21‏/05‏/2026

قراءة نقديّة لرواية دابادا / إسماعيل آلرجب

 

لوعة السارد في واقع متشظّي

قراءة نقديّة لرواية (دابادا) المثيرة

لمؤلّفها الراحل حسن مطلك

بقلم الناقد العراقي إسماعيل آلرجب

إنّ القراءة المتأملة والواعية لهذا النص الروائي وهو من أعقد النصوص الروائية في الأدب العربي المعاصر، رواية "دابادا" للمبدع العراقي الراحل حسن مطلك لابد أن تلامس الجوهر الفلسفي والبنيوي للرواية، وسأقوم هنا بتقديم تحليل يغوص في تفاصيل هذا العمل السريالي الفريد:

1 ـ دلالة العنوان (تفكيك الشفرة اللغوية والسلطة)

إن لفظة "دابادا" لا تنتمي إلى المعجم اللغوي العربي المستقر، وهي اختيار واعي من حسن مطلك لكسر "منطقية اللغة" المقيدة.

أ. بين الطفولة والخرس الاضطراري: أنها دمج بين (بابا) و(دادا) وهو تفسير منطقي شديد العمق؛ فالطفل في بداية نطقه يفكك العالم إلى أصوات أولية، وحين تعجز اللغة البالغة والمكتملة عن التعبير عن وطأة القمع والتعسف السلطوي، يعود الإنسان إلى "النداء البدائي".

ب. التورية والإشارة: عندما تصبح الحقيقة تهمة تؤدي إلى الموت، يصبح "الخرس" أو التلعثم وسيلة دفاعية. "دابادا" هنا ليست مجرد غياب للمعنى، بل هي "فائض في المعنى"، صرخة احتجاجية ضد واقع لا يمكن التعبير عنه بالكلمات التقليدية، هي إشارة الأخرس التي تختزل ألماً وعجزاً عن مواجهة السلطة (سواء كانت سلطة سياسية، اجتماعية، أو حتى سلطة الموت والوجود).

2 ـ شخصيات الرواية :

إنّ الشخصيات (شاهين، هاجر، عواد، عزيزة، مسعود، والحيوانات كالحمار قندس والكلب شراد) هي "شخصيات عائمة". وهذا الوصف ينسجم مع تشظّي الواقع :

أ. تلاشي الحدود بين الإنسان والحيوان: حسن مطلك في "دابادا" لا يتعامل مع الشخصية الروائية بالمنظور الكلاسيكي (نمو وتطور وحبكة خطية). الشخصيات هنا تتحرك في فضاء سريالي وكابوسي. الكلب "شرار" والحمار "قندس" ليسا مجرد ديكور بيئي، بل هما مرآة واضحة لمصير الإنسان في تلك القرية؛ فالإنسان أُفرغ من إنسانيته والحيوان أُثقل بالهمّ الوجودي.

ب. العوم والتناثر: الشخصيات تظهر وتختفي لأنها تعيش حالة من "الاغتراب والتشظي". "شاهين" ليس بطلاً بالمعنى التقليدي، بل هو مركز لوعي مأزوم ومحاصر ببيئة طاردة. غياب التأثير المباشر لبعض الشخصيات يعكس العبثية؛ حيث يفقد الفرد قدرته على التغيير ويتحول إلى مجرد كائن عابر في فضاء كئيب وممتد.

3 ـ الشظايا السردية وروتين الحياة المكرر

أنّ متن الرواية عبارة عن "تجميع لشظايا سردية" يلامس البنية الفنية للعمل (البنية الفسيفسائية أو التجميعية):

أ. زمن دائري قاتل: الرواية ترفض السرد المتسلسل (بداية، عقدة، نهاية) لصالح الأيام المكررة والتشابه الحركي. هذا التكرار هو تجسيد لـ "عقوبة سيزيف"، حيث تستيقظ الكائنات لتعيد إنتاج نفس الألم اليومي.

ب. شظايا الواقع الكئيب: السرد يتشظى لأن الواقع نفسه متشظٍّ وغير مترابط. حسن مطلك ينقل لنا واقع القرية العراقية (أو الإنسان عموماً) ليس كحكاية ممتعة، بل كـ "صدمات بصرية ونفسية متلاحقة"، مما يجعل القارئ يعيش حالة من الاختناق والترقب المستمر.

4 ـ لوعة السارد، التهكم والاشمئزاز (السخرية السوداء)

تلك اللوعة هي المحرك الأساسي للنص. السارد في "دابادا" لا يقف محايداً:

أ. السخرية كآلية دفاعية: عندما تبلغ المأساة ذروتها، تتحول إلى كوميديا سوداء أو تهكم مرير. السارد يتهكم من محيطه ومن الفضاءات الضيقة والموحشة لأنه يرى زيف القيَم المحيطة به، ويرى كيف يتآكل الإنسان ببطء.

ب. الاشمئزاز الوجودي: هذا الاشمئزاز يذكرنا بأدبيات الفلسفة الوجودية (مثل "الغثيان" لجان بول سارتر). إنه اشمئزاز من روتين بيولوجي عاري من المعنى، ومن مجتمع يعيد إنتاج تخلفه وقهر ذاته بذاته تحت وطأة القوى المهيمنة.

5 ـ الشاعرية والمشهدية البصرية المبهِرة

رغم الكآبة والاشمئزاز والتشظي، تمتاز الرواية بلغة شعرية شاهقة الارتفاع، ونختار هنا مقطعا هو من عشرات المقاطع لتوضيح هذه المفارقة الجميلة: "أبصر الشمس جالسة على أغصان شجرة التوت والعصافير تستحم بالضوء".

أ. الهروب نحو الطبيعة: في ظل قسوة العلاقات البشرية وجفاف الواقع، يلوذ السارد بـ "أنسنة الطبيعة". يجعل الشمس تجلس، والعصافير تستحم بالضوء، في محاولة لخلق واحة من الجمال وسط صحراء القبح المحيطة.

ب. التضاد الفني: استخدام هذه الصور الفنية المبهرة يضاعف من إحساس القارئ بالفجيعة؛ فالعالم في أصله جميل وشاعري وممتلئ بالضوء، لكن الفعل الإنساني والسلطوي هو ما يحيله إلى كابوس مظلم ومكرر.

الرأي النقدي:

إن رواية "دابادا" هي وثيقة إدانة جمالية وفلسفية متقدمة جداً على عصرها (نُشرت طبعتها الأولى عام 1988). وأنّ نص الرواية يتميّز بالعبقرية ويرفض السائد، يتلعثم باللغة (دابادا) لكي يقول الحقيقة كاملة، ويستخدم التشظي والتهكم والصورة الشاعرية المبتكرة ليعبر عن أزمة كائن يعيش في عالم محكوم بالآلية والتعسف.

وأنّ قراءتي النقدية هذه متواضعة في تحليل بنيوية الرواية وتفكيك الخطاب الروائي العراقي والعربي الحديث فيها فالرواية حقا تثير الاهتمام .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*إسماعيل آلرجب: كاتب وناقد عراقي، المشرف على نادي القصة القصيرة العراقي والرابطة الأدبية. من أعماله: عازف الأرق، وادي الجن، ظلال القلق، العنتورية.

*نشرت بتاريخ 19/5/2026م

https://www.facebook.com/photo/?fbid=2781777238848042&set=gm.1763458951701911&idorvanity=304358330945321&locale=es_ES

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تعليق الكاتب طاهر عدنان عصفور:

لذلك بقي حسن مطلك وحيدًا كأثرِ حريقٍ قديم لا تستطيع الأمطار محوه؛ لأن بعض الكتّاب يكتبون الكتب، أما هو فكان يكتب روحه مباشرةً على جدار العالم، ولهذا تبدو نصوصه حتى اليوم كأنها خارجة من فم الأرض نفسها، متعبة، جائعة، ومغطاة بغبار الموت، ولذلك أيضًا... لا أحد يشبه حسن مطلك.

ليست هناك تعليقات: