب سطم، فتم إلقاء القبض عليه وحكم بالاعدام. - كتب عنه الناقد جبرا ابراهيم جبرا، والشاعر عبد الرزاق عبد الواحد، والناقد عبد الرزاق الربيعي وعشرات غيرهم... ولمن يحب ان يطلع على مضمون الرواية فهي:

1- الحكاية الأولى: اختفاء الأب  (محمود) الغامض.

اختفى في البراري، بشكل غامض لمدة عشرين عاماً لا يعرف مصيره عند اهل القرية، بسبب أرنب مُبقَّع أجبره على السير معه، هذه الارانب المبقعة التي تفتك بأهالي القرية، حتى لا يجد لهم أثر بعد ذلك بالضياع الكامل، لقد قاده الأرنب المبقع إلى (أرض مليئة بالأرانب المبقعة) ص34. زوجته (هاجر) فتشت عنه وطرقت كل الأبواب، لكن دون أن تحصل على  نتيجة لمدة عشرون عاماً، من العذاب والمعاناة تركها وحيدة مع طفلها (شاهين)، وكان عمره آنذاك سبعة اعوام، ولكن أخيراً أخبرتها العرّافة (وزة)، وكما قالت لابنها (شاهين) وهو الآن في عمر سبعة وعشرين عاماً، تقول له (إن وزة أخبرتني عن أبيك، قالت إنه يتنفس لحد الآن، غير انه لن يجيء الآن) ص34. إن رمزية الحدث أو الحكاية مكشوف، في التعبير والرمز في (الأرانب المبقعة) التي تملك السلطة الكاملة في تغييب المواطنين، في اختطافهم واعتقالهم وسجنهم في سراديب سرية، ألم يقصد الاجهزة الامنية في هذه التسمية الغريبة والسريالية (الأرانب المبقعة) إنها أدوات السلطة، التي تراقب المواطنين وتحصي أنفاسهم.

2- الحكاية الثانية: رمزية الكلب شرار.

عواد: رسام باحث عن الشهرة والأضواء والمال، يشغل نفسه طوال الوقت في رسم كلبه شرار، يرسمه في أوضاع مختلفة، في بوزات وازياء متنوعة، يرتبط به بعلاقة بوهيمية غريبة، حتى يصعد على قمة الأضواء والشهرة، ويقول عن الكلب شرار، بأنه هجين وغدار وشرس ومتهور، ويحب (أكل لحوم البط ولا يحب ثمر التين، رسمه، في أوضاع الجري والوثوب، واستبدل عينيه بزراري معطف مطري)ص 43. لا أعتقد أن من يبحث عن المال والأضواء والشهرة، وإبراز اسمه في العاصمة والإعلام، ويقضي في الانشغال المحموم، في رسم الكلب شرار. أعتقد انه من فصيلة أخرى تملك كل  زمام الأمور. من فصيلة آدمية وضعه القدر على رقاب العراقيين، في سريالية غرائبية، في رسم صورته في كل مكان وزاوية، و(عواد) يشعر أن اسم شرار مرعب ومخيف يجلب الخوف والقلق على مصير حياته (وكلمة شرار، كأبرة طويلة إلى حنجرته، ويهمس لا يمكن احتماله) ص48. ويهمس بالاعتراف عن كنه وماهية الكلب شرار (كل ذلك بسبب شخص معين. بسبب مجموعة أخطاء، لمجموعة أشخاص يتكرر وجودهم، ويترسب في خط بركاني ليعزله عن بعضه، بسبب آخرين يشبهونه، لكن أحدهم لا يبالي ليلة سماع الصراخ، في أقصى القرية ) ص 47. الرمز واضح والقرية تعني العراق، وليس بحاجة إلى توضيح أكثر، لأنها جزء من سريالية الواقع العراقي بغرابته.

3- الحكاية الثالثة: رمزية موت عبدالمجيد بسم الفئران.

عبدالمجيد مختار القرية أو رئيسها الفعلي، يموت بدس سم الفئران في طعامه من قبل (حلاب) ليكون المختار الجديد على القرية، وحلاب ذو شخصية متسلطة قاسية ومتجهمة بشراسته المرعبة والمخيفة (افسحوا الطريق لحلاب. جاء حلاب افسحوا الطريق. ابتعدوا...) ص 111. ويصبح البعبع المخيف في القرية، واسمه يجلب الرعب، بعد اغتصاب السلطة، وتغير الحال في القرية  نحو الأسوأ بالتدهور الفظيع (أقول لكم: كان العالم طرياً في البدء، ولكنه هوى على رأس مُثقَّب، بالأخص فوق فتحات الأسلحة) ص113. هذا (حلاب)  يسجل كل شاردة وواردة في مسك السلطة، بواسطة رجاله الأشداء المتزمتين في الغطرسة، هذه اللعنة التي أصابت القرية، وهي جزء من اللعنات من المؤامرات المتواصلة، في مذابح الأخوة البشر على العراق (سبعة وعشرون عاماً من المؤامرات، لأجل هذه اللحظة الذكية ويسقط. طعم الجحيم النقيقي، في أسفل الهاوية والساعة الأخيرة من العيش والذهول والرعب والمؤامرة مرة أخرى، حيث المذابح الصفراء، التي نادراً ما تصل إلى درجة القتل - مذابح الأخوة البشر -) ص124. ملامح الرمزية مكشوفة، رغم انها متناثرة هنا وهناك بالتقطيع شأن كل الحكايات الرمزية في سرياليتها، ولكن عملية  تجميع هذه القطع المتناثرة، تعطينا الصورة الواضحة، لبعدها الرمزي. وهي ترجمة حقيقية للصراع الدموي على السلطة، أو بالأصح اغتصاب السلطة بمؤامرات القتل، أو مؤامرات دس سم الفئران في الطعام أو في الشاي.

4- الحكاية الرابعة: رمزية الحمار قندس.

الحمار قندس، يرمز إلى الأداة التنفيذية السلطوية، التي هي في قبضة (حلاب) المختار الجديد، أو هو عنوان السلطة، ويحاول (شاهين) بطل الرواية، أن يعلن عصيانه وتمرده على سلطة حلاب، الذي تسبب في اختفاء أباه (محمود) لمدة عشرين عاماً، ويكتشف سر اختفاء أباه محمود (يكتشف مع نفسه مسؤولية حلاب في اختفاء محمود، لانها بقيت بالسرية التامة)ص181. هذا (شاهين) الطفل اليتيم بعد اختفاء أباه لمدة عشرين عاماً، وعاش منعزلاً وانطوائياً، غريباً عن الواقع، منزوياً في غرفته المظلمة مع  أمه (هاجر)، لقد فشل كلياً في التكيف والتأقلم مع الواقع والناس. ويعتبر نفسه غريباً، عالة على أمه والناس، ويشعر بالكآبة والحزن (يحس أنه حزين، ليس حزيناً بالضبط، وإنما يريد أن يبكي، وهو يراقب صوت الفجر، المتسلل بين الأحطاب وقصب السقوف، والانطلاقة الأولى لعصافير العراق) ص173، ويتذمر من أخبار العالم المفجعة في نشرات الأخبار (زلازال. فيضانات. أخبار مجاعة السود. محادثات نزع السلاح النووي. عمليات الفدائيين العرب. جلسات مجلس الأمن. إرهاب عالمي. مخدرات. فضائع سياسية. تجسس. جرائم. خطف. حروب. انقلابات. انحلال. أسلحة جديدة............ الخ) ص174. ويتساءل (إلى متى هذه الظلمة... إنها عبارة عن محض صرخة في فراغ :  دا - با................. دا............... بذلك كان الضحك، بعد محاولة الضحك دائماً. الضحك. الضحك. الضحك........... إلى ما لا نهاية) ص170. جعلته يتوخى العلاقة مع الناس، لأنه يعتبرها خاوية وجافة ومصلحيّة (أخلاق الناس بنظري، مرة مشيت مع صديق. واحد في المئة يعطي الصداقة حقها.......... مصالح) ص164.. لذلك من أجل الانعتاق من هذا الوضع المظلم والسريالي، قرر أن يقتل الحمار قندس، ليوجه طعنة قاتلة إلى (حلاب). وأخذ المدية سلاح القتل وهجم على الحمار قندس بالطعنات (طعنة.... طعنة. طعنة... ويهجم الألم لحظة رؤية الدم يغطي النمش) ص196. ويهرب وهو يرى يده ملطخة بالدماء، فيركض إلى الشاطئ، لكنه بعد ذلك يقع في مفاجأة، بأنه لم يقتل الحمار قندس، الحمار بخير لم يُقتل، وإنما (استعملتُ المدية بشكل معكوس، لان كفي ظل يؤلمني، والدم هو دمي أنا، لا دم الحمار) ص 210.

5- الحكاية الخامسة: رمزية اختفاء شاهين.

بعد المحاولة الفاشلة، يشعر بالانهيار وأن حياته انتهت بالخسارة والرعب، بأن حياته أصبحت على كف عفريت، ويختفي في ظروف غامضة عن الوجود، وتقلق أمه (هاجر) لهذا الغياب المخيف، المشابه لغياب أبيه (محمود)، ويصيبها الرعب والخوف، وتفتش عنه في كل مكان، وتسأل الناس (الرائحين والقادمين: هل رأيتم شاهين؟ هل رأيتم ولدي؟ فيميلون عنها، معتقدين أن عدوى جنون العائلة، قد تسرب إليها، فصارت تركض من تل إلى آخر، وتفتش الوديان والبيوت) ص193، لكن أخباره ضاعت واختفت، بالضبط مثل أخبار الروائي الشهيد حسن مطلك، ولكنه عرف فيما بعد، بأنه أُعدم، بذريعة مشاركته في المحاولة الانقلابية الفاشلة ضد صدام حسين، وهو لم يبلغ الثلاثين عاماً من عمره، في أوج عظمة إبداعه الأدبي، وخاصة، إنه رسام وشاعر وروائي قدير... نسأل المولى القدير أن  يتغمد الراحل برحمته الواسعة، ويُسكنه فسيح جناته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشر في موقع صحيفة (الزمان) العراقية، بتاريخ 28/7/2026م

https://www.azzaman-iraq.com/content.php?id=126478 

13‏/06‏/2026

حسن مطلك المبدع والإنسان والشهيد/المهدي نقوس

 

حسن مطلك.. المبدع والإنسان والشهيد 

المهدي نقوس

"لماذا وُجِـدتُ بكفين مبسوطتين

وكُبّلتُ بالاسم والدين والعائلة؟

لماذا يساعدني الرب كي أقتلهُ؟."

                         حسن مطلك

حسن مطلك، لمن لا يعرفه، صوت قادم من أرض السواد، وردة النار التي أورقت في صقيع الشمال. وأزهرت ولم تكد، حتى سرق من عنفوان صبوته بملامح شاب مغامر منفتح مقبل على مكائد الحياة ومكابداتها، كتاباته نبض من صخب وعنف وكبرياء، تبدد كل شك في مقدرة هذا المبدع الكبير على اجتراح الدهشة من معتق الكلام، وقدراته على استنباط انساق جديدة في الكتابة الروائية بواقعية سحرية فريدة من نوعها وقل نظيرها، وتطويع اللغة كانه يحرثها حرثا، ولأنه، ببساطة، كما قال صديقه وتلميذه حسين محمد العنكود ضمن شهادة بعنوان ذاكرة الصفصاف نشرها بمنتدى مطر: ”إن ما يكتبه حسن مطلك يختلف عن كل ما يكتبه الآخرون “..

مدين جدا هنا لشهادة الأخ الكاتب العراقي حسين محمد العنكود عن الشهيد حسن مطلك في لفت انتباهي لهذا الكاتب الشهيد الذي يحلو للبعض بتلقيبه بــ "لوركا العراقي"، والذي لا نكاد نعرف عنه شيئا سوى انه شقيق لمحسن الرملي، وانه رسام وروائي وقاص وشاعر استثنائي كان قيد حياته يفيض أملاً وكبرياء، وصاحب رواية ”دابادا"، إحدى أجمل ما كُتب في الرواية العربية الحديثة، والتي حرم منها القارئ العراقي والعربي في ظل النظام البائد… وفوق ذلك انه مات شهيدا بعد أن حكم عليه بالاعدام اثر مشاركته في محاولة انقلاب فاشلة ضد نظام صدام حسين، وهو بعد في عز شبابه وعطائه الادبي، وكنت كل مرة بعد ان قرات روايته الرائعة بحق “دابـــــادا” التي صدرت طبعتها الأولى عن الدار العربية للموسوعات في بيروت سنة 1988. وصدرت في طبعة ثانية عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في القاهرة سنة 2001، وثالثة عن الدار العربية للعلوم في بيروت 2006م .. ويعتبرها النقاد بأنها من أهم الروايات العراقية والعربية ..

*قال عنها الروائي جبرا إبراهيم جبرا:”إنها رواية غير عادية، فهي جديدة وكاتبها شاب جريء”.

*وقال الكاتب عبدالرحمن الربيعي:”لقد أحببت هذه الرواية العصية، إنها رواية مختلفة، لا يمكن أن تذكرنا بأي عمل روائي آخر – ولم تتعكز على إنجاز روائي سابق.. إنها رواية وحيدة ومكتفية بما حملت”.

*وقال الناقد د.عبدالله إبراهيم:”إنها رواية تستفز القاريء وهي تتصدى لقضايا كبرى، إن هذه الرواية ستثير إشكالات في مستوى القراءة ومستوى التأويل وستختلف الآراء حولها”.

*وقال القاص عبدالهادي السعدون:”إن رواية دابادا قد خلقت وأثرت في جيل كامل من الأدباء الشباب”.

 بالنسبة لي قرأت الرواية بشغف مكين، وأتخيل كيف أن كاتبها يمكن أن يمتلك هذه الملكة الابداعية الطافحة بالرقة، وهذا الإحساس الرهيب في استكشاف الأشياء والحالات العصية عن التوصيف، وبذلك الكم الهائل من النقاء والصفاء في التعبير وبحياد المناضل الثوري الذي ليس الا هو حسن مطلك، الذي يشيل هم القضية ويمتهن السياسة، ويحمل الكلاشنكوف ويمتشق القلم في نفس الآن..

 ولد حسن مطلك سنة 1961 في قرية سُديرة التابعة لمدينة الشرقاط في شمال العراق. أنهى دراسته الجامعية سنة 1983 في جامعة الموصل. وبعد أدائه للخدمة العسكرية الإلزامية عمل أستاذاً في معهد المعلمين في كركوك ومديراً لعدة مدارس إعدادية. تزوج وله ابنتين هما: مـروة وسـارة. حاز على الجائزة الأولى لقصة الحرب سنة 1983 عن قصته (عرانيس) والجائزة التقديرية سنة 1988 عن قصته (بطل في المحاق). أُعدم شنقا بتاريخ 18/7/1990 الساعة السابعة مساء، لاشتراكه في محاولة لقلب نظام الحكم.

حسن مطلك لا يجب ان ينسى ابدا.. وقد كتب يوما قائلا:

تذكرتُ تلك المرأة التي قالت لي: أحبك.

فقلت لها: لا وقت عندي لغير الكتابة ، وكتابتي ، كما تعلمين ، ليست مطلباً ذاتياً خاصاً ، فالذي يدفعني بالأساس إلى الكتابة هي الغيرة .. نعم .. الغيرة.

قالت: أتغار عليّ.

قلت: أغار على وطني، الذي كلما قارنتُ أدبه بآداب الشعوب اكتأبت، ودفعني ذلك للقراءة والكتابة.. وستبقى تلك الغيرة تنهشني حتى أحقق ما يحققه كاتب عظيم لوطنه.. أو أهلك دون هذا الأمر “.

 حري بنا التعريف بحسن مطلك الروائي والشاعر والشهيد، الذي وسمه البعض بحق بلــوركا العراقي.. وان نقرأ له ومنه، ما كتب وما كتب عنه.. ذلك أن الأبطال لا يموتون حيث وحينما يموتون ..

 وكما أنبأني الاستاذ حسين، في إحدى مداخلاته، التي ما زلت أعتز بها على الدوام :”ان سر التعلق ببعض النصوص، هو يعني بالضبط ان تلك النصوص تلامس شيئا فينا /أقصد نحن والمؤلف في لحظة معينه وعبر نص معين /نتلامس”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*المهدي نقوس: ناقد وكاتب مغربي.

*نشر في وكالة (الراصد نيوز 24) بتاريخ 16 أبريل 2026م

https://alrased.news/2026/04/16/%D8%AD%D8%B3%D9%86-%D9%85%D8%B7%D9%84%D9%83-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A8%D8%AF%D8%B9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%87%D9%8A%D8%AF-%D9%86%D9%82%D9%88/

12‏/06‏/2026

الشاعر حسن مُطلَك ..االذي لا يهدأ/ محمد جبري

 

الشاعر حسن مُطلَك.. الفتى الذي لا يهدأ

بقلم: محمد حسين جبري

لم أعش لحظة هجران المعنى في الروايات العربية إلا مع صاحب (الكتابة وقوفًا) حسن مُطلگ الذي يُمثّل هجران المعنى لديه نوعًا من الانزياح في الكتابة السردية، فالكتابة وقوفًا عند حسن مطلگ جملةٌ ترفض الكتابة الأفقية المُنبطحة الخاضعة إلى الواقع بكل صوره وتجلّياته مُعلنةً التمرّد على كل ما هو مؤدلج وموروث، وهذه الرؤية في الكتابة تُمثّل أعلى أنواع التجرّد من الحقيقة ومواجهتها، ويذكّرني هذا المصطلح بما قاله سركون بولص عن الكتابة من الأفق، حيث تكون الرؤية للفن شاملةً لمحاكاة التجربة الحياتية للإنسان، ولا تقتصر على اللغة وحدها، وهذا النمط في الرؤية الفنية داخل بنية الرواية يُعدُّ السبيل الوحيد لإظهار ماهو قابع في النفس، فيقترب فيها المعنى السردي من حدود الدرجة الصفر، فلا إجابة عن الأسئلة، وأنَّنا لا نحتاج إلى الإجابة عنها؛ لكي لا يكون الأدب توأمًا للفلسفة، وتتجلّى هذه الأسئلة في بواكيرها عند الأطفال، فالأسئلة التي يُقدّمها الأطفال واضحة المعنى ومخيفة، تسقط أمامها الأيدلوجيات والأقنعة، إنَّها المعنى في درجة الصفر، وقد كان الطفل الذي داخل جسده يقدّم هذا المعنى بغموض واقعي في روايته الأولى( دا .. با .. دا) التي كشف فيها عن أنماط التفكير الإنساني المنعزل، والمعاناة البشرية المُكثّفة، فكان ينحتُ أجزاءها باللغة ويرسم أبعادها بالمجاز، ويلتقط الصورة بعدسة العارف المدرك لكل ما هو طبيعي، ويُحلل بالأسئلة الذات الإنسانية المتأمّلة، فلم تكن هذه الرواية عالمًا سرديًّا خالصًا فحسب، بل هي قصيدة نثر تتكئ على آليات السرد المكثف، وترتبط خيوط السرد فيها بالشخصيات والأماكن والأزمنة، إلا أنَّ كينونتها الفنية تقترب من قصيدة النثر لذا يصعب على القرّاء قراءتها كأي عمل روائي آخر، وتحتاج إلى قارئ قد أخذ قبضة من رياح الشعر وأخرى من مياه السرد، فهو سيكون أمام قصيدة نثر طويلة وحوار داخلي لا يهدأ، يتدفّق كأمواج هائجة، لكنها لا تخرج عن ضفاف الرواية رغم هيمنة الشعرية المكثّفة على طابعها، فيضعنا حسن مطلگ في هذه الرواية أمام صورة تتجاوز فكرة النص المفتوح، وهي صورة الفن السردي التشكيلي بالاعتماد على الحواس، حسن مطلگ يؤسّس بهذه الرواية لأول مدخل لما سأطلق عليه بـ(الرواية الفنية) التي تحمل اشتراطات القصيدة النثرية والسرد والفن التشكيلي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشرت في موقع (مجلة الجمان)، بتاريخ 30 مايو 2026م بغداد.

https://m-aljuman.com/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%a7%d8%b9%d8%b1-%d8%ad%d8%b3%d9%86-%d9%85%d9%8f%d8%b7%d9%84%d9%8e%d9%83-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%aa%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%8a-%d9%84%d8%a7-%d9%8a%d9%87%d8%af%d8%a3/

22‏/05‏/2026

في حضرة حسن مطلك / محمد جبر حسن

 

في حضرة القاص والروائي والشاعر والفنان التشكيلي العراقي

الشهيد حسن مطلك (1961 ـ 1990) 

محمد جبر حسن

أن تمسكَ كتابهُ بيديكَ

هو تسليمٌ لأصابعكَ إلى جمرةٍ لم تنطفئ

وإنصاتٌ لنبضٍ ما زالَ يترددُ بينَ السطورِ

رغمَ أنَّ الحبلَ كانَ مشدودًا على عنقهِ.

في هذهِ الصورةِ

لم أكن أقلّبُ الصفحاتِ

بل كنتُ أقفُ أمامَ ما تبقّى من رجلٍ

صارَ نصًّا لا يُدفَن.

إلى صديقي حسن مُطلك

ذلكَ المعلّقُ بين النهرِ والمشنقةِ

من علّمنا أنَّ الحبرَ قد يُصلبُ،

لكنهُ لا يموتُ.

قالَ ذاتَ يومٍ:

"أنا لا أكتبُ لأُعجِبَ، أنا أكتبُ لأهربَ"،

فلاحقتهُ غوايةُ الكتبِ

ثم لاحقتهُ المشانقُ.

كتبَ ليهربَ..

فصارَ نداءً،

وصارَ النداءُ سيرةً تُقرأ خفية

في زمنٍ صارَ فيه الصمتُ فضيلةَ الجُبَناء.

قال وهو يَطوي قُصاصَةً في جيبه:

"الرئة الثانية للرجلِ هيَ الحُلم.".

ثم صمت.

صمتَ كما يصمتُ الناجون من الطوفان

لا لأنهم نجوا

بل لأن الصوتَ

كان جريمةً أُخرى.

يا حسن.. يا صديقي

أيها المعلّق بين النهر والمشنقة

ما زال قلبك – ذاك الذي نُقش على جدار مدرسة في كركوك

يخفق كُلما سقطَ شاعرٌ آخر في بئر الصمت.

لم نعد نسألكَ أن تعودَ

فأمثالكَ لا يعودون

لأنهم لم يغيبوا.

نكتفي بأن نفتحَ كتبكَ

كمَن يفتح نافذةً في جدار مقبرة

ونُصغي..

لخطى خفيفةٍ تمرّ بينَ السطورِ

ولا تسألنا الطريقَ.

———————

*محمد جبر حسن: كاتب عراقي، من أعماله: حقيبة الأمنيات، ذاكرة وطن، الساعة الثانية بعد منتصف القلق، فم مغلق.

*نشر هذا النص بتاريخ 3/5/2026م

https://www.facebook.com/photo?fbid=8175172565940630&set=a.336530943138204

21‏/05‏/2026

قراءة نقديّة لرواية دابادا / إسماعيل آلرجب

 

لوعة السارد في واقع متشظّي

قراءة نقديّة لرواية (دابادا) المثيرة

لمؤلّفها الراحل حسن مطلك

بقلم الناقد العراقي إسماعيل آلرجب

إنّ القراءة المتأملة والواعية لهذا النص الروائي وهو من أعقد النصوص الروائية في الأدب العربي المعاصر، رواية "دابادا" للمبدع العراقي الراحل حسن مطلك لابد أن تلامس الجوهر الفلسفي والبنيوي للرواية، وسأقوم هنا بتقديم تحليل يغوص في تفاصيل هذا العمل السريالي الفريد:

1 ـ دلالة العنوان (تفكيك الشفرة اللغوية والسلطة)

إن لفظة "دابادا" لا تنتمي إلى المعجم اللغوي العربي المستقر، وهي اختيار واعي من حسن مطلك لكسر "منطقية اللغة" المقيدة.

أ. بين الطفولة والخرس الاضطراري: أنها دمج بين (بابا) و(دادا) وهو تفسير منطقي شديد العمق؛ فالطفل في بداية نطقه يفكك العالم إلى أصوات أولية، وحين تعجز اللغة البالغة والمكتملة عن التعبير عن وطأة القمع والتعسف السلطوي، يعود الإنسان إلى "النداء البدائي".

ب. التورية والإشارة: عندما تصبح الحقيقة تهمة تؤدي إلى الموت، يصبح "الخرس" أو التلعثم وسيلة دفاعية. "دابادا" هنا ليست مجرد غياب للمعنى، بل هي "فائض في المعنى"، صرخة احتجاجية ضد واقع لا يمكن التعبير عنه بالكلمات التقليدية، هي إشارة الأخرس التي تختزل ألماً وعجزاً عن مواجهة السلطة (سواء كانت سلطة سياسية، اجتماعية، أو حتى سلطة الموت والوجود).

2 ـ شخصيات الرواية :

إنّ الشخصيات (شاهين، هاجر، عواد، عزيزة، مسعود، والحيوانات كالحمار قندس والكلب شراد) هي "شخصيات عائمة". وهذا الوصف ينسجم مع تشظّي الواقع :

أ. تلاشي الحدود بين الإنسان والحيوان: حسن مطلك في "دابادا" لا يتعامل مع الشخصية الروائية بالمنظور الكلاسيكي (نمو وتطور وحبكة خطية). الشخصيات هنا تتحرك في فضاء سريالي وكابوسي. الكلب "شرار" والحمار "قندس" ليسا مجرد ديكور بيئي، بل هما مرآة واضحة لمصير الإنسان في تلك القرية؛ فالإنسان أُفرغ من إنسانيته والحيوان أُثقل بالهمّ الوجودي.

ب. العوم والتناثر: الشخصيات تظهر وتختفي لأنها تعيش حالة من "الاغتراب والتشظي". "شاهين" ليس بطلاً بالمعنى التقليدي، بل هو مركز لوعي مأزوم ومحاصر ببيئة طاردة. غياب التأثير المباشر لبعض الشخصيات يعكس العبثية؛ حيث يفقد الفرد قدرته على التغيير ويتحول إلى مجرد كائن عابر في فضاء كئيب وممتد.

3 ـ الشظايا السردية وروتين الحياة المكرر

أنّ متن الرواية عبارة عن "تجميع لشظايا سردية" يلامس البنية الفنية للعمل (البنية الفسيفسائية أو التجميعية):

أ. زمن دائري قاتل: الرواية ترفض السرد المتسلسل (بداية، عقدة، نهاية) لصالح الأيام المكررة والتشابه الحركي. هذا التكرار هو تجسيد لـ "عقوبة سيزيف"، حيث تستيقظ الكائنات لتعيد إنتاج نفس الألم اليومي.

ب. شظايا الواقع الكئيب: السرد يتشظى لأن الواقع نفسه متشظٍّ وغير مترابط. حسن مطلك ينقل لنا واقع القرية العراقية (أو الإنسان عموماً) ليس كحكاية ممتعة، بل كـ "صدمات بصرية ونفسية متلاحقة"، مما يجعل القارئ يعيش حالة من الاختناق والترقب المستمر.

4 ـ لوعة السارد، التهكم والاشمئزاز (السخرية السوداء)

تلك اللوعة هي المحرك الأساسي للنص. السارد في "دابادا" لا يقف محايداً:

أ. السخرية كآلية دفاعية: عندما تبلغ المأساة ذروتها، تتحول إلى كوميديا سوداء أو تهكم مرير. السارد يتهكم من محيطه ومن الفضاءات الضيقة والموحشة لأنه يرى زيف القيَم المحيطة به، ويرى كيف يتآكل الإنسان ببطء.

ب. الاشمئزاز الوجودي: هذا الاشمئزاز يذكرنا بأدبيات الفلسفة الوجودية (مثل "الغثيان" لجان بول سارتر). إنه اشمئزاز من روتين بيولوجي عاري من المعنى، ومن مجتمع يعيد إنتاج تخلفه وقهر ذاته بذاته تحت وطأة القوى المهيمنة.

5 ـ الشاعرية والمشهدية البصرية المبهِرة

رغم الكآبة والاشمئزاز والتشظي، تمتاز الرواية بلغة شعرية شاهقة الارتفاع، ونختار هنا مقطعا هو من عشرات المقاطع لتوضيح هذه المفارقة الجميلة: "أبصر الشمس جالسة على أغصان شجرة التوت والعصافير تستحم بالضوء".

أ. الهروب نحو الطبيعة: في ظل قسوة العلاقات البشرية وجفاف الواقع، يلوذ السارد بـ "أنسنة الطبيعة". يجعل الشمس تجلس، والعصافير تستحم بالضوء، في محاولة لخلق واحة من الجمال وسط صحراء القبح المحيطة.

ب. التضاد الفني: استخدام هذه الصور الفنية المبهرة يضاعف من إحساس القارئ بالفجيعة؛ فالعالم في أصله جميل وشاعري وممتلئ بالضوء، لكن الفعل الإنساني والسلطوي هو ما يحيله إلى كابوس مظلم ومكرر.

الرأي النقدي:

إن رواية "دابادا" هي وثيقة إدانة جمالية وفلسفية متقدمة جداً على عصرها (نُشرت طبعتها الأولى عام 1988). وأنّ نص الرواية يتميّز بالعبقرية ويرفض السائد، يتلعثم باللغة (دابادا) لكي يقول الحقيقة كاملة، ويستخدم التشظي والتهكم والصورة الشاعرية المبتكرة ليعبر عن أزمة كائن يعيش في عالم محكوم بالآلية والتعسف.

وأنّ قراءتي النقدية هذه متواضعة في تحليل بنيوية الرواية وتفكيك الخطاب الروائي العراقي والعربي الحديث فيها فالرواية حقا تثير الاهتمام .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*إسماعيل آلرجب: كاتب وناقد عراقي، المشرف على نادي القصة القصيرة العراقي والرابطة الأدبية. من أعماله: عازف الأرق، وادي الجن، ظلال القلق، العنتورية.

*نشرت بتاريخ 19/5/2026م

https://www.facebook.com/photo/?fbid=2781777238848042&set=gm.1763458951701911&idorvanity=304358330945321&locale=es_ES

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تعليق الكاتب طاهر عدنان عصفور:

لذلك بقي حسن مطلك وحيدًا كأثرِ حريقٍ قديم لا تستطيع الأمطار محوه؛ لأن بعض الكتّاب يكتبون الكتب، أما هو فكان يكتب روحه مباشرةً على جدار العالم، ولهذا تبدو نصوصه حتى اليوم كأنها خارجة من فم الأرض نفسها، متعبة، جائعة، ومغطاة بغبار الموت، ولذلك أيضًا... لا أحد يشبه حسن مطلك.

23‏/04‏/2026

رواية دابادا باللغة الكردية

 

دابادا
حەسەن موتڵەگ
وەرگێڕانی لە عەرەبییەوە: کارزان عەلی
دەزگەی چینی بۆ چاپ و بڵاوکردنەوە 

صدرت في كردستان العراق الترجمة الكردية لرواية دابادا للكاتب العراقي الراحل حسن مطلك، وذلك عن دار نشر دەزگەی چینی وبفضل تعاون وتنسيق الأستاذ James Chini، وهذه أول ترجمة لهذا العمل الأدبي الفريد، بعد تعثُّر محاولات ترجمتها إلى الإنكليزية والإسبانية لشدة صعوبتها. قام بالترجمة المترجم المحترف الأستاذ كارزان علي Karzan Ali حيث بذل جهداً استثنائياً، واستغرق الأمر منه وقتاً طويلاً، لأنه كان كثير التدقيق والاستفسار عن التفاصيل.

هذه الرواية هي أبرز أعمال الكاتب العراقي الراحل حسن مطلك، الذي أُعدِم شنقاً سنة 1990، وقد أثارت الاهتمام والجدل منذ صدورها عام 1988 وإلى اليوم، لما فيها من فَرادة في الحداثة واللغة، وصعُب على الكثيرين فهمها، بحيث تم اعتبارها عملاً للنُخبة أو لنُخبة النُخبة، فهي أصعب رواية عربية، وذروة في توظيف مختلف تقنيات وأساليب التجريب السردية الحديثة، وكتابتها في ظل مرحلة الدكتاتورية، جعلتها مُحمَّلة بالرموز والإيحاءات والاشتغال اللغوي المُدهِش.

ولو كان مؤلفها حيّاً لأسعدته هذه الترجمة، وهو المُحب للأكراد وعاش وعمل معهم وكتب جزءاً كبيراً منها في كركوك. وسيسعده أن يجد قراءً جدد لها، فهو يهتم بالقارئ النوعي أكثر من العادي، لذا يقول: "إنه كَتَبها ليحمي نفسه من القُراء"، ووصفها:"دابادا: هي صَرخَة في الفراغ... تَشهَد نضال الإنسان ضد الموت التدريجي. إنها رَفسَة مُوَجَّهَة قبل حُلول الزَوال، لبعض الناس الذين يَرفَعون إنسانيتهم إلى الأعلى فيَخرُجون عن إطار الجَذب الاجتماعي ويَدخُلون في صفحات الأسطورة. إنها تشبه قصيدة غليظَة مَشحُونَة بِحِس الفَجِيعَة المُضحِك".       

كُتبَت عن هذه الرواية الكثير من الدراسات النقدية والأكاديمية ومازالت تثير فضول الدارسين. ولا شك أن القارئ الذي يُحب التحدي في القراءة، سيجد الكثير مما يعجبه، وسيعيد قراءتها بعد أن يفك خيوطها، وسيجد في كل قراءة جديدة متعة ومعرفة جديدة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

دابادا
حەسەن موتڵەگ
وەرگێڕانی لە عەرەبییەوە: کارزان عەلی
چاپکراوی نوێ
رۆمانی دەیەم

ئەو رۆمانەی ـ بە٫عس ـ نوسەرەکەی لەسێدارەدا
ئەم رۆمانە بە رەزامەندی و ئاگاداری بنەماڵەی نوسەر وەرگێڕدراوە
لە رۆژانی داهاتوو بڵاو دەکرێتەوە
شاعیری ناسراو سەلاح حەسەن لەبارەی داباداوە دەڵێت بێگومان دابادا تاقانە ڕۆمانی عیراقییە کە بەم هەموو خەسڵەتە ناوازەیەوە دەرچووە، هێندە تازەگەری تێدایە لە رووی بونیاد و ناوەڕۆکەوە کە نکۆڵی لێ ناکرێت، دابادا لە ریزی رۆمانە گەورەکاندایە.
دەزگەی چینی بۆ چاپ و بڵاوکردنەوە 

https://www.facebook.com/photo/?fbid=1369439541880286&set=a.455313796626203

حەسەن موتڵەگ
حەسەن موتەڵگ ڕۆماننووسی نوێگەری عیراقی، ساڵی ١٩٦١ لە گوندێکی نزیک شەرگات لە دایک بووە و ساڵی ١٩٩٠ لەلایەن رژێمی بەعسەوە لەسێدارە دراوە. دابادا بەرچاوترین کاری نووسەرە و یەکێکە لە ڕۆمانە ناوازەکانی ئەدەبیات.
رۆمانی (دابادا) یەکێکە لە چاپکراوە نوێیەکانی ئێمە و بە وەرگێڕانی کارزان عەلی و لە رۆژانی داهاتوو بڵاو دەکرێتەوە.
دەزگەی چینی بۆ چاپ و بڵاوکردنەوە

https://www.facebook.com/photo?fbid=1369490618541845&set=a.455313796626203

دابادا

حەسەن موتڵەگ

وەرگێڕانی لە عەرەبییەوە: کارزان عەلی

چاپکراوی نوێ

ئەو رۆمانەی ـ بە٫عس ـ نوسەرەکەی لەسێدارەدا

ئەم رۆمانە بە رەزامەندی و ئاگاداری بنەماڵەی نوسەر وەرگێڕدراوە

شاعیری ناسراو سەلاح حەسەن لەبارەی داباداوە دەڵێت بێگومان دابادا تاقانە ڕۆمانی عیراقییە کە بەم هەموو خەسڵەتە ناوازەیەوە دەرچووە، هێندە تازەگەری تێدایە لە رووی بونیاد و ناوەڕۆکەوە کە نکۆڵی لێ ناکرێت، دابادا لە ریزی رۆمانە گەورەکاندایە.

دەزگەی چینی بۆ چاپ و بڵاوکردنەوە

ئێستا بۆ داواکردن بەردەستە....

https://www.facebook.com/photo?fbid=1373400084817565&set=a.455313796626203

 

https://www.facebook.com/reel/1459611761913370

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

الطفل الذي في الصورة هو حفيد حسن مطلك، ولِد في أربيل ويعيش فيها، واسمه كردي: آرين

وربما سيقرأ رواية جده مستقبلاً بالكردية قبل العربية

https://www.facebook.com/photo?fbid=1503653705104654&set=a.509638041172897&locale=es_ES