29‏/10‏/2026

حسن مطلك.. لوركا العراقي/ علي السومري

 حسن مطلك.. لوركا العراقي

علي السومري

عاش محارَبًا من الجميع؛ الأهل، المجتمع، وحتى قريته. هكذا ظل يشعر بالاغتراب حتى آخر أيام حياته، لا لشيء سوى كونه متمردًا، حافظ على ذاته من الانخراط مع الجماعة. لكن كيف يفعل هذا، من يشعر أن روحه تمتد إلى الأفق، وتحلق عاليًا في سماوات سبع.

إنه الكاتب والروائي والرسام حسن مطلك، الطفل الذي ولد في قرية (سديرة) بالشرقاط عام 1961، واكتشف آنذاك أن ما يشغله هناك، في تلك القرية النائية، يختلف عما يشغل أقرانه، فكبر مبدعًا، ليستحق لاحقًا لقب (لوركا العراقي) بجدارة.

عشق الفن، ومُنع من دراسته، لكنه واظب على تطوير مواهبه ليصبح رسامًا. شغفه الكبير بالرسم قاده إلى طريق الأدب، وفيه اكتمل جناحا روحه، فحلق في عوالمهما، ليكتب روايته الشهيرة (دابادا)، التي أعلنت عن ولادة كاتب فذ، ومجدد في السرد العراقي.

بعد أن كان يبحث عن حريته الشخصية، صار (مطلك)، عازمًا على تحرير البلاد من الطاغية، خاصةً حينما سيق إلى حرب السنوات العبثية، فانضم إلى مجموعة من الضباط عام 1990 للتخطيط لانقلاب عسكري، يطيحون به بالديكتاتورية، إلا أن كمائن السلطة وعيونها كشفت الأمر، وبالرغم من معرفته بفشل مخططهم، لم يهرب، ليعتقل أمام مدرسته التي كان يُدرّس فيها.

كان يمكن لمسار حياة (مطلك) أن يتغير، لو قدم بعض التنازلات، ومنها قبوله برسم الطاغية، أو الكتابة عنه في الصحف، كما فعل مئات الأبواق من (المثقفين)، وبالأخص أن هذا الطلب جاء بشكل رسمي، لكنه رفض بحجة عدم معرفته بالرسم، رسالة فهمها (المسؤول)، وكانت تلك اللحظة، هي بداية نقمة السلطة عليه، نقمة انتهت باقتياده إلى حبل المشنقة عام 1990.

إعدام (مطلك) طالما ذكّرنا بإعدام الشاعر الإسباني (لوركا)، روحان انشغلا بالحرية، في بلدين تسلط عليهما قاتلان قادا بلاديهما إلى الهاوية.

قال (مطلك) يومًا: "الكتابة موقف (في السلب والإيجاب)، والموقف كلام يتحوّل إلى فعل، فكيف نكتُب عن الاختيار إذا كنا عبيدًا؟"

لم ينشر حسن مطلك في حياته سوى (دابادا)، الرواية التي رفضها العديد من دور النشر العراقية، لكنه طبعها في بيروت على حسابه الخاص، إلا أن كتبه طبعت، لاحقًا، من قبل أخيه، الكاتب والروائي والمترجم، محسن الرملي، ومنها (الأعمال القصصية)، (قوة الضحك في أُورا)، (أنا وأنتِ والبلاد)، (العين إلى الداخل)، (الكتابة وقوفًا)، (أعراس الكُرة الأرضية)، و(أنا مُعلِّم نفْسي).

وها نحن نستذكر هذه القامة الكبيرة، احتفاءً بكاتب ومثقف حقيقي، واجه السلطة البعثية بالقول والفعل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*رسوم: علاء كاظم

*نشر في مجلة (الشبكة) العراقية، العدد 510 أكتوبر 2026م

https://magazine.imn.iq/thqafyh/10064-%D8%AD%D8%B3%D9%86-%D9%85%D8%B7%D9%84%D9%83-%D9%84%D9%88%D8%B1%D9%83%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A.html


ليست هناك تعليقات: