19‏/07‏/2024

في ذكرى حسن مطلك / محسن الرملي

 

في ذكرى رحيله

حسن مطلك.. قارَعَ "البَطح الاجتماعي" والسُلطات


محسن الرملي

يصِف لوركا، الأديب الإسباني الذي قتلَته الدكتاتورية وهو في ريعان شبابه وإبداعه؛ "الروح المبدعة" بأنها كالسائر على حَبل، لا خيار أمامه، إما تكريس كل طاقاته الذهنية والجسدية ليُبدع في السير على الحبل أو السقوط والموت، أي إن الإبداع يعني الحياة نفسها بالنسبة للمبدع.. فما بالك بحبل مُحاط بالنيران من كل الجهات، كما هو الحال مع لوركا العراقي حسن مطلك، الذي قتلَته الدكتاتورية وهو في ريعان شبابه وإبداعه، والذي منذ أن انتبه إلى موهبته طفلاً، حاربه الجميع بضراوة؛ الأب والعائلة والمجتمع القروي والمديني والسلطة التي أعدمته شنقاً، في بغداد، بتاريخ 18/7/1990 الساعة السابعة مساءاً، وهو في التاسعة والعشرين من عمره، بعد ستة أشهر من أنواع التعذيب الوحشي، حاكمَته وفق قواعد مزاجها الدموي، في (محكمة الثورة) المُرعبة، بلا دفاع ولا محاماة، وبلا أية قوانين أو ضوابط تتعلق بحقوق الإنسان، ومنعَت أهله حتى من السؤال عنه، فكانت أمه العجوز تكتفي بالجلوس أمام نافذة البيت، ليل نهار، مُنتظِرة قدومه، مكتفية بالدعاء والبكاء والتدخين، حالمة بعودته.. إلى أن أعادوه إليها جثة هامدة، مع تحذيرات صارمة من إقامة أي مأتم أو عزاء له.

كان حسن مطلك فناناً (رسم، خط، نحت، كاريكاتير، تصميم ومَسرح)، وأديباً (شِعر، قصة، رواية، يوميات ومقالات نقدية). ولِد في قرية (سُديرة أو اِسديرة) التابعة لقضاء الشرقاط، شمال العراق، بتاريخ 14/9/1961 وفق سجلات المدرسة الابتدائية، لا وفق سجلات دوائر النفوس، التي تلاعبت بمواليد ملايين العراقيين باستخفاف عجيب. كان طفلاً هادئاً، مُسالماً، رقيقاً، شارد الذهن، متأمِلاً بصمت مُقلِق لعائلته، إلى أن اكتشف موهبته، وهو في الصف الرابع الابتدائي، حين كلَّفهم المعلم برسم لوحة بعنوان (الراعي)، فانطلق يبحث عن الرعاة في حقول وبراري قريته، وعن تلك الذكرى، يقول، في حوار أُجري معه وهو في الثامنة عشرة من عمره: "رحتُ أرسم كل الغَنم باهتمام، ولونتها باهتمام، ففرِح المعلم برسمي كثيراً وشجعني بأن أهداني علبة ألوان، فواصلتُ الرسم.. وهكذا اخترتُ طريق الفن، وإن كان هذا الاختيار فوق طاقتي، شيء ليس لي مقدرة على رفضه. قوة تنبع من داخلي، ثورة، تدفعني إلى أن أُنفذ هذه الأشياء، وأن أحس بها وأُصورها، قوة ما، دفعتني إلى أن أرسم، وهكذا كان اختياري فوق إرادتي، وإن كان اختياراً صعباً". ومن حينها، دخل في صراع مرير مع محيطه، ففي رأيه "إن حَرب الأديب ضد السُّلطة، بكل أشكالها، هي حرب دائمة"، وبدأت أُولى حروبه ضد ما كان يُسميه "البَطح الاجتماعي"، أي ضد ضغوط محاولات تركيعه وثنيه عما يريد، فتوجهه إلى الفن، وهو ابن رجل دين وعشيرة، في مجتمع قروي، كان صادماً "لأنني أتيت بشيء جديد، شيء لم يعرفه هذا المجتمع، أعتقد بأنني أول رسام في هذه المنطقة، وقد جئتهم بشيء كهذا لأول مرة، أقصد الرسم، فمن الطبيعي أن ألاقي صعوبة، كل شيء جديد يُطرح سيلاقي مصاعب ويلاقي الرفض. كان تأثير الأهل أكثر، عرقلوا مسيرتي منذ البداية، منعوني من الرسم ومن كل ما يتعلق به، عندما نفدت كل الأوراق الموجودة عندي، لم يعطوني نقوداً لكي أشتري أوراقاً، فماذا فعلت؟ رحتُ أرسم على الحيطان وعلى الأرضيات الرطبة، ومزقتُ أغلفة الكُتب كي أرسم عليها، كنتُ طفلاً.. ومع كل هذا، استمريت، أريد أن أحقق هذه الأشياء التي تفور في داخلي، أن أُجسدها، أريد أن أراها بعينيّ، فاستمريتُ أرسم واستمرَّت العَرقلة، ووصلتُ إلى مرحلة متقدمة، اِزداد وعيي، وازدادت معرفة الناس بي كرسام، فأخذ أهلي يُضايقونني أكثر، يمنعوني من الرسم ويضربونني.. لكنني بقيت صامداً... بعد ذلك، مررتُ بفترة من الخمول، بسبب المعارضة الشديدة والمعوقات المجتمعية، ولكن، سرعان ما عادت الثورة في داخلي من جديد، فصرتُ أرسم بكل قوة، وأُعارض بكل قوة.. وأتحمَّل الضَرب والإهانة.. وأتحمَّل كل شيء، ناضلتُ نضالاً مريراً في سبيل هدفي وما أُريد أن أعيشه والمبدأ الذي أؤمن به، ولكن بشكل محدود، لأن حريتي مُقيَّدة، مثل الحلزون؛ يتحرك ضمن قوقعة محدّدة، لا يستطيع التحرك خارجها، مع ذلك، أحسستُ، بشكل ما، أني مسرور وسعيد لأنني أعيش معاناة، والمعاناة خلَقَت مني فناناً ناضجاً، والمعاناة هي التي تخلق الرجال".


كان حلم حسن مطلك أن يدرس في (أكاديمية الفنون الجميلة)، لكن معارضة أهله الشديدة حالت دون ذلك "الناس هنا يعتبرون الفن شيئاً جديداً، ثورة أو تمرداً ضد عالمهم، يعتبرونه خُروجاً عن الخط الأخلاقي والخط الديني.. وأشياء من هذا القبيل. يعتبرونه كبِدعة.. أو مُنافياً للدين والأخلاق، لكن ما أراه أنا، هو أني أعتبر الفن تَصوّف عظيم، اِتصال هائل بالطبيعة وبالله، فالفنان عندما يرسم شجرة أو يرسم جبلاً أو يرسم هذه المخلوقات التي تحيط به، التي خلقها الله، فهو يكون أكثر التصاقاً بالطبيعة وأكثر إحساساً، إذ يكون أكثر اتصالاً وأقرب إلى الله، هذا هو رأيي، أما أن يُقال إن الفن مُنافي للخط الأخلاقي، فهذا غير وارِد، وبالطبع؛ يوجد هناك من يُسيء للفن باسم الفن". كان حسن مطلك يتفهم ذهنية المجتمع الذي تقمعه، ولذا فهو لم يتَخلَّ عنه وعن الالتزام بقضاياه: "أنا أعتبر الفن خط أخلاقي، والفنان فيه ملتزم بما يتعلق بالمجتمع الذي يعيش فيه، الفنان حساس كجناح فراشة، يتألم لآلام الواقع الذي يعيشه، ويحاول أن يثور مع الناس إذا ثاروا، يتألم معهم إذا تألموا ويفرح إذا فرحوا".

لقد جاء تفتح وعي حسن مطلك تجاه ذاته ومحيطه الاجتماعي والعالَم، مع ومن خلال الرسم، وكانت مواجهاته والصعوبات التي مر بها قاسية، بحكم رفض محيطه لمواهبه وأفكاره وأفعاله، الأمر الذي أثَّر كثيراً على شخصيته ورؤيته، وبالتالي تقوية وعيه وسمة المقاومة والتحدي والتمرد فيه. يقول: "لم أستطع تحقيق أُمنيتي بدراسة الفن، فبقيتُ سنة كاملة بلا دراسة، ولكن رغم هذا، فحتى وإن ذهبتُ إلى أصعب مجال، وحتى إن تم سَوقي إلى الخدمة العسكرية الإلزامية، فسوف يبقى الفن أُمنيتي، ولابد أن أحققها. هذا الطريق الذي بدأتُ به وآمنت به، لابد أن أستمر فيه حتى النهاية.. إلى أن أنتصر، رغماً عن كل العَقبات". كان يزداد إصراراً واجتهاداً وعِناداً وتحملاً وتصدياً لما يلاقيه: "إنها قصة البَطح الاجتماعي العشائري ضِدي ــــ أنا ــــ كشخص (عاق وساقط ومنحرف وغريب ومعقد وطفل) في نظركم جميعاً، بما في ذلك أصحاب الوعي الذين تناسوا الدفاع عن فكرة نبيلة... إنها بداية طريفة لقصة هزليّة، أنا كاتبها وبطلها وضحيتها. إنني أبسَط مما تُصورون، وأكبر مما تظنون".

 قاده شغفه الكبير بالرسم إلى تطوير معارفه فيه عبر القراءة عنه، ثم قادته قراءاته عن الرسم إلى قراءة الآداب، فاكتشف ذاته وطاقاته بشكل أكبر وأفضل.. حتى وجد نفسه وتوازنه واقفاً على ساقين متساويين، هما الرسم والكتابة.

توجه إلى دراسة علم النفس في جامعة الموصل، فأحب الموصل وأحب إحدى بناتها وأحب علم النفس، معتبراً إياه رافداً جوهرياً في تعميق نصوصه. تفتحت مواهبه هناك أكثر، حيث أقام معرضاً للوحاته، قال عنه أُستاذه في الرسم، الفنان الرائد ضِرار القَدّو: "إن هذا الفنان يُبشر بميلاد مسيرة فنية جديدة". كما شارك الفنان الموصلي أكرم الياس بكر، في أكثر من عمل ومعرض لرسوم الكاريكاتير، وقال عنه: "كان حسن مطلك رساماً كاريكاتيرياً. ويدعو نفسه باسم آخر مُضحك هو (نسح كلطم ناظور) وهو كناية، وقراءة مقلوبة، عن اسمه (حسن مطلك روضان) ويوقع به على لوحاته الكاريكاتيرية التي يرسمها معي في معارض الجامعة.. تلك الرسوم التي أبكت الطلبة أكثر مما أضحكتهم في ذلك الزمن الغابر. زمن بداية الحروب".

سنة 1981 نشر حسن مُطلك أول قصة له (الحاجز) في صحيفة (الحدباء) الموصلية، العدد 62، ولنجاحها، طالبوه بأخرى، فنشر قصة (الاكتظاظ) في العدد 65، وكتب الدكتور عمر الطالب أول مقال عنه، يُطري أسلوبه، ويُبشر به كاتباً... وبعد ثلاثين عاماً، كان الدكتور عمر الطالب أول من يترأس لجنة مناقشة لأول أطروحة دكتوراه عن الخطاب الروائي عند حسن مطلك.

سنة 1982 أصدر مع زملائه مجلة (المُرَبّي)، وكان مُصمماً لغلافها ولرسومها الداخلية والمشرف الفني عليها. يقول سكرتير تحريرها الكاتب فارس السردار: "كانت تجربة غاية في التفرد والمغامرة... مع (المُرَبّي) اندفع حسن مطلك ينجز أشياءه بصمت، لا أذكر أني سألته أمراً إلا ووجدته منجزَاً. هنا اقتحم النقد الأدبي والتنظير في الفن التشكيلي من خلال نصين أحدهما (قراءة في موسم الهجرة للشمال) للطيب صالح مع محمد نجيب، والآخر (الفنان التشكيلي بين الإقرار بالالتحام والنزوع نحو التمرد). كان واضحا في هذا النص أن حسن قدم رؤاه في الجمال والفلسفة والفن التشكيلي، وأفصح عن مرجعية تمرده. يقول حسن: "التمرد يكمن في اللحظة التي يكتشف الفنان فيها جمال الشيء فينقله بأية أداة بصرية أم صوتية أم حركية، لا بالصورة التي سبقت الاكتشاف، إنما التي جاءت بعده". ويقول أيضاً: "إن الفنان ينظُر غالبا إلى الأشياء كتحديات سهلة الخضوع والاستسلام، وهذا يُفسر شعوره الدائم بالعنفوان والقوة". كانت لحظة حُب، تجمع في بؤرتها جهد مثمر وحثيث. وحروف هطلت من سحب بيضاء طرزتها صبوات، تطفئ أسئلة، وتعود فتشعلها. في هذا الوقت بالذات، كان حسن مطلك قد بدأ يُوغل في تجربته التشكيلية ويؤصلها. تنطفئ الساعات في مرسم الجامعة، لتضيء مساحات من قطع القماش المؤطَّر بالألوان التي تتركها فرشاة حسن بجرأة مذهلة. كان حسن يحاول أن يؤسس شيئاً".

أصبحت حساسية حسن مطلك عالية تجاه كل شيء. "إنكَ لا تدري ــــ يا صديقي ــــ شيئاً عن الغربة التي أعيشها بينكم.. كغربة المُصاب بمرضٍ معدي، وليس لي ذنب سوى أنني أكثر حساسيّة. أنا وحيد ومُتعَب ومعزول، لسبب واحد، هو أنه ليس لي أشباه". وكان يضيق ذرعاً بكل أشكال السُلطات؛ البيروقراطية والأكاديمية والاجتماعية والسياسية والثقافية، فيتمرد عليها وعلى الأساليب التقليدية في الفنون والآداب، وصار هاجس التحرر منها مُتجذراً فيه، يقول: "أمامي إرهاب اِجتماعي ضد الفن ولصالح المال، لصالح الكذب والمساومة". "كنتُ يومها مهزوماً تحت وطأة البَطح الاجتماعي واللذة المزيَّفة التي نشعُر بها جميعاً حين نسلم ضميرنا الخاص إلى الجماعة، وقررتُ ذات يوم، أن أنتصر لنفسي المفرَدة، لأنني ــــ وبكثير من الغرور ــــ أرى ألا شريك لي على مستوى الاعتزاز بقدسية نفسي كإنسان واعي". إلا أن توقه لتحرره الفردي لم يكن فردياً حقاً، لأنه لم يفصله يوماً عن توقه لتحرير محيطه، تحرير وطنه، يقول: "أغار على وطني.. الذي كُلما قارنتُ أدبه بآداب الشعوب اكتأبتُ.. ودفعني ذلك للقراءة والكتابة.. وستبقى تلك الغيرة تنهشني حتى أحقق ما يحققه كاتب عظيم لوطنه.. أو أهلك دون هذا الأمر". ولشدة توقه للحرية وشدة حبه لوطنه، كتبنا على شاهدة قبره، عباراته هذه:" أغار على وطني... اِشتقتُ إلى الحرية من أجل الذود عن الحرية".

أنهى حسن مطلك دراسته الجامعية عام 1983 وسِيق لأداء الخدمة العسكرية الإلزامية، "أُعلِن لكم عن فجيعة صغيرة، غير مُحزنة.. بل مُفتِّتة.. لقد دَمّرَتني العسكرية، حيث لا راحة بال ولا نفس.. لا حق للعقل ولا حق للجسد ـــ هنا الشتائم... لقد كنتُ أدّعي المعاناة والآن أعيشها"، ونُقل إلى جبهات الحرب المُستعرة بين العراق وإيران، إلى ساحات حرب حقيقية، زجته السلطة في أتونها، وسط النيران والموت، "الحرب أكلَت نفسي وأكلَت محيطي".

وفي رسالة بعثها إلى أهله من (هور الحويزة) يقول:".. طبعاً ليس هناك أي راحة لنا هنا: السَهر، والواجبات وحَفر الخنادق، وإنقاذ الجرحى وإخلاء الشهداء.. ولا نعلم ما الذي سيجري بعد ساعة. ولكن اِطمَئنوا، كل شيء بيد الله... أرجو أن تعملوا ما بوسعكم للاتصال بالذين تعرفونهم لغرض نقلي إلى أي مكان". ولكنه رفض فرصة النقل حين جاءت إليه مشروطة من قِبل السُلطة، ففي جزيرة (أم الرصاص)، عرض عليه عبد الأمير معلة، أحد كبار المسؤولين الثقافيين الزائرين للجبهات، ببدلات عسكرية زيتونية اللون، لالتقاط الصور من أجل الإعلام، أن يكتب مباشرة لتمجيد (القائد)، أو على الأقل، أن يرسمه في لوحة بورتريه كبيرة، كالتي كانت شائعة في تلك الأعوام، وتملأ كل ساحات وشوارع ومباني ودوائر البلد من شماله إلى جنوبه، وتعهد له، إن فعَل، فسوف ينقله من الجبهات إلى بغداد ليمضي بقية خدمته الإلزامية في إحدى دوائر ومؤسسات إعلامها وفنونها، لكن حسن اعتذر عن ذلك قائلاً بأنه لا يعرف، وبالطبع فهم المسؤول المثقف بأن ترجمة "لا أعرف" هي "لا أريد"، فرَبَّت على كتفه وقال: "فكِّر بالأمر"، وهو على يقين من أن هذا الشاب الذي برز اسمه حديثاً بنصوص مغايرة ومختلفة، لن يفعل، فهو شخص مُغاير ومُختلف، مِثل نصوصه.

يقول حسن مطلك: إن "المُتسَلِّط يرى العالَم أبيض وأسود، يرى العالَم بدون ألوان.. بلا معنى، أي يستهين بالعالَم لأنه لا يرى ألوانه الحقيقية، يراه مجرَّداً من الألوان، إذاً فهو مُجرّد من الحِس، على الأقل حِس البَصر.. والبَصر يعني الإبصار. إذاً فهو لا يمتلك رؤية للعالم، أي أنه يرى ولكنه لا يُبصر." وإن "رجال السُلطَة حمير، ورأس السلطة حمار ينهق ليل نهار ويلبس فروة الأسد".

وبعد تسرحه من الجيش، وانضمامه إلى سلك التعليم في المدارس والمعاهد، عاود العمل بشكل أكثف على مشاريعه الإبداعية، وبروحية التوق نفسها للتغيير والتمرد على السائد، في الأدب والمجتمع. "أكتشفُ الآن، أن الذي يُحركني في كل سلوكي هو الغضب". "الكتابة المُخلِصة، هي.. الاحتراق، الإبداع والخلق والابتعاد عن الزيف والمؤسسات والدعاية والشهرة.. الاسم لا يهمني، إنما العمل، نوعيته"، فكتب ونشر العديد من القصص المختلفة شكلاً ومضموناً، وراح يعمل بلا كلل على روايته (دابادا)، "أُريد رواية بمستوى مكوك الفضائية (تشالنجر)... وسأعمل هنا، في عزلتي القاسية التي أتعرض فيها يومياً إلى البطح الاجتماعي، وأُصبح هدفاً لمسدسات العشائر في لحظات الأعراس، سأعمل على إزالة القشرة الناعمة عن الأدب"، وفيها يتعرض لنقد السلطات أيضاً بقوة ورمزية، فما زالت معركته معها مستمرة، وبالطبع، رفضت المؤسسات الثقافية في العراق نشرها، فنشَرها في بيروت على حسابه الخاص، وهي الكتاب الوحيد الذي أصدره في حياته، بينما قمتُ أنا بنشر أعماله الأخرى بعد رحيله بأعوام، ومنها: (الأعمال القصصية)، رواية (قوة الضحك في أُورا)، ديوان (أنا وأنتِ والبلاد)، (العين إلى الداخل) كتابة حُرة ويوميات، (الكتابة وقوفاً) تأملات في فن الروايةً، (كتاب الحُب ـ ظِلالهن على الأرض) شهادة تصف العشق انطلاقاً من تجربته الخاصة، (أعراس الكُرة الأرضية)، كتاب شذرات، يضم أهم أقواله، وسنُصدر هذا العام كتاباً آخر له، بعنوان (أنا مُعلِّم نفْسي)، يضم رسائله والحوارات معه ونصوص أخرى. وتتميز مجمل أعماله بعمق التأملات والمعاني، بقوة اللغة وجمالها، وبتوظيفها العالي لتقنيات الحداثة والتجريب، مما يجعل أغلبها عصيّة على القارئ العادي، لأنها أعمال غير عادية، لا تمنح نفسها بسهولة، وتتطلب قراءتها أكثر من مرة، لأن قارئها سيكتشف شيئاً جديداً مع كل قراءة جديدة.

ورغم كل ما أنجزه وهو في أول انطلاقته الإبداعية، فإنه لم يكن راضياً عن حال وطنه، ويردد: "أُريد أن أحقق حلمي في التأثير على الواقع.. هل أستطيع؟ المعاناة، الغربة، الصراع ـ مقابل ـ الجهل، التخلف، العشائرية، الدكتاتورية والاضطهاد السياسي.. الموروث الاجتماعي والنفسي.. أمام كل هذا الركام الهائل". "أُريد أن أخرُج إلى الرجولة والعمل القاتل، عمل الكتابة.. أخرُج إلى المسؤولية. أُريد الحرية". وكان يرى بأن السكوت لم يعد ممكناً على بقاء الدكتاتور الطاغي، بعد أن انتهت الحرب، حيث كان الأمر يتطلب التركيز على الدفاع عن الوطن وتحمل كل شيء من أجله، وأن ما يحاول الدكتاتور من ترويجه لنية التغيير السياسي والانفتاح في الحريات والديمقراطية، إنما هو محض أكاذيب، وهي لا تعفيه من المحاسبة عما ارتكبه من جرائم وتخريب للبلاد وزجها في هذه الحرب. ويذكُر: "عن دكتاتورية الدولة، هناك رواية اسمها (العجلة الحمراء) في عدة مجلدات، كتبها روائي اسمه (سولجينيتسن) يعيش خارج بلاده، وقد حصل على جائزة نوبل للآداب.. في هذه الرواية يتحدّث عن ثورة روسيا منذ سنة ١٩١٧م، ولحدّ الآن. إنَّ في الاتحاد السوفيتي أشد أنواع الديكتاتوريات، فالمواطن هناك أينما يَفتح المذياع يَسمع: هنا موسكو! ولا يعرف عن أخبار العالَم إلا ما تَسمح به السُلطة". كما يردد ضاحكاً: "أتذكّر كلمةً للروائي (حَنا مينة) يقول فيها: يبدو إنني أكتب لمصلحة السُلطة؛ وإلا فما الذي يفسر بقائي حياً حتى الآن!؟".

كان حسن مطلك يُعبر عن سخطه من النظام الحاكم في كل المواقف والمناسبات بجرأة تصدم سامعيها، لشدة ما عُرف عن بطش النظام حينها بكل من ينتقده بكلمة، "قريبة هي الساعة التي سأقول فيها لكل شيء: وداعًا"، وهكذا إلى أن اشترك، مع مجموعة من أصدقائه الضباط، بالإعداد لمحاولة قلب نظام الحكم، وكان يقول: "الكتابة موقف (في السلب والإيجاب) والموقف كلام يتحوّل إلى فعل، فكيف نكتُب عن الاختيار إذا كنا عبيداً؟". ومثلما حدث مع شاهين، بطل روايته؛ "قد نُجرب نحن قَتلاً بائساً أو قتلاً غير ناجح، لأننا نَستخدم المدية بشكل مقلوب، وإن كانت كل هذه الحالات تُعتبر حالة ثورية ضد السُلطات". فشلت المحاولة، ورفض حسن مطلك الهرب خارج بلاده، فتم اعتقاله في صبيحة السابع من كانون الثاني/يناير 1990 من أمام مدرسته وطلابه، ولم يعد بعدها إلا جثة هامدة، وصرخت حبيبته هُدى: "كيف هدأت تلك الروح العنيدة! كيف؟! وقد كان يقول لي ويردد دائماً: "أنا الذي لا يهدأ أبداً".. وها هو بهذا الهدوء والسكون الأبدي..!!؟"

لا، لم تهدأ تلك الروح العنيدة يا هدى.. فقد ظلت تتحرك بيننا بعنفوان، تمدنا بألوان رسم الكلمات والمعاني، "الفنان وردة يقطفها الناس ليتمتعوا بعطرها وجمالها"، ويواصل الشباب قراءة أعماله، ومحاولات فك ألغازها وتتبع خطواته، حتى أن أحد الشباب القادمين من ديرته للمشاركة في ثورة تشرين 2019، اتصل بي، وأقسَم بأنه قد رأى حسن مطلك بينهم، في (ساحة التحرير) يهتف للحرية، إلا أنه لم يكن متأكداً من أنه قد رآه في الواقع أم في الحلم.. ولكن لا فرق، فحسن مطلك يقول: "بالحلم يَتَجَدَّد كل شيء".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشرت في منصة (جمار) بتاريخ 18/7/2024م

https://jummar.media/5724 

31‏/01‏/2024

الكتابة وقوفاً.. عمل فريد/ غيداء السعدي

 الكتابة وقوفاً .. هذا العمل فريد 

غيداء السعدي

بداية من العنوان، إذ يطرح حسن مطلك في هذا الكتاب؛ فكرة جريئة حول الكتابة، مقترحاً أن الكتابة في وضع الوقوف ليست مجرد تغيير جسدي، بل هي ثورة في كيفية التعامل مع الكتابة نفسها.

يناقش الكتاب بعمق، تأثير الوضع الجسدي على الإبداع ويستكشف كيف يمكن لهذا التغيير أن يفتح آفاقاً جديدة في التفكير والتعبير. يركز مطلك على أهمية تجديد النظرة للكتابة والرواية، متحدياً الأفكار التقليدية ومشجعاً على إيجاد صوت فريد لكل كاتب.

تناول مفاهيم مثل الزمان والمكان في الرواية وأولى أهمية كبرى للزمان، وكيف يمكن أن يؤثرا بشكل كبير في بنية وتطور الرواية.

يبحث مطلك في العلاقة المعقدة بين الواقعي والخيالي في الأدب، وكيف لهذين الجانبين أن يتداخلا ويثريا السرد.

يتحدث عن قوة الأدب وعلى كيفية تشكيل الأدب وتأثيره في هويتنا وفهمنا للعالم من حولنا، وكمثال استذكرت رواية "لمن تقرع الأجراس" لإرنست همنغواي. هذه الرواية، التي تدور أحداثها خلال الحرب الأهلية الإسبانية، تقدم ليس فقط صورة معقدة للحرب وتأثيراتها، ولكنها تستكشف أيضًا موضوعات عميقة مثل الحب، الفداء، والتضحية.

في الرواية، يتم تصوير الشخصيات بطريقة تجعل القارئ يتفاعل مع مشاعرهم وتجاربهم الشخصية بشكل عميق. من خلال تجارب الشخصية الرئيسية، (روبرت جوردن)، يتم استكشاف مفاهيم مثل الواجب والحب في سياق الحرب، مما يدفع القراء إلى التفكير في معنى هذه المفاهيم في حياتهم الخاصة.

تأثير “لمن تقرع الأجراس” يتجاوز القصة المروية ليتمدد إلى الطريقة التي يفكر بها القراء حول الصراعات الإنسانية، العلاقات الشخصية، وأسئلة الأخلاق والوجود. هذه الرواية تدفع القارئ إلى التأمل في هويته الخاصة ومكانه في العالم، وكيف تتأثر هذه الجوانب بالتجارب والعلاقات الإنسانية.

بهذه الطريقة، يمكن للأدب أن يكون أداة قوية للتأثير في طريقة فهمنا لأنفسنا وللعالم من حولنا، وذلك عبر تقديم تجارب ومشاعر وتفكير شخصياته بطريقة ترغمنا على التفكير في مواضيع عميقة وأساسية في حياتنا.

"الكتابة وقوفاً" ليس مجرد كتاب عن الكتابة؛ إنه استكشاف للأدب ككل، ودعوة للكتّاب والقراء للنظر إلى عالم الرواية بطريقة جديدة ومبتكرة.

يجعلك هذا العمل (الكتابة وقوفاً) تفكر ملياً في القوة الكامنة في الكلمات والسرد، وكيف يمكن لهذه الأدوات أن تشكل وعينا وتجربتنا الإنسانية.

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=10222997533239155&set=pb.1604131335.-2207520000&type=3

06‏/10‏/2023

عن كتاب الحب لـ حسن مطلك / ورود الموسوي

 «كتاب الحب» لـحسن مطلك

.. «ظِلالهن على الأرض» 

ورود الموسوي

أيُّ يدٍ اسْتطاعتْ خلق هذا الشعور الغريب المرهف القاتل الذي نسمّيه حبّاً؟ أيُّ يدٍ استطاعت أن تدسّه برفقٍ في شرايين البشر وتوزعه على أوردتهم بجرعاتٍ مميتةٍ أحياناً ومنمِّلةٍ أحياناً أخر؟ كيف يمكن فهم هذا الشعور النادر وتلك اللحظة المارقةِ كسهمٍ يخترق قلبك ليستقر في دمك وتشعر بسريانه وارتعاشه المُتَكَرّرِ في كيانك العصبيِّ كلّه؟!

هذا الكائنُ الرقيقُ الشفيفُ اللطيفُ الخفيُّ الذي لم يستطع أحد من الفلاسفة القدامى بما فيهم أرسطو، ولا فلاسفة العصر الحديث، ولا حتى علماء النفس - الذين راحوا يضعون أنماطاً وأشكالاً للحب – إيجاد تفسيرٍ أو تعريفٍ واحدٍ له غير تسميته بكل تجرّد «حباً»، وأنّه «يُشبه الأسطورة التي يعجز الفَهمُ البشريُّ عن إدراك كنهها أو ماهيتها، إذ لا يستطيع أحدٌ التعبير عنها إلا مَن صدّقها في معناها» بحسب قولِ أرسطو.

المولّد الأول

لكنّي حين أمعنُ النظرَ بالحبِّ محاولاً إيجاد تفسير له أو معنىً، أجدهُ يُشبه الى حدٍ كبير في سِرّانيّته ونورانيّته وكُنهه المبهم «الرُّوح» وكيف لا، وهي مسكنه الأول وموطنه الأمّ ومنها انطلاقته البكر ومنها تجواله في قلوب الناس وملله منهم أيضاً!

فالروح هي المحرّك الأول والمولّد الأول للحب وبعد استعداده لقبول روح أخرى سيهبطُ الى النفس التي بدورها تبدأُ بتوزيعه على الحواس والخيال والذاكرة ليتفاعل معها جميعاً ويبدأ بلعب دوره المقدّس! بينما تظلُّ الروح شاهدَةً على ما أبدعته وأنتجته ووزعته.

ولأني أتبنّى هذه النظرية بقوّة - أعني - القائلة بارتباط الحبّ بالروح ارتباطاً مباشراً ووثيقاً، فإنّ الحبَّ يتبعُ وعاءه بكل صفاته وتجلياته. ولأن الروح عصيّةٌ على فهمنا حتى يومنا هذا رغم محاولات الفلاسفة بشرحها وتحديدها واتفاقهم على أنها «جوهرٌ وكمال أول»، لكننا ما زلنا عاجزين عن تحديد كنهها وماهيتها والردُّ الإلهي واضحٌ بأنها من أمر الله «ويسألونك عن الروحِ قل الرُّوحُ من أمر ربي وما أوتيتم من العلمِ إلا قليلاً» (الإسراء: ٨٥). وبناءً على الفرضية التي أطرحها هنا بأن الحبّ متعلّق بالروح ولا يتجزأ عنها فهو إذن «من أمر الله» أيضاً ولا يمكننا تحديدَ ماهيته ولا كنهه لأنه يتبع حاضنه الأول.

مفاهيم مغلوطة

وعدمُ قدرتنا على تعريفه أو تفسيره لا يمنعنا من التعرّف على تمظهراته بعد أن يدخل النفس مستعدّاً لاحتضان روحٍ ونفسٍ أخرى، بل يمكننا تتبع إشاراته للحواس والعقل والقلب وأفعاله في الإنسان. كما يمكننا التعرف على الأعراض التي يُحسّها ويشعر بها المحب حين يُصابُ بالحب؟

لكنْ، أين نحن اليوم من كل ما تقدّم؟ قد يُلاحَظُ في السنوات الأخيرة التصاعد المبالغ به لكل ما هو حسي ومادي على ما هو روحاني وما ورائي، بطغيان موجة كبيرة من المولّد الأول حول مفهوم الحب حتى صار مُعرَّفاً بصفاتٍ حسّية بحتة وخرج من ارتباطه الروحي الى ارتباطه الجسدي، وأصبح بعض الشعراء والشاعرات وبعض الأدباء يتغزلون بالحب حتى يصبحَ الحب سلعةً وموضوعاً مرتبطاً في ذهن أغلبية الرجال برفيقة فحسب.

المتن

كان لا بد من الهامش كي ندلف بهدوء الى «كتاب الحب - ظلالُهن على الأرض -» لحسن مطلك الصادر عن الدار العربية للعلوم ناشرون - عام ٢٠٠٩ - الذي أعادت طباعته دار المدى لاحقاً، وهو يحملُ رسائل ومذكراتٍ جمعها الروائي المقيم في إسبانيا محسن الرملي، مختصراً فيه تجربتين في الحب عاشهما «حسن مطلك».

أقول ندلفُ بهدوءٍ وروية كي لا نجرحَ أحداً من أبطال الحكاية التي راح يرويها البطل نفسه، المُحبُّ نفسه وهو يعيد تشكيل فلسفته لمعنى الحب من خلال البرهان وأعني - تجربته الخاصة -. فبدا لنا كقراء أن التجربة الأخيرة هي الأقوى والأصدق في حياته القصيرة التي انتهت بإعدامه عام ١٩٩٠ في ذروة عطائه.

يطالعنا الجزء الأول من الكتاب بعنوان «ظلّ الباشق على الأرض»، ليكون الباشق الجارح رمز الحب السام الذي لا يحمل الوعي الكافي ويتجسد باللوعة والحسرة والتدفق الشعوري بالحرمان والإحساس المرّ بالخسارة، وذلك بعد أن تزوجت حبيبته «ميسلون والتي كان يرمز لها بـ م» من «ثابت صديقه الذي كان رسول الحب بينهما والذي يرمز له بـ ث»، وما بين تجربته مع «م» وسقوطه في تجارب عابرة وصولاً الى حبيبته الأخيرة التي جاءت في الجزء الثاني آخذةً عُصارةَ ما تعتّقَ في جيوب «حسن» من حبّ ووعي ونضج ومسؤوليةٍ كاملة الرجولة أمام كلمة «أحبكِ» ليمنحها عنواناً مضيئاً ولْتكون «ظلّ القمر على الأرض»، بل ظلهّا عليه هو، وهي مرآته التي محت بإطلالتها كل مَن عرفهن من النساء قبلها بحسب ما نقرأ في الرسائل، فـ«هاشمية التي أسماها هدى ويرمز لها بـ هـ» تتجلى بحضرتها العواطف والأحاسيس والمشاعر الجياشة. ينزعُ عنه صلابته ليكون عارياً أمام حبه إلا من رقّته ككاتب وشغفه كمبدع فتراه يتخلى عن كل شيء إلا أناه الباحثة عن أسرار «السعادة» المفاجئة هذه!

هو الذي قد تكون القسوة والصلابة من سماته التي اعتاد عليها واعتادها الناس منه، إلا أنه لا يخجل من تحوّله أمامها وحدها وهي - الرمز المطابق والمعادل للحب - طفلاً يود الانتحاب.

اكتشاف المعنى الحقيقي

في كتاب الحب يعيد حسن مطلك اكتشاف المعنى الحقيقي للحب ليس له فحسب بل لحبيبته ذاتها وللمجتمع ولكل من سيقرأ هذي الرسائل - التي لربما امتنع عن نشرها لو كان على قيد الحياة وقيد القرار - لكنها لم تكن رسائل شخصية بحتة، بل تحمل بين طيّاتها الكثير من همومه هو كفنان وكاتب مبدع وإنسان واعٍ بكل ما يدور حوله، يملك تطلعات وهموماً جمالية وفلسفية خاصة. فالحب في حياة حسن مطلك ليس ترفاً وجودياً بل هو الوجود بحد ذاته، مركز وجوده هو وانتماؤه للحياة بكل تفاصيلها، فهو لا يرى الحب معنى بسيطاً تجود الحياة عليه بامرأة جميلة فقط بل الحب لديه «مركز القلب» «كنز الحياة» «روحه هو» التي تحلّ بروح محبوبته، فينصهران معاً روحاً واحدة في جسدين (بحسب نظرية أرسطو)، فالحب أعلى درجات الوجود السامي، وحين تسنحُ الفرصة بأن يتجسَّد ويحلّ في جسدين، فإنما هو يتجسد تلبية لنداء الروح ليصبحَ جسدا المحبوبين ترجمانَ لما أمْرتهما به الروح:

تُرى من منّا - أأنا أم أنتِ - سيقدّرُ جلالة اللحظة التي خلطتنا؟

لحظة كنا فيها جسدين لشخص واحد....

تُرى كيف يمكن أن نخونَ هذه اللحظة؟

تُرى كيف يُمكن أن نفترق لمجرّد أن تعرّض أحدنا للقسوة من قبل الآخر؟

ومَن مِن بعدنا سيقسو علينا هذه القسوة اللذيذة إذا قلنا.. «وداعا».. وذهبنا). ص ١٠١

رسائل إنقاذ

وأنت تقرأ كتاب الحب.. سترى علامات الرفعة والأصالة والشغف والكبرياء وعزة النفس التي يتحدث بها عن نفسه كإنسان رغم اعترافاته الكثيرة بإخفاقاته كشخص لديه محدودية في قدرته على مواجهة المجتمع وتحمّله.

لم يلبس حسن مطلك قناعاً وهو يكتب لحبيبته التي هي - نفسُه وروحه - والمرء لا يلبس أقنعة أمام «نفسه وروحه»، لذا كان يعيد نفخ الروح بهذا الكائن المسمى - حبّاً - بحسب فهمه هو ووعيه هو، وكأنّ هذي الرسائل، رسائل إنقاذٍ موجّهةٍ لجيل العصر الحديث من الكتّاب والمشتغلين في حقول نشر المعرفة الذين يغضّون الطرف عمّا يُكتَبُ ويُنشَرُ ويروّجُ له ويُعلَّبُ ويُصدَّرُ للناس باسم الحب بهيئته الحديثة الفارغة! وكأنّهم يتعمّدون تفريغ الحب من نواته الأولى وطاقته الكبرى التي من أجلها خُلق بأن يكون مصدر قوةٍ لا ضعفاً وأن يكون مصدر وعي لا جهلاً وأن يكون له ملامح يعكسها على قلوب المحبين وأشكالهم أيضاً، خصوصاً «المرأة» التي كان مشغولاً بها حسن مطلك من خلال تعجُّبه واعتراضه ونفوره من المرأة التي ترضى لنفسها أن تكون آلةً ولعبةً بيد الرجل وتابعة له.

روح الحب الكريمة

أخيراً، وأنتَ تغلق «كتاب الحب» لحسن مطلك لن تملك إلا أن تتأسف على فقدان هذا الرجل بعمرٍ مبكر وهو يملك وعياً عالي التفاصيل. يملك احتراماً واعياً للذات لا غروراً فجّاً، ويملك احتراماً عالياً للكتابة وأسئلتها. هذا الرجل الذي يصفُ نفسه بأنه «لا يهدأ أبداً» بفرادته وطيبته وأصالته تَجَسّد حيّاً نابضاً ومتوّهجاً لحظة إعلانه لحبّه. ظلَّ حيّاً ونابضاً حتى وهو يحاول الموت مراراً ليفهم سرّ بقائه، وهو يجيبُ لاحقاً على كل لعناته برسائله الضاجّة بالحياة والتي لم تهدأ أبداً مذ لحظة كتابتها وتفريغها على الورق مروراً بكل هذي السنين التي تكاثر بها المحبون ما زالت كلماته صاخبة، بيّنةً، واضحة ومشتعلةً، بأن يصبح المُحِبّ و- خصوصاً المرأةَ - إنساناً واعياً لحظة الكشفِ وتجليه أمام الحب، وألا نكون أذلاءَ، عديمي كرامة باسم حبٍّ مزعوم لا يُرادُ منه غير آلته.

فالحبُّ روحٌ كريمةٌ ترفعُ قَـدْرَ صاحبها لعالم أعلى ولا ترضى له الهبوطَ لعالمٍ أسفل!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشرت في الملحق الثقافي لصحيفة (القبس) الكويتية، العدد 30 مايو 2023م

*ورود الموسوي: شاعرة عراقية تقيم في لندن، من أعمالها: (وَشْمُ عقارب)، (هل أتى...!)، (لا أسمع غيري)، (مقام البنت والعاشق) و(ما قالته الرصاصةُ للرأس)

https://d.alqabas.com/archive/1683139191702_hFSEz.pdf

https://www.alqabas.com/article/5911979--%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%A8-%D9%84%D8%AD%D8%B3%D9%86-%D9%85%D8%B7%D9%84%D9%83-%D8%B8%D9%84%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%86-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%B6

20‏/09‏/2023

حسن مطلك.. الأديب الثائر/د. حميد العلاوي

 

حسن مطلك.. الأديب الثائر 

د. حميد العلاوي

ذلك الفتى الذي عبث بأوراق التاريخ، وغير شفرات الجغرافية.. ثم مضى إلى أبديته، حاملا معه كلمة السر ...

إنه الكاتب والروائي حسن مطلك، ذلك الشاب الوسيم، والشاعر المرهف، والرسام الهادئ، والروائي المختلف.

الكاتب المتفرد الأسلوب، عندما كتب روايته المثيرة للجدل (دابادا) والتي كانت فلسفية المنحى، عصية على الفهم، وكأنه أراد لها أن تكون لغزاً محيراً من بعده، فكانت كما وصفها: صرخة في الظلام، وانتهاء بالنهاية اللا متناهية.

استخدَم أسلوب التعقيد المركَّب، مجسداً علاقته بالميتافيزيقيات، أو ما يُعرف بفلسفة البراهين الدامغة.

بحيث أنك في كل مرة تعيد قراءتها، تكتشف أشياءً جديدة.

كيف لا يكون نتاجه كذلك، وهو القائل الرواية: خطأ مقبول؛ يعطينا شكلاً بديلاً عن الواقع.

ويقول في موضع آخر: الرواية هي أن نُعبر بكل دقة ووضوح عن عدم فهمنا للعالم..

حسن مطلك يُعبر عن نفسه في دابادا، في أكثر من موضع، برمزية فريدة، فمشهد الخريف وضياع الأب تائهاً وراء الأرنب المبقَّع اللون، والضحك غير المبرر، وهو نفسه شاهين؛ ذلك الشاب التائه الذي فقد البوصلة، لذلك قرر العزلة، شاهين.. صرخة حقيقية ساخرة في وجه الفراغ.

رحل حسن مطلك وهو في عز شبابه، وفي قمة عطائه، تاركاً لنا الفجيعة في الساحة الأدبية، وهي بأمس الحاجة لهكذا خيال فلسفي واسع... ومن أشعاره:

عشتار

"عشتار... يا ابنتي

...  من المنفى البعيد

أكتب القصيدة المحطمة

إليك يا سيدة الشواطئ الجميلة.

وبابل القديمة تحاصرها الرياح والعساكر.

إليك يا صغيرتي اشتقتُ."

وقد رثاه شقيقه محسن الرملي قائلاً: "منذ رحيلكَ وأنا مكسور الجناح، مكسور الظَهر، مكسور القلب، مسكوب الدمع، مسكوب الروح، مسكوب العُمر، تائه وسط الخرائب العامرة بالأوهام.".

أُعدِم حسن مطلك لأنه انتفض ضد الظلم، عندها قال للثائرين؛ أنا معكم وهذا دمي زيتاً لبنادقكم. رحل حسن مطلك كما رحل حمد صالح، ومحمود جنداري، وإبراهيم حسن ناصر.. رحلوا قهراً، وكمداً، رافضين واقع القمع والظلم والحرب والخوف والخراب ...

"قل لهم إنني مازلتُ حيّاً، حدثهم عني كي لا ينساني أحد، لأنني أخاف النسيان، أكثر مما أخاف الموت".. من مؤلَّفه: (الكتابة وقوفاً).

"لا حرية في العراق، إن المرء هنا إما أن يكون مجرماً أو ميتاً". حسن مطلك، من يومياته (العين إلى الداخل)، طُبعت بعد رحيله..

ووصف قريته الجميلة (إسديرة) في روايته (دابادا) بقوله: "قمر وربيع وموت قليل".. وهو القائل: "أغار على وطني، الذي كلما قارنت أدبه بآداب الشعوب اكتأبت "....

"أخبرني عن الأهل والمنزل القروي، وأخبرها عن خطيئة هذه البلاد التي مزقتني".

وعندما دُفن حسن مطلك في مقبرة (اسديرة)، لأنه كما يقول الطغاة؛ تآمر على النظام آنذاك، رثاه أحد الشعراء من قريته، حيث قال:

"أريد اسأل ترابك وادري ما ألكاك .

بس كلي المشانق ما استحت منك!

واسديرة بحزن لبست هدوم السود.

واشتاكت لصوتك ولضحكك وسنك".

 

كُتب على شاهدة قبره:

"أغار على وطني

اِشتقت إلى الحرية، من أجل الذود عن الحرية.

 (دابادا)

اسديرة 14/9/1961

بغداد 18/7/1990" 

https://www.facebook.com/photo?fbid=3520673171479458&set=pcb.3520673271479448