19‏/07‏/2025

في ذكرى حسن مطلك / جُمار

 

حسن مطلك في ذكرى رحيله

عن مقاومة السلطات بالفن والكتابة والروح.. 

جُمّار

في قرية صغيرة، اكتشف طفلٌ موهبته في الرسم، ورغم رفض مجتمعه، صار يعبر عن أفكاره بالقصص والرسوم الساخرة. تمرد على محيطه وعلى السلطات، حتى أعدم وهو في التاسعة والعشرين من عمره.

هنا سيرة حسن مطلك، الأديب والفنان، الذي قارع "البَطح الاجتماعي" والسُلطات بالفن والكتابة.. والروح..

وُلد حسن مطلك عام 1961، في قرية سديرة التابعة لقضاء الشرقاط شمالي العراق، لأسرة متدينة ومحافظة، في بيئة لا تعرف الفن، ولا تقبله، وسرعان ما اصطدم بواقعه حين اكتشف موهبته الفنية مبكراً، وهو في الصف الرابع الابتدائي، عندما كلّفه معلمه برسم لوحة عن "الراعي".

لم يرَ في المهمة واجباً فقط، فانطلق إلى البراري يرسم الغنم بإبداع طفولي مدهش، فمنحه المعلم أول علبة ألوان في حياته، ومن هناك كانت اللوحة الأولى.

رسم بكل ما توفر له من أدوات، حتى حين حُرِم من الورق، راح يرسم على الجدران وأغلفة الكتب والأرض. واجه رفضاً شديداً من أسرته ومجتمعه، لم يتراجع، بل أصرّ على طريق الفن، حتى أقام أول معرض تشكيلي له وهو مراهق في إعدادية الشرقاط عام 1975، ونال عنه جوائز من مديرية التربية.

التمرد يكمن في اللحظة التي يكتشف الفنان فيها جمال الشيء، فينقله بأي أداة بصرية أم صوتية أم حركية، لا بالصورة التي تسبق الاكتشاف، بل بالصورة التي تأتي بعده.

حسن مطلك رغب بدراسة الفن أكاديمياً، لكن عائلته حالت دون ذلك، فالتحق بقسم علم النفس في جامعة الموصل عام 1979، معتقداً أن هذا التخصص سيساعده في فهم النفس الإنسانية، وتعميق رؤيته الفنية والأدبية. في الموصل تفتّحت مواهبه في الكتابة والرسم، وأقام معارض كاريكاتير ساخرة وقاسية، وبدأ ينشر قصصه في الصحف المحلية، فظهرت لغته المختلفة، وتمرده المبكر، وآمن دائماً أن "بالحلم يَتَجَدَّد كل شيء".

في الجامعة، أصدر مع زملائه مجلة "المُربّي"، وكتب فيها نصوصاً أدبية ونقدية تعكس رؤاه في الفن والتصوف والجمال، ووقّع رسوماته الكاريكاتيرية باسمٍ مقلوب ساخر "نسح كلطم ناظور". كتب قصصاً، واشتغل بمشروعه الروائي الأول "دابادا" سنوات، وأصدره لاحقاً في بيروت على نفقته الخاصة، بعد أن رفضت المؤسسات العراقية نشره.

"أغار على وطني.. الذي كُلما قارنتُ أدبه بآداب الشعوب اكتأبتُ.. ودفعني ذلك للقراءة والكتابة.. وستبقى تلك الغيرة تنهشني حتى أحقق ما يحققه كاتبٌ عظيم لوطنه.. أو أهلك دون هذا الأمر".

حسن مطلك

"قريبة هي الساعة التي سأقول فيها لكل شيء: وداعاً"

عند تخرجه عام 1983، سِيق إلى الخدمة العسكرية خلال الحرب العراقية الإيرانية، فعاش في الجبهات سنواتٍ من القصف والموت والخذلان، ورفض عروضاً لتسهيل خدمته مقابل تمجيد النظام أو رسم صورة للديكتاتور.

ظل صامداً ومتمرداً، حتى اشترك عام 1990 في محاولة انقلابية ضد النظام الحاكم. فشل الانقلاب، واعتقلته السلطات في 7 كانون الثاني 1990، وعذّبته أشهراً، ثم أعدمته شنقاً في محكمة الثورة دون محاكمة عادلة، يوم 18 تموز عام 1990.

ترك أثراً بالغاً في الأدب العراقي، رغم حياته القصيرة، بروحه القلقة، ولغته الفريدة، وتمرده الدائم على السلطة والقوالب. بعد رحيله نشر شقيقه الأصغر، محسن الرملي، رواياته ومقالاته وأعماله الفنية، لتبقى شاهدة على فنانٍ لم يخُن إيمانه بالجمال والحرية.

ولشدة توقه للحرية وشدة حبه لوطنه، كُتب على شاهدة قبره، عباراته: "أغار على وطني… اشتقتُ إلى الحرية من أجل الذود عن الحرية".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشر في مواقع وصفحات منصة (جُمار) بتاريخ 18/7/2025م 

https://jummar.media/

https://www.facebook.com/photo?fbid=722686337230342&set=a.122371073928541

*ونشر في منصة: مدار 24

https://madaar24.com/?p=12290


29‏/05‏/2025

خالد كاكي يستلهم رواية دابادا موسيقياً

 موسيقى

الفنان خالد كاكي يستلهم رواية (دابادا) موسيقياً 

أنجَز الفنان العراقي الكبير خالد كاكي ست مقطوعات موسيقية رائعة، استوحاها من رواية (دابادا) وسيرة صاحبها حسن مطلك، وهو بهذا الإنجاز يضيء روحيهما، فحسن مطلك كان يقول بأنه يريد الوصول بالنص الأدبي إلى مستوى الموسيقى، بحيث أنك كلما أعدت قراءته ستحس وتتفاعل معه مجدداً وبشكل مختلف، وحين نحت مفردة (دابادا) من لب تفاعلات وإيقاعات النص، كان يروم الوصول إلى ما يسميه "ما وراء اللغة"، الصمت والصراخ والموسيقى.

كثيرون من قُراء دابادا قالوا بأن إحساسهم بها يفوق فهمهم لها، ويُذكر أن حسن مطلك كان يستمع كثيراً إلى شوبان وباخ أثناء كتابتها، وقد أشار إلى ذلك في يومياته، ومعروف عمق ورُقيّ العلاقة بين فن الرواية والموسيقى وتداخلهما عند أغلب الروائيين ومنهم كونديرا وموراكامي وماركيز وفوكنر وغيرهم.

قال الفنان خالد كاكي: "نورس على نهر دجلة"، هو عنوان هذا العمل الموسيقي التعبيري التصويري الذي قمتُ بتأليفه وتنفيذه ضمن ألبوم (دابادا) الصادر في بلجيكا على أهم المنصات الموسيقية العالمية أواخر عام 2024، وهي سلسلة أعمال مستلهَمة من رواية الكاتب الشهيد حسن مطلك (لوركا العراق)، والتي تحمل عنوان (دابادا). أثناء الانشغال بهذا العمل، خطرت في بالي فكرة تحويل بعض الروايات إلى ألبومات موسيقية، وقد أكون الأول في هذا المجال. هذه محاولة جادة لمحاكاة روح العمل، ومحاولة للالتقاء عن بعد بروح المبدع الراحل حسن مطلك ومراحل حياته. وقتاً مبدعاً".

وأضاف كاكي: "تنتمي هذه المجموعة الموسيقية، في روحها، إلى حقبة الثمانينيات، ولأكثر من سبب. تجتمع فيها أوجاع جيل بأكمله خاض حروباً ومعارك، وأضاع من عمره أجمل السنين على السواتر وفي الخنادق، وهذه المقطوعات أصلاَ مهداة إلى روح الشهيد الروائي حسن مطلك (لوركا العراق) صاحب رواية دابادا الشهيرة، وقد خصّصتُ هذا الألبوم كاملاً إلى روحه بعنوان (دابادا)، احتفاءً بتميزه وتعدد مواهبه في الكتابة والرسم، وتكريماً أيضاً لجيل من شباب العراق الذين قدموا أعمارهم فداءً للوطن."

وجاءت المقطوعات بعناوين: نورس على نهر دجلة، أوجاع، الطفل، القرية، ذكريات والقلعة.

ويمكن الاستماع إليها على هذا الرابط:

https://www.youtube.com/watch?v=LDX3RLm1eiI&list=OLAK5uy_lQFqP4NoSAeU1OaWz2oh_1uYj0qU3Ei8w

*****************

حوار

خالد كاكي ينقل "دابادا" من الرواية إلى الموسيقى

 

بغداد-علي صلاح بلداوي

خالد كاكي من الوجوه الثقافية العراقية المعاصرة، يجمع بين الشعر والرسم والموسيقى والتأليف القصصي. ولد في مدينة كركوك عام 1971، وتخرّج من قسم اللغة الإسبانية بجامعة بغداد عام 1992، قبل أن ينتقل إلى مدريد في منتصف التسعينيات، حيث استقر فيها وواصل اشتغاله بالفن والأدب.

برز أخيراً مشروعه الجديد حول تأليف مقطوعات موسيقية، مستلهمة من أعمال أدبية روائية مهمة، بدأه بألبوم "دابادا"، عن رواية الكاتب العراقي الراحل حسن مطلك، ويتضمن 6 مقطوعات موسيقية، تم إنتاجها وتوزيعها على أهم المنصّات العالمية عام 2024.

في هذا الحوار، نتوقف مع خالد كاكي للتعرف أكثر على علاقة الموسيقى بالرواية، وتجربته في الموازنة بين الفنون الثلاث، التي شكّلت عالمه الإبداعي: الكلمة، اللون، والصوت.

*ألبومك "دابادا" يجسّد رؤيتك الفنية في تحويل أجواء الرواية إلى موسيقى، كيف بدأت الفكرة؟

ـــ "دابادا" هو عنوان الرواية الوحيدة التي كتبها الروائي الشهيد حسن مطلك (1961-1990)، المعروف أيضاً بـ"لوركا العراق"، لارتباطِ اسمَيْ كليهما بالإعدام ظلماً وفي عمر مبكرة؛ كلمة نحتها الراحل لتكون سؤالاً محيّراً أكثر من كونها إجابة.

كان حسن كائناً شديد الشفافية والقلق؛ كائناً إبداعياً من نوع فريد، ومثقفاً عميق الإحساس بما حوله. كان مفرطاً في الولاء لحلمه بتغيير العالم نحو الأجمل والأكثر معنى، وهو الحلم الذي سيكلفه حياته لاحقاً. هذا ما يبدو لي جلياً في كل كلمة كتبها، وفي سيرة حياته القصيرة.

*لماذا اخترت رواية "دابادا" تحديداً، وما الذي وجدته في نص يستحق أن يترجم موسيقياً؟

ـــ بشعورٍ عميق وصداقة لم تتحقق بيني وبينه، وبسبب فرق العمر والظروف، وإحساسي بتقارب فريد بين روحينا، قررت أن يكون ألبوم "دابادا"، تلك الموسيقى التي لم يؤلفها حسن مطلك، بل قمت أنا بذلك بالنيابة عنه

غير أنه رافقني روحياً ونفسياً وفكرياً من خلال عمله الروائي الفريد، خلال أوقات انشغالي بموسيقى روايته، فأصبحت أحاوره وأسمعه، وأقرؤه وأسأله ويسألني، ينصت إلى العمل الموسيقي، فيشذّب جملة هنا، ونغمة هناك.

بكيت وأنا أتخيّله يعود طفلاً إلى قريته "سديرة"، يلمس جدران الطين، ويشم القصب على ضفاف دجلة. بكيت بشدّة، وألّفت مقطوعة بعنوان "الطفل"، وأخرى بعنوان "نورس على دجلة". هكذا التقيت بالراحل، حاولت مخلصاً استحضار روحه، لتكون شاهدة على صناعة موسيقى تصويرية ترافق أنفاسه، وهو يحصي أيام هذا العالم الماضي إلى الزوال.

*كيف تقترب من الرواية عند بدء العمل على تحويلها إلى مقطوعة موسيقية؟ هل تقوم بقراءة النص أكثر من مرة، أم تركز على مشاهد وشخصيات محددة؟ 

ـــ أنا أصلاً كاتب قصص وشاعر، والموسيقى أداة أخرى أتعامل معها بنفس القدر من الإخلاص في التعبير، وهذه خصلة قد لا تتوفر إلا نادراً في شخص واحد

لا أقصد التفاخر، لكنها معلومة أساسية لفهم سياق العمل الذي نتحدث عنه. الرواية منزل كبير وفخم، أتنقل فيها بأفكاري وأحاسيسي لأصل إلى ما أراد كاتبها من خلال الموسيقى

تبدأ مسألة التناول بالمحاور الأساسية في العمل: المكان، الزمان، الشخوص، المراحل المهمة، البيئة التي ولد العمل فيها، الثيمة الأساسية، كأن يكون القلق أو الألم أو الذكريات. كلها أمور في غاية الأهمية بالنسبة لي عند محاولة التعبير عما أراد الكاتب نفسه التعبير عنه، لهذا اخترت النهر والقرية والقلعة والطفل والذكريات والأوجاع، لتكون عناوين للمقاطع.

*إنتاج موسيقى تعبيرية مستلهمة من الأدب ليس أمراً مألوفاً في المشهد الفني العربي، ما هي أبرز التحديات التي واجهتك في تنفيذه؟

ـــ منذ بداياتي في الشعر والقصّة والتشكيل والموسيقى، عملت وحدي، والتحديات كانت نفسها دائماً، وكان السؤال: كيف ومتى وأين أستطيع أن أصنع ما أريد صنعه، وأين أنشره أو أجعله في متناول الجمهور؟ 

بخصوص الموسيقى، قبل أعوام كنا نصدر ألبوماً على شكل قرص "سي دي"، لكن ذلك انتهى، وأصبحت منصّات النشر الإلكتروني والمنابر، هي السوق والمصدر الأهم.

 هناك مفاهيم وتقاليد قديمة مهمة جداً تغيّرت. والتقنيات تغيرّت بدورها، وأصبح بإمكان أي شخص أن يتحوّل إلى منتج موسيقي إذا أراد، لكن بالطبع شركات الإنتاج العالمية ما زالت هي الطريق الأكثر ضماناً للترويج والنشر والتعريف بالمنجز.  

*بعد ألبوم "دابادا" هل تخطط للاستمرار بتحويل روايات عربية أخرى إلى ألبومات موسيقية؟ 

ـــ ثمة الكثير من الأعمال الأدبية التي تستحق أن أتناولها موسيقياً. في الحقيقة، كنت أودّ أن تكون روايتي الأولى التي أشتغل عليها منذ وقت طويل، هو العمل الذي أُصدر معه ألبوماً موسيقياً، وهذه المرة الأولى التي أذكر فيها ذلك للصحافة، وهي فكرة أصيلة تراودني منذ بداياتي في الكتابة

ما أعنيه هو أن يُصدر كاتب روائي عملاً يرافق كل فصل فيه مقطع موسيقي من تأليفه، يوازي النص أو يكون خلفية له. لكن ظروفاً قاهرة منعتني من نشر روايتي، فقلت لا بأس أن يكون الاحتفاء بعمل دابادا هو الأوّل من نوعه، هذا نصيب حسن، لعل روحه الخالدة تتقبل منا هذه الهدية

هل ترى في الموسيقى وسيلة سرد موازية أو حتى بديلة عن الكتابة التقليدية في إيصال الفكرة والمشاعر؟

الكتابة والموسيقى والرسم، كلها ثمار شجرة واحدة، وإن اختلف طعم أو لون أو شكل كل منها. بإمكان أدوات التعبير أن تكون متعددة للوصول إلى الفكرة نفسها، والقلائل هم من يمتلكون أكثر من وسيلة تعبير.

 لكل واحد أداة، ولكل فن خصوصياته وحيثياته. أحياناً نلجأ إلى الموسيقى لنعبّر عن أمر ما، وأحياناً إلى الكتابة. في فن الغناء، اجتمع كلاهما، النص الشعري والموسيقى.

الناس غالباً يعتبرون ذلك فناً واحداً وهو الغناء، لكن ينسون أن نصف الموضوع الغنائي وأساسه أحياناً كثيرة، هو الكلمة. العلاقة إذاً موجودة منذ القِدم، لكن ما أطرحه أنا، هو صناعة نص موسيقي يترجم الأدب إلى لغة الموسيقى. أما أن تكون بديلة، بالطبع فلا. أنا لا أبحث عن بدائل، بل عن إثراء الواقع بصيغ تعبيرية مبتكرة.    

*بالنظر إلى تجربتك المتعددة بين الشعر والقصة والتشكيل والموسيقى، كيف يمكنك التوفيق بين هذه المسارات المختلفة؟ 

ـــ التنوّع ورطة كبيرة ولا أنصح أحداً به. لكنه أبداً لم يكن خياراً بمعنى الخيار العقلاني أو البراغماتي، بل كان سحراً لا أستطيع رفضه

اخترت أن أتبع سحر الأساليب وتعدّد الصنعات على حساب التخصّص. في النهاية، لا أنتظر الكثير من هذا العالم، بقدر ما أريد إسعاد ذلك الطفل الذي كنته ذات يوم ووعدته بالكثير. أشعر بالحرج من وعودي لنفسي الطفل عندما أتأخر في إصدار شيء جديد. ذلك أساس المشكلة لا أكثر.

*بماذا تشتغل حالياً على مستوى الشعر والقصة والموسيقى والتشكيل؟

ـــ أكثر ما يشغلني بصراحة – أو ما قصّرت فيه مع نفسي- هو استكمال كتابة أكثر من رواية تركتها أنصافاً وأرباع. حان الوقت للاشتغال عليها من جديد.

 بالنسبة للشعر، لدي أكثر من كتاب غير منشور، أخطّط لإصدار ما أستطيع منه. ولدي مشروع شعري فريد في صيغته أوشك على إكماله. سيكون كتاباً مختلفاً حقاً في طريقة إصداره، وهذا سرّ آخر أفشيه لكم

أما بالنسبة للموسيقى، فأنا أعمل على ألبوم جديد نشرت أول مقطوعة منه بعنوان "صلوات"، وهي سلسلة أعمال تأملية وروحانية. وهذا أقصى ما يسمح به وقتي حالياً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

خالد كاكي: بدأ مسيرته في سنّ مبكرة مع الرسم والخط العربي، بتأثير من شقيقه الفنان خليل كاكي. كما كتب أولى قصائده في المرحلة الابتدائية، وصنع آلة موسيقية يدوية وهو في الحادية عشرة.

أصدر عدداً من المجموعات الشعرية باللغتين العربية والإسبانية، ومنها: "بلا حذر" (1998)، و"هوامش الحارس" (2001)، و"رماد شجر الرمّان" (2011). 

شارك في معارض تشكيلية في بلدان مختلفة، كما نال الجائزة الكبرى للشعر في مهرجان ليالي الشعر في رومانيا عام 2012.

حسن مطلك: أعدمه النظام العراقي السابق شنقاً في 18 يوليو 1990. خصّصت مجلة "ألواح" الصادرة في إسبانيا عددها بالكامل عنه (300 صفحة). كما خصّصت صحف عراقية وعربية عدّة أعداداً كاملة عنه، ومنها صحيفتي المدى والزمان العراقيتين. كما كُتبت الكثير من الشهادات والدراسات حول أعماله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشر في موقع مؤسسة (الشرق) بتاريخ 10/7/2025م

https://asharq.com/culture/142460/%D8%AE%D8%A7%D9%84%D8%AF-%D9%83%D8%A7%D9%83%D9%8A-%D9%8A%D9%86%D9%82%D9%84-%D8%AF%D8%A7%D8%A8%D8%A7%D8%AF%D8%A7-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%B3%D9%8A%D9%82%D9%89/

09‏/03‏/2025

صرخة حسن مطلك.. حضور إبداعي وغياب مأساوي/عدنان حسين أحمد/ الجزيرة الوثائقية

 

 الجزيرة الوثائقية/ نقد سينمائي

صرخة حسن مطلك”.. حضور للسيرة الإبداعية وغياب للجانب المأساوي 

عدنان حسين أحمد

Published On 5/3/2025

لم يكن فيلم “دابادا.. صرخة حسن مطلك” مجرد فيلم وثائقي عابر، يتمحور حول قصة حياة الروائي العراقي الراحل حسن مطلك.

فما إن يأتي أحد على ذكر هذا الاسم، حتى تتبادر إلى الأذهان فورا مشاركته في محاولة الانقلاب على النظام المستبد الحاكم، وإعدامه شنقا في 18 يوليو/ تموز 1990، مع متهمين آخرين بالتخطيط للانقلاب، من ضباط ومثقفين عراقيين كانوا يحلمون بتأسيس نظام ديمقراطي حر، خالٍ من القمع والاستبداد.

أما على الصعيد الإبداعي، فتخطر على البال موهبته المبكرة في الرسم وكتابة القصة القصيرة والرواية الحداثية، فقد خطفت قصة “عرانيس” الجائزة الأولى سنة 1983، ونالت قصة “بطل في المحاق” الجائزة التقديرية سنة 1988.

وحين صدرت روايته الحداثية “دابادا”، قال عنها الروائي جبرا إبراهيم جبرا: لم أكنْ أتصور أن كاتب هذه الراوية العظيمة في سن العشرينيات.. إنها رواية مغايرة.

وهي مغايرة حقا، لأن حسن مطلك ذيلها بعنوان فرعي ثانٍ قال فيه إنها “تمرين روائي جديد في الواقعية المطلقة” التي تتعالق مع العلم، وتضم بين دفتيها السينما والمسرح والموسيقى والسحر وما إلى ذلك.

فلا غرابة إذن أن يركز مخرج الفيلم علي ريسان في هذا الفيلم على الجانب الإنساني، من سيرة القاص والروائي حسن مطلك، أكثر من تركيزه على الجانب المأساوي الذي يعرفه الأدباء والفنانون التشكيليون، سواء في محافظته خاصة أو في العراق عامة.

 

فيلم وثائقي يهز المشاعر ويلامس الوجدان 

سوف تتبين للمتلقي الذي يشاهد الفيلم أهمية هذه المقاربة المدروسة، في تسليط الضوء على حياة حسن مطلك الشخصية، وخلفيته الثقافية والفنية والاجتماعية، والمكانية إن شئتم.

وذلك لأن المخرج حاذق ومطل على الأحداث برمتها، وقد منح قرية “سديرة الوسطى” بطولة مساوية وموازية لشخصيات الفيلم الرئيسة، التي تتوزع بين أهله وذويه وأصدقائه من الكتاب والفنانين والمخرجين المسرحيين، سواء في قريته الحميمة أو في محافظة كركوك، التي كان يدرس فيها طلاب المعهد، ويلتقي بأدبائها وكتابها وفنانيها المعروفين محليا وعربيا.

وكانت هذه المادة كافية لإنجاز فيلم وثائقي ناجح، يهز المشاعر ويلامس الوجدان، مع أن المخرج علي ريسان لم يهمل الجانب المأساوي والنهاية المفجعة كليا، بل أشار إليها في مرثية وجهها إلى الشهيد الراحل حسن مطلك، وكانت خير نهاية فنية يمكن أن تسدل الستار على حياة كاتب وفنان متعدد المواهب، تنبأ بموته في باكورة أعماله الروائية “دابادا”، ومات قبل أن يبلغ الثلاثين.

ترك حسن مطلك لقُرائه ومحبيه إرثا يكاد يتجاوز 10 كتب، موزعة بين القصة القصيرة، والرواية “الحداثية”، والشعر، والسيرة الذاتية، والكتابات الحرة، إضافة إلى لوحاته الفنية الكثيرة التي انهمك بها منذ طفولته وصباه، حتى لحظة إعدامه التي تركت أثرا موجعا لدى أهله وأصدقائه ومحبيه، من القراء والمتابعين لتجربته الأدبية والفنية على حد سواء.

يعوّل المخرج وكاتب السيناريو علي ريسان على تقنية “الرؤوس المتكلمة”، وتعليق صوتي واحد فقط، ختم به قصة الفيلم المؤلمة، وتسجيل بصوت حسن مطلك يُستعمل أول مرة، يتحدث فيه عن تقنيات الرواية الحديثة.

وقد ارتأى ريسان أن يلتقي 3 شخصيات من عائلة حسن مطلك، وهم أخوه د. محسن الرملي، وهو قاص وروائي معروف يقيم في إسبانيا منذ سنوات كثيرة، وأخته كاظمية مطلك، وابن أخيه المعلم كامل الرملي، وخمسة أصدقاء آخرون.

كما أسند دور حسن مطلك في طفولته إلى حفيد أخيه، الطفل سامح ثروت حسين مطلك، الذين رأيناه في لقطات ومشاهد متعددة في مستهل الفيلم ونهايته.

 

        "يا أبي، تستطيع أن تفعل بي ما تشاء لكنك لن تفهمني أبدا" 

لا تكتمل قصة الفيلم من دون المرور على الشخصيات الرئيسة بمجملها، ولتسهيل عملية السرد سنتوقف أولا عند أبطال الفيلم من العائلة؛ أولهم أخوه محسن الرملي.

تحدث محسن عن موهبة حسن وشغفه المبكر بالرسم، لكن موقف والده -وهو رجل دين متشدد- سبب له مشاكل كثيرة، فمنعه من الرسم، وحرمه من الأوراق والألوان التي كان يوصي المسافرين بشرائها من المدينة، مما اضطره للرسم على الحيطان، أو على رمال الشاطئ.

ولعل موهبة الرسم المبكرة هي التي فتحت له باب السجن الموصد الذي كان محبوسا في داخله، فاستمر في الرسم سواء شاءت العائلة أم أبت. وقد خاطب والده المتزمت ذات مرة قائلا: “يا أبي أنا ملكك، وتستطيع أن تفعل بي ما تشاء لكنك لا تفهمني، ولن تفهمني أبدا، وحاول أن تتركني في الأقل”.

يتوقف د. محسن في إطلالته الثانية عند قلعة آشور، التي تقع على الضفة الأخرى من نهر دجلة، ليستكشفها ويكتب عن تفاصيل فضاءاتها الداخلية التي يتخيلها، فليست كل التفاصيل واقعية بل كان بعضها ينطوي على شطحات من الخيال المجنح.

يكشف محسن عن 3 تجارب حب قوية مرت بحياة أخيه حسن، بغض النظر عن علاقاته العاطفية العابرة، ويؤكد في إطلالته الثالثة على قوة حدس حسن، فقد تنبأ بموته قبل بلوغه الثلاثين.

ثم يعرج محسن على مشهد أمه التي تجلس إلى جوار النافذة، وتتطلع إلى الشارع العام، لعل سيارة تقف وينزل منها حسن، ولم تزل تنتظر حتى بعد إعدامه، إلى أن وافتها المنية ولم تحظَ برؤية فلذة كبدها، الذي التفت حول عنقه أنشوطة الموت.

يوحي لنا محسن في إطلالته الأخيرة بأن أخاه ما يزال حيا يرزق، وما تزال الصحافة تنشر الأخبار عن كتبه الصادرة حديثا، مثل “الكتابة وقوفا” وغيرها من الإصدارات.

 

كاظمية.. الشقيقة والصديقة وكاتمة الأسرار 

لا ترى كاظمية مطلك نفسها شقيقة حسن فقط، بل ابنته الصغيرة وصديقته وكاتمة أسراره، فقد حرضها على قراءة الروايات التي تناسب عمرها الصغير آنذاك، وكانت تهيئ له فرص اللقاء مع حبيبته، إما بالاتصال الهاتفي، أو بدعوة الحبيبة إلى منزلها، حتى تزوجت وسكنت في مدينة أخرى.

كان حسن ذا قلب طيب، لا يولي اهتماما كثيرا بالولائم والأعراس، ولا يخشى الموت، وكان يفضل العزلة التي يشتتها قلمه، وتبددها مكتبته المكتنزة بعيون الأدب العربي والعالمي.


تفوق دراسي في أجواء تعج بالمتميزين 

يورد كامل الرملي -وهو ابن أخي حسن- قائمة بأسماء أصدقائه الذين تعرف عليهم أثناء تدريسه في معهد المعلمين بكركوك، بعضهم كتاب ونقاد ومخرجون مسرحيون، فمنهم محمود جنداري، وعبد الله إبراهيم، وعواد علي، وعبد الرزاق محمد عزيز، وجعفر موسى وآخرين.

وقد كان يروي لهم الفعاليات والأنشطة التي تحتفي بها كركوك، بصفتها مدينة أدب ومسرح وثقافة، ويرى كامل أن عمه لو بقي حيا لشكّل ظاهرة جديدة في الرواية العراقية على الأقل.

ما يميز هذا الفيلم هو مصداقية المشاركين فيه، فهم يتحدثون بعفوية ولا يزوّقون كلامهم بالمحسنات اللفظية، فنرى صديقه المعلم إبراهيم أحمد خلف يقول إنهم في أواخر الستينيات كانوا يعانون من فقر مدقع، وكانوا يدسّون الدشاديش في بناطيلهم، بدل القمصان التي لا يستطيعون شراءها.

وكان من التلاميذ المتميزين هناك حسن مطلك، وإبراهيم حسن ناصر الذي أصبح أديبا معروفا في العراق، ولا ينكر إبراهيم منافسته للطلاب الأذكياء الذين يتبارون على المراكز الأولى، لكنه يقر بتفوق حسن بالرسم والخط والدراسة. 


        "العالم يُحكم بعصا واحدة لأن تعدد العصي يفسده"

يدلي الكاتب حسين العنكود -وهو من أصدقاء حسن المقربين- بآراء مهمة، منها أن التنقيبات الأثرية التي بدأت مبكرا في قرية “سديرة الصغرى” قد أثرت على ثقافة أبنائها، فقد زحف الوعي المتقدم إليهم أسرع من القرى والمدن المجاورة. كما أن قدوم المعلمين من شتى محافظات العراق أدى دورا كبيرا في تعليمهم وضخهم بالمعطيات الثقافية المتنوعة.

ويتذكر حسين كلام صديقه حسن الذي كان يقول: إن العالم يجب أن يحكم بعصا واحدة، لأن تعدد العصي يفسده.

وأشار إلى قصة “العرانيس” التي فازت بالجائزة الأولى عام 1984، وتنبأ بأن رواية “دابادا” سوف تحاربها لاحقا وسائل الإعلام، ونبّه إلى قدرته في الحدس، واستباق الأشياء بدقة متناهية.

تُرى، ماذا كان سيقدم حسن إلى الأدب العراقي لو عاش عشرين سنة أخرى؟

يعرِب الدكتور ياسين سلطان -وهو صديق طفولة- عن إعجابه بمكتبة حسن الكبيرة آنذاك، مع أنه يقطن في قرية صغيرة نائية.

أما المعلم المتقاعد محمد حسن، فيروي لنا ولع حسن المبكر بالمسرح الرمزي الجاد، فقد أخرج مسرحية “الطبيب” وجسدها معه على خشية مسرح متواضع. وقد حظيت هذه المسرحية الرمزية بإعجاب الجمهور، من الطلبة والأساتذة وأبناء القرية.

 

وعي متقدم وذكاء مفرط في كتابة الرواية الحديثة 

المتحدث الثامن هو المخرج المسرحي عبد الرزاق محمد عزيز، وقد تعرف على حسن مطلك سنة 1979، حينما كان يمشي مع الأديب محمود جنداري في أحد شوارع كركوك، ثم تطورت العلاقة، وصارا يلتقيان كثيرا، حتى أصبحا صديقين حميمين.

وذات مرة جلب له مخطوطة رواية “دابادا”، فأعجبته وأدهشته لما تنطوي عليه من وعي متقدم، وذكاء مفرط في كتابة الرواية الحديثة، التي كان حسن يراها تمرينا في كتابة الرواية الواقعية المطلقة.

ربما يكون صوت حسن هو الأكثر تركيزا على الجانب الأدبي، فقد ترك كل ما تعلمه من الفن الروائي، وبدأ يكتب وكأنه أول كاتب في العالم، كما نزع الرقيب من داخله، وتخلص من الرقيب الاجتماعي والسياسي والديني واستبعدهم، لكي يكتب بحرية مطلقة.

وكان يرى أن الأدب الجديد يجب أن يكون أدبا كليا، يتعالق مع الفنون والأجناس الأدبية الأخرى. أما التعليق الصوتي الوحيد فقد جاء على شكل قصيدة سلسة منسابة، نقتبس منها هذه الأبيات:

رحل إلى الحرية من أجل الحرية

تاركا لنا إرثا مدهشا لا يموت

ودرسا بليغا في حب الكائنات للأوطان

فهو القائل: “أغار عليك يا وطني

وضحى بكل شيء من أجل حرية وطنه

ومر كشهابٍ فوق هذه الأرض

فكان عليها شاهدا

ومر عليها شهيدا

ومن الجدير بالذكر أن المخرج علي ريسان مخرج سينمائي عراقي، يقيم في السويد حاليا، وقد أنجز حتى الآن أربعة أفلام وهي:

  • الأمكنة المشاكسة”.
  • صاعد السلالم”.
  • مرثية بزيبز”.
  • دابادا.. صرخة حسن مطلك”.

ويفكر بإنجاز فيلمه الخامس عن القاص الراحل محمود جنداري.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشر في موقع (الجزيرة) الوثائقية، بتاريخ 5/3/2025م

https://doc.aljazeera.net/cinema/2025/3/5/%D8%B5%D8%B1%D8%AE%D8%A9-%D8%AD%D8%B3%D9%86-%D9%85%D8%B7%D9%84%D9%83-%D8%AD%D8%B6%D9%88%D8%B1-%D9%84%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A9

03‏/03‏/2025

{دابادا}.. ترنيمة حسن مطلك الحزينة

 

{دابادا}.. ترنيمة حسن مطلك الحزينة

علي حمود الحسن    

استمتعت بمشاهدة الفيلم الوثائقي 'دابادا' للمخرج المغترب علي ريسان، الذي أرسله لي مشكورًا قبل أيام. لكن هذه المتعة لم تكن كاملة، إذ امتزجت بشعور من الأسى والحسرة، الفيلم الذي ينتمي إلى أسلوب الديكودراما، يتناول السيرة الحزينة للروائي والرسام العراقي حسن مطلك، الذي أُعدم شنقًا عام 1990 عن عمر ناهز الـ 29 عامًا، بعد حياة حافلة بالإبداع والتمرد، ليس فقط على واقعه الضيق بأحلامه، بل على نظام شمولي صادر حياة شعب بأكمله. وكان ريسان موفقاً باختيار عنوان رواية حسن مطلك الفريدة وغير المتوقعة "دابادا"، اسماً لفيلمه الذي اقتفى به طفولة صديقه ثقفي المزاج وحتى نهايته التراجيدية، من خلال راوٍ منحاز ومجموعة منتخبة من أسرة مطلك وأصدقائه، فكانت سيرة بصرية ضاجة بالحنين.. كتب السيناريو للفيلم ريسان نفسه، ومثل طفولة حسن الفتى سامح ثروت، وصوره احمد الهلالي، ومنتجه صافي الداودي، ووضع موسيقاه التصويرية خالد كاكي، وترجمه علي سالم، وهيأ المادة الأرشيفية وتابعها الكاتب محسن الرملي.  

اعتمد المخرج أسلوب الديكودراما من خلال تجسيد الفتى سامح ثروت لطفولة حسن مطلك وسط قرية "إسديرة" في الشرقاط، فمن خلال مشاهد افتتاحية نقتفي أثر حسن الفتى المغترب، متأبطاً كتابه متلمساً بيوتاتها الطينية، ومتجولاً  في أروقة ودهاليز قلعتها الآشورية، لينتهي به المطاف متأملاً نهر دجلة، هذا المدخل البصري المنفذ بجمال وانسيابية، هو العتبة الأولى التي ستأخذنا إلى عوالم هذا الكائن العراقي الجميل، من خلال تعاقب شهادات مجايليه من أسرته  وأصدقائه، الذين تحدثوا بعاطفة عن حسن؛ الرسام، والشاعر، والروائي المتمرد على رتابة قريته ومحدودية أفقها.  

بأسلوب سلس وإيقاع متزن، أدار ريسان شهادات خمس شخصيات فصيحة ومتحمسة لحياة حسن مطلك، بكل إشكالياتها وتمردها، فقد عاشوا معه وتفاعلوا مع أفكاره، فتى يقرأ بنهم ويشخبط على الورق والحيطان، وشاباً مثقفاً يكتب ويرسم ويمثل.  

يؤكد أخوه الكاتب محسن الرملي: "أن حسن هو أول من رسم في "إسديرة"، وقد تحمل الكثير جراء ذلك"، وأدلى المعلم التربوي إبراهيم احمد خلف بشهادته عن أيام التلمذة برفقة الشهيد، إذ زامله في المدرسة الطينية الوحيدة في المنطقة، يومئذ كانوا فقراء لا يملكون قمصاناً، "فقط بنطال نحشر فيه الدشاديش.. وكان حسن الأذكى والأشطر"، بينما تحدث صديقه الكاتب حسين العنكود عن تأثره بمعلميه المتنورين، فضلاً عن وجود القلعة الآشورية التي جلبت علماء الآثار، ما أضفى على "اسديرة" اختلافاً ومدنية، ويستذكر قريبه د. ياسين الذي يصغره بالعمر مكتبته الطينية التي وصفها بـ "الضخمة" رغم صغر سنه، وقال ابن أخيه كامل الرملي :"عُيّن حسن أستاذاً في معهد المعلمين بكركوك، حيث تفجرت مواهبه وتعمقت صداقاته مع مثقفين وأدباء وفنانين"، ويسترجع المخرج المسرحي عبد الرزاق محمد ذكرى لقائه بحسن الروضان عام  1979، وكيف انبهر بنصه "دابادا"، وقال الرملي: إن الذي فجر موهبة الكتابة عند حسن، "هو فضوله لدراسة الرسم"، بعدها يأتي صوت الشهيد واثقاً وهو يتحدث عن روايته وكيف "محا من ذهنه كل ما عرفه عن كتابة الرواية، وتجاوز كل أنواع الرقابة  في داخله"، وكانت شهادة اخته كاظمية من أجمل الشهادات وأكثرها صدقاً وبراءة، لا سيما حديثها عن ولعها بكتبه وتأثرها به، وسعادتها، لأنها كانت كاتمة أسراره.

سبك ريسان هذه الشهادات العذبة بإيقاع محبوك يمنع الشعور بالملل، مع تنقلات بين المتحدثين، كانت في معظمها سلسة ومبررة وأعطى تجسيد شخصية البطل التي أداها الفتى سامح ثروت زخماً درامياً للأحداث.  

 آزرت الموسيقى الأحداث وعمقتها، وإن كان الصوت المصاحب مستهلكاً، لفرط توظيفه في الأفلام المحلية، كنت أتمنى الاكتفاء بصوت العود الذي كان مناسباً وداعماً لإيقاع الفيلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشرت في صحيفة (الصباح) العراقية، العدد6119، بتاريخ 3/3/2025م

https://alsabaah.iq/110983-.html

 

https://alsabaah.iq/uploads/public_files/2025-03/6119.pdf