27‏/09‏/2009

قراءة / أسامة عطية حسن

توظيف الرسم وتأشير التكرار

في (دابادا) حسن مطلك

صورة: حسن مطلك وهو يرسم، في حقول قريته / مطلع الثمانينات


أسامة عطية حسن

.. لا يخفى على أحد أن هوس العرب بالشعر والنثر أكبر بكثير إذا ما قورن بالرسم، فالعرب، على العموم، يميلون إلى الفن السماعي أكثر من الفن الصوري، وربما يعود ذلك إلى طبيعة نشأتهم وحياتهم، ولأن الفن غالباً ما يعبر عن البيئة والموروث الشعبي، ولأن العرب في الماضي امتهنوا الرعي والتجارة وهم في تنقل دائم معتمدين على وسيلة النقل المتاحة آنذاك، وهي الإبل والخيل فهم لذلك يحتاجون إلى نداءات خاصة وأشعار وأغان يعبرون بها عن حالهم ويملأون بها مسافاتهم، لذا نجد أن موروثنا من الفن السماعي هائلاً على عكس ما هو عليه الحال فيما يتعلق بالفن المنظور، إضافة إلى موقف الإسلام من التصوير والتماثيل باعتبارها وثنية، وربما أن هذا يفسر أيضاً عدم قناعتنا أو قصور فهمنا للوحة التشكيلية، بينما نجد متعة فائقة في قراءة وتذوق الشعر أو مقطع من نص خطابة قديمة.
بهذه المقدمة أحاول أن أشير إلى أن المبدع الراحل حسن مطلك وبحكم ولعه الشديد بالرسم حاول، في روايته (دابادا) أن يقدم لنا شيئاً من الرسم.. شيئاً ما يمكن أن نستسيغه، فحول، بطريقة بارعة، لوحات جميلة إلى وصف شعري ونثري، أي رسم بالكلمات، بشكل متناسق.. وكأنه يقول لنا: إنني أقدمها لكم هكذا.. فبماذا ستعتذرون عن عدم فهمها؟!.. إذاً فالتقصير قد يكمن في طبيعة تلقيكم وليس في الفن أو فيّ أنا الفنان.
كما أنه وضع جزءً كبيراً من شخصيته وقصته في تعلم الرسم وجسد ذلك في شخصية عواد الذي سافر إلى بغداد لعرض لوحاته طالباً للشهرة.
تقفز الآن إلى ذاكرتي حكاية قديمة سمعتها من الراحل حسن مطلك نفسه، وفحواها أنه قد حاول الدخول إلى أكاديمية الفنون الجميلة لدراسة الفن، إلا أن والده منعه من ذلك لأنه كان رجل دين معروفاً، ويعتبر أن الرسم حرام، والمعروف أن (الملا مطلك) والد حسن، كان شديد التعصب للإسلام.
وبهذه الشخصية، أقصد عواد، حاول المؤلف إيجاد فردوسه المفقود، على الأقل لإشباع الرغبة، هذا إن لم يكن ذلك درساً شاقاً لنا!!.
هناك بعض الأدلة في الرواية تثبت أو تشير بطريقة ما إلى هذه الحكاية، ومن ضمن هذه الأدلة: في ص43:" يقول عواد: اسمح لي بإعطائك سيجارة. المشاكل التي تعرفها مع الوالد لم تنته، لكنها تخمد تحت خدعة التجمع ثم الانفجار في أوقات متباعدة". وفي ص41:" لأنها ستُحطَّم من قبل الرجل التقي على اعتبار أنها أصنام".. ويقصد تماثيل الحمير المصنوعة من الطين.
في ص51 تقول عزيزة التي كان يرسمها في مرسمه:" ولكنني متأكدة بأنها لن تشبهني.. إيه.. العم هنا؟. ويقول: في الجامع كعادته". ثم في نهاية ص56 يقول:" كفى كفى.. آه تعبت، سنكمل غداً فقد اقترب موعد مجيء الوالد.. وأنتِ تعرفين الباقي".
المهم من ذلك كله أنه قد استطاع توظيف قضيته، المتعلقة بالرسم، بشكل جيد واستطاع، كذلك، توضيح وجهة نظره في الحياة على لسان عواد الذي تخلل صفحات الرواية، ونجده حاضراً كما في الصفحات التالية: 39، 40، 42، 43، 44، 45، 46، 47، 48، 49، 50، 51، 52، 53، 56، 78، 79، 80، 81، 89، 90، 114، 115، 138، 177 كذلك يمكن أن نجده بين السطور حاضراً، حقاً كرسام.. ولو تصفحت رواية دابادا لوجدت بأنها معرض رائع للوحات وتحف فنية نادرة مصفوفة بتناسق واضح وباهر.. أو أنها، الرواية، بمجملها لوحة متكاملة لأجزاء صغيرة متكاملة أيضاً.. تقنية من هذا النوع تحيلنا بشبهها إلى حد ما لعمل الفنان جواد سليم (نصب الحرية) أي المشهد البانورامي للحكايات/ الحكاية العراقية. وحين تجول بين أوراقها ستجد بأنك وسط زحام شديد من التحف والنقوش والمنحوتات واللوحات الفنية التي تم تصويرها بشكل سماعي عبر الكلمات.
وفي رأيي أيضاً أن الغلاف جزء لا ينفصل عن الرواية فهو بحد ذاته تحد عظيم وهو الشاغل الكبير والغريب، بعد العنوان، لكثير ممن وقعت بين أيديهم نسخة من دابادا. وهو لوحة للفنانة (حياة) من المغرب، مزيج من اللونين الأخضر والأصفر، تم اختيارها، من قبل حسن نفسه، بشكل دقيق لتضيف شيئاً ما إلى الفلسفة الموجودة بين كلمات الرواية، وإني أراها هاوية عميقة.. هوّة بعيدة لقرار رمال متحركة، هاوية برخاوة المفاجأة، زلقة لدرجة تجذب إلى قرارها الكثيرين ممن لا يجيدون الرقي عنها، وإني أراها كثيراً في صفحات الرواية خصوصاً تلك اللوحات التي تصف " توحل الحظ " للبوة تسقط داخل هاوية..
تماماً مثل توحلنا في التكرار والروتين، هذه اللوحات تكررت في الصفحات التالية: 65، 84، 91، 110، 112، 134 وأنا لا أعتقد بأن مثل هذا التكرار وجد بهذه الكثافة دون هدف، وأعتقد بأن هذا الهدف هو إعلامنا بلا ستعداد للمفاجأة قبل وقوعها كي لا تنزلق أقدامنا بسهولة.. يجب أن نعتاد على عنصر المفاجأة ويجب أن نبتعد عن حالة الروتين والتكرار التي تسود مجتمعاتنا فكأن المؤلف أراد أن ينبهنا إلى تلك الهاوية التي نسير إليها بخط مستقيم، حاول أن يوجه لنا " صرخة في الفراغ " كما يقول، أو ربما رفسة، ومن لم ينتبه لذلك فليسقط فيها وليستسلم "لبكتريا التفسخ".
إن تأشير وانتقاد حالة التكرار ظهر واضحاً كما في الجمل والعبارات التالية:
ـ "كل خريف تتجدد ذكرى ضياع الأب في البراري بسبب أرنب مبقع".
ـ "مرة بعد أخرى يعيد إلى وجهه المضاء بالحزن النشيد المتقن الحفظ".
ـ "وتنفجر فجأة حين ترى بأنها عاجزة عن إيقاف حركات البندول".
ـ " كل ذلك بسبب شخص معين، بسبب مجموعة أخطاء لمجموعة أشخاص يتكرر وجودهم".
ـ " ضحك، ضحك، ضحك".
هذه المشاهد وغيرها تشير إلى انتقاد حالة التكرار الموجودة في مجتمعنا والتي تتكرر حتى على مدى الأجيال، فحتى في الأمثال نقول: "ابن البط عوام". وهناك استغراب واستهجان كبيرين عندما شاهد الناس شاهيناً، وهو ابن الصياد الصعب، يكبر بهذه الطريقة ولا يسير على خطى والده.. أو أن نجد حسن مطلك فناناً فيما والده رجل دين.. كأن ذلك لا يعقل أبداً!!.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*أسامة عطية حسن: كاتب عراقي، من أبناء قرية حسن مطلك.

هذه اللوحة من رسوم حسن مطلك

كلمة / خضير ميري


حسن مطلك في عين شمس

خضير ميري

مرة ثانية أستذكر القاص والروائي الراحل الصديق حسن مطلك وذلك بمناسبة إعادة طبعات كتبه القليلة خارج العراق، طبعاً ذلك العراق الذي عاش فيه مطلك وناضل من أجله ودفع حياته ثمناً من أجل المساهمة في تغييره وتحسين الحياة فيه. مناسبة الكتابة عنه هذه المرة هي وقوعي على طبعة جديدة لروايته المعروفة (دابادا) وذلك حين كنت أتمشى قليلاً لأرى بعض ملامح مدينة (عين شمس) على مسافة من مدينة القاهرة، وعندما كنت أتطلع من خلال نظارتي الطبية، شاهدت كتباً مفروشة على الرصيف ورحت أحدق فيها فإذا بي أعثر على نسخة وحيدة من رواية المطلك (دابادا) تلك الرواية التي شهدت مولدها واستمعت إليه وهو يقرأ فصولها الأولى عليّ ويطلق ضحكة عالية واثقاً من نفسه وعازماً على الذهاب لإنجاز (دابادا) التي شهدت النور من المبلغ الشخصي للمؤلف ولم تهتم بها الأوساط الأدبية العراقية خوفاً من مصير مؤلفها الذي حصل على مكافأة الإعدام الرسمي وهي أبسط أنواع المكافآت السارية المفعول في زمن الطاغية.
بالطبع لم يكن يخطر في بالنا، أنا وحسن مطلك، أن نرى روايته منتشرة أبعد من بغداد أو الشرقاط الموطن الأم للروائي، كما لم يخطر في بالي أنا المتسكع التاريخي أن أعثر على نسخة من هذه الرواية الحبيبة.. وأين؟ في إحدى شوارع عين شمس. لقد شعرت بغصة في صدري هي مزيج من الفرح المنفرد والحزن المزمن، شعور بالنجاح الذي قطعه حسن مطلك في الوصول إلى مناطق أبعد مما وصلت غليه قدماه، وهو اليوم مطروح أمامنا في عملين مهمين هما (دابادا) و(قوة الضحك في أورا) ذلك الضحك الذي صيره مغامراً كبيراً ذات وطن استطاع أن يقطعه مطلك سريعاً وأن يموت فيه بضربة معلم.
الموت الذي لم يغيبه عنا ولم يُنسنا إياه إنساناً كبيراً ومبدعاً مهماً مازالت أسطورته الخاصة تعيش بيننا ساخرة من خوفنا الرعديد من اتخاذ مواقف أكبر من الموت وأعلى من أعواد المشانق. لقد ذهب حسن مطلك سعياً إلى الجانب الآخر من الحرية دون أن يلتفت إلى الوراء إلا ليكتب (دابادا) ورواية أخرى وبعض القصص القصيرة والنصوص النثرية، وهذا يكفي لاستراحة المحارب ولتلقين الرواية العربية درساً جديداً في المسرود المقسوم على اثنين؛ أحدهما مات بقوته الذاتية والآخر مازال يحيا بقوة القراءة وحدها وتواصلها التاريخي الذي لا شك فيه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*خضير ميري: كاتب عراقي يقيم في مصر.
*نشرت في صحيفة (الصباح) العدد 931 بتاريخ 10/9/2006 بغداد.


كلمة / علي ريسان


إلى الشرفاء في الوطن


إلى متى يستمر نزيف النسيان..؟


(لـ.. لوركا العراق الشهيد حسن مطلك ورفاقه)


علي ريسان


نلتقي دائماً دون موعد مسّبق في مدينتا الجديدة مالمو\ السويد انه ابن عم القاص الشهيد الشفيف حسن مطلك كاتب روايته الشهيرة والمثيرة ( دابادا) والتي شكلت حدثاً هاماً في الأدب العراقي لما تميزت به من مستويات السرد واللغة والموضوع منذ صدورها عام 1988. حديث تركنا مدينتا كركوك عونةً بسبب رعونة وهمجية النظام، وشاءت الصدف أن نلتقي بعد رجوعه من قريته البطلة( سديرة) بعد أن سافر وعائلته لتفقد وزيارة الأهل وقبور الأحبة الذين أعدمهم النظام في ليل أصم أذنيه العالم عن سماع أصوات الحق وهي تئن وتصمت تحت وابل الرصاص. سألته عن عائلة القاص الراحل نحو القلب ورفاقه وهل استذكروهم بالمحبة والوفاء لعطائهم الغالي، مسؤولي العراق أم لا، سيما وان كل شهيد ترك ورائه أسرة بغير معين ولا....؟ قال لا. قلت: كيف!!؟ أيعقل أن ينسى أهل العراق وشرفاء نينوى لوركاهم الجديد حسن مطلك ورفاقه(( أبطال قرية سديرة))؟ وانا انبه كل غافل عن الحقيقة من المسؤولين إذا نسى أو تناسى في الوطن هؤلاء الأبطال. فاقرأ السلام إذاً على فقراء الوطن والمعدمين. أرسل ندائي هذا من قلب مهاجر أجبرته السلطة التافه على ترك اجمل وطن عشعش في القلب إلى يوم انقطاع الشهيق.... الهي أيعقل أن يُنسى حسن مطلك ورفاقه.
للأمانة علمت انهم في الشرقاط. رفعوا اسم حسن مطلك على مركز الشرطة!!!!
فقط .... ونسوا ابنتيه.. زهرتي قلبه وعائلته!!!!! .
أتمنى أن يصل هذا المقال إلى كل ضمير حي في الوطن,,,, مع فائق النزيف والذكرى.
--------------------------------------------------------------
*سديرة: قرية في شمال العراق..أعدم النظام الفاشي يوم 18-22\7\1990 خيرة أبنائها البررة الأبطال منهم على سبيل القاص المبدع حسن مطلك، أحمد غربي حسن، جمال شعلان أحمد، صالح جاسم محمد، سطم غنام مجذاب وآخرون لتنفيذهم عملية انقلاب على النظام كُشفت خيوطها قبل سويعات من التنفيذ، وكاتب المقال مع مجموعة من أدباء وفنانين كركوك كنا نعلم عن تباشير هذه العملية، راجع عدد (ألواح) الخاص عن لوركا العراق الصادر عن دار ألواح مدريد/ إسبانيا العدد11-2001 شهادة أبو فادي صفحة 90.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في موقعي (البيت العراقي) و (عراقييون)، في تموز 2004م.
*علي ريسان: فنان مسرحي وشاعر عراقي مقيم في السويد منذ عام 1999. alireysan@hotmail.com

كلمة في ذكرى حسن مطلك / علي عبدالله

تذكير بذكرى
حسن مطلك


علي عبدالله


في هذه الأيام وتحديداً في يوم 18 تموز تصادف الذكرى الرابعة عشر لاستشهاد الروائي العراقي حسن مطلك الذي أُعدم شنقاً في 18/7/1990 لاشتراكه بمحاولة انقلابية ضد الدكتاتور، وبهذه المناسبة أدعو الأخوة من المثقفين والكتاب استذكاره ولو بكلمات قليلة لأن المؤسسات الحالية مشغولة بتحزباتها وشلليتها فمثلما يحاول زيباري أن يعين أكبر عدد ممكن من الأكراد في وزارته كذلك الجزائري يوظف ويقيم الاحتفائيات بأعضاء حزبه، ونأمل أن لا يستمر الحال على هذا النحو إلى أن يتحول تقليداً وإنما ليحرص المثقفين على تأسيس تقاليد أخرى وبالاستفادة من تجارب الشعوب التي تحتفي برموزها مرتين: في ذكرى ولادتهم وأخرى في ذكرى موتهم. وكما نعلم أن الشعوب تعرف بمبدعيها لا بعسكرييها مثلاً. والاحتفاء بذكرى ضحايا ثقافتنا العراقية أمثال: حسن مطلك، حاكم حسين، ضرغام هاشم، الدكتورة حياة شرارة وعزيز السيد جاسم وغيرهم، ستكون له معاني كثيرة منها أننا بذلك نرد على الذين يصمون المثقفين العراقيين بالتواطؤ مع النظام الساقط أو الهروب من مواجهته فنقول لهم بأننا قدمنا ضحايانا بالدم أيضاً حين كان الطاغية في أوج سطوته، كما أننا نترك بذلك رموزاً لأجيالنا الجديدة كقدوة لمواجهة الظلم والطغيان، ونؤسس لتقاليد تجل من شأن المبدعين في ثقافتنا..
وبهذه المناسبة أود الإشادة بالصفحة الثقافية في جريدة (المدى) التي خصصت عن حسن مطلك إحدى صفحاتها قبل أسابيع، وكذلك بمجلة (ألواح) التي خصصت عنه عدداً، وهي فرصة ـ لمن لا يعرف حسن مطلك ـ وللمزيد من التعرف عليه كأديب وكشهيد الدخول إلى موقع مجلة ألواح ww.alwah.com حيث نجد عنه مواد تعرف به بشكل أفضل (ومنها استقيت أنا بعض التفاصيل عنه). وآمل أن تحذوا بقية صفحاتنا الثقافية حذو(المدى) التي سعت للتخصيص ـ بين الحين والآخر ـ صفحات كاملة عن بعض رموز ثقافتنا.
وعلى أمل أو احتمال أن يصل هذا النداء إلى المسؤولين في وزارة الثقافة وفي اتحاد الأدباء وبقية المؤسسات والتجمعات الثقافية، أقول لعلهم يفعلون شيئاً لذكرى رموز ثقافتنا كإقامة ندوات عنهم أو طباعة أعمال لهم أو تسمية أماكن أو مكتبات وغيرها بأسمائهم، وأعترف أن الذي دعاني للتنبيه لهذا الأمر الصرخة التي أطلقها الفنان المسرحي علي ريسان في موقع (عراقيون) متسائلاً عما حل ببنات وعائلة حسن مطلك والمعدومين من أمثاله..
وكنت شخصياً قد رأيت حسن مطلك في منتصف الثمانينات لمرة واحدة ولكنه بعد صدور روايته (دابادا) ومن ثم إعدامه صار موضوعاً للهمس الخاص بين المثقفين باعتباره يمثل ظاهرة متميزة في ثقافتنا وكان بعض الأصدقاء يشيرون له باعتباره (لوركا العراقي) كونه ضحية للدكتاتور ومقتله شاباً إضافة إلى المحاذرة بالتصريح المباشر باسمه عند الحديث عنه آنذاك.
وفي الختام أود القول أنه ليحز في نفسي أن يستمر الصمت والتناسي لحسن مطلك وأمثاله وهم الذين عانوا من ذلك طوال الأعوام الفائتة، وآن أن نُخرج أسمائهم من هذا النسيان، والتعلية من شأنهم هو تعلية لثقافتنا أيضاً. وأذكر بأن وزارة الثقافة المصرية قد أعادت طبع روايته (دابادا) قبل سنوات.. إذاً أما آن الأوان لأن تهتم بأعماله وزارة الثقافة العراقية؟؟.. أليس كذلك؟؟.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*عن موقع (كتابات) بتاريخ 15/7/2004م.

26‏/09‏/2009

عرض لـ(كتاب الحب) / في: جسد الثقافة

كتاب الحب

ـ ظلالهن على الأرض ـ

مذكرات حرة لحسن مطلك


صادر عن الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت 2009 في 125ص

بقلم: زهرة نهرية

يحتوي الكتاب تجربتا حب رئيسيتين خاضهما الكاتب وأثرت في حياته وفي نتاجه الكتابي، وينقسم الكتاب إلى قسمين الأول تحت عنوان ظل الباشق على الأرض وهو الجزء الذي تحدث فيه عن تجربة الحب الفاشلة لزميلة له في الدراسة تسمى بميسلون والتي استمد من علاقته بها شخصياته وأبرزهن (عزيزة) في روايته ( دابادا) وكان مطلك يكتب عنها تحت رمز ( م ) والقسم الثاني يحمل عنوان ظل القمر على الأرض وقد كتب فيه عن تجربة حبه الثانية والتي كانت لهدى المعلمة التي عمل معها في إحدى المدارس في قرية صغيرة تعرف بـ (الزرارية).الملاحظ على (ظل الباشق..) والموجه إلى الحبيبة الأولى لغة بالغة الحزن ربما لأن تلك التجربة لم يكتب لها النجاح فقد تزوجت ميسلون صديقه الحميم ثابت بعد فشل تلك العلاقة والباشق كما يقول مقدم الكتاب؛ يشير إلى التحويم ومحاولة الإنقضاض ويبدو أن ذلك إشارة واضحة إلى عدم استقرار تلك العلاقة والتي أثرت في حسن مطلك وكان لها أثراً في كتاباته. أما (ظل القمر..) فهو مرحلة السلام والطمأنينة، رسائل بالغة الرقة والحنان، تلك التي كتبت لهدى إنها نهر من الإنتظار والشوق واللهفة والغيرة، عذوبة خالصة في الوصف وبأرق الألفاظ كتب مطلك يصف الحبيبة:
" كنتُ أندهش في كل لحظة تسقط عيناكِ عليّ".
"إنها ترتاح لأنني اريد لها أن ترتاح
لا تفسير لهذه الحالة "
"أسمع القلب يعصر نفسه
.. أسمعه يقفز إلى الجانب الأيمن ..
يهرب إليها والكلام لا يكفي
لأنك ِ فوق كل ما يقال،
بيضاء كالطحين ،
بيضاء كالسماء القائضة وقت الظهيرة،
بيضاء كحبات اللؤلؤ، بيضاء كأسنان الطفل،
بيضاء كضوء العينين لحظة الشوق..
تكونين ذهبية أحيانا ً،
ليس بلون الذهب،
تكونين برتقالية أحيانا ،
ليس بلون البرتقال
.. تكونين لونا لا أعرفه،
(بنزرقي!) أو حشيشي !
بلون التسلل إلى الضفة المقابلة ليلاً،
.. بلون الجنّة.
مشتهاة كالصحراء للبرق
للبرق البرق البرق..
لا أدري.. أتمنى لو أموت في لحظة القبلة
أو في لحظة العناق
إنه جزء صغير من إعترافي".
هذه الأنثى التي عرفها حسن مطلك قلبت موازيين الكثير من الأمور في حياته، يكفي أنه كتب لها:
"سأكون أفضل لأنك ِ حبيبتي،
سأحارب كل الناس لأجلك ،
سأكون جميلاً ومهذباً لأنك حبيبتي،
إنكِ تمنحيني الحياة كما يمنح الثقب للعصفور فكرة بناء العش".


الله!

لم يكن مطلك يعرف حالة وسطية في علاقته مع المحبوبة فهو يعترف أنه يتحول إلى مجنون في الحب، ولا أظن أن أي رجل الآن لديه جرأة بمثل هذه الإعترافات، الإعتراف بجنون الحب، هذا الجنون اللذيذ إن كان كجنون مطلك بهدى، تلك المرأة التي كتب لها أنه كان يعتقد أنه ميت المشاعر لكنه الآن يرتجف وقت اللقاء ويرتجف حين يكتب لها ويقول: أنا الرجل أبكي الآن.
كما أن تلك الأنثى جعلته يبرز رأيه المناصر للمرأة ويكفي أنه قال بأنه: يشعر بالذنب لكل خطايا الرجال ضد المرأة على مدار التاريخ الإنساني. (أنا مذنب لأنني رجل) موقف تتضح فيه عظمة هذا الإنسان وهذا التجلي لا شك لم يكن فقط صنعة الحب ولكن لأن مطلك كان متفرداً، كان شخصاً متميزاً مختلفاً وكان هو نفسه يشعر بأنه كذلك منذ طفولته، وأنا كقارئة شعرت بذلك بعد قراءتي لهذا الكتاب
يحتوي الكتاب أيضاً على بعض رسائل هدى لمطلك، وهي رسائلها التي كتبتها بعد أن انتقلت إلى مكان آخر، أسلوبها طفولي نوعا ما، ويبدو أن في هذه الفترة قد بهتت تلك العلاقة بسبب وقوف الكثيرين ضدها، كما يحتوي الكتاب (قصة عادية) وهي رسالة كتبها مطلك إلى أحد أصدقاءه يغلب عليها طابع الحدة ويشرح فيها الضغوط التي يواجهها بسبب علاقته مع هدى.
الكتاب مفعم بكلمات الحب للكتابة، للأدب وللأنثى التي أحبها. ولا يمكنك أن تخرج منه إلا باحترام شديد لهذا الكاتب الذي لم يمهله القدر طويلاً فقُتل بقرار من الرئيس السابق صدام حسين وهو لم يكمل التاسعة والعشرين من العمر على إثر محاول إنقلابية قام بها هو ومجموعة من الضباط، فتم إعدامه عام 1990 .
------------------------------------
*نشر في موقع (جسد الثقافة) بتاريخ 6/9/2009م.

نص على نص/ هلال حمود هايس

نص

. . من وحي الصفحة الأولى في دابادا

نداءات تموزية
الصفحة الأولى من (دابادا) الطبعة الأولى 1988م

هلال حمود هايس

مكان ما، أو قرى تقطنها الأوجاع، مصدر لأصوات طائر القطا، في تموز.. أربكت كل من نما في حقولها حيث الغدير المكتظ بالشوك وعروقه، ينصت لصدى كلمات رنت في عقله والروح.. كلمات من رواية دابادا: "قامت هاجر ثم اتجهت إلى المطبخ المنفرد لكي توقد ما تبقى من أحطابها وتعد أصباغاً من عروق الشوك لقربة اللبن".ص1 .. جوار هذا الغدبر لبدت القنافذ والسحالي قرب أعشاش تتوسطها بيضتان أو أكثر لطائر البرية، طائر القطا، فعرف أن مهنة الرعي أمر لا بديل عنه لكل من عاش هنا ولا بديل عن حمار نجا أكثر من مرة من حقول الألغام، وفراشات استعدت كي تكون فرائسً لمجموعة من طيور البرية.. هذه قرانا، السائح فيها ستقذفه الرغبة نحو جنى فطر (الكمأ). وقبل تموز أو في الخريف الحال الذي جعل أشجار (حسن مطلك) تجاهد فيقول: ".. بحلول الخريف حيث تجاهد الأشجار للتخلص من أوراقها الميتة".ص1 ولتأجج الشعور الإيحائي من حطام الجسد المبعثر، هناك وفي مكان ما من أنين القرية وعبر ما تلبدت فيها من روائح وسمك وأردية كبار السن والجسد، وفى مكمن ما، في بقعة الأرض التي أمست وطن لطائر القرية الجميل، حيث من السهل للمرء أن يميز بين ذكره وأنثاه عبر همس أو لمس أو هفهفة ألوان ريشه الفاتن.. فخصوصية اللغة هنا تدهش الضيف السائح في رجل القرية أو رجل الأنثى.. فالقرية هي الأنوثة الممزوجة بساعات العزلة في حين لا جديد بظل تلك الأوجاع.. إن ما يجعله يضيف أو يحذف عندما تتقاتل الأفنية بعضل لا يلين وعبر الصمت الموروث من شيخ دابادا لزوبعة ما، خلف شيء ما، أنساه ميلاده واسمه. وعند حافة ذاك الغدير آنسته الأشواك ليرحل بعيداً دون دراية بتموزه الأخير. وأمام نسيج من ألياف قدر لها أن تكون حبلاً.. آه أي حبل هذا..!.. تباً له، لقد فقد وظيفته ومعناه ليخنقنا ويخنق (قرانا) الممتدة جوار جبل مكحول وعشيقته دجلة، وليكون هذا الفيصل بين اللوح والفرشاة وبين الكتاب وقارئه وبين النسل وسلفه.. لترتل صرخاتنا وبأفواه أنتنها الصمت والخوف والحرقة.. تحد.. الآن تصورت مدى الغباء الحاكم على عقول من قتلونا آلاف المرات وفي كل يوم.. دارت رحى خطاي بأطراف ووسط المكان، بعد أن أعاد كتابة النص الهادي وبالرتابة التي تنم عن مدى الحب لانتماء ما، وبالعزلة التي أَحبها بعد أن ورثها من شيخه.. لتتمخض عنها عبارات لها وقع في النفس من الوهلة الأولى.. ولتجرفه عبارات (حسن مطلك).. دابادا هي.."هي الرفسة.. هي الصرخة.. هي القصيدة الغليظة المشحونة و.. هي التمرين الشاق لتعلم الخطأ.. وهي..".. كل شيء تقريباً.. ليغب نور العيون الرائعة وبتموزه وبحر آب وأيلول ووو.. لماذا؟؟ تباً لجدران ذاك السجن.. أيمكننا أن نتصور بأنه قد رحل إلى الأبد؟!؟.. ودون عودة لقلمه وفنه وبناته وإخوته ووطنه.. أم سيمكث جسده الطاهر في لب أرض أجداده.. آشور وسنحاريب.. وو.. فكما علمتنا سنخلص وسنبدع.. أين أنت لتملأ فراغنا الأدبي وتهزم كسلنا.. تعال كلمة على السنة البراءة والورود والنوارس والغزلان تعال يا (حسن مطلك) إلى (سديرة) وفي أحد نهارات الربيع الذي هرب من حر تموز مثلما هاجر طائر القطا وصغاره.. تعال لتملأ فجوة أذهلت أيامنا التي طالما حنت لطائر القطا والغدير الذي ملأت أعشاشه الأشواك.. تعال لتزدهي حقول القمح.. تعال فإن ألق الفجر وابتلال شعر المولود الجديد وطائر البرية كلها تنعاك وتنادى..(حسن.. حسن..آه يا حسن مطلك).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*هلال حمود هايس: كاتب وبيولوجي عراقي، من أبناء قرية حسن مطلك.

إهداء إلى حسن مطلك / عبدالهادي سعدون

قصة

الـعـاصـــور


عبدالهادي سعدون

.. إلى حسن مطلك.



" إني رأيتني أعصر خمراً "
القرآن الكريم

خرجت من كؤوس (جبار أبو الشربت) عند حافة دجلة، بعصير رمانه، لأصل عند الفندق وسط مدريد،لا لشيء سوى أن أعصر البرتقال كل ليلة قبل عودتي إلى غرفتي.
غرفة في بيت في بناية تجاور بنايات قديمة لا تشبه شيئاً من إرث قواد حملة النصارى البعيدة التي أطاحت بعمامات أبناء محمد الأول بانيها، فأزاحوا لها حاجبيها الداكنين و رموش بواباتها الطويلة النافرة و وضعوا فوق حيطان بناياتها، أعلى البوابات الخشبية السميكة، علامات من التشينكو تذكر بأعوام بنائها، واهتدى بعضهم ليضيف لها جملة سحرية:" البناية مؤمنة ضد الحريق".. ولم أر واحدة منها تحترق، فهي قائمة بمساعدة دعامات خشب منقع بإسفنيك مضاد للأرضة ـ الأرضة نفسها منذ قرون عمامة محمد الأول ـ وحتماً بفضل ثرثرات العجائز و قرع طبول الهتافات وهي تلتف حول خصرها ممهدة لإدامة عمرها.
هي مع كل شيء سوى أن تسقط.
الذي سقط هو أنا، فجئت كمن ينتقل من قفة عصير الرمان إلى قفة كبيرة (لا علاقة لها بمجرى نهر ولا شق بحر) لا أول ولا آخر لها وبقربي عصارة من الحديد اللامع وصناديق من البرتقال. فالشرابات الوردية التي تركت آخر ليلة قرب أبي نواس مع السكارى والزائرات الليليات وسيارات التويوتا المارقة قرب أسيجة النظر من الثقوب إلى الأضواء الغاطسة في دجلة، قد عادت لي برتقالية ـ أعني الفاكهة واللون ـ مثلوجة و منتفخة بسماداتها. يرميها بقربي بيدرو أو بيدرو أو بيدرو آخر بهيئة صناديق بلاستيكية، نعدها "..اثنان..أربعة حتى ثلاثة عشر .. " وأبتدئ الدعك.لأنه عملي ولا شيء غيره منذ أن خرجت من كؤوس الشراب الوردي.
أخرج أولا أخرج فالبرتقالات تناديني.ثم أن ليس في قصتي قصة سوى البرتقالات، ونداء لا يكل وأنا أسمعه من أفواههم، جاء العاصور، مضى العاصور، ولا يترك مكانه وإن انتهى. والعاصور أنا، برفقة آلة الحديد. كنت قرب (جبار أبو الشربت) واحداً من المتمتعين بالشراب الوردي يتألق وينساب رطباً في بطوننا، بينما أنا هنا لي صفة غدت إسماً لمدة أعوام لا أُعرف سوى بها.
أتخيل مشاهد عديدة بينما يداي تعملان قصماً بالبرتقال الممتلئ. أفكر أحياناً أنني سبق وأن رأيت ما أفعل في مكان آخر، وأحياناً لا أجد تفسيراً لتخيلاتي سوى بتقريب لحظة الخلاص من ليلة عصر أخرى. وحتى أمرر الوقت وأعبئه في أكياس الأزبال التي تمضي بالقشور والأفكار وأكثر من منديل قماش. أحدد نقطة للبدء. لكنني أجدها كل يوم شبيهة بالتي تركت البارحة. بيدرو ـ أعني واحداً من بينهم بالطبع ـ لم ينقص وزنه منذ أعوام حملي لإسم العاصور، بينما تحولت يداي من السمرة إلى لون علم هولندا، الذي لم أجد له صلة بما أعصره كل ليلة قبل عودتي لغرفة البناية المؤمنة من الحريق، ومرات أعود لأقول لابد أن تفكيري بالهرب إلى هولندا هو ما يوحد اللونين.
أغلب المرات أقتنع بلا سبب. يوماً ما تساءلت بصوت مسموع عن إسم المكان الذي أعمل فيه. ضحك بيدرو فانتابت بيدرو الآخر عدواها ولم يصدقا إنني حقاً لا أعرفه. أجبتهما بأنني لم أبرح المكان منذ أعوام " أعني منذ أن حددها صاحب نطحة الثور وثبتها بالوقائع التي لا شك فيها ". اليوم التالي أحضر لي أحدهم ـ بيدرو ما منهم ـ كتيباً صغيراً وقال هو هذا ووضحه بأسهم ودوائر وحروف. تمعنت بالإسم ( لا تنسوا إنني لابد أن أكرر أمامكم بأنني مستمر بالعصر وإلا فساعة عمل إضافية أو المبيت حتى اليوم التالي)، بينما أصر بيدرو أن يتهجاه ومن ثم يفسره لي. لم أفهم ولكنني اقتنعت مثل أغلب المرات بلا سبب مقنع وحفظته كأي أسم آخر. أحتفظ بالكتيب معي في جيب سترتي وقررت أن أعود لفك رموزه في مناسبة قادمة.
ولأنهم هنا مثل (حراكة القارب) لا يحفلون بما أحكي لهم،فأنني أمضي الوقت بالحديث مع نفسي. نفسي التي تتركني مثلهم أيضاً لأنها تفكر مع نفسها، والأخرى تنزاح لأنها تمضي إلى نفسها هي الأخرى، وأجدني وحيداً دائماً. فأمضي بقصم البرتقالات وأتحاور(مع مَنْ؟). من يسمعني يظن بأن أرواحاً قد سكنت المكان، ولا يتبادر لذهنه بأنني أحادث البرتقالات، أسميها بما أعرف من أسماء وما أبتكر لها من أوصاف وماض ورغبات وربما أمضي معها بلعبة تمرير حيزها البرتقالي إلى غشاوة على عيني بدلاً من كريستال نظارتي كعب قدح. ولكنني لم أر الدنيا بلون"بمبي" كما تردد سعاد حسني في أغنيتها، ذلك أنني لا أعرف معنى البمبي، لون أو حرفة أو طعام يؤكل.
مع كل ليلة عصر أنتقي لي برتقالة أجدها فريدة بخضرتها أو تشوهها أو كبرها أو ضآلتها لأتخذها مستمعي الوحيد تلك الليلة، وإن سلمت من القصم أحملها معي إلى غرفة البناية المؤمنة من الحريق، واضعها على رف مطبخ البرتقال لا غير حتى تذبل و تتعفن ويخطفها سلطان اللون الآخر، فلا أجد لها مكاناً غير سلة الأزبال. ولكني لو وجدت من يستمع لي لرحمتها قصماً مع البرتقالات الأخريات ولمضت هنيئة تندلق في بطن حسناء أو مدير أو رئيس وزراء مثلاً.
الظن بأنني جئت من سقطة مفاجئة حتى الفندق، محض تصور لا أتجرأ أن أحكيه الآن. لأنني مضيت من مكان إلى آخر مع ورقة سيرتي الذاتية بحثاً عمن يقبلني أعمل عنده. ولأن الأماكن تشبه بعضها فكثيراً ما ينتابني ما أنتاب جدي وهو يظن المدن شبيهة ببغداد، فكنت أخطئ المحلات، فأعود لها أكثر من مرة أسأل أصحابها عن إمكانية تشغيلي. في المرة العاشرة أو أكثر، أعود للفندق نفسه، وما أن أسمع حرفي الإجابة من فم رجل الاستعلامات حتى أعود إليه في مناسبة تالية ظاناً به مكان آخر جديد. في المرة الأخيرة وقبل أن أعطي ظهري للرجل، قال لي: أنتظر يريد أن يراك كبير طباخي الفندق.
الكبير بكرش يسبب له انحناءة يعتقدها كل من يراه بأنها حدبة حقيقية، سألني إن كنت أفهم بالعصير.
وهنا أمسكت الورقة وقرأت له خبرتي بالعصر في محلات راقية بدءاً بحجي زبالة في شارع الرشيد مروراً بإبن ضعيفة في الفضل و معصرة القائد و محل دوندرمة الميلاد و شربت أم المعارك وآخرها في البتاوين عند الناصية القريبة من مكوى "أطفئ الضوء وألحقني"، وقبل أن أحاكيه عن (جبار أبو الشربت) في ليلة عصره الأخيرة قبل أن يلم خياله رجال سيارة تويوتا بزجاج غامق ليس لسبب مهم سوى أن قطرات شرابه الوردي اندلقت بسهو على كرش أحدهم فلوثت جاكيتته بنصف كُم علامة الهدهد، فصفعه وهو يصك على كلماته: "أتعرف من أنا؟".
لكن الكبير هز كرشه وأسكتني بأصابعه فبانت حدبته أعلى من شعفة رأسي ولم يصبر، إذ مضى حتى المدير وقال له: أحتاجه منذ الليلة.
الإشارة الآن هي أنني أصبحت معروفاً للجميع بسبب من إهتزاز حدبة كبير طباخي الفندق، الذي لم أره بعد ذلك ربما لأعوام، بينما يؤكد الجميع بأنه يراقب عملي كل ليلة دون أن أشعر به. ومن ذلك أنه يحسب قشور البرتقال في أكياس الأزبال ومن ثم يقيس لترات العصير ليتأكد له أنني أعمل بنزاهة. ولطالما غض النظر عن برتقالة كل ليلة، كما أنه يعطل أجهزة المراقبة ليجعلني أمضي إلى غرفتي دون محاسبة. وبعد كل مراجعة ليلية يرى تعليماتي الملصقة على ظهر العصارة لتفادي خسارة قطرة واحدة، فيوقع على ترقيتي إلى درجة أكبر. ولأنني حصلت على ثقته فقد أمر أن أنتقل للعمل برفقته.
الإنتقالة هي نفسها دون أن تحسبوا شيئاً جديداً، لأنني وجدت أكثر من بيدرو أمامي، وكلهم لا يستمعون لي فأظل أحاكي كل ما يقع بيديّ. وكان أن أضاف لي مهنة أخرى غير العصر، فبينما يدي اليمنى تشتغل قصماً بالبرتقالات وتسييح رقتها عبر اللولب إلى أباريق الكريستال، أكون قد تعلمت تزيين الصحون باليد اليسرى. ولكنني أظن الأشياء شيئاً واحداً. كثيراً ما قدمت قشر البرتقال بمثابة الأصل ورميت باللب إلى الأرض، فيأتي صاحب الحدبة المرتفعة ليعلمني جمعها من جديد. فأخطئ أكثر.أعتقد أنني لم أبرح مكاني،ولا أجد مبرراً فأمضي بمناداة بيدرو بأحرف ليست له، وأسمي الأشياء بأسماء ليست هي، والأماكن أجمعها حولي وأرى نفسي عند حافة النهر وأحدهم يطلب من (جبار أبو الشربت) كأس عصير فتمتد يدي للرجل بالكأس، وأمد رقبتي وأرى أبا نواس جالساً على كرسي الحجر خلف نخلتين وأرد على الآخر أن يستريح قليلاً لأن الصيف لا يطاق، وأهز الرأس ويتلعثم لساني بحلاوة العصير قبل أن أحيّ أحدهم "الله بالخير"، مساكم وصبحكم بالخير..فيهز الآخرون رؤوسهم ولا يعرفون بمَ يجيبون لأنهم يرطنون بكل شيء غير "الله بالخير" فصوتي بمطقة عصير لا يلائمهم، فيغرقون بقهقهاتهم " من تظن نفسك،حرامي بغداد أم علاء الدين" .لأنتبه أن لا أحد يجيبني لأن الأصوات تبدو متشابهة مثلما تركت الليلة الماضية، مثل أسماء أصحابها الذين يدعون بيدرو ولا يتشابهون بشيء، بينما يستطيعون تمييز بعضهم عن بعض، وأدخل أنا في لعبة الخلط الدائم، والحديث مع الأطباق والقشور ومريلات الطبخ. فبينما يسعون لحمل طبق بطيخ مزين بدقة ورهافة يدي، أنتبه إلى أن الحروف في غير محلها فأرتبها، أو أنني أستمع لها كما أريد أو أعتقد أو أظن، فأهبهم أطباقاً من طبيخ، لأنقع البطيخ بصلصة مرق لاذع. أحياناً أعتقد أنهم ينادون عليه بالخبيط، فأطبخ لهم (محروق أصبعه) مثل برق خاطف، فيلقون الطبق إلى القمامة مع اللب و الأوراق والمناديل ولا أسمع تهكماتهم ولا ضحكهم لأنني مستمر بالتحاور معي، ولا أنتبه سوى لضربات كبير الطباخين على ظهري وهو يمهد لي الطريق حتى غرفته الخاصة.
غرفة الكبير شبيهة بغرف أخرى في فندق مليء بغرف،ولا أكثر من الغرف. يسد الباب ويحدثني:
لا تحفل لهم فالكل لا يستمع لك لأنهم يريدون الحكاية لهم وحدهم، أنظر لي أنا.
فلا أنظر له. مشغول نظري بفكرة أخرى تدور عبر جدران غرفته، صور له بأوضاع وأماكن عديدة وشهادات تؤطر وسط الغرفة عند رأس كرسيه وتشير إلى أسمه وبعدها بحروف لامعة تمنحه شهادة رئيس جمعية الطباخين العالمية… فيستمر بالحديث عن الخلل و…لأننا جميعنا محتاجون لتزيين غرفنا بصورنا حتى لا ننسى الابتسامة والعادات السيئة بتذكر الآخرين ونحن نتواجه معهم كل يوم، بينما ابتساماتنا تجف على الورق وحكاياتنا التافهة منها والمهمة تمضي مع القشور في كيس الأزبال. ثم يمهد لتاريخ حافل بالإنجازات. يدق على صدره ويردد بأن فرانكو كان رجلاً حقيقياً.. فحل أقول لك،الوحيد الذي فهم ضعفنا ولكن لا تقل ذلك لأحد. كان من الممكن أن يكون أبي أو عم لي أو جدي، ولكنه أرتضى الحياة الطويلة ومات ميتة عادية في فراشه الذي ضمه لثمانين سنة " هل كانت ثمانين أم سبعين، لا يهم؟ "، الأهم أنه لم يرد أن يموت واقفاً أو بطلقة ثاقبة فيكون رمزاً، ومن ذلك أمضي بحدبة مصطنعة، تحسسها لا تعتقد أنت الآخر بأنها حدبة حقيقية، بل إنها أسرار فوق أسرار، جبل من شهادات وموت وحروب وزوغان عين و التهابات أحاول أن أغطيها لأنسى عائلتي..عائلتي التي تهيأ لها كل شيء من أجل أن تستمر كذكرى موجعة، ليس لها غير إنتحالات وألبوم صور وأسرار حتى اليوم يكشفون عنها فتزداد مثل العفن، بينما علي أن أغطيها بحدبتي هذه..تحسسها لتتأكد من ذلك.. المهم أن تمضي بكونك الكبير أمامهم، وجدران غرفتك مزينة بشهادات وأوسمة وتزييف وصور و ابتسامات واهية، أنا الوحيد القادر على إزاحتها. أمضي معها لأنني اعتدت عليها..هل تفهم..أن تمضي بلا شيء، بانتظار لاشيء كل يوم.. بدونها هذه الإنتحالات لن يروا الحدبة ولن يعرفوني ولن أحتاج بعد ذلك إلى أن أراقب وآمر وأصرخ..أو أن..أحملك على سماعي مثلاً..وأن آمرك منذ اللحظة أن تنسى كل شيء وكأنك لم تكن هنا معي..أجل..يمكنك أن تمضي إلى عملك..لا تنسى أنني أراقبك فلا تفتعل النسيان..و..تستطيع أن تسرق برتقالة كل ليلة بأمان تام..لن أخبر أحداً..اطمئن.
أمضي إلى عملي أو إلى غرفتي برغبة لقياس كيلومترات الخطوات على مدى أعوام وأعوام. اتحسس كل ليلة كتيب ما أهداني إياه واحد من هؤلاء الـ"بيدرو" ليعرفني بالمكان.وفي كل ليلة أنسى تصفحه. غير أنني أتذكر الغرفة والجدران وكرسي منتصف الغرفة حيث أجلس متمعناً فراغ البناية حيث جادة ضياع الصوت والقطط والكلاب، بينما لا يشعر بك أحد، ولا أحفل بكل شيء سوى بجدران مزينة بصور وشهادات و عيون وزفرات تتماوج مع موجات الدخان.. ترى ما جدوى أن أرى وجه الكبير بارتفاع حدبته كل ليلة.؟
أرافقه من مكان إلى آخر ومن كوكتيل لآخر. اتخذني مساعده الأول، وهو يشير لي محدثاً الآخرين بأنني أفضل عاصور في المدينة، وقبل أن أغادر المحل حتى غرفة الفراغ المؤمن من الحريق، يكون قد غافل الجميع وسرق برتقالة ودسها في جيب سترتي. ومع كل برتقالة في الجيب،تكون يدي قد ضعفت في العصر،لأؤجل صندوقاً ليوم آخر، تتكدس الصناديق وأغفل عنها،يحدثني الكبير وأتغافل عنه بابتسامة ساهية،فيقول لي:لا تتغافل، اعرف ما تفكر به.
أمضي، فيقولون مضى العاصور.أجيء ويقولون جاء العاصور. أمضي و أجيء مع الكبير من محل لآخر. آخرها في حفل تكريم حضرته وجوه تشبه ما أراه كل ليلة، ولكنهم ينادونهم بألقاب وأوسمة و جاكيتات سموكن برفقة بياض وألوان وطواويس بملابس نسائية. أمضي خلف الكبير من زاوية لأخرى، يزين، يرتب، يأمر، يشير، يترفق، ينبح. أمضي بظله فنقف وسط الصالة قرب لمعان أعرفه. يطلب مني أن أستخدم خبرتي مع الآلة. آلة عصر لامعة، نظيفة،تحتاج لمطقة قشر وميعان لب برتقالة. يأمرني الكبير بانحناءة حدبة أعلى ما تكون، بينما الآخرون يفتحون أعينهم على وسعها. أنتقي برتقالات،أقطع ،أرتب، أطقطق الأصابع وأعصر. يتطافر العصير على يدي أولاً، وأحاول أن أتحاشى فورته، يتصاعد وينسكب على المنضدة، على الجاكيتات والوجوه والعيون المفتوحة على وسعها فتضيق فتحات العيون هرباً من الحرقة والدبق والفضيحة أمام فلاشات الكاميرات المضاءة. يسقط الكبير ولا أرى منه غير حدبة عالية كتل ناشز وسط أرض منبسطة ببياض ملابس تبقعت بالعصير وأصبحت قريبة الشبه بعلم هولندا،ولأنني متغافل ومستمر بالعصر، فتنزلق الصحون، وتنزلق الأقدام وتنزلق أيد من كل مكان لتحملني خلف ستارات، خلف أبواب،خلف بنايات وترمي بي حتى سيارة في شارع لم أجهل وجهته وكأنني أراه أمامي الآن،جامداً بانتظار هذه اللحظة، بينما كلمتان وحيدتان أسمعهما: هل تعرف ما فعلت؟ فتنفرط كلماتي غافلة:لا أعرف.. ولكن كيف نمضي يومنا بعمل لاشيء، في انتظار لاشيء..لا شيء.
لا أفعل شيئاً. بصمات وتوقيع ويرمونني إلى الشارع من جديد، الذي يحملني إلى جادة ضياع الصوت. أجدني مرة أخرى وسط الغرفة أحدق بالفراغ.الفراغ الذي يلهيني عن رف البرتقالات وحائط الصور والشهادات والتأوهات. ومن جلستي في وسط الغرفة أراها واضحة، رقعة التشينكو تلك، وهي تعلن أن البناية مؤمنة من الحريق. تلمع على ضوء نيون الشارع ومثبتة على الواجهة بمسامير غليظة.
أنهض إلى المطبخ.أخلص الرف من البرتقالات برمية واحدة.
أعود حاملاً علبة ثقاب.
-----------------------------------------------------
*نشرت ضمن كتابه (انتحالات عائلة) الصادر عن دار أزمنة، الأردن 2002 والذي صدرت ترجمته إلى الإسبانية أيضاً سنة 2009م.