10‏/04‏/2021

دراسة في رواية: قوة الضحك في أُورا /اسماعيل ابراهيم عبد

 

شَعرنة الموضعة

والانتقال لـ قوّة الضحك في أُورا 

إسماعيل إبراهيم عبد

 

رواية (قوة الضحك في أُورا) لحسن مطلك هي رواية مشتقة من فكرة، الصدام أو الصراع أو التخالف، الحضاري.

في بنية الرواية تجديد لثيمات تمَّ التطرق إليها كثيراً على مدى عمر الكتابة الروائية. 

تلك الثيمات تتعلق بالإرث الآثاري وما تمخّض عنه النشاط الغربي المحموم للاستيلاء على مكنوزات الشرق الحضارية مـن لُقط وآثار ومخطوطات ومتحجرات وتماثيل فنية معمولة بطرق بدائية في غاية البهاء والجودة، مما لا يقاس بثمن.    

لمثل هذه المحمولات أقام الروائي حسن مطلك مَشْيَداً مربكاً بثرائه الجمالي، يشعُّ بالمتعة الروائية، وبالقيم الجمعية، وبالتجريد الفني التجريبي، يماهي به القضية الجمالية للإرث الحضاري لنينوى الآشورية.

من المتوقع، أن الروائي اخترع ـ إلى حد ما ـ سيرورة تأريخية تخص الرواية وطريقة بنائها، أي أن الرواية أُخْضِعتْ لإرادة جبارة كي تحافظ على/

جمالية البيئة. 

جمالية الإرث.

جمالية البشر.

بمقابل قبائح/

السلوك البشري الدوني. 

التوحش الطَمَعي.      

العلائق المضطربة للرغبات غير السوية.

التعامل الدوني بين الغرب والشرق.

استمرار الاستحواذ على جسد المرأة وجمالها.

 من أجل التصرف بعقلانية مع طبيعة التدوين الروائي التي أوجدها الروائي حسن مطلك يتوجب علينا اللجوء إلى بعض المحددات والمؤالفات لأجل فهم الجهد البنائي الذي استعاض به الكاتب عن مقيدات الروي التقـليدية.                                 

الاتجاه الذي يمكنه من ملائمة غاياتنا الثقافية والفنية المتواترة في ثنائيات:

(قوة الضحك في أُورا)، إنه متجه التأطير المضاعف، الذي به نستكشف طبقات الروي، وبيئات المروية، وثقافية السرد الحر.

التأطير المضاعف ـ بفهمنا ـ هو دوائر البناء المفتوحة من الخارج إلى الداخل وبالعكس، وتركيبها في الرواية سيكون على الشكل الآتي/  

أ ـ أُطر الدرجة الأولى (الكبرى) :    

هي قنوات التوصيل التي جعلت من الرواية بؤراً خارجية/ داخلية، مـكتفية بذاتها، محمولاتها تتجه نحو بطائن التمثل التي تترجم النقلات السردية الكبيرة على صياغة جزئيات متسلسلة تساوي 13 رقماً تجزيئياً، وهي بمثابة المشدّات لفواصل الروي.          

إنها المشاهد الـ (13) التي ملخص ترتيبها السردي سيكون/           

المشهد (1) : يبدأ بعنوان ـ قبل الفيضان ـ (أقنعة أُورا)، وقد عني بطفولة التعجب من سعة المطلق لمكان أُورا، أولا، ثم سعة الحلم بطفولة ترى لأول مرة عين زرقاء لأجنبي، ثانياً.  

المشهد (2) : ينتمي هذا المشهد إلى استذكار الفترة الرعوية مـن حـياة أُورا، يـمـثـل الحالة (ديام وأُخته ديّامة ونعجتهما)، وما سمعاه من المستشرق أوليفر عند جمعه لرجال أُورا لمعرفة من وضع غائطاً على دكة العرش، القضية التي ظلت تؤرق المستر أوليفر وقتاً طويلاً. ينتهي المشهد بلقطة (طمث ديّامة).                

المشهد (3) : إنه مكرّس لكارثة فيضان نهر دجلة، ومن بين أحداثه الأخيرة، أن ديّام يرى جدته عارية في حمام البيت قرب مربط الحمار، يشع جسدها ببياض آسر.

كما أن الصبي ديّام يحاول الخروج من مرحلة الصبا إلى مرحلة الشباب.          

المشهد (4) : يبدأ بعد عنوان ـ بعد الطوفان (بيضة الرخ) ـ، من بنياته الحكائية، موت الأُم وعدم تصديق الأب لموتها، ثم اعتكاف الأب الزوج وانكفاؤه بسبب ذلك، معتقداً بأنهم دفنوا زوجته وهي (حيّة) !   

ثم يتجه المشهد نحو رصد تطوّر العلاقة بين أوليفر وديّام، العلاقة التي وصلت حدّ القراءات المشتركة لأشعار وليم بليك...

ومن الأحداث كذلك، نمو حب ديّام لسارة، ابنة عمه الحداد..

كما تضمن المشهد استمرار اتهام أبو ديّام لأوليفر بسرقة الثور المجنح. 

المشهد (5) : يتخصص بتصوّر ديّامة امرأة تنضج وتثير حفيظة إبنيْ عمها فيغازلانها، لكنها لا تهتم لهما، فتقوم بالحفر لتجد (علبة من المرمر المضيء). وينتهي هذا المشهد بحادثة قطع الحداد لخصيته وتجمّع الناس لإنقاذه من الموت.

المشهد (6) : يدور حول البنتين سارة وتفاحة، ابنتيّ الحداد، عم ديّام، ومن بين أحداثه، أن يُحب ديّامُ سارةَ بجنون، ويسافر، ليعود ثانية بذات اللهفة والضياع ! الذي يشبه الموت. وفي المشهد إشارة إلى خيبة ديّام من السفر.

المشهد (7) : مصممة هذه المقاطع للقول بتحوّل الحداد إلى رجل مسالم يتحكم به ولداه القاسيان، ومن حوادثه زواج تفاحة بالقسر، والانتظار لسارة وديّام لبعضهما بشكل دائمي. يُنهى المشهد بتصوّر حالة عُري زوجة أوليفر. 

المشهد (8) : يُفتتح بصيحة دهشة لديّامة التي حبستها عشر سنوات، لجمال علبتها وجمالها هي. ومن بين الأحداث، توطد علاقة أوليفر بديّام ـ بتراحع زمني ـ.

سيُنهى المشهد بالعثور على البئر المؤدي إلى دكة العرش، بعد إحضار نعاج لإلقائها فيه لمعرفة عمقه وطبيعته واتجاهه.                                        

المشهد (9) : يتضمّن انبهار ديّامة بالملك الآشوري الذي وجدت إحدى عُلبه بالحفر قرب تنور العائلة، تصوّرته كأنه هو الزوج الذي تنتظره. أو أنها تنتظر زوجاً يشبهه، بعنفه ورجولته وسطوته وضخامته.

ومن بين مسرودات المشهد، تساؤلات فلسفية لديّام، كأنها مرحلة وعي ثالثة له، حيث طفولة العين الزرقاء (أولى) مراحل الوعي، والشباب والسفر (المرحلة الثانية)، ومن أحداث المشهد التأسف للفشل الذي لم يتوقعه أوليفر وديّام لتجربة إنزال النعاج في البئر.

المشهد (10) وفيه يتعمّق الحلم والخيال في نفس ديّام، مما يجعله في حالة استذكار رحب لسارة، بحيث ما عاد يفرّق بين أيام الأسبوع، لا فرق بين سبت أو خميس، ولا يَفْرُق عليه مكان هنا أو هناك.لكنه  يرى سارة في الحلم بصورة مفرحة،  ينتهي المشهد بعقد مقارنة بين ضياع ثور أبي ديّام التائه، وإشارات الأحلام المفزعة المتماهية مع عودة الفتى والثور إلى البرية! 

المشهد (11) : يبدأ بتعريفات فعل الأشياء لكل من الريح، قصص الحلاقين، وصف النهر والمصب، معنى المتأمل والزمان.. ثم يصل إلى نهاية سارة بعواء ومعدة موجعة (مرض الاستكلاب)، لكن ديّام يتصورها تقول: تخلصت من الكآبة، وبحضوره يقدّم لها البدائل التي تجعل قلبيهما في عيد، وصفاء.  

المشهد (12) : ينفتح ببدئه على الغضب كسقوط وعلى السقوط كـفشل.. من بين أحداثه المهمة، ملاحقة اللعنة لأوليفر، حيث يبتعد عن زوجته إيفيلين، وتفشل تجاربه ومشاريعه، ثم يستذكر أوليفرُ لياليَ لندن، وشعرَ أليوت، ثم يُذْكَرُ في المشهدُ حادثة إعادة تجربة إنزال النعجة إلى قاع البئر قرب دكة العرش.             

من الأحداث أيضاً، نزول ديّام إلى البئر ومعرفته بأسرار قصر الملك الآشوري، وعدم إخبار أوليفر بها، ليمثل ذلك مرحلة (رابعة) لوعيه الثقافي.

كذلك تستَذكر حادثة، المطر الذي هدد مبنى أوليفر.

من حوادثه الطريفة، إصابة ديّام بالتوحد مع السر، تحت الأرض، سر البئر، الممر إلى دهاليز وغرف قصر الملك والملكة..

ينتهي المشهد بنظرة فاحصة متأملة للعلبة المرمرية لدى ديّامة.

المشهد (13) : يختصُّ هذا المدون بخلاصة وختام وحكمة وثقافة ما بعد اكتشافات ديّام، وعدم بوحه مما جعل أوليفر يفقد عقله..

ينتهي المشهد بالآتي:

[ورأى أوليفر يزحف بسرواله الأبيض ذي العلّاقات النحاسية ويبتسم بوداعة، ثـم ينحني ليقطف العشب بأسنانه...                                 

                                                                   شباط 1987]              

ب ـ أُطر الدرجة الثانية (الأساسية) :

في المحيط المحدد لمساحة هذه الدرجة الإطارية، من الفعل السردي، سنجد مقيدات ذات طابع اشتراطي أو استلزامي، بمعنى، أن اكتمال وجود الجملة الروائية (المشهد الصغير) يؤلف مشيّدة بمستوى درجة أساس أولى، يسوّغها البعض كعلاقة لغة أولية (توزيعية)، كونها ذات علاقات تتابعية أُفقية مثلما يؤشرها رولان بارت ويؤيده د.سمير الخليل بقوله "العلاقات بين المفردات...علاقات قائمة بين الفصيلة الواحدة، أو السياق الواحد.

 بمعـنى أن كل مفردة توجد بعلاقة أُفقية بغيرها من المفـردات التي تسبقها والتي تعقبها في سياق خطي يسهم في تحديد معناها"([1]).

ثم يذكر في المكان ذاته (ص10)، ما معناه: أن النوع الثاني من العلاقات هو علاقات الترابط.

 يُرى: أن التركيب للعلاقات المتوزعة بين مظهور النص ومضمونه، سيكون مبرراً لتطريز الإطار الـثاني (الخارجي).

لننظر /          

[أسبح بحرية في الفاصل الزمني كما حدث لأُورا حين سقطت على رأس أحد صيادي الأسماك فلم تتحطم بشكل كلي...

كان ذلك في شهر آب المطلق، حين كانت السنة مقسّمة إلى قسمين متساويين: قبل منتصف آب، وبعد منتصف آب. ولم يكن أحد قد فكّر باختراع الشهور المعروفة، خاصة شهر شباط المتقلب، حين تم اختراع الملعقة والحذاء لأول مرّة] ([2]).

من وجهة النظر التوزيعية لّلغة، يكون أمامنا نص يعطي لنا صوراً أولية عن كيفية التفكير البدئي، حيث الفطرة تفسّر القول، والقول يُغْني حكمة المعنى... وفي مقدمة القول تكون سباحة الراوي في الـفاصل الـزمني لفيضان أُورا، وهي سبـاحة حقيقية، في وقت حقيقي، فترة هيجان دجلة في شهر آب.. وأن المطلق الزمني العفوي لتلك المرحلة هو عدم التفريق بين الفصول والسنين، فكل الفصول هي إما قبل منتصف آب أو بعد منتصف آب.                                    

كما أن العالَم آنذاك لم يخترع أدوات الحضارة، وحين تعرّف العالم إلى شهر شباط عرف أن الأدوات المهمة هي: الملعقة الخاصة بالأكل والحذاء الخاص بالمشي أو السعي. كأن الراوي يريد أن يجعل القول الفطري يساوي الحياة الفطريّة، وهو ما يشير إليه الغرض الأولي: اللغة علائق أُفقية (توزيعية). لكن تطور الوعي أوصل الفرد في أُورا ـ بحسب رواية قوة الضحك في أُورا ـ إلى أن تعتمد على أصل واحد هو دلهوث، الاسم الذي شاع في الممالك الآشورية عن الجد الأول والأكبر للسلالات البشرية. حين وصل الوعي إلى إدراك الأصل، قام ممثلون لدلهوث بأول محاولة لوضع القاموس الشفهي للأشياء بإعطائها أسماء/

[اهتدى دلهوث إلى الكلمات، وكانت العربية أولى الكلمات، فسمى البقرة بقرة والحمار حماراً، والنهر نهراً، والمنجل والقطاة والحذاء والـشوكة والخيط والعصا والمعول والصخرة والإصبع والعلبة والزهرة والنعجة والشاطئ واللحية والرمل والفانوس والقوقعة والرداء وحجر الرحى وحجر الجلوس والبرية، وكلمة لهب وماما وبابا وسليمان ودَلَـس ومراد وناصر بال وداثان ووردون والفأس والمشط والقلم والشمال والشرق وعطارد وخاتم الزواج وديّامة المترسبة في قعر الغرفة كالغرين المترسب في قعر النهر] ([3]).    

المقطع أعلاه يؤتي الأشياء كلمات، والكلمات أسماء..

ومن حيث التوزيع، يمكن أن نتعرّف على هذه الأسماء كونها أدوات عبّرت من الفطرة الأولى (السنة قسمان) إلى فطرية أكثر وعـيـاً، أي يوجد للإنسان متطلبات تعادل ما نسميه علاقات، وأن هذه العلاقات جعلت للأشياء أسماء.                              

يعني هذا: تشكل اللغة بالقاعدة الأولى (للأشياء أسماء من كلمات).

وهذه المرحلة هي مرحلة الوعي البشري الثانية.. 

عند ملاحقة المقطع سنرى أن تلك الأسماء تضمنت فعلاً واحداً هو كلمة (دَلَـسَ)، ليكون هذا زرعاً لرغبة الشر عند البشر.

وهكذا سيكون المقطع محتوياً على بدء جديد نحو تغير السياق، حيث أن اللغة لا تعمل إلّا حين تبني سياقات قادرة على إيصال الفهم..

وبتوضيح آخر: أن رسم صورة الأشياء بشكل تجريدي (حروف الكلمات) هو سياق فَهِمٍ اكتملَ نضجُهُ ليعبر نحو(قواعد) اللغة. وفي مرحلة اللغة (القواعد) يُبرْمِجُ تداولُ الأصلِ حالةَ التكامل اللغوي، الذي ينحصر بقواعد اللغة السلوكية للملك/

[ألم تقل جدتي أن دلهوث قال: كلكم أبنائي فما الذي جعلكم تنقسمون إلى عشائر وأنتم من ظهري؟] ([4]).      

فالقول أعلاه لغة متكاملة القواعد لكنها لغة حاجة مباشرة ليس لها غايات مضمرة!! وإنها لغة تامة الأداء، وزّعت الكلمات جملاً، وللجمل قواعد إبلاغية، وهو ما يرشحها لعلائق لغوية توزيعية فقط.   

هذا الترشيح يعني أنها ستكون لغة علائق تحتوي الإطار الثاني للمشهد، وهو إطار خارجي لا يصلح ليكون منعكساً أثيريا، إنما هو محتوى يحمل (التساوي) بين المظهر والمؤدى.                                                                      

ج ـ أُطر الدرجة الثالثة (الصغرى) :   

هي مرحلة تحديد المبثوث اللغوي بكيفياته الجمالية والأدائية، التداولية والثقافية. يمكن التصرف بهذه الأطر على أساس أنها مستويات علائق لكل من/ 

1ـ علائق التجاور والتخالف/         

من الممكن رصف الكلمات مع بعـضها وتوزيعها بشكل يؤدي إلى الانسجام والاتساق والتكامل والتوالي وتوحيد هدفها بالاتجاه نحو وحدة الموضوع.     

لننظر: [البدن.. بدنه صار أكثر هزالاً، وهو الآن، في هذه اللحظة يخرج من الغرفة مظللاً عينيه بكفه ويقول: أين الولد يا ديّامة؟ أما زال يجلس على سطح المعبد؟                            

ثم يرسل عينيه في خط بعيد صوب المعبد ويقول لأختي: أخشى أن يتحرك المعبد وينهار.. إنه يتحرك قليلاً نحو النهر.. أخاف أن يسقط بالولد، أنظري، ألا تؤيدين؟ فتقول: إنك تتوهم يا أبي، منذ زمن وأنت تتوهم. فيقول: ربما، ولكن ليس عندكِ من قوة البصر بحيث تلاحظين تحركاً لا يتجاوز الإصبع.. ويتجه إلى الزريبة لقضاء بقية النهار مع الثور] ([5]).                                                  

لنثبت الأفعال الحدثية المهمة أولاً، وعنها سنوضّع علائق التجاور والتخالف.                                                     

*افتقاد الوالد للولد ديّام.    

*التحاور بين الأب وابنته.          

*اللا إقرار بالتوهم.          

*رفض نتائج قول ديّامة.         

هي أربعة أفعال سردية، اثنان يقرران حالات، واثنان يقوّضان حالات.                

ـ هنا تساو خطي بين أفعال التسبيب (الافتقاد والرفض) وأفعال الإنجاز (التحاور والتوهم).         

ـ الأفعال الأربعة يتمم بعضها بعضاً من حيث الصياغة والدلالة.

ـ الأفعال تتجاور مع بعضها في مساحة الجمل وتتابعها لتملأ المدونة على الرغم من تعارض بعضها لبعض.         

ـ التخالف يساوي التعـارض ويرتب تركيباً نسقياً لعلائق التسلسل الإشاري.         

يمكن ترسيم التجاور بحسب تسلسل الأفعال في رقعة المشهد على أساس الرتب السردية ليكون الآتي:         

يقول الأب أين الولد يا ديّامة/ تجاور/ أنت تتوهم يا أبي. 

أما زال يجلس على سطح المعبد/ تفسر/ منذ زمن وأنت تتوهم.

ليس عندك من قوة بصر/ تقوّض/ انت تتوهم يا أبي.         

لا تلاحظين تحركاً لا يتجاوز الإصبع/ تخالف/ يتجه إلى الزريبة.

إذاً هذا التجاور والتخالف أدى مهام سردية، تراصفية، وأُخـــرى تفسيرية، وثالثة تقويضية، ورابعة تعارضية. بمعنى أن القول اللغوي حقق شروط الخطاب في مضامينه التتابعية، بالجوار والمخالفة/ اللتان ساوتا/ قوى التوزيع والسياق، ثم التأشير 2ـ علاقة التناصات (التحايث)/         

التناصات التي نعنيها هي، أن الجملة تنقل محايثها (المعنى) إلى جملة أخرى بما يديم علاقات تماسك المشاهد وفضاءاتها، ومن ثم تنتقل بالمضمرات الإشارية إلى أفق مفتوح من حيث الإزاحة ومرجعية السياق.

نريد ان نبين، بأن الجملة تحتمل وجود محايث لها من داخلها إلى خارجها الذي هو سياقها المصدري (المجتمع).         

وقد ينوجد محايث آخر من النمط المرجعي للنوع.

[كانت ليلة هائجة تنثر الكائنات الخفيفة من أرض إلى أرض. والريح الصافية تفرّق ذكر الذباب عن أُنثاه، والقبّرة عن صغارها. وينسى الكلب الكلبة فيلوذ ببعض الحيطان.

تأملت قبضة فأس الحطب وتأملت رأسه، فوجدت علاقة حميمة بين الشيئين.. فقاربتهما. وانتفض الجسد إلى الأعلى، دار دورة اللولب ثم سقط قرب الباب يوزع دمه في أنحاء الغرفة. ثم جاءت تجربة السكاكين الحادة المعلقة بمسامير خشبية. قطعت زوجها قطعاً صغيرة.. ثم قطعاً أصغر.. وضعته في الكيس مع بقايا قشور البصل، وغمسته في النهر]([6]).                                                               

هذا المشهد سبقه مشهد غريب ذلك هو قطع الحداد، أبو تفاحة، لخصيته المريضة بسكين..          

كذلك كانت العملية تشبه القتل.        

تفاحة ذبحت زوجها مـتَّبعَةً خطى أبيها في الصلف وقوّة الإرادة وقوّة الفعل.

 المشهد أعلاه يستثمر تناصات معكوسة من المجتمع إلى النص، وفي مشروع الرواية، نتوقع استهدافها لانتقال السلوك النصي إلى السلوك الاجتماعي..                                  

 تندرج التناصات ـ عموماً ـ على الوجهة الآتية/ 

ـ الابن على سر أبيه/ تتناص مع/ قطع الأب لخصيته.

ـ قطع تفاحة لرأس زوجها ـ ابن الحداد حداد/ تتناص مع/ أدوات القتل لدى الحداد وابنته تفاحة.               

ـ القوّة تلين الحديد/ تتناص مع/ قوى الحزم لدى القصاب والحداد والمرأة المسترجلة.

ـ القبض الحميم قبض رؤوس/ تتناص مع/ قبض رأس الفأس، قبض الرأس المحموم، قبض رأس العضو الذكري. 

ـ شجاعة النساء في اللعب على السكاكين/ تتناص مع/ لعبة التقطيع إلى صغائر سكاكين تفاحة. 

ـ قشور البصل لا تنفع ولا تضر/ تتناص مع/ فعل اللامبالاة بجـسد زوج تفاحة.                

ـ المندائيون بركة الماء/ تتناص مع/ تغميس تفاحة لجسد زوجها بالماء.                

ما الإشارات التي بثها التناص المتحايث أعلاه؟ 

إنها/                   

1ـ رد فعل القسوة في التربية يكون مدمرً لحياة المستقبل

2ـ التربية باتجاه تربية العضل تولد نزعة الجريمة.

3ـ القسر بالزواج يعطي نتائج استسهال أنهاء الحياة للمرأة والرجل، فقد يقتل الزوج زوجته، وقد تقتل الزوجة زوجها.  

4ـ سر التشفي في القتل مثل سر التعود على شرب الدم البشري. 

5 ـ ظروف المناخ والبيئة والمجتمع خلقت طبيعة اجتماعية ونصية لحدوث حالة العدمية الوجودية والنفسية للمشهد المروي.

يمكن القول بإيجاز: أن هذه الفواعل والأفعال أوجزت مهام علائقية تخص المشهد وطريقة رويه، وكذلك تناصاته، لتوصل فكرة مفادها (أن المحددات الذاتية ليست سوى تهشيم اجتماعي انتقل من علائقه المجتمعية إلى العلائق النصيّة فصار إطاراً بمستوى داخلي لبؤر حركة السرد في مشهد الرقم (6) من رواية (قوّة الضحك في أُورا)، على الأخص. 

3ـ العلائق الدلالية المخمنة 

في كل مشهد روائي لن يغيب الحضور لكائنات العناصر السردية الضامنة لتشعب الدلائل، إذا كان المروي ذا جودة مناسبة من حيث حيوية اللغة والأسلوب والفكرة.       

ولسوف يتهيأ القول لأن يشع دلائله المزاحة من المظهر إلى المضمر المخمّن للمعنى المبتغى لصوغها.

أن التعقيد الدلالي المظهري سيتبعه تعقيد دلالي مخمّن يزيد متعة التحدي القرائي.. 

أرى من المفيد أن نرتب مضامير سرد المشاهد القادمة بحسب توزعها الرتبي كوحدات جزئية تتوالى متجهة نحو غايات ونهايات القول ضمن التوالي السردي للمدونة.     

لنتابع/

*[يتبدل الوجه لحظة اللمس إلى وجهين ينافسان بعضهما في الحضور.                                 

                                                        ـ قوة الضحك في أُورا، ص67]                     

ـ دلائل العموم: المعنى العام يدور حول مخمنات من المعنى المبثوث في:             

ان وجهاً تعرّض لّلمس فصار وجهين متخيلين مجبولين على غرس الهيام، كل واحد فيهما مشكلة لوحدها من الوجد/ الدلالة/ تبدل الهيئة.

ـ دلائل الخصوص: إنها المخمنات التي تفيض بـ/   

+ فتى وفتاة تماسا بوجهيهما فصارا وجهاً واحداً منقسماً إلى بسمتين وقبلتين وصورتين/ الدلالة/ التماس. 

+ وجهان جيء بهما من مغيب الذكرى إلى البديل في التخيّل/ الدلالة/ المجيء.                

+ وجه واحد بين كفّين مُحبَين تحوّل إلى قلبين مضطربين نهمين لشعاع الشوق/ الدلالة/ اللحظوية.

+ وجه واحد كان حاضراً فزاد بهاه بلمس يد الحبيب فانقسم إلى ضوءين من الجمال والعجب/ الدلالة/ التخيل. 

+ بكارة حضور وجه الفتى، وشروق وجه الفتاة استزرعا الوجود بمطلق فطرة المتعة/ الدلالة/ التنافس.  

عندما نجمع (دلالة التماس مع دلالة المجيء مع دلالة اللحظوية مع دلالة التخيل مع دلالة التنافس) سيتولد لدينا مضمر نصي مخمّن يوضّع هيئة قرائن تحيل إلى تخمين باطني يوازي الأصل. 

*[يسكبان بلا مقدمات حلمية، دفـقة من الشعور الهائل فيما يخص قوّة الشيء ونسيان الزمن.                   ـ قوة الضحك في أُورا، ص67]                                                                    

دلائل العموم: هي دلائل يخمنها المحتوى الآتي:

تدفق محمول اللذة بانذهال مطلق يفجّر القوّة في النشوى والتملك/

الدلالة/ الاندماج الجسدي.

ـ دلائل الخصوص: يمكن تقصيها في: 

+ انسكاب التلذذ بلا حلم وصولاً إلى الانفلات في الرواء من غير حدود ولا شروط/ الدلالة/ الفوضى.

+ غياب الحلم والشعور وغياب للشيء والزمن والفعل والحس/

الدلالة/ قوّة النسيان. 

+ التضخم العاطفي بدد نظام العشق البدائي/ الدلالة/ الهولوية.

+ لا زمنية قدرية جس اللاوجود قـرّبا هيئة العاشقين من المحو/ الدلالة/ التدفق اللذائذي.

+ جمال العشق يندمج بعناصر الفن الجليل في تبادل لذة القول واللمس/ الدلالة/ عشق لحضور الظل (الشيء).

جمع دلائل الخصوص ينتج نصّاً موازياً يبطن الأصل مفاده، الذهال في الرغبة لنشوة مطلقة الرواء.

*[قوة الضحك بعد الحصول على... شرود شبيه بالتبخر. يذهب الكلام، تذهب الأماني الصغيرة في الحصول على... ويبدأ الاستغراق.                                   

                                                           ـ قوة الضحك في أُورا، ص67] 

ـ دلائل العموم: تُنْجَزُ في الآتي: الحصول والشرود يذهبان بالأماني نحو الانغمار بمتعة البحث عن القبلة والمضاجعة/ الدلالة/ نقاط الحذف.

ـ دلائل الخصوص: تتضمن المخمنات الآتية:

+ القوة ارتقاء لذة القُبَل سريعاً بسرعة التبخر، والصمت يحلو بغمرة الشجن/ الدلالة/ الضحك الذاهل عن الكلام. 

+ توقف البوح ووقتية النفع الجسدي يؤجل صغائر المحمولات من الضحك المبكي/ الدلالة/ الشرود. 

+ لا قوّة للمسرّة بوجع الذهان وضياع القول واستحضار الذكرى/ الدلالة/ الفقدان.                             

+ قـوّة التحصيل في تفتيت الرغبات وإهمال التعبير عنها/ الدلالة/ التوزّع.              

+ الرجل الراوي المؤلف يسرد أمانيه بولوج تـخـيـل جـمال الحذف بالغياب/ الدلالة/ الاستبصار. 

دلائل الخصوص تلك، بجمعها نحصل على قرينة/   

(القوّة تمويه للرغبات الحاضرة الغائبة بمطهّر القُبلة والمضاجعة).    

*[فلا أتأكد من وعيي حين أتأكد من وجودي حتى أُحاصره بكفي. أُقبّل الظل.. شيئاً عزيزاً. سنفترق بعد ساعة مثلاً. فراق الوجه بصورة دائمة. الفراق، منذ زمن، كلمة للتعبير عن أشياء كثيرة، ليست أبداً كخسارة المال، ولا خسارة الروح.. بل بمعنى أننا نعيش حياة ناقصة.                      ـ قوة الضحك في أُورا، ص67] 

ـ دلائل العموم: تتمثل بالآتي:    

الوعي بالوجود مثل التمسك بالظل، وهما غرق دائم في ماهية حياة تفتقر لعناصر وجودها/ الدلالة/ الانتفاء الكلي للسعادة في الوجد.

ـ دلائل الخصوص: تتمثل في الآتي:    

+التقبيل الموهوم بالوجود يقرّب النفس من جفاف طاقة الحياة/ الدلالة/ الخسران.                   

+الاعتزاز بالشيء ـ الوجه ـ مثل فراق سريع / الدلالة / دوام التعبير عن اللا شيء.    

+غياب لغة التعبير عن الوجود الحق غياب عن الوجود في المجهول/ الدلالة/ محاصرة الظل.

+العيش من أجل تقبيل الظل ذوبان في ضياع أزلي لمعنى العيش/ الدلالة/ فعل الكف.   

+سردية القول عن الفراق مظهر من مظاهر ذاتية الراوي الذي يبث المكنون التدويني لصيرورة الوجد/ الدلالة/ الوعي غير المؤكد.

بذات الطرق الالفة يؤكد مبدأ التخمين الدلالي صحة قراءة تشتت الوعي بين ماهيات الوجود الفقير.                                                                  

*[أشعر أنه سيذوب حالما أضع يديّ، غير أنه يزداد حضورا وإشراقاّ، ويتسع ليحتل مساحة المكان فأضطر أن أباعد يديّ لأحتويه، بسعة مساحة الحائط. طالما أنساه حين أتعمد ذكره.                                        ـ قوة الضحك في أُورا، ص67]

ـ دلائل العموم: تتمثل في:

ذوبان الوجه بشروق وحضور في مكان ما من الذاكرة يدفع بالتخيل لأَن يستوعب العشق بحضن سعته بسعة الحائط/ الدلالة/ تشتت الظل على ظُلة الحائط.                                                                  

ـ دلائل الخصوص: تتمثل في:

+الشعور بوضع اليد على ظل الشروق الذي يملأ الصدر بالعنفوان/ الدلالة/ الاضطرار.

+احتلال الظل للمكان يؤلف خللاً في الذوبان والاحتضان/ الدلالة/ الاحتواء.            

+ملازمة التذكر للنسيان التباس في الحس والتصوّر/ الدلالة/ غيبة الحضور.              

+تباعد الأيدي لأجل طي الذكرى/ الدلالة/ سعة الظلال على الجدار.

+التوق للجمال والعشق جعل المدوِّن يسير بالسرد جهة التضليل التذكري/ الدلالة/ ملازمة التحول الزمني للتحول النفسي.

يؤكد مبدأ التجميع التخميني الدلائلي الخاص، بأن عقدة التخمين هي التماهي بين التشتت والتخيل.

ملخص ما أسلفنا هو متسلسل التوابع الشكلية الآتي:

وصف الهيئة/ يؤدي إلى/ ذهال التلذذ بالعشق الذي/ يؤدي إلى/ تمويه الرغبات بمحذوفات النقاط التي/ تؤدي إلى/ تشتيت الوعي بين ماهيات عناصر الوجود الذي/ يؤدي إلى/ استيعاب التشتت بالتخيل.                                      

4ـ العلائق التداولية (التواصل في استعمال اللغة)/

يقول الدكتور سمير الخليل في كتابه مقاربات نقدية لنصوص حداثوية:"يُجمع تحت اسم الدلالية توجهات متعددة أساسها مميزات استعمال اللغة للمحفزات النفسية لدى المتكلمين وردود أفعال المتلقين وأنواع الخطاب الاجتماعية وموضوعات الخطاب كمقابل للطابع النحوي ـ نقلاً عن السعيد بوطاحين" ([7]).

ويقول في الكتاب ذاته: " أن القواعد التداولية تعلن عن شروط خاصة للتأويلات التي لها علاقة بالعلامات وبهذا يوجد مكوّن تداولي في كل القواعد لكن التداولية تقوم بتحريف التأويل بما ينسجم مع المتكلم والمخاطب وظروف الخطاب" ([8]).

إن سيرورة التداول ذي الرؤية البعيدة بتكثيفها للمعاني والدلالات المقدرة للجمل يسمح بتعامد هذه المكثفات وتراكمها لتتهيأ للقارئ مساحة صغيرة ذات قدر متعاظم من المعاني ما يضعه أمام انشغالات ولذائذ تبيح قدراً من الإنتاج التأويلي. ولسوف يكون متحفزاً لاتخاذ موقف (مع أو ضد) رؤى الكاتب، ومن ثم ينتج مؤلفه الخاص، وهو الهدف الأسمى من القراءة والكتابة كلتيهما.                                

من الممكن تنسيق عمل التداول على أساس القدر التأويلي لحالات عدة منها/ تداول المجاورة، تداول الصياغة، تداول المَجاز، تداول التلخيص، تداول الشَعرنة للوحدة الروائية (جزئية مشهد)، تداول التقنيات، تداول التبسيط. 

سنتقيد بالخمس الأُول لمساسها المباشر بمقاصد التدوين الروائي الذي بين أيدينا.                

ـ التداول بالصياغة:   

الكثير من المشاهد تأخذ لنفسها ذاتية صياغية تمكّن الفرد من جس نبض ما بعد الحداثة..

لننظر/   

[العاصفة تهدأ فيبقى المطر. يقظان، مكتمل البديهة. يلكزه حدس عصب الشم؛ فضيلة من فضائل البريّات. حدس عصب السمع، قدرة أُذني الفرس. حدس عصب البصر، بصر المرأة التي رأت أشجاراً تمشي فلم يصدقها أحد.]

(12) جملة، منها جملتان فعليّتان فقط. هذه أولى مظاهر الصياغة، والمظهر الثاني هو، الترتب الخيطي والخطي من البدء، بجملة برقية، باتجاه البؤرة الأخيرة من القص (المعرفة بحاسة اللمس اللامرئية)، إما المظهر الثالث فهو، الإهمال الزمني المتعمّد، بينما المظهر الرابع قد تقصد التعبير بالحدس، فيما المظهر الخامس وضّح التسبيب المتبني للترابط الجملي (قصديّة الصوغ).

هذا كله صيّر الترتيب الصياغي لارتبياّ، إلّا من باب الصواب النحوي. 

مثل هذا الصوغ يحقق أهدافاً إبلاغية عديدة منها/   

× تمكن الأسلوب من التأتي بالقارئ، كأنما هو أمام قصيدة نثر.

× استثمار طاقة اللغة لأجل زرع الفهم، موزّعاً على كل جملة، وشبه جملة، مستقلّة.  

× الترابط المتخفي وراء نثر العبارات أوجد خصوصية صياغية معنوية باتجاه تماسك السرد، ولولا ذلك لصار المشهد جملاً لا تداولية، وليس لها قيّد صياغي.

ـ التداول بالتجاور:    

هو جزئية يحققها التدوين على وفق الاشتراطات الآتية/   

× تجاور الجمل تجاوراً للتسلسل المنطقي لفكرة التدوين الروائي.

× تجاور الجمل تجاوراً نحوياً.

× تجاور الجمل تجاوراً مضمونياً. 

÷ حيث أن الروائي يضع الأشياء الفطرية في حركة مستساغة من قِبَل القارئ، خـاصة في (المطر يولد الرائحة، الرائحة تولد اليقظة، الرائحة واليقظة يولدان اكتمالاً بيئياً. وبالاكتمال البيئي يتولد حـدس الشـم الدقيق، ومن ثم الحدس والشم يصيرا بَرّاً لحدس السمع، المقارب لقوة السمع لأُذني الفرس) الذي يحفز الاستبصار لاستذكار التخالط الذهني:

(الأشياء المحسوسة + اللا محسوسة = المعاني).  

÷ تلك السلسلة هي مهيئات لا ترتبط مباشرة في مواصفات التراصف والتجاور النحوي إلّا من خلال وحدة أهدافها في منطق المدونة الدلالي والبلاغي.                    

÷ تنتمي جميع مفردات الجمل إلى باطن مضموني متجاور بذواته في فهم أزلي هو: بيئة الطبيعة هي أم المعارف والفنون والحدوسات كلها.

ـ التداول بالإيجاز:   

الإيجاز رديف التكثيف والحصر واتساع الفكرة، وهو ما يحقق درجة كبيرة من الجودة، حيث تتجاور مصـوغات البث مع بعـضها، ثم تتراص في توجيه تأثيرها فيتلاحم المنسوج التدويني بتناسق متتام، ليصل الإيجاز حد المطلق الحدسي في التخيل والتعدد التأويلي ـ انتشاراً.  

ـ التداول بالتلخيص:

الملخصات آلية كتابة غاية في الضرر، غاية في النفع، حيث أنها تفرّط بالكثير من مجمّلات ومكملات العمل الكتابي، لكن أهميتها تقع في عدة مواضع منها/                        

*تقليل جهد العين القارئة.    

*إيصال المعلومات بسرعة تختزل زمن الكتابة والقراءة.   

*تعطي مجالاً لاستيعاب معلومات كثيرة بمساحة صغيرة، ومعارف مختلفة على رقعة كتابية واحدة أو ما يقابل ذلك من الشاشات.

*تيسير عملية التواصل.

*تسهيل عملية التصنيف والتفسير إلى حد ما.   

ومن مضار تداولية التلخيص/    

+ إجهاد عين وعقل القارئ بمعلومات ناقصة عن الموضوعات التي تهمه كثيراً.                  

+ اقتصار المعلومات على الفهم الخاص للناقل المُلَخِص لها، والذي قد يكون مغايراً للمقاصد التي وجدت من أجلها.

+ عدم إتمام عملية التواصل من خلال قصور الرسالة الملخصة، التي تختزل جماليات القول، وقد تضحي بمنافع القول أيضاً لأجل توفير زمن القراءة.

+ فوضى التنوّع في (الملخصات) قد يشتت اهتمام القارئ وبالتالي يقلل متعته وعزوفه عن القراءة.  

+ عملية التلخيص تساعد على عدم دقة الجدولة والتصانيف الإحصائية والنوعية.

+ أكثر الأضرار تقع في تسلط قليلي الكفاءة على منابع المعلومات، ومن ثم نسبها إليهم بدعوى التناص أو الاستثمار أو أية صيغة مموّهة من صيغ سرقة أفكار الآخرين، لننظر/

[... والآن هذه أولى القطرات.. وديّام يحتضن الحبل كالنائم. يعرف بحسه الفائق أن النعجة قد أفلتت ولا يمكن إخراجها من هذا المكان المهجور، غير أنه ينتظر الأوامر. ولا يدري أوليفر شيئاً عن الوقت الذي يجب أن تمكث فيه النعجة قبل سحبها من العمق. قال: يجب أن يكون هناك وقت كاف للتأكد. يمطه الفضول. وقال له: اِسحب الحبل على مهل. خزّن احتياطياً من القوة لأجل السحبة الأولى، فانتفضت يده في الهواء. التفَّ الحبل، وبعد ثلاث، ثم أربع سَحبات، سقط أوليفر في الإغماء، إما ديّام فلم يلاحظ مثل هذا.                                                         

قال: يا يسوع!! وسقط في الإغماء. وقال الآخر: يا محمد.. وظل حائراً يوزع نظرته المندهـشة بين المدير الساقط وبقايا الأمعاء في نهاية الحبل] ([9]).       

الملخّص                                                                                                      

يُنقل عن الراوي: أنه وضع أولى خطوات فشل عملية التلصص على آثار أُورا من قِبَل الإنكليزي أوليفر، عندما أمر بإنزال نعجة، مربوطة بحبل من الوسط، إلى قعر بئر أثري، ومن ثم أمر ديّام بسحب الحبل، بعد أن تأخذ النعجة وقتاً في النزول للتعرّف العفوي، وحين سحب ديّام حبله عدة مرات خرج خالي الوفاض إلّا من أمعاء النعجة، مما جعل أوليفر يسقط مغشياً عليه.                                          

التطبيق  

أ ـ التطبيق الإيجابي/                 

1ـ من جهة القراءة: الأصل قد يحتاج إلى (5) دقائق تقريباً مع التأمل القصير.

ـ الملخص يحتاج (3) دقائق تقريباً مع التأمل القصير.

2ـ إيصال المعلومات: عدد كلمات الأصل (104) كلمة بينما عدد كلمات الملخصي الحدث ذاته مما يعني سرعة زمن الحصول على المعلومات بالمقارنة مع الأصل.                 

3ـ الاستيعاب: الملخص أعلاه له مَكَنَة أن يُضاف إليه موضوعاً آخر دون أن يؤثر هذا على مساحة عرض المكتوب الملخص، أو جهد القراءة، بالمقارنة مع الأصل.

4ـ التواصل: الملخص يداول المعلومات مع منافعها دون حاجة القارئ إلى ذكاء خاص في التفسير، على العكس من المدون الأصل.

5ـ التصنيف: مثلما هي الحالات الإحصائية في الجداول يمكنني إجراء مفارقة مقارنة بين النصين لتبيان صعوبة وسهولة التصنيف.

 

محتويات المشهد الأصيل

محتويات المشهد الملخّص

102كلمة

64كلمة

16نقطة توقف

3نقاط توقف

5 فوارز

5 فوارز

4علامات تعجب

لا توجد علامات تعجب

                                                                                                         إن التصنيف يوضح بأن الملخص أيسر من الأصل في حصر وإحصاء خصائص الكتابة بسبب قلة كلماته ونقاط توقفه وعلامات تعجبه.

ب ـ التطبيق السلبي/ 

1ـ القراءة: الملخص يضر القارئ عندما يضحي بالمعلومات الجمالية والتأويلية مثل:

ـ عدم التطرّق إلى المطر وتناصاته الاستعمالية.    

ـ عدم الإشارة إلى حالات جر الحبل وما رافقها من انفعالات.

ـ عدم التطرّق إلى الخلاف العقائدي بين ديّام وأوليفر.

ـ الملخص ضحّى بحالة الدهشة والحيرة لديّام. 

2ـ الفهم: ربما قصد الكاتب في المدون الأصلي، أن هناك تعاونا دوليا لأجل الكشف عن آثار أُورا، لكن الملخص يوجّه إلى أن بحث أوليفر نوع من السرقة للآثار الآشورية، وليس غير ذلك.. وهذا يعني أن الملخص ينحرف نحو الـمـبتغى المعكوس للمشهد.     

3ـ الجمالية: الملخص افترق بشكل صارخ عن الأصل من هذا الجانب، فلم يضع علامات تعجب ولا نقاط فصل أو وصل، إلّا قليلاً، ولم يشر إلى حالات ديام في خوفه وتمنعه ولا لحالات الصبر على الفشل عند أوليفر وديام، ولا لمؤولات وجود النعجة، أو مجمل مقاصد البلاغات والإبلاغات الواردة في المشهد، ولا إلى حالات الغمز عن المدير الساقط، ولا إلى الفرق الحضاري الأوروآسيوي...               

كما أن الملخص أهمل جماليات الصوغ اللغوي كلها تقريباً.  

4ـ تعدد الملخصات: بمثل حالة التلخيص الفائتة يمكن تلخيص أقوال أُخر من الرواية، لندّعي أنها الملخص الكامل للرواية، ومن ثم سيصير لدينا رواية منحرفة عن الأصل تماماً، ولنا أن نتصوّر مقدار الضرر الذي سيلحق بالمدونة الروائية بفعل التلخيص المفترض.   

5ـ عدم دقة التصنيف: التلخيص أعلاه جعل الأرقام توحي بقصور الكاتب وقلة كفاءته، بحسب الجدولة الرقمية السابقة، التي تبين مضمون الاستعمال اللغوي، بينما الحقيقة، أن النص مناسبة جمالية موحية بالكثافة الفنية للفعائل والصوغ والتأويل، ثم الانحياز للحيوات البشرية والحيوانية!                                           

6ـ سرقة الجهد: بين الملخص والأصل بون شاسع في الأسلوب والعبارة، فلو ادعيت أنه لي، بعد إجراءات بسيطة، ليصير قصة قصيرة ـ مثلاً ـ، فلن يعترض أحد عليه، بينما واقع الحال، هو سرقة لا تناصاً ولا استثماراً.            

ـ علائق شَعرنة المفردة السردية

القول السـردي يحمل شعريته بأدائه الدرامي، وبصوغه اللغوي، لكن شاعرية الروي تأخذ ـ بحسب ما نرى ـ بالحالة الانفعالية في الانحياز إلى قيم الخير، والذاتية، والإنسانية، والأنسنة. والأخذ بموجبات الوجود...

في المشهد الآتي سنجد كل جملة فيه مع المكملات توظب السرد لوظيفة شَعرنة انفعالية، كأن الجملة مفردة لفعل نفسي يقرر حالة متفردة لجزئية من قصيدة نثر. لننظر:

[يرى الأغصان قرب الحائط دانية من الأرض.

تلمّ أوراقها الملعقية ثقل القطرات،  

تلامس الأرض في بعض المناطق،

تلين وتنفتح كالحظ السيء   

والسمعة التي صعدت مع صعود رشق الطين على السور، في بعض المناطق..

ستخص حادثة الليل فماذا سيحكي للعربان؟] ([10])


التحليل جدولياً

سنقيم ما يشبه التقابل لنثر غـطاء الـشِعـر عند أعتاب القصد السردي بالشكل الآتي:

جملة الحدث

 السردي

المقابل الانفعالي

القصد الدرامي

 المشَعرن

الأغصان دانية

من الأرض

التوهم بأن الأغصان عاقلة

وتدنو بقصد إلى الأرض

الأغصان حزينة من

 أقدام وأيدي المارّة

عليها

الأوراق تلمُّ

ثقل القطرات

الإحساس بأن الأوراق تَعِبة

مثل البشر من الثقل

المضني على رقتها

أن الراوي مثقل مثل

الأوراق

تلين كالحظ

السيء

التصوّر بأن الأوراق تندب

حظها العاثر مثل البشر

الراوي منكفئ ومهزوم

وخجل من حظ البشر

الذي أزجى سوءه إلى

 الأوراق

تصعد السمعة

مع رشق

 الطين على

السور

سمعة سوء حظ الراوي

رشقة طين سيء الوجود

والمظهر

سمعة الشجر قدرية مثل

 سمعة بواكير البدء

 البشري

حكي الليل

حادثة مجهولة

على لسان

العربان

القص انعتاق متماه مع

ضلالة حكي الحوادث

المجهولة الأصل

تقاطع بيئة الليل مع متعة

الكلام عن مجهولية

قصص سرّاق ليل

الحضارات

 

 

 

 

 

                                                                                                        

قوة الضحك في أُورا، رواية حسن مطلك ـ أجدها ـ من أوائل الروايات التي صممت هموم الفرد الشخصية كهموم ثقافية عُليا في مُثُلها القيمية والفنية، هي من الروايات المهمة في أسلوب شَعرنة المفردة الروائية بطريقة طريفة طريّة لا تغلّب الشعر ولا تضحي بالسرد، تجمع الفطري والفني والانفتاح التداولي في مدونة ـ أيقونية ـ من مسبوكات جديدة جدية مستقبلية، لعلها، أول رواية عراقية تتقدم على زمنها عشرين سنة لاحقة.                         

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشرت في صحيفة (الزمان) العراقية، الطبعة الدولية، العدد 5534 بتاريخ 26 أيلول/ سبتمبر 2016

https://www.azzaman.com/archives/pdf/pdfarchive/2016/09/26-09/p9.pdf

وفي العدد 5535 بتاريخ 27 أيلول/سبتمبر 2016

https://www.azzaman.com/archives/pdf/pdfarchive/2016/09/27-09/p9.pdf

وفي كتابه (تكنو- ثقافة: الرواية في التداول المعرفي)، دار أمل الجديدة، 2018 الأردن



[1] د.الخليل، علاقات الحضور والغياب في شعرية النص الأدبي ـ مقاربات نقدية، 2012، ص10

[2] مطلك، رواية قوة الضحك في أُورا، ط2، 2006م، ص21  

[3] مطلك، رواية ثوة الضحك في أُورا، ط2، 2006م، ص22

[4] مطلك، رواية قوة الضحك في أُورا، 2006، ص22

[5] مطلك، رواية قوة الضحك في أُورا، 2006، ص41

[6] مطلك، رواية قوة الضحك في أُورا، ط2، 2006، ص63

[7] د.الخليل، مقاربات نقدية لنصوص حداثوية،2013، ص54

[8] د.الخليل، مقلربات نقدية لنصوص حداثوية، 2013، ص54

[9] مطلك، رواية قوة الضحك في أُورا، 2006، ص 94

[10] مطلق، رواية قوة الضحك في أُورا، ط2، 2006، ص123

06‏/12‏/2020

حسن مطلك.. برع بالكتابة ومات مقاوماً/ سماح عادل

 

حسن مطلك.. اِزدَحَمَ بالكتابة وبرع فيها ومات مقاوماً للظلم 

خاص: كتابات سماح عادل

حسن مطلك روضان؛ كاتب ورسام وشاعر عراقي.. ولد عام 1961 في قرية “سُديرة” شمال العراق، أنهى دراسته الجامعية في 1983، وحصل على شهادة البكالوريوس في التربية وعلم النفس من كلية التربية في “جامعة الموصل”، عاش في كنف عائلة ذات ماضي عريق في الزعامة العشائرية وثرية بعطائها للأدب الشعبي.

أقام عدة معارض للفن التشكيلي، وبعد أدائه للخدمة العسكرية الإلزامية عمل أستاذاً في “معهد المعلمين” في كركوك ومديراً لعدة مدارس إعدادية، أُعدم شنقاً بتاريخ 18/7/1990 الساعة السابعة مساءً، لاشتراكه في محاولة لقلب نظام الحكم. حيث راح يصفه بعض المثقفين إثر ذلك بأنه (لوركا العراقي).

الكتابة..

حاز “حسن مطلك” على الجائزة الأولى لـ”قصة الحرب” عام 1983؛ عن قصته (عرانيس)، والجائزة التقديرية سنة 1988 عن قصته (بطل في المحاق)، وألف رواية (دابادا)، والتي طبعت عدة طبعات، ورواية (قوة الضحك في أُورا) و(كتاب الحُب.. ظِلالهن على الأرض)؛ وهو نوع من الكتابة الحرة والمذكرات، و(العين إلى الداخل.. كتابة حرة)، و(أقنعة.. أنا وأنتِ والبلاد)، مجموعة شعرية، و(الأعمال القصصية)، ومعظم كتبه قدم لها وحققها شقيقه الروائي، “محسن الرملي”، وبعضها تم جمعه من أوراق “حسن مطلك” بعد وفاته.

دابادا..

رواية (دابادا)، تقع في (220صفحة)، صدرت طبعتها الأولى في بيروت سنة 1988، وصدرت الطبعة الثانية في القاهرة 2001، والطبعة الثالثة في بيروت 2006.. يعتبرها البعض أهم الروايات العراقية التي ظهرت في نهاية القرن العشرين، قال عنها، جبرا إبراهيم جبرا: “إنها رواية غير عادية، فهي جديدة وكاتبها شاب جريء”. وقال الروائي، عبدالرحمن الربيعي: “لقد أحببت هذه الرواية العصية، إنها رواية مختلفة، لا يمكن أن تذكرنا بأي عمل روائي آخر ولم تتعكز على إنجاز روائي سابق.. إنها رواية وحيدة ومكتفية بما حملت”. وقال القاص، محمود جنداري: “إن (دابادا) هي الكتابة بشروط الحياة”. وقال الناقد، د. عبدالله إبراهيم: “إنها رواية تستفز القارئ، وهي تتصدى لقضايا كبرى، إن هذه الرواية ستثير إشكالات في مستوى القراءة ومستوى التأويل وستختلف الآراء حولها”. وقال الشاعر، صلاح حسن: “إنها الرواية العراقية الوحيدة التي ظهرت بهذه السمات المميزة.. إن (دابادا) هي حقاً رواية عراقية متميزة، وفيها من التجديد ما لا يمكن إنكاره على الصعيدين البنائي والمضموني، حيث يمكّناها من الوقوف إلى جانب الروايات العظيمة”. وقال الناقد، د. باسل الشيخلي: “إن هذه الرواية تتجاوز حدود الواقعية لتدخل في إشكالية أكبر وأوسع من نمطية الكتابة المقنّعة.. وإن لغة (دابادا) هي سر قوتها”. وقال القاص، “كريم شعلان”: “أتمنى أن يقرأ الجميع (دابادا)، رواية الكاتب العالمي جداً حسن مطلك ونافذته على فجر الرواية العربية”.

ونشر الشاعر والقاص، عبدالهادي سعدون، رسالة تلقاها من حسن مطلك؛ رداً على رسالة كان قد أرسلها له عن روايته، جاء فيها: “الأخ عبدالهادي السعدون المحترم.. أفضَل تعريف سمعته للقصة «أنها تجربة عزلة». وأعتقد أنني لو تمنيت حقاً أن أفرد لك توضيحاً لـ (دابادا) لاحتجت لرواية أخرى سأسميها مثلاً «ميتا دابادا» فالمعذرة إذاً. ولكن أسمع. أعدك في يوم ما عن شيء سماه أحد الأصدقاء «الواقعية المطلقة» إشارة إلى كتاباتي، وهي فكرة مفصلة، إصبع ديناميت في جسد الموروث الأدبي، ـ أنا متعَب وقلق هذه اللحظة ـ ولا أرغب في الحديث عن (دابادا) بالذات، لأنها أتعبتني.. أريد أن أستريح يا أخي، هناك بعض التطور الذي أسميه تراجعاً عن (دابادا) في بعض الأحيان، تجربة روائية جديدة ستذبحني، أكثر عمقاً.. العقدة هذه المرة ليست في الشكل بل في الفكرة، لا سيما أنني مهووس بتاريخ الحضارات القديمة، وأشعر أنها ليست مجرد أحداث انتهت، بل هي طفولتي أنا، طفولتكم.. وأننا نحتاج جميعاً إلى وعي تاريخي، لا إلى وعي في التاريخ. أنني لعلى ثقة بأنك أنت وجميع الكتاب الشباب يجدون في (دابادا) باباً للأدب القادم. إذ لم يعد من السهل أن نبدأ بكلمة «كان» كاستهلال قصصي، وهذه أول خطوة للنجاح../ قتل «كان»”.

حسناً: الحمار “قندس” هو الإيديولوجيا. أو لنقل الروح الخشبية المدللة لكل سلطة. هناك إشارة لا أملّ من تكرارها على الأصدقاء: يا “عبدالهادي” لسنا جادين أبداً، لا في قراءتنا ولا في كتابتنا.. فلنجرب الكتابة في وضع الوقوف. لنكن جادين مرة واحدة وإلى الأبد.. وعلينا أن نفرق بين الأديب والكاتب، وذلك سهل لمجرد أن نجلس في اتحاد (الكتاب) العراقي.. ولا بأس أن نصاب ببعض الغرور، وليذهب موظفو الأدب إلى الجحيم ما دمنا نكتب بألم ونتعذب ونحترق. لنجرب أن نعطي أقصى ما لدينا في كل قصة مهما كانت حتى لو كانت طاقتنا ستفرغ نهائياً في قصة قصيرة واحدة، ولننس أسمائنا. فلتكن قصة واحدة عظيمة ثم نعتزل.. لنصرخ قبل أن يصل الطين إلى أفواهنا. قرأتُ في بعض كتب الأنثروبولوجيا عن قبيلة تعطي لكل لحظة حقها. في الحزن يهلك بعضهم من البكاء، وفي الفرح يهلك آخرون من السعادة، وفي العمل تنهار أجسادهم.. ولكن هناك، سينشأ في الداخل، داخل كل شخص، قوة عجيبة ورؤية واضحة للعالم.. فلنجرب. المعذرة.. سنلتقي في يوم ما”.

الازدحام بالكتابة

في حوار مع حسن مطلك، أجراه عيدان محمود الصحن، نشر في بغداد 1988، يقول عن الكتابة: “الحضور بالنسبة لي هو أن أكتب وأستغرق في الكتابة. وتجربتي ذات أمواج تضعني دائماً في فورة المحاسبة.. أنا مزدحم وأخاف وأحذر النشر مخافة أن أندم فالكثرة لا تعني شيئاً في الإبداع.. أكتب الرواية ليس لأنها سرقت من الفلسفة والشعر قوتيهما ولا لأنها فن العصر، كما يقال، بل لأنها صعبة، وعرة، ولأنني أستمتع كثيراً بهذا الخطر.. ليس ثمة فارزة بين الواقعي والخيالي في الأدب، أحدهما يكون ذراعاً والآخر رأساً واللغة روح لهذا الجسد الهجين”.

وعن اللغة في كتاباته، يقول “حسن مطلك”: “أذكر قولاً لأحد كتاب الرواية الحديثة، يقول: «لم أحاول في يوم ما أن أجبر اللغة على قول ما لا تريد أن تقوله». واللغة هي أنا، فأحاول ألا أكذب قدر الإمكان، إنها ليست مجرد أداة للتوصيل.. فهي تشمل الصوت أحياناً. المهم أن نجرب كيف تخطيء في اللغة بعد أن نتقن الإعراب. ليس للكتابة وقت محدد، ولكن لحظة الدهشة هي ذروة الإبداع.. دهشة الاكتشاف التي تضيع الكثير من التفاصيل، غير أنها تعطي بالمقابل لغـة مـضيئة”.

وعن رأيه في القصة العراقية وكتابها، يقول “حسن مطلك”: “القصة العراقية في أتم العافية، ولكن الجدية تنقصنا جميعاً. إذا أردنا معرفة مستقبل القصة علينا أن ننظر إلى تجارب الآخرين من الشباب. أما الرواية في العراق فلم تخرج من حجرة التقليد.. ولكنني متفائل كثيراً”.

أهل القرى..

في حوار آخر معه أجراه، مجيد السامرائي، نشر في بغداد 1984، يجيب حسن مطلك عن سؤال؛ هل تظن أن هناك أدباء قرى وأدباء مدن؟ قائلاً: “ربما.. أنا أظن أن المبدعين هم أهل القرى، أو الكتاب القرويون المتمدنون.. القرويون أعرف بقراهم من أهل المدن، وإن غطسوا في زحام المدن فهم أدق تعبيراً من غيرهم عن المدينة.

لغة جديدة..

حوار آخر مع حسن مطلك، حاوروه (نـجم ذيـاب – محسن الرملي – ياسين سلطان)، وأجري في بيته بقرية (سديرة وسطى) 1988. وتم تسجيله على شريط، (كاسيت)، وكان حواراً طويلاً عن روايته (دابادا)، يقول حسن مطلك عن استخدامه اللغة بطريقة جديدة: “بالنسبة للغة الرواية فقد استخدمت شاهين أيضاً كمنظار للنظر من خلاله إلى جميع الشخصيات، وأنظر من خلاله إلى الحدث، أي أن كل وصفي ودخولي في الرواية وأسلوبي قد تم من خلال شخصية شاهين، يعني أنني لم أكن أنظر من خلال شخصيتي كروائي وإنما كنت أنظر من خلال شخصية شاهين إلى العالم، ولذلك فإن طريقة الروي كانت بطريقة شاهين وليست بطريقتي.. إذاً فهو أسلوب شاهين وليس أسلوبي”.

الواقعية المطلقة..

أما عن انطباعه عن رأي بعض النقاد الذين اعتبروا روايته خروجاً عن الإطار التقليدي للرواية؛ يبين حسن مطلك: “في أول الأمر تم اعتبارها خروجاً، ثم بعد ذلك شبهها قسم كبير بروايات «ماركيز».. فهي إما أن تكون خروجاً أو تشبه روايات «ماركيز»؛ واحدة من اثنتين. ولكن بتقديري هي فعلاً خروجاً عن التراث الأدبي، ولكن ليس خروجاً كاملاً بكل ما في هذه الكلمة من معنى، لأنه ليس هناك من يكتب رواية جديدة 100% دون أن يتأثر بما قرأه وما عاشه في كل السفرات التي قضاها، فنحن بالتأكيد نتأثر بقراءاتنا وثمة تأثيرات كثيرة لكتاب عالميين. أما بالنسبة لتأثري بـ«ماركيز» فطبعاً أن «ماركيز» من المؤثرين بي ولكنني أعتقد بوجود خلاف كبير بيني وبينه وأنني حين أكتب فأنا آخر من يقلد ماركيز، ليس لأنه روائي عادي بالنسبة لي بل بالعكس فهو روائي عظيم جداً، ولكن بالنسبة لي فإن ماركيز لا ينطبق على الأشياء التي أفكر بها أنا، لأن ماركيز كما أعتقد يكتب بدون أفكار يعني يجيد اللعبة الروائية بشكل مذهل، ولكنه لا يقدم أفكاراً كبيرة، أما هذا المنهج الذي اعتمدته فقد أسميناه بـ (الواقعية المطلقة) أو (الواقعية الكلية) والذي يمكن بداخله أن تضع في الرواية كل شيء، أي أنه بالإمكان أن نضع من الكيمياء والفيزياء ومن علم الزراعة والطب وغيرها، وأيضاً بالنسبة للمدارس الأدبية تستخدمها كلها.. كل ما تعلمناه من مدارس أدبية من السريالية والواقعية، والواقعية السحرية والواقعية الواقعية والواقعية النفسية وغيرها، وممكن أن نأخذ «بروست وكافكا وغويس» ونشاركهم كلهم في عملية الكتابة الروائية، فأنا أعتقد أن الخطأ الأساس، أو هو ليس خطأ تماماً، وهو مثلاً عندما أنظر إلى كافكا أنظر له بخصوصية وعظمة، ولكن كافكا قد نظر من منظار واحد ومن زاوية واحدة إلى العالم، لقد نظر من جانب التحويل الحسي إلى موضوعي مثلاً، كافكا يقول، بأن البطل يشعر بأنه شخص وضيع أو شخص متعَب، فهو لم يقل بطل متعب وإنما حوله إلى صرصار كما في روايته (المسخ)؛ أو عندما يشعر الشخص بوطأة السلطة عليه وبأنه مطالب دائماً ومراقب دائماً وبأنه ليس حراً.. فحول هذا الإحساس إلى (المحاكمة)، أو حالة الطموح التي لا تتحقق أبداً في رواية (القصر) فهذه رؤية واحدة نظر بها كافكا إلى أعماله. وهكذا يمكنك أن تتناول أي روائي على هذا الأساس ووفق هذه الناحية. خذ رواية (زوربا) مثلاً ستجده أيضاً بأن «كازانتزاكي» قد نظر من زاوية واحدة ألا وهي؛ الحس والفعل أي الموافقة بين الحسي والعقلاني، الحسي زوربا والعقلاني كان المعلم الشخصية المرافقة لزوربا.. وأنا أعتقد بأن الروائي الجديد أو الأدب الجديد لا بد أن يكون أدباً كلياً، أي أن نضع كل شيء إلى جانب العلم، ويمكن أن نضع المسرح ونستفيد من تقنيات السينما بالتقطيع المشهدي أو في السيناريو وبالإمكان أن نضع موسيقى أيضاً، وأن نضع سحراً فبالإمكان أن نضع كل شيء.. كل شيء داخل الرواية”.

عَقلَنة الشِعر..

كما رأى التجديد في روايته، قائلاً: “بالنسبة للجديد في (دابادا)، وعلى صعيد الشكل أيضاً، فقد استخدمت الشعر، واللغة إلى أقصاها، أي أنها ممكن أن تتحول إلى قصيدة شعرية أو (قصيدة غليظة)، وفي الوقت نفسه، استخدمت العقل (عقلنة الشِعر)؛ أخذت من الفلسفة وأخذت من الشعر.. وطبعاً ستجد أن ثمة تضاد قوي بين العقل والحس، ليس تضاداً بالضبط، ولكن لأنه ليس من الممكن أن نطرح حالة عقلانية بطريقة حسية أو نطرح حالة حسية بطريقة عقلانية فإما أن تصبح في النتائج عقلانية أو حسية.. أنا عملتها عقلانية حسية أو حسية عقلانية.. يعني الاثنين معاً. أعتقد أنها مسألة جديدة جداً في العمل الروائي. وقلت لكم أيضاً (الكلية) أي أن أنظر إلى الأمور بطريقة كلية، ثم أنني لا أتعاطف مع أبطالي، وهذا ليس شيئاً جديداً ولكن العبرة في عملية تنفيذه.. لأن أهم شئ هو أن ينفذ الروائي ما يفكر به فعلاً.. هناك من يتكلمون وكلامهم كبير وعندهم فكرة تامة عن الرواية.. ولكن عند التنفيذ لا ينفذون.. والجديد هو: أنني قلت الشيء ونفذته”.

وعن الأدب والسلطة يؤكد حسن مطلك: “حرب الأديب ضد السلطة بكل أشكالها هي حرب دائمة، وفعلاً هذه الرواية مكتوبة ضد السلطات.. أشكال السلطات الموجودة في المجتمع؛ السلطة التاريخية والسلطة الاجتماعية والسلطة السياسية، وطبعاً هي لا تخص سلطة معينة بالتحديد ولهذا أقول الكلام بدون رقابة”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*سماح عادل: كاتبة وإعلامية مصرية.

*نشرت في (كتابات) بتاريخ 2/3/2018م

https://kitabat.com/cultural/%D8%AD%D8%B3%D9%86-%D9%85%D8%B7%D9%84%D9%83-%D8%A3%D8%B2%D8%AF%D8%AD%D9%85-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8%D8%A9-%D9%88%D8%A8%D8%B1%D8%B9-%D9%81%D9%8A%D9%87%D8%A7-%D9%88%D9%85%D8%A7/

ما وراء سطور رواية (دابادا) حسن مطلك / جمعة عبد الله

 

قراءة ما وراء السطور في رواية (دابادا) حسن مطلك

جمعة عبد الله

أثارت هذه الرواية للشهيد (حسن مطلك) زوبعة وضجة عاصفة، في الوسط الثقافي والأدبي، وتخللتها ردود أفعال متنوعة، بالهزة العنيفة بأن ولادة هذه الرواية قلبت الموازين في العمل الروائي العراقي السائد، في تغييرات جوهرية في المتن الروائي عامة، في الأسلوبية البنائية والشكل المعماري، واعتُبِرت بأنها رواية جديدة غير تقليدية، في الخلق والإبداع، في التجديد والابتكار والتحديث، في الأدوات الروائية غير المسبوقة، واستخدامها نمط لغوي جديد، ينحى إلى الثنائية، لغة ظاهرية، ولغة باطنية وهي جوهر العمل الروائي، في أسلوبها الرمزي، الذي يأخذ منحى التمويه  المبطّن، والتشويش والغموض، وبعثرة  زبدة الحدث أو الحكاية بشكل مراوغ ذكي، في عملية تقطيعية هنا وهناك، بهدف  التملص  من مقص الرقيب، أو من غضب السلطة الماحق والظالم، الذي لا يرحم حتى الحجر، هذا الأسلوب الفطن والذكي، أنقذ روايته من الحجب، رغم  إلى الرقابة احتفظت بها لمدة عام  وبعدها اجازتها، بذريعة رواية غرائبية.، ولكنها في حقيقة الامر رواية فكرية سياسية وفلسفية واجتماعية، تتناول حقبة مظلمة من تاريخ العراق، مغلفة في حكايات سريالية غرائبية، ولكن مضمونها الاساسي، يتناول هذه الحقبة السريالية، التي خيمت على العراق بشفرات  رمزية مثل  (القرية) وتعني العراق، انها رواية تستفز الذهن، من خلال المضمون المخفي والمبطن في الرمزية، واعتبرت رواية (دابادا) نقلة نوعية في ميلاد الرواية العراقية الجديدة، في تجديد اساليبها التقليدية، وبعض النقاد وضعها في مصاف الروايات العالمية، أو بمستوى اهم انجازات الرواية العربية، في أسماء مؤلفيها، ذو شهرة واسعة وباع طويل في الانتاج الروائي. إنها رواية انتقادية بكل المواصفات بالرمز المشفر، في تعرية الأوضاع السائدة، التي تتجه نحو السريالية، في محاصرة الإنسان، ووضعه في قفص مغلق، مراقب على مدى 24 ساعة في اليوم، ويحصي حتى زفير تنفسه، بكل أشكال النخاسة الإرهابية والفكرية، إلى تخريب الإنسان من الداخل، إلى وضعه في محنة اخطبوطية، حتى يتجه إلى مشرحة الموت البطيء، إلى تدجين الضمير بالخراب العام، إنها محاولة صرخة في الفراغ، من اجل الحرية والانعتاق، صرخة ضد الظلام السريالي. وقد قال عنها الناقد جبرا إبراهيم جبرا، بأنها (رواية غير عادية، فهي جديدة، وكاتبها شاب جريء). وهذه القراءة النقدية، هي محاولة الكشف ما وراء السطور في المتن الروائي، المخفي في المضمون، انها محاولة فهم وفك  شفراتها الرمزية، وفهم جوهرها التعبيري، المغلفة بحكايات غرائبية ملغزة، في أشكال سريالية غرائبية، هي محاولة تجميع جزئيات المقطعة في الرمزية متناثرة هنا وهناك، والمخفية بأسلوب التمويه والتشويش، لذا فأنها محاولة إرجاع الشفرات الرمزية إلى أصلها الواقعي، إلى الواقعية الواقع، بأنها صدى وانعكاس له، انها وضع الأمور في نصابها، وفي  جوهر المتن الروائي، الذي استغرقت من جهد الروائي الشهيد حسن مطلك. خمسة أعوام، لكي تكتمل بهذا الشكل النهائي المقدم إلى القارئ، كما يقول اهرنبورغ (إن الفنان يعرض الشيء الذي يثيره وتقلقه، ويثير معاصريه، وإذا كان قادراً، على النظر إلى أعماق القلب الإنسان، وليس إلى غلافه الخارجي، فهو يخلق فناً يساعد الناس في معاناتهم)، لذا فأنها عملية اكتشاف الرمز المبطن، الذي يكمن وراء هذه الحكايات، وليس تتبع مسارها الزمني، وهي ثلاث أيام وأربعة ليالي، ولكنها في الحقيقة، تتناول حقبة زمنية من الأوضاع التي مرت على العراق لأكثر من عقدين من الزمان. 

1ــ الحكاية الأولى: اختفاء الأب (محمود) الغامض.

اختفى في البراري، بشكل غامض لمدة عشرين عاماً لا يعرف مصيره عند اهل القرية، بسبب أرنب مبقع أجبره على السير معه، هذه الأرانب المبقعة التي تفتك بأهالي القرية، حتى لا يجد لهم أثر بعد ذلك بالضياع الكامل، لقد قاده الأرنب مبقع إلى (أرض مليئة بالأرانب المبقعة) ص34.  زوجته (هاجر) فتشت عنه وطرقت كل الأبواب، لكن دون ان تحصل على نتيجة لمدة عشرون عاماً، من العذاب والمعاناة تركها وحيدة مع طفلها (شاهين) وكان عمره آنذاك سبعة أعوام، ولكن أخيراً أخبرتها العرافة (وزة) وكما قالت إلى ابنها (شاهين) وهو الآن في عمر سبعة وعشرين عاماً، تقول له (إن وزة أخبرتني عن أبيك، قالت انه يتنفس لحد الآن، غير انه لن يجيء الآن) ص34. إن رمزية الحدث أو الحكاية مكشوف، في التعبير والرمز في (الأرانب المبقعة) التي تملك السلطة الكاملة في تغييب المواطنين، في اختطافهم واعتقالهم وسجنهم في سراديب سرية، ألم يقصد الأجهزة الأمنية في هذه التسمية الغريبة والسريالية (الأرانب المبقعة) إنها أدوات السلطة، التي تراقب المواطنين وتحصي أنفاسهم.

2ــ الحكاية الثانية: رمزية الكلب شرار. 

عواد: رسام باحث عن الشهرة والأضواء والمال، يشغل نفسه طوال الوقت في رسم كلبه شرار، في رسمه في أوضاع مختلفة، في بوزات وأزياء متنوعة ومختلفة، يرتبط به بعلاقة بهيمية غريبة، حتى يصعد على قمة الأضواء والشهرة، ويقول عن الكلب شرار، بأنه هجين وغدار وشرس ومتهور، ويحب (أكل لحوم البط ولا يحب ثمر التين، رسمه، في أوضاع الجري والوثوب، واستبدل عينيه بزراريّ معطف مطري) ص 43. لا أعتقد من يبحث عن المال الأضواء والشهرة، وإبراز اسمه في العاصمة والإعلام، ويقضي في الانشغال المحموم، في رسم الكلب شرار. أعتقد انه من فصيلة أخرى تملك كل زمام الأمور. من فصيلة آدمية وضعه القدر على رقاب العراقيين، في سريالية غرائبية، في رسم صورته في كل مكان وزاوية، و(عواد) يشعر أن اسم شرار مرعب ومخيف يجلب الخوف والقلق على مصير حياته (وكلمة شرار، كإبرة طويلة إلى حنجرته، ويهمس لا يمكن احتماله) ص48. ويهمس بالاعتراف عن كنة وماهية الكلب شرار (كل ذلك بسبب شخص معين. بسبب مجموعة أخطاء، لمجموعة اشخاص يتكرر وجودهم، ويترسب في خط بركاني ليعزله عن بعضه، بسبب آخرين يشبهونه، لكن أحدهم لا يبالي ليلة سماع الصراخ، في أقصى القرية) ص 47. الرمز واضح والقرية تعني العراق، وليس بحاجة إلى توضيح أكثر، لأنها جزء من سريالية الواقع العراقي بغرابته.

3ــ الحكاية الثالثة: رمزية موت عبدالمجيد بسم الفئران.

عبدالمجيد مختار القرية أو رئيسها الفعلي، يموت بدس سم الفئران في طعامه من قبل (حلاب) ليكون المختار الجديد على القرية، وحلاب ذو شخصية متسلطة قاسية ومتجهمة بشراسة المرعبة والمخيفة (افسحوا الطريق لحلاب. جاء حلاب افسحوا الطريق. ابتعدوا...) ص 111. ويصبح البعبع المخيف في القرية، واسمه يجلب الرعب، بعد اغتصاب السلطة، وتغير الحال في القرية نحو الأسوأ بالتدهور الفظيع (أقول لكم: كان العالم طرياً في البدء، ولكنه هوى على رأس مثقب، بالأخص فوق فتحات الأسلحة) ص113. هذا (حلاب) يسجل كل شاردة وواردة في مسك السلطة، بواسطة رجاله الأشداء المتزمتين في الغطرسة، هذه اللعنة التي أصابت القرية، وهي جزء من اللعنات من المؤامرات المتواصلة، في مذابح الاخوة البشر على العراق (سبعة وعشرون عاماً من المؤامرات، لأجل هذه اللحظة الذكية ويسقط. طعم الجحيم النقيقيّ، في أسفل الهاوية والساعة الاخيرة من العيش والذهول والرعب والمؤامرة مرة اخرى، حيث المذابح الصفراء، التي نادراً ما تصل إلى درجة القتل - مذابح الاخوة البشر -) ص124. ملامح الرمزية مكشوفة، رغم انها متناثرة هنا وهناك بالتقطيع شأن كل الحكايات الرمزية في سرياليتها، ولكن عملية تجميع هذه القطع المتناثرة، تعطينا الصورة الواضحة، لبعدها الرمزي. وهي ترجمة حقيقية لصراع الدموي على السلطة، أو بالأصح اغتصاب السلطة بمؤامرات القتل، أو مؤامرات دس سم الفئران في الطعام أو في الشاي.

4ــ الحكاية الرابعة: رمزية حمار قندس.

حمار قندس، هو يرمز إلى الأداة التنفيذية السلطوية، التي هي في قبضة (حلاب) المختار الجديد، أو هو عنوان السلطة، ويحاول (شاهين) وهو بطل الرواية، أن يعلن عصيانه وتمرده على سلطة حلاب، الذي تسبب في اختفاء أباه (محمود) لمدة عشرين عاماً، ويكتشف سر اختفاء أباه محمود (يكشف مع نفسه مسؤولية حلاب في اختفاء محمود، لأنها بقيت بالسرية التامة) ص181. هذا (شاهين) الطفل اليتيم بعد اختفاء أباه لمدة عشرين عاماً، وعاش منعزلا ً وانطوائياً، غريباً عن الواقع، منزوياً في غرفته المظلمة مع أمه (هاجر) لقد فشل كلياً في التكيف والتأقلم مع الواقع والناس. ويعتبر نفسه غريباً عالة على أمه والناس، ويشعر بالكآبة والحزن (يحس انه حزين، ليس حزيناً بالضبط، وانما يريد ان يبكي، وهو يراقب صوت الفجر، المتسلل بين الاحطاب وقصب السقوف، والانطلاقة الأولى لعصافير العراق) ص173، ويتذمر من اخبار العالم المفجعة في نشرات الأخبار (زلازل. فيضانات. أخبار مجاعة السود. محدثات نزع السلاح النووي. عمليات الفدائيين العرب. جلسات مجلس الأمن. إرهاب عالمي. مخدرات. فضائع سياسية. تجسس. جرائم. خطف. حروب. انقلابات. اِنحلال. أسلحة جديدة ............ إلخ) ص174. ويتساءل (إلى متى هذه الظلمة. . . إنها عبارة عن محض صرخة في فراغ: دا - با ................. دا ............... بذلك كان الضحك، بعد محاولة الضحك دائماً. الضحك. الضحك. الضحك ........... إلى ما لا نهاية) ص170. جعلته يتوخى العلاقة مع الناس، لأنه يعتبرها خاوية وجافة ومصلحية (أخلاق الناس بنظري، مرة مشيت مع صديق، واحد في المائة يعطي الصداقة حقها .......... مصالح) ص164.. لذلك من أجل الانعتاق من هذا الوضع المظلم والسريالي، قرر أن يقتل الحمار قندس، ليوجه طعنة قاتلة إلى (حلاب). واخذ المدية سلاح القتل وهجم على الحمار قندس بالطعنات (طعنة.... طعنة. طعنة... ويهجم الالم لحظة رؤية الدم يغطي النمش) ص196. ويهرب وهو يرى يديه ملطخة بالدماء، فيركض إلى الشاطئ، لكنه بعد ذلك يقع في مفاجأة، بأنه لم يقتل الحمار قندس، وإنما الحمار بخير لم يقتل لأنه (استعملت المدية بشكل معكوس، لأني كفي ظل يؤلماني، والدم هو دمي أنا، لا دم الحمار) ص 210.

5ــ الحكاية الخامسة: رمزية اختفاء شاهين.

بعد المحاولة الفاشلة، يشعر بالانهيار وأن حياته انتهت بالخسارة والرعب، بأن حياته أصبحت على كف عفريت، ويختفي في ظروف غامضة عن الوجود، وتقلق أمه (هاجر) لهذا الغياب المخيف، المشابه لغياب أبيه (محمود)، ويصبها الرعب والخوف، وتفتش عنه في كل مكان وتسأل الناس (الرائحين والقادمين: هل رأيتم شاهين؟ هل رأيتم ولدي؟ فيميلون عنها، معتقدين أن عدوى جنون العائلة، قد تسرب إليها، فصارت تركض من تل إلى آخر، وتفتش الوديان والبيوت) ص193، لكن أخباره ضاعت واختفت، بالضبط مثل أخبار الروائي الشهيد حسن مطلك، ولكنه عرف فيما بعد، بأنه أُعدِم، بذريعة مشاركته في المحاولة الانقلابية الفاشلة ضد صدام حسين، وهو لم يبلغ عمره ثلاثين عاماً، في أوج عظمة إبداعه الأدبي، وخاصة، انه رسام وشاعر وروائي قدير. نسأل المولى القدير أن يتغمد الراحل برحمته الواسعة، واسكنه فسيح جناته. 

× رواية (دابادا) الروائي الشهيد حسن مطلك× إصدار: دار العربية للموسوعات الطبعة الأولى عام 1988/223 صفحة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*جمعة عبد الله: ناقد وشاعر ومترجم عراقي jamah.abdala@gmail.com

*نشرت في (الناقد العراقي) وفي (كتابات في الميزان) بتاريخ 24/3/2017م

https://www.alnaked-aliraqi.net/article/40490.php

https://www.kitabat.info/subject.php?id=91199

10‏/09‏/2020

شهادة عن حسن مطلك / فهد عنتر الدوخي

 

الجديد في ذاكرتي عن صاحب امتياز (دابادا) 

الراحل حسن مطلك..

    حسن مطلك 1975       

فهد عنتر الدوخي

الكثير ممن تناول سيرة الراحل حسن مطلك، الذي أحدث صرخة مدوية في فضاءات السرد على المستوى العربي، بروايته الشهيرة (دابادا) حتى ظلت أبواب التحليل والمكاشفة مشرعة إلى يومنا هذا، ومن خلال تجربتنا المتواضعة في هذا الشأن، فقد تسنى لي الاطلاع على الكثير ممن خاض غمار الكتابة عنها، والبعض نصب نفسه شاهدا على فصولها، وأقصد من الجيل الذي واكب غزارة الإنتاج القصصي في تلك الفترة، الذين اعتمدوا في دراساتهم على وسائل التواصل الصحافية والأدبية كالصحف والمجلات والإذاعات والقنوات التلفازية، كمصادر بحثية آنذاك، إذ لم يكن لديهم سبق المعرفة بهذه الشخصية الشرقاطية الآشورية، بعكس الذين جالوا معه وطافوا بظروف هذه البيئة، والذين تختزن صدورهم بذكريات خالدة ومواقف إنسانية متنوعة قريبة إليه، بحكم عوامل عديدة، أهمها المزاملة والصداقة وصلة القربى، ابتدأت، على الأقل، من رحلة الدراسة في إعدادية الشرقاط في العام1977 من القرن المرتحل وحتى رحيله مغدورا بتهمة التخطيط لإسقاط نظام الحكم في السنة المشؤومة 1990 التي غيرت مفاهيم الجغرافية والتاريخ لهذا البلد، لما شهده من أحداث وكوارث وخاصة بعد أحداث الكويت، والحصار الاقتصادي الذي جثم على خارطة الوطن لسنوات عديدة، وقد نسجت أول خيوط المعرفة به من خلال ابن عمه، صديقي وزميل الدراسة الأولية عبد سطم الروضان، وبيت عمه، الذين سكنوا مبكرا في قصبة الشرقاط، بعد أن غادروا قرية إسديرة وسطى، وفتحوا متجرا للمواد المنزلية في سوق الشرقاط القديم، وكان الراحل يسكن معهم لغرض الدراسة، إذ لم تتوفر مدرسة ثانوية في الساحل الأيسر من نهر دجلة أنداك، الأمر الذي جعل أغلب التلاميذ الذين ينهون الدراسة المتوسطة في القرى المحاذية للنهر، يواصلون رحلة الدراسة في ثانوية الشرقاط، ومن بينهم أيضا الراحل الروائي إبراهيم حسن ناصر، مؤلف رواية(شواطئ الدم شواطئ الملح) التي فازت في مسابقة وزارة الثقافة والإعلام العراقية في العام 1988 كأفضل رواية تجسد وقائع الحرب العراقية الإيرانية، وخاصة في معركة الفاو الخالدة.

حسن مطلك الذي عرفته، كان رساماً انطباعياً ماهراً حد الدهشة، وبحكم انتخابي رئيسا لمكتب سكرتارية الشرقاط، الاتحاد الوطني لطلبة العراق، الذي يشمل الرقعة الجغرافية الممتدة من قصبات وقرى حمام العليل والقيارة وحتى مشارف ناحية الزاب الأسفل جنوب شرق مدينة الشرقاط من الضفة اليسرى لنهر دجلة، فقد تطورت صلتي به، وأصبح صديقاً ماهراً في علاقاته مع زملائه، يواكب أنشطة الاتحاد الاجتماعية، الفنية منها، كالرسم والتمثيل. في هذه الفترة، برزت مواهب حسن مطلك الفنية، حتى كان له حضوراً مميزاً في معارض الرسم، في المناسبات الوطنية والاجتماعية، يزين ذلك كله، شخصية هادئة ومحبوبة، تجده متفائلاً، مبتسماً، خجولاً نوع ما، تبدو ملامح وجه الحنطي المشرق، وترتيب شعره وهندامه الأنيق.. وكأنه قادم من مدن لم تطئها شموس الجفاف والتصحر الذي اعتاد عليها سكان القرى والقصبات الريفية، وعندما نشحن ذاكرتنا البعيدة.. أذكر أن الهيئة الإدارية للاتحاد الوطني لطلبة العراق، أجرت مسابقة لتصميم شعار فني لمناسبة ما، وقد عممت شروط المسابقة إلى الجامعات والمعاهد والمدارس لمحافظة نينوى، فسارعت إلى زميلي الراحل حسن مطلك، ووضعت على طاولته هذ الأمر، وبعد بضعة أيام، جلب لي مشاركته في هذه المسابقة، بتصميم مبهر جداً، وفيه مواصفات الرسم الهندسي الحديث، وحتى استخدام الألوان، كان بأقلام غاية في الجودة، تضاهي أعمال كبار الفنانين في بغداد ونينوى آنذاك، ومن فرط إعجابي ودهشتي بهذه اللوحة، حزمت حقائبي وحملت اللوحة إلى مقر الهيئة الإدارية للاتحاد، الكائن في شارع الدواسة الفخم، إذ استقبلني الزميل العزيز مؤيد عيدان كاطع اللهيبي، رئيس الهيئة الإدارية للاتحاد، والذي كان يدرس في كلية التربية، جامعة الموصل قسم التاريخ، إذ نال بعدها شهادة الدكتوراه بهذا الاختصاص، وأصبح استاذاً وعميداً للكلية التي تخرج منها... أبدى ذهوله عندما رآني بحالة انشغال، وحضوري في وقت متأخر من نهار نيساني، ودون دعوة منه للقدوم إلى مدينة الموصل، ولما عرضت التصميم عليه، صُعِق من مهارة هذا الفنان، وأصابته الدهشة والفخر في آن معا، بقدرة وموهبة طالب إعدادية من قرية ريفية اسمها (إسديرة وسطى) التابعة لقضاء الشرقاط، وهو يدرك أن هذه الموهبة كان مبعثها حضارة مدينة آشور التي تجاوز عمرها الثلاثة آلاف سنة، وسرعان ما اتصل بالهاتف الأرضي، بمدير مطبعة جامعة الموصل، التي كانت رائدة في نشر رسائل الماجستير وأطروحات طلبة الدكتوراه، والبحوث العلمية للأساتيذ، وطبع الكتب المنهجية، وهي دار نشر وتوزيع لمعظم النتاجات الأدبية والإنسانية والعلمية، والتصاميم الهندسية والجغرافية... وبعد مداولة هاتفية ونقاش ساخن مع مدير المطبعة، أبدى الأخير أسفه لانتهاء المدة المقررة لاستقبال المشاركات، لأن النتائج حُسمت واختيرت النماذج الفائزة، وهي قيد الطبع والإنجاز، الأمر الذي جعل الزميل مؤيد في حالة امتعاض وأسف شديدين لما آل اليه حالنا، وفي ضوء ذلك، تم تأطير (البوستر) اللوحة، وتعليقها في واجهة مقر فرع الاتحاد، ومكافأة قدرها عشرة دنانير للزميل حسن، الذي تبرع بها هو الآخر لنشاط اللجنة الفنية في اللجنة الاتحادية لثانوية الشرقاط، والغريب في الأمر، أن الزميل الراحل حسن مطلك لم يعر اهتماماً للموضوع، وقابل فشلي بابتسامة هادئة كروحه..

وفي واحدة من نشاطاتنا الطلابية، فوجئنا بزعل عريف الحفل في وقت حرج، لإقامة أمسية كان يحضرها قائمقام القضاء وبعض المسؤولين وضيوف آخرين، حتى عالج حسن مطلك المشكلة، وقف على خشبة المسرح، وكان بارعاً في تقديم الأمسية، وخرجنا بصدور يزينها الانشراح... مع كل ما أسلفنا، لم نعلم ولم نكتشف ميوله الأدبية وعنايته الفائقة في السرد، والتي ظهرت فيما بعد تخرجنا من الإعدادية، هو قُبِل في كلية التربية جامعة الموصل، وأنا قُبلت في كلية الإدارة والاقتصاد، الجامعة المستنصرية، وفي خضم هذا الوقت، أخبرت أخي الكبير سامي عنتر الدوخي، الذي كان يدرس في قسم الكيمياء، كلية التربية، جامعة الموصل، ويعمل في المكتب الطلابي الحزبي للجامعة، أعلمته بمواهب زميلي حسن مطلك، وسرعان ما احتضنه ليملأ باحات الجامعة بتصاميم وبوسترات، وقد طُبعت بتقنية عالية، بنفس المطبعة التي كان يخامر إحساسنا وصولها كهدف عظيم، تتوج برسوماً خالدة يشهد لها التاريخ... ورغم ضعف التواصل بيننا خلال بداية ثمانينيات القرن الفارط، بسبب الدراسة حتى تناقلت وسائل الإعلام فوز القصة القصيرة في مسابقة وزارة الثقافة والاعلام العراقية، قصة (عرانيس) للقاص حسن مطلك، ونشرتها مجلة (ألف باء) الناطقة بلسان الوزارة، والتي نالت عناية النقاد والكتاب الكبار، لغرابة الحدث وجمال اللغة والتقنية القصصية التي كتبت بها، علاوة على واقعيتها، وهي تلبي متطلبات مرحلة حرجة من حياة العراق، وعندما تصفحت أحداث هذه القصة، وطريقة كتابتها والأسلوب المبتكر الذي وثقه فيها، أدركت أنني لم أكتشف مخزوناً إضافياً من الإبداع والمواهب الجديدة لزميلي، الذي عايشته وزاملته لأعوام عديدة.. أما رواية (دابادا)، التي قال لي عنها(أنها سوالف أهلنا، وتعاليلهم وضحكاتهم وهرج مجالسهم.. وهي دابادااااااا.. إلخ)، وذكر لي أن أحد الكتاب المصريين الكبار، والمشهود له بالعمل الروائي، نصحه أن لا يقدمها للنشر، لأنها ستكون مغامرة خطرة، و(أخشى عليك من الفشل والإحباط)...

وكانت لي آخر زيارة له في العام 1989، في قرية إسديرة، تناولنا طعام الغداء في منزله، وكان الأخ الروائي الدكتور محسن الرملي، الأخ الأصغر له، الذي كان يدرس في كلية الآداب جامعة بغداد، قسم اللغة الإسبانية حاضراً، يستمع إلى أحاديثنا عن الرواية وظروف كتابتها والنجاح الباهر التي حققته.. وكان رحمه الله، مسرورا بهالة المجد التي صنعته هذه الرواية….

 

*نبذة عن السيرة الذاتية، من موسوعة ويكيبيديا:

حسن مُطلك (1961 ـ 1990) كاتب ورسام وشاعر عراقي. ويعد واحداً من أهم الأصوات الأدبية الحداثية التي برزت في العراق في ثمانينيات القرن العشرين. ولد سنة 1961 في قرية سُديرة التابعة لمدينة الشرقاط في شمال العراق. أنهى دراسته الجامعية سنة 1983 حاصلاً على شهادة البكالوريوس في التربية وعلم النفس من كلية التربية في جامعة الموصل. أقام عدة معارض للفن التشكيلي وأصدر مع مجموعة من أصدقائه في الجامعة مجلة (المُربي) نشر فيها مقالتين إحداهما عن الفن التشكيلي والأخرى قراءة لرواية الطيب صالح (موسم الهجرة إلى الشمال). وبعد أدائه للخدمة العسكرية الإلزامية عمل أستاذاً في معهد المعلمين في كركوك ومديراً لعدة مدارس إعدادية. تزوج وله ابنتين هما: مـروة وسـارة. حاز على الجائزة الأولى لقصة الحرب سنة 1983 عن قصته (عرانيس) والجائزة التقديرية سنة 1988 عن قصته (بطل في المحاق). ثم نشر روايته (دابادا) التي تعتبر قمة أعماله الأدبية. أُعدم شنقاً بتاريخ 18/7/1990 الساعة السابعة مساءً، لاشتراكه في محاولة لقلب نظام الحكم. حيث راح يصفه بعض المثقفين إثر ذلك بأنه (لوركا العراقي). خصصت مجلة ألواح ALWAH الصادرة في إسبانيا عددها 11/2001 عنه بالكامل، 300صفحة. كما خصصت عنه ملفات في صحيفتي (المدى) و(الزمان) العراقيتين. وكتبت الكثير من الشهادات عنه والدراسات عن أعماله، من بينها رسالة دكتوراه أنجزها عبدالرحمن محمد الجبوري في جامعة الموصل بعنوان (الخطاب الروائي عند حسن مطلك.. دراسة تأويلية). وحسن مطلك هو شقيق الكاتب العراقي محسن الرملي.

---------------------

*فهد عنتر الدوخي: كاتب عراقي، من أعماله: (انتهاء المواسم)، (آدم لا يشبه جده)، (المرأة الجدار) و(للضوء وجه آخر).

*نشرت في مجلة (صدى الريف) العدد الثامن، كانون الأول، سنة 2019م

*وفي (الناقد العراقي) بتاريخ 6/12/2019

https://www.alnaked-aliraqi.net/article/70566.php







08‏/09‏/2020

إهداء إلى حسن مطلك / قصة: عبد حمد

 

قصة قصيرة

سقوط نيزك

.. مهداة إلى حسن مطلك 

عبد حمد

في إحدى ليالي الشتاء الباردة المليئة بالثلج والضباب، وعلى ضفاف نهر دجله في قرية مليئة بالسدر عند حافة الوادي... فتح الصغير عينيه، وقد ولد توا على يد إحدى عجائز الشرق... عمائم... هلاهل... يلف بصره خمول داكن... لم يستطع تمييز الأشياء... امتد بصره نحو الحقول الخضراء المحشوة بالبطيخ والزغبيب... علقت في رقبته خيط أخضر تتدلى منه رضاعة مطاطية... وبشّرت والده، بان سيكون له شأناً بين أقرانه، على الرغم من أنه ابن سبعة أشهر.. إلا أن أوراقه مليئة بالسواد.

قال الوالد: كيف عرفتِ ذلك؟ قالت صاحبة العمامة السوداء: أما ترى يا بني وجهه الندي الوضاء وجبينه الناصع البياض! رأيته أمس، في المنام، يحمل أوراقا وأسميته (حسن). يحاول أن يزيد من حدة بصره... مسامير على الحائط الطيني، مشنوقة عليها سبعة عشر ملعقة... ثقوب في السقف، باضت وفقست فيها العصافير، وطيور السنونو تتدلى من على عامود يتوسط الغرفة ذات السقف الأحدب... خوف من العالم... حزن على الراحة والاطمئنان اللذان غادرهما قبل قليل... شعر بالحاجة إلى البكاء، فبكى... شعر بالحاجة الى الحليب، فرضع... قالت العجوز لأمه: سيبكي وستبكين... قالت أمه:(اذكري اسم الله).. هذه مجرد أحلام، ربما أكلتِ البارحة بصلاً قبل نومك.

وجد الوليد نفسه.. يتأمل حبل الغسيل المشدود على السواري في فناء البيت... واستسلم لنوم عميق، على إيقاع صرير الحبال وزقزقة العصافير وخرخشة الفئران ومستقبل مجهول... لقد لُفَّ في خرقة بيضاء وتم تحكيمها بحبل من القماش.. حتى أقصى قدميه... استسلم لضغط الحبل.. لأنه يذكره بضيق مكانه الأول.. ولم يحاول إخراج يديه من اللفافة... غادرت العجوز المكان..  وكأنها تودعه إلى الأبد....... سقط النيزك.. وتدلى مشنوقاً بحبل الغسيل... وكثر الضجيج في بيوت القرية وأزقتها.. وتبخر الهدوء من صدر الجبل وسفح الوادي وشوكة البحر التي تحك أوراقها على قارعة الطريق.

----------------------

*عبد حمد علي: كاتب من أبناء قرية (سدير) قرية حسن مطلك