08‏/03‏/2020

شهادة: قصتي مع السجن / اوات محمد أمين


قصتي مع السجن
اوات محمد أمين
        في الشهر العاشر من عام 1989 تعرفت على حسن مطلك الروضان الذي كان يعمل مدرساً في كركوك ويبيت في القسم الداخلي الذي كان يقع أمام منزلنا في حي الاسكان الجديد. الدافع الأساس في رغبتي للتعرف عليه كان بهدف معرفته عن قرب وذلك بسبب إعجابي بكتاباته الأدبية، وخاصة في مجال القصة القصيرة، وكنا قد تبادلنا بعض الرسائل قبل عام من ذلك التاريخ، ثم توطدت علاقاتنا وتوسعت بشكل سمح لي بالتعرف من خلاله على القاص محمود جنداري جمعة والمثقف ناصر محمود، وكلاهما كانا يعيشان في كركوك. بعد أن تكررت لقاءاتنا، وأكثرها كانت تجري إما في منزل أحدنا أو في النوادي، وكانت محاور جلساتنا تتركز على المواضيع الأدبية والمناقشات الثقافية.
ذات يوم، في منتصف شهر تشرين الثاني، اتصل بي حسن مطلك ليبدي رغبته في الجلوس معا في منزل ناصر محمود، الذي كان يسكن في شقة في حي المصلى، فذهبنا معاً إلى المنزل عند الرابعة عصراً، وبعد نصف ساعة، وصل الاستاذ محمود جنداري. كان حديث حسن مختلفاً تماماً في تلك الجلسة، حيث تطرق إلى مواضيع سياسية وتحليل للوضع القائم في البلد، وخاصة في ظل العواقب السلبية ومخلفات الحرب العراقية-الإيرانية وآثارها على مجمل جوانب الحياة مع ترسيخ الدكتاتورية والحكم المطلق لصدام حسين.  
كانت أفكارنا متطابقة في الدعوة إلى حرية الفكر والديموقراطية وإنشاء دولة القانون في ظل دستور مدني حديث يليق بالإنسان العراقي، الذي يستحق حياة كريمة في ظل الثروة الهائلة والطاقة البشرية البناءة التي يتمتع بها بلدنا، لكننا لم نفكر بالخروج عن دائرة الأدب والنقد لننخرط مباشرة في الاهتمام السياسي. أخيراً أخبرَنا حسن بوجود تنظيم سياسي في باكورة تشكيله، يتمركز في مناطق تكريت، وخاصة بين أبناء عشيرة الجبور، التي كان ينتمي هو اليها. كما أخبرنا بانتمائه إلى الجناح المدني من التنظيم، حيث كان يشكل الجناح العسكري الثقل الرئيسي منه، وأكثر أعضائه من الضباط الشباب، بدرجات مختلفة، وفي مواقع وأجهزة حساسة جداً مثل الحرس الخاص والحرس الجمهوري.
كانت ردود أفعالنا تجاه ما أفشى به حسن من سر ودعوته لنا بالانضمام إلى التنظيم متفاوتة تماماً، ففي حين أيده ناصر في الحال، تحفظ محمود جنداري على الموضوع ووعده بالإجابة على دعوته وأفكاره بشكل مكتوب. أما بالنسبة لي، فقد رفضت الطلب، مع تعهدي لهم بالشرف على أن أحفظ السر وألا أسبب لهم أي أذى، مع عزمي على مواصلة الصداقة، وحتى مساعدتهم عند الشدة، وذلك من منطلق الشعور بالمسؤولية الأخلاقية تجاههم.
رجعت إلى البيت بعد حلول الليل، وشعور من الخوف والقلق ينتابني. الشيء الوحيد الذي كنت أخفف به من وطأة الخوف على نفسي، كان بكل بساطة، أنه في حال انكشاف الأمر واعتقال المتورطين، فبأمكاني التخلص دون عقاب، كوني لا أعمل معهم ولم أُؤيدهم أصلاً، مما كان يعكس جهلي التام بأحكام قانون العقوبات العراقي تجاه قضية تسمى بالتستر على مؤامرة تهدف إلى قلب نظام الحكم، والتي تندرج تحت الجرائم الماسة بأمن الدولة الخارجي. لكنني قررت من جانبي الابتعاد عنهم لفترة وعدم التطرق إلى الموضع قدر الإمكان.
مر أكثر من شهر على جلسة المفاتحة تلك، وأنا كنت أعمل آنذاك بعقد في مشروع سد العظيم بصفة مراقب، دون أن أعلم بأن كل من حسن مطلك وناصر محمود قد تم اعتقالهما في الأسبوع الأول من العام الجديد 1990. في عصر يوم 19 من كانون الثاني 1990 عندما كنت جالسا في غرفتي مع صديق لي يدعى نوزاد أحمد أسود، وهو مثقف وكاتب من الجيل الذي أنتمي إليه، نناقش موضوعاً يتعلق بالترجمة الأدبية، دخَلت علينا أُختي مهاباد لتخبرني بأن ثلاثة رجال يستقلون سيارة برازيلية بيضاء، يسألون عني وهم يتكلمون العربية. فخرجت إليهم وأنا أرتدي بيجاما وبلوزا خفيفاً، دون أن يخطر ببالي أي شيء غير عادي. كان اثنان منهم واقفين بجانب السيارة والسائق في مقعده ينتظر. عندما صافحتُ أحدهم، أمرني بالصعود إلى السيارة لكي أرافقهم إلى دائرة الأمن، قال بأن أخي ريبوار معتقل هناك بسبب خلاف مع شخص آخر. حاولت التأكد من الأمر، لكنه سحبني بقوة وبمساعدة الرجل الثاني إلى داخل السيارة، ساحباً مسدسه تجاهي، فلم أستطع المقاومة ووجدت نفسي بينهما والسيارة تسير باتجاه مركز المدينة. بعد دقائق من انطلاق السيارة، غطى أحدهم رأسي بسترة جلدية وهو يضغط بفوهة مسدسه على خاصرتي ويدفع برأسي إلى الأسفل.  
وقفت السيارة تحت سقف مرآب في باحة بناية حكومية لم أكن أعرفها من قبل، ثم تم وضعي داخل حجرة صغيرة فيها شباك صغير في أعلى الحائط وباب حديدي عادي. نظرت إلى بعض الكتابات والخواطر الموجودة على الحائط فأدركت بأنني في دائرة المخابرات. بعد أقل من ساعة، أخذوني إلى غرفة أخرى وأوقفوني أمام رجل بزي مدني، كان يجلس خلف منضدة عليها بعض الأوراق وسوط أسود، ثم تركوني وحيداً مع الرجل، وكنت مقيّد اليدين إلى الخلف. نهض الرجل من مكانه متوجها نحوي وسألني فيما لو كنت أعرف سبب إحضاري إلى المكان، فأجبته بالنفي. ثم سألني فيما إذا كنت أشك بأحد قد وشى بي فأجبته بالنفي أيضاً. حاولت السيطرة على جسدي الذي بدأ يرتجف من الخوف والبرد، فسألني عن سبب الارتجاف، فقلت إنه من البرد، فأجابني بنبرة ساخرة، بأنهم سيرسلونني إلى مكان دافئ وهادئ، ثم وجه إليّ صفعة قوية مع سيل من الشتائم، وبعدها، طلب من الرجلين إعادتي إلى الحجرة.
عند المغيب، فتحوا الباب وأدخلوا رجلاً يرتدي معطفاً أسود ثم أوصدوا باب الحجرة علينا. بعد برهة نظرنا إلى بعضنا.. فإذا به القاص محمود جنداري. أخبرني على وجه السرعة بأن كلاً من حسن مطلك وناصر محمود قد اعتقلا قبل أسبوعين، كما تم اعتقال العشرات من الضباط والمدنيين، وخاصة في مناطق تكريت وقرى (السديرات) التابعة لها، بتهمة الاعداد لانقلاب ضد السلطة، كما روجت لها الدعايات وبعض وسائل الإعلام المعارضة. سألني محمود جنداري عن موقفي، فأجبته بأنه الموقف نفسه الذي أعلنته في آخر لقاء بيننا ولم أخطو خطوة بغير ذلك الاتجاه. وعن نفسه، قال بأنه قد شرح موقفه من الأمر كتابة، وسلمه إلى حسن مطلك، بيّن فيه أسباب رفضه الانضمام إلى التنظيم السري... أخيرا، اتفقنا على أن ننقل الموقف كما هو، مما يثبت براءتنا عن تهمة الانضمام أو المساهمة مع التنظيم المذكور. لم يأخذوا محمود جنداري إلى الاستجواب، فبقينا ليلتان في الحجرة نفسها. وفي صباح اليوم الثالث قيدوا أيدينا وعصبوا أعيننا وأدخلونا في سيارة لا أتذكر نوعها، بصحبة رجلين والسائق. بعد قرابة ثلاث ساعات، توقفت السيارة فأزالوا العصابة عن أعيننا، ولكن أيدينا بقيت مكبَّلة. كانت بناية كبيرة مكونة من عدة طوابق. أدخلونا إلى أحد الطوابق لنستلم الملابس المخصصة للمعتقلين وإيداع ملابسنا وما نحمله من أشياء شخصية في المكان نفسه (لم أكن أحمل معي سوى قطعة نقدية معدنية واحدة من فئة دينار واحد وساعة إلكترونية عادية). بعد ذلك، تفرقنا، وتم إيقافي في زنزانة صغيرة ذات لون أحمر داكن تحمل الرقم 35 داخل بناية جهاز المخابرات في منطقة الحاكمية ببغداد.. كما عرفت ذلك لاحقاً.
بعد أيام، أخذوني للتحقيق معصوب العينين. أمر المحقق بفتح عيني والجلوس على كرسي يبعد عنه مسافة مترين من مقعده. وكان يجلس بجانب المنضدة شخص آخر يدون الإفادة والأقوال. قبل أن يسألني المحقق عن علاقتي بحسن مطلك وجماعته ومعرفتي بما كانوا يخططون له وعن السبب وراء عدم إبلاغي عنهم، ذكر بأن حسن مطلك وناصر محمود قد اعترفا بكل شيء ومن بين ذلك طبيعة علاقتي بهم ودوري في الموضوع بشكل عام. فشرحت له الأمر وعلاقتي بحسن مطلك والمجموعة، كما اتفقت مع محمود جنداري من قبل. وعن سبب عدم الإبلاغ، ذكرت بأنني لم أصدق الأمر أصلاً.. بل واستهزأت منه، فقلت؛ كيف أُخبر عن أمر أعتبره ضرباً من الخيال. بعدها، وقَّعتُ على الإفادة، وقبل أن أغادر الغرفة، رأيت محمود جنداري، وهم يدخلونه إلى الغرفة معصوب العينين.
أمضيت أكثر من شهر في زنزانتي الانفرادية، وذات يوم، فتحوا الباب وأدخلوا إليها رجلين فأصبحنا ثلاثة اشخاص معاً، وهما (عبد محمد جرو) الذي كان يعمل مديراً لدائرة آثار محافظة صلاح الدين و(محمد صالح خلف) الذي كان برتبة نائب ضابط في الحرس الخاص، وكانا معتقلين بسبب القضية نفسها. آنذاك، تبينت لي حقيقة الأمر وأسراراً كنت أجهلها تماماً، فقد تحدثا لي بالتفصيل عن الموضوع وخلفياته. كان هناك تنظيم مسلح بجناح مدني يتشكل من العرب السنة، وخاصة أحد أفخاذ عشيرة الجبور من محافظة صلاح الدين، وعلى رأسهم شخص كان يدعى بـ(الشيخ هيجل شبيب الجبوري) يهدف إلى اغتيال صدام حسين أثناء استعراض عسكري بمناسبة عيد الجيش في 6 كانون الثاني 1990 وذلك بقذائف تطلق من مدفع دبابة مشاركة في الاستعراض يقودها الضابط الشاب(سطم غنام الجبوري) من قوات الحرس الجمهوري، والذي حصل على لقب (السبابة الذهبية) خلال الحرب العراقية-الإيرانية، ولكن الخطة انكشفت قبل تنفذها بأكثر من أسبوع، من قبل شخص تمت مفاتحته فرفض وقام بالإبلاغ عنهم، كما سمعت ذلك من بعض المعتقلين معي، وكان الشخص من أقرباء صديقي حسن مطلك.
بعد أيام، أصبحنا خمسة معتقلين داخل الزنزانة نفسها، بعد جلب كلا من (حسن رشيد أحمد البدراني) الضابط في الحرس الجمهوري و(أحمد غربي حسن) الذي كان يعمل موظفاً صحياً في إحدى قرى السديرات. كما أدركنا بان الردهة كانت تضم أكثر الموقوفين على ذمة التحقيق في القضية نفسها.
حل شهر رمضان ومن ثم العيد ونحن في المعتقل. أثناء ذلك، تم إطلاق سراح حسن رشيد لعدم علاقته بالقضية، وقبل أن يغادر الزنزانة، طلبت منه إخبار عائلتي عن مكاني وقضيتي، لأنهم كانوا يجهلون مصيري تماماً، لذا أعطيته رقم هاتف منزل خالي وعنوانهم، فوعدني بأن يقوم بذلك، رغم علمه بخطورة الأمر، (اليوم أذكر وبكل امتنان، أن حسن رشيد قد ذهب بنفسه إلى بيت خالي وأوصل الخَبر إلى عائلتي). أما أحمد غربي فقد تم تحويله من الزنزانة إلى مكان آخر.
بتاريخ 18/6/1990 تم نقلنا إلى (محكمة الثورة) التي كان يترأسها (عواد البندر) آنذاك. لم أكن أتصور قطعاً محاكمة شكلية كالتي شهدتها بنفسي. كنا سبعة وعشرون معتقلاً واقفين في القفص نفسه، ومتهمين بالقضية نفسها التي وضِعت تحت عنوان "التآمر على الدولة"، عدا الشيخ هيجل، الذي كان يقف منفصلاً عن المجموعة. لم يُقر أحد منا بالتهمة الموجهة إليه، كما شهدت موقفاً شجاعاً ودفاعاً عن النفس من قبل عدد من المتهمين وحتى عن موقفهم المعارض للسلطة الحاكمة، مما أدى برئيس المحكمة إلى استخدام كلمات بذيئة بحقهم وتطاول على عشيرة الجبور وعوائل المتهمين. كان موقف محامي الدفاع مرسوما له ومثيراً للسخرية، أما المدعي العام فقد دعى إلى إنزال أشد العقوبات بحق المتهمين. انتهت المحاكمة بإصدار الأحكام بحق الجميع وفق المادة (2/175 ق ع) التي تنص على عقوبة الإعدام أو السجن المؤبد بحق المتهمين. لم تستغرق المحاكمة ساعتين، فصدر الحكم بالإعدام على سبعة عشر شخصا منا وعلى العشرة الباقية بالسجن المؤبد، وكنت أنا من بين المحكومين بالمؤبد وهم:
1-  اوات محمد محمد أمين (مدني)
2-  عبد محمد جرو (مدني)
3-  محمود جنداري جمعة (مدني)
4-  محمد صالح خلف (نائب ضابط/ الحرس الخاص)
5-  علي عبد الله احمد (نائب ضابط/ الحرس الخاص)
6-  حميدي محمد سعيد (نائب ضابط/ الحرس الخاص)
7-  ابراهيم حسين جاسم (جهاز الامن الخاص)
8-  محمود المظهور (نقيب درع/ الحرس الجمهوري)
9-  جمال محمود البدراني (ملازم أول/ الحرس الجمهوري)
10-غانم عبد طلب (ملازم أول/ الحرس الجمهوري)

أما المحكومون بالإعدام فكانوا:
1-  الشيخ هيجل محمد شبيب الجبوري (مدني)
2-  حسن مطلك الروضان (مدني)
3-  ناصر محمود (مدني)
4-  احمد غربي حسن (مدني)
5-  فندي طلب سلامة (مدني)
6-  سطم غنام المجذاب (نقيب/الحرس الجمهوري)
7-  جمال شعلان احمد (نقيب/الحرس الجمهوري)
8-  خضير خضر الجبوري (نقيب/الحرس الجمهوري)
9-  ابراهيم احمد عبدالله (نقيب/الحرس الجمهوري)
10- محمود عبدالله المحجوب (نقيب/الحرس الجمهوري)
11-  مصطفى حادي السواطي (نقيب/الحرس الجمهوري)
12- مضحي علي حسين (نقيب/الحرس الجمهوري)
13- صالح جاسم (نقيب/الحرس الجمهوري)
14- صباح عبدالله (نقيب/الحرس الجمهوري)
15- خيرالله حميد (ملازم اول/الحرس الجمهوري)
16-  قيس عسكر محمد (نائب ضابط/الحرس الخاص)
17- حسن نايف عبدالله (نائب ضابط/الحرس الخاص-الفصيل الخاص)
بعد المحاكمة مباشرة، تم نقلنا بسيارات مغلقة إلى السجن المركزي في أبي غريب. هناك، بقينا يومان في ردهة الاستقبال، حيث تم وضع كل أربعة أو خمسة منا في غرفة صغيرة. في اليوم الثاني تغذينا مما تبقى من وليمة أعدت خصيصاً لمجموعة من الضباط والموظفين هناك. بعد الغداء، تم جمعنا في غرفة كبيرة وطلبوا من المحكومين بالإعدام أن يدلوا بوصاياهم إلى من يختارون من المحكومين بالسجن المؤبد كي ينقلوها إلى ذويهم. هناك التقيت بحسن مطلك وناصر محمود ومحمود جنداري، بعد خمسة أشهر من العزل. قبّلني حسن مطلك ثم راح يعبر بصوت منهك ووجه شاحب عن أسفه واعتذاره لما حدث، فطلب مني العفو لما سببه لي ولأهلي من متاعب وآلام. أما ناصر محمود فقد تحدث عن التعذيب القاسي الذي تعرضوا له، كما عبر عن الاعتذار قائلاً بأنهم لم يتصوروا هذه العقوبة الشديدة لشخص رفض الانضمام إلى التنظيم ولم يقبل بالفكرة أصلاً. 
في عصر يوم 20/6/1990 نقلنا نحن المحكومون بالمؤبد إلى قسم الأحكام الخاصة فتم توزيعنا على القاعات، وهناك، تفرقنا وأصبح لكل منا حرية اختيار المجموعة التي يرغب في الاشتراك معها في المكان والمأكل بما كان يسمى بـ(السفرداشية). غالبا ما كانت المجموعة المحكومة بالقضية نفسها، يجتمعون معاً ويسمي أحدهم الآخر بـ(ابن دعوة). أنا ومحمود جنداري بقينا معاً والتحقنا بمجموعة من ثلاثة مسجونين لنشكل سفرداشية من خمسة أشخاص. الثلاثة الآخرون كانوا:
1-  بيرج دونابيت كيروكسيان (أرمني، عضو الفرقة السمفونية العراقية)
2-  طارق مدحت القرغولي (عميد، مديرية النقل والتموين في الجيش)
3-  عبدالوهاب أحمد عسكر (كردي، يعمل في السمكرة)
كان سجن أبو غريب تابعاً لوزارة الشؤون الاجتماعية، وكذلك أفراد الحراسة من الشرطة… ومن سخرية القدر فإن أبي كان يخدم سجّاناً في أبي غريب منذ أكثر من عشرين سنة، ولكنه في اليوم الذي أُودعنا السجن، كان هو في اجازة عند العائلة في كركوك. حين سمع بالخبر، قطع اجازته وعاد إلى العمل. عندما التقينا لم يسأل كثيراً عما حدث، لكنه طلب مني الصبر والشكر لله الذي أنقذني من الإعدام، فالعقوبة ستمضي على أية حال ولا أحد يعلم ماذا سيحدث غداً.     
لقد أصبحت سجيناً محكوماً بالمؤبد في سجن أبي غريب سيء الصيت، وأنا أخاف حتى من الحديث عن القضية التي سُجنت بسببها "محاولة انقلاب فاشلة"، ولكن، منذ اليوم الأول، بدأنا نسمع المعلومات حول الأحكام والمواد العقابية والجرائم والتهم الكيدية.
هناك حصلت على نسخة من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل، فقرأت المادة التي حُكم عليّ بموجبها، فكانت مادة ضبابية من حيث المضمون والتفسير… وبعد أقل من شهر ونصف، حين استيقظنا في صباح اليوم الثاني من شهر آب 1990 سمعنا بخبر هز العالم بأكمله، ألا وهو احتلال القوات العراقية لدولة الكويت تحت شعار عودة الفرع إلى الأصل.
كان الشعب العراقي على يقين بأن حرباً جديدة باتت على الأبواب، وما هي إلا مسالة وقت. فحدث ما حدث ونحن في السجن، خلف القضبان نتابع تطورات الأحداث بدءا من قرارات مجلس الأمن ضد العراق والتحشيدات العسكرية لقوات التحالف الدولي ومن ثم الحرب الفعلية في 17 كانون الثاني 1991. تابعنا ونحن في السجن أخبار الانتفاضة الشعبية في بداية شهر آذار من العام نفسه، منطلقة من الجنوب، ومن ثم انتفاضة كردستان حتى تحرير كركوك في 21 آذار، وكان الأمل بالنجاة يغمرنا مع خوف مبرر من انتقام السلطة ضدنا، فلا أمان ونحن في قبضتها. خيم اليأس والحزن علينا، ونحن نسمع باستعادة النظام لسلطته على جميع المدن المنتفضة خلال فترة وجيزة، ومن ثم الهجرة المليونية لشعب كردستان في بداية شهر نيسان. كان لدي راديو جيب صغير، جلبه لي أبي، فكنت أستمع إلى القنوات العالمية بسرية تامة، ولم أكن أعلم بأن ثلاثة من أخوتي قد وقعوا ضمن الاعتقالات العشوائية التي أمر بها المجرم علي حسن المجيد، وأن بقية العائلة هربت نحو الحدود الإيرانية مشياً على الأقدام (بعد سنوات، حين كنت أشاهد فلماً وثائقياً عن الهجرة، وإذا بي أشاهد فيه أمي وأفراد عائلتي وهم يمضون ضمن الحشود نحو مصير مجهول، فجدد المشهد فيَّ الألم وذكريات حزينة عن سنوات سوداء عشتها بكل قسوتها)… أثناء كل تلك المآسي، فوجئنا ذات مساء، حين كنا نجلس أمام التلفاز (وكانت متابعة الأخبار المحلية إلزامية على المسجونين) فإذا بالرئيس صدام حسين يستقبل وفداً من قيادة الأحزاب الكردستانية التي جاءت إلى بغداد لغرض التفاوض، في حين مازال مئات الآلاف من أبناء الكرد مشردين خلف الحدود الإيرانية والتركية.
كانت الأيام تمر ثقيلة جداً في السجن، وكنا نعيش في أجواء نفسية مضطربة جداً، كما كنا نلاحظ بوضوح حالة الانهيار المعنوي المستمر لدى أزلام النظام، مما يجعلنا نتوقع منهم القيام بأي عمل انتقامي ضدنا، كما أن تأثير الحصار الدولي على العراق كان شديداً جداً على الوضع المعيشي والنفسي للمسجونين. لقد رأيت بأم عيني، ثلاثة من المسجونين وهم يطاردون قطة حتى أمسكوا بها وطبخوها كوجبة عشاء. كانت حملات التبرع بالدم تأتي إلى داخل السجن ويأخذون الدم من المسجونين بكل قسوة وإجبار، فكانت أشد ما يخيفني، لأنني كنت أعاني من فقر دم وصحة متردية أصلاً... في شهر أيار، حصل تغيير في إدارة السجن، حيث تم تسليم مهام الأمن والحراسة إلى قوات الأمن بدلاً من الشرطة، كما أُحيل أبي على التقاعد، وبذلك.. فقدت إنساناً كانت مساعدته لي، بدافع الغريزة الأبوية، نوعاً من السلوان.
كان الحديث عن احتمال صدور عفو عام على لسان كل سجين.. إلى أن أصبح ذلك حقيقة، فصدر قرار العفو المرقم 241 في 21/7/1991 لكن التنفيذ الفعلي لم يتم إلا بعد خمسة أشهر، أي في 21/12/1991 وكانت عملية إطلاق السراح، تتم على شكل وجبات. لقد شمل القرار جميع المسجونين والموقوفين إلا من كان مشمولاً بالاستثناءات التي تضمنها قرار العفو. وقد كنت قبل ذلك بيومين قد استلمت تبليغاً من مديرية أمن الاصلاح الاجتماعي داخل السجن، بمراجعة مديرية أمن كركوك خلال عشرة أيام من إطلاق سراحي.
وصلت بيتي في الساعة التاسعة من ليلة 25/12/1991 وكان الحدث بالنسبة لي ولادة جديدة بمعنى الكلمة ولعائلتي كان مبعث سرور. بقيت ثلاثة أيام بين العائلة، وفي اليوم الذي كان من المفروض أن أراجع فيه مديرية الأمن في المدينة، حملت كيساً يحتوي على ملابس منزلية وسيت حلاقة ومنشفة صغيرة متوجهاً نحو إقليم كردستان، وبالتحديد إلى مدينة جمجمال، حيث كانت تسكن أختي المتزوجة منذ أن غادرت العائلة كركوك. كانت الحكومة العراقية قد سحبت إداراتها وأجهزتها الأمنية من محافظات إقليم كردستان منذ ثلاثة أشهر، فأصبحت المنطقة تحت سيطرة قيادة الجبهة الكردستانية. كانت جمجمال بالنسبة لي الملاذ الآمن الذي يمكنني اللجوء إليه، حيث وجدت فيها الكثير من الأقارب والأصدقاء… حينها، كانت جولات التفاوض بين القيادة الكردستانية والحكومة مازالت قائمة، ولكن احتمالات الخروج بنتائج إيجابية كانت بعيدة في نظر أغلب الناس.
أخيراً.. خرجت من السجن ومن ثم من مدينتي ومن بين عائلتي لأذهب إلى مكان لا يبعدني عنهم سوى نصف ساعة من الزمن، ولكنني لم أرجع إليهم إلا بعد 12 عاماً، أي بعد سقوط النظام البعثي الدكتاتوري في 9 نيسان 2003 وكان كل شيء قد تغير… فقدت العديد من الأصدقاء، وحل الفراق والغياب محل الألفة والصحبة، ملامح الأماكن لم تكن على ما كانت عليها قبل اعتقالي… لقد أصبح الكثير منها جزءا من الماضي الأسود الثقيل الذي لا أريد أن أتذكره ولا حتى في الأحلام.. لكن صراعي مع الحياة مازال مستمرا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*فصل من كتاب مذكرات قيد التدوين.
اوات أمين

26‏/09‏/2019

عن رواية: دابادا / د. وسن مرشد


قراءة
الشمولية في رواية (دابادا) لـحسن مطلك
د. وسن مرشد
استوعبت رواية (دابادا) لـ (حسن مطلك) الخروقات جميعها، لتؤسس لذاتها متناً كتابياً مميزاً، ومثمراً، ومجدداً، وشاملاً، قابل للديمومة والعطاء.
إذ انطلقت سردية الرواية بفعلٍ قصدي لنقد الممنوعات جميعها، بشمولية وذكاء روائي مميز، يحسب للروائي لا عليه، ليوظف التقانات جميعها، من تورية، وقناع، ورمزية، وسريالية، وغرائبية...إلخ، ومن هنا حققت الرواية لنصها الديمومة، والتميز المتقن.
جاءت سرديتها ناقدة للتابوات جميعها (سياسة، دين، جنس، قبيلة) وهذه الأخيرة من أخطرها، وهي ماركزت الرواية علية بصورة مميزة.
شخصياتها واضحة ومفهومة، ولا تحتاج إلى اعمال الذهن في فك شفراتها؛ لأنها مركبة من واقع معاش، والقارىء الواعي باستطاعته فهمها وفك شفراتها الرمزية.
تبدأ السردية بمأساة (هاجر) الزوجة الباحثة عن زوجها (محمود) الذي خرج ولم يعد، الغائب عن زوجته، الحاضر في مخيلتها، علة فقدانه تنحصر بحكاية خرافية ملفقة، تنحصر في أن (محمود) خرج إلى البراري التي دخل اليها ولم يعرف مصيره؛ لأن الأرنب المبقع  أجبره على ملازمة البرية معه، والحقيقة لم يكن هناك ارنباً بل مجموعة أرانب، اودت بحياة الكثيرين أمثال محمود؛ لأن الأرض "مليئة بالأرانب المبقعة"، وكانت هاجر "في كل خريف تتجدد ذكرى ضياع الأب في البراري بسبب ارنب مبقع"، مما دفعها إلى طرق الأبواب جميعها من دون اية نتيجة.
احتل (شاهين) بطولة الرواية، وهو الطفل اليتيم الباحث مع أمه (هاجر) عن الأب المفقود، واحتل الظلام جزئية كبيرة من حياته المعتمة الضائعة بين الوجود واللا وجود، بين الأمل بغدٍ جديد، الممحو بمعترك ظلام الليل المتجدد، المنزوي في سوداوية البحث عن والده (محمود)، ليلاقي المصير المجهول هو الآخر بسبب السلطة التنفيذية التي يقودها جاسوس السلطة (حلاب) الذي أودى بحياة الكثير من الأبرياء وأولهم (محمود)، ثم بحياة (عبدالمجيد) مختار القرية، الذي قتل بطريقة بشعة، عن طريق سم الفئران الذي دُس اليه بالطعام، عن طريق القاتل المجرم (حلاب) الذي سعى بقصدية عالية إلى هذا العمل الأجرامي، بهدف الحصول على منصب ولاية القبيلة، والذي حقق مبتغاه فيما بعد، ليصبح وجوده طوعي واجباري" افسحوا الطريق لحلاب. جاء حلاب افسحوا الطريق. ابتعدوا"، هذا هو المشهد الجديد، والهدف المحقق لـ(حلاب)، الذي عمل جاسوساً للسلطة لمدة" سبعة وعشرون عاماً من المؤمرات، لأجل هذه اللحظة".
والسريالية نلمسها ايضاً في شخصية الرسام (عواد) الذي رسم كلبه (شرار) بصورة الكلب الغادر لا الوفي.
وانتهت الرواية بمصير مجهول لبطلها (شاهين) الذي كان ينتكس من الأخبار "زلازل. فياضانات. أخبار مجاعة السود. محدثات نزع السلاح النووي. عمليات الفدائيين العرب. جلسات مجلس الأمن. إرهاب عالمي. مخدرات. فضائح سياسية. تجسس. جرائم. خطف. حروب. انقلابات"
ونقدت السياسة المغلفة برداء الدين بالقول: "وهم يضحكون يومياً بين سجاداتهم المزينة بصور طواويس وأعراف هداهد وقرون وعول تمتص صدى قهقهاتهم وكلامهم السطحي الدافىء يهمسون في لحظات الهدوء بعد العاصفة، حركة واحدة كصلاة إلى الأسفل بحيث يمتلىء الهواء بأماكنهم"، "شيوخ يحسبون خرز المسبحات او يكرزون بذور عباد الشمس تحت لافته: البول للحمير".
أضيف، الرواية حققت وجودها المعلن على الساحة الأدبية والثقافية؛ لأنها انطلقت من عقم الواقع المعاش، وحققت وجودها عن طريق الخرق المعلن لمقص الرقيب، بذكاء الروائي الشهيد، ليترك لقلمه بصمة ادبية جريئة، خرقت الممنوع في وقت الممنوع، أي أنها كتبت في ظروف تمنع مثل هذه الكتابات السردية الناقدة لعقم الواقع وجحيمه.
------------------------------------
*نشرت في (صحيفة المثقف) العدد 4765 بتاريخ 22/9/2019
د.وسن مرشد

20‏/07‏/2019

حسن مطلك.. واختيار الأسلوب / حسين الحسن



حسن مطلك.. واختيار الأسلوب
حسن مطلك

حسين الحسن
هل ان الأسلوب الفني لحسن مطلك هو أسلوب اضطراري؟
أي أن البيئة والسلطة هنّ ما دفعنه لأن يكتب بهذه الرمزية أو كما سموها بالرمزية!
يقول حس:"لا بد ان يجيد الكاتب اللعبة الفنية في التفصيل أو توصيل فكرة معينة" أي انه لم يرد زج أية فكرة بصورة مباشرة فتكون بذلك موضع تقبل القارئ من عدمه، وإنما أراد من القارئ أن يستنتج الفكرة ويستنبطها بالدوران حولها أو الحديث عنها بتفصيل معين فتكون لدى القارئ فكرته هو أو فكرة القارئ والتي قد تختلف عن فكرة قارئ آخر لكن بالتأكيد قد وضع حسن فيها لمسته في صياغتها أو صقلها وتعديلها في فكر المتلقي.
"
لا أريد أن أسمي نتاجي هو رواية حديثة، ولكنني أعتقد بأن الإنسان المعاصر لا يمكن التعبير عنه بشكل بسيط...”
في الحقيقة أراد حسن اضاءة الإنسان بكل جوانبه فكره وحسه.
“
أن يؤخذ الإنسان ككل ولا يؤخذ كتجزئة له"
وهو بذلك يبتعد عن النقل المباشر، النقل الفوتوغرافي لحياة الإنسان، التي لا ترى سوى الجانب الظاهري للإنسان أو الفعل نفسه، ويتلقاها الآخر ويفسرها حسبما تعلم من مرات سابقة أو استنتاجات لاحقة.
فهو كما يقول "تعلمت من وليم فوكنر أن لا اشير للشيء مباشرة" إنما يتحدث عن شي مثلا الحزن، فهو لا يكتب عن الدموع أو النشيج والانتحاب أو الألم واسبابه. انما يكتب ويدور حول هذا الشيء أو يتحدث عن شيء آخر فيجعل الشخصية أو القارئ يشعر بالتعب أو يشعر بالحزن أو يجعلها تحس بهذا الإحساس، وهو بذلك يبتعد في مستوى الكتابة، إذ جعل من الإنسان محوره وليس الاشياء التي يعيشها أو يحسها.
إذن هو لا يعتمد الرمزية الفعلية المعنية بقلب المعنى أو الاستعانة بإيحائتها. يقول عنها "دعونا نسميها شيئاً آخر غير الرمزية، هناك فكرة (النص المزدوج).. الرمزية مثلا: نضع على فم شخص لاصق، فتفهم أن الشخص لديه احتجاج ضد العالم.
بينما مسألة النص المزدوج: تجد الجملة تحمل في ثيمتها معنيين. ظاهر وباطن، يعني هناك نص داخل النص وهذا ما اسماه رولان بارت (النص في النص).. وهكذا من القراءة الأولى لا تسطيع ان تسيطر على الرواية"
لذا من الصعب الجزم بأن ما كتبه قد كتبه ليقرأه أحد أو أن أحد يريد أن يستنبط منه ما أراد قوله، إنما قال ما قاله بطريقته هو لا بطريقة الناقد والمتلقي أو القارئ أو أي مراقب آخر.
"-
قلت انك لا تضع شرطة في داخلك اثناء الكتابة.
-
(يضحك) لا... أبدا... أنا لا أضع شرطيا."
يؤكد حسن مطلك انه لا يخاف الناقد الحذق بالدرجة الأساس أو القارئ كما سماه بالقارئ النخبوي، وهي السلطة التي تمسك الكاتب وتلزمه بقيم معينة في الكتابة، أو حتى السلطة السياسية نفسها.
ويقول "أن أجعل القارئ حاجزآ عن الانتقاد والنجومية، أي أن تكتب بسهولة، تصل إلى الجمهور بسهولة وتصبح نجما بسهولة. لكن حين تكتب عملا صعبآ سوف يكون عملك من النوع الذي لا يكسب جمهورآ واسعآ ولكن الكسب يكون على مدى طويل وبطيء.."
وهو ما كرهه حسن مطلك أن يكون عاديا ومفهوما، بذلك يتناوله الجميع ويحبه الجميع ويشعر الجميع بأنه يعبر عنهم، والا ما فائدة انك تكتب إذا كنت تكتب للجميع، أو مالجديد الذي جئت به، أي أن الإحساس هو إحساس عادي مادام الجميع يحسونه ويفهمونه، وهو ليس بالفرح أو الألم الجديد انما الم عادي وحدث عادي كأي لحظة ولادة حدثت مليارات المرات. وهو شيء خال من الدهشة تماما لأنه متكرر دائما.
أي لم يرد إلا أن يعيش كفنان ويتحدث كفنان ويفكر كفنان اقصد الفنان الإنسان الذي في داخله فتخرج كل كلمة بفن معين، تكون ذات زاويا بعيد عن عين الناظر انما تكون اقرب إلى حسه كإنسان فقط. وهو بذلك يمس الفنان العميق الذي ينشأ من شيء حقيقي داخل كل إنسان.
اقصد أن كل إنسان بداخله فنان لكن هذا الفنان مخبأ بعيدآ جدا وهو ما أراد حسن الوصول إليه وايقاظه، أو حتى حشره في نفس القارئ من جديد.
لأن هذا الفنان قد مات بالفعل حين لم يعد يدهشنا شيء، وبتنا نبحث عن العيش فقط، العيش كأي إنسان بسيط دون ذكر، إنسان تهمه الأشياء التي تؤثر في حواسه الخمس فقط، التي يراها ويسمعها ويلمسها أو يشمها ويتذوقها.
بل ان حسن أراد الولوج ابعد من ذلك وإيجاد الحاسة الأولى، وهي حاسة الفن.
وبذلك فانه ينتزع كل ما هو له علاقة بما حوله، كل ما له علاقة بحواسه الخمس، جعلهن جسرا للوصول إلى حس الفنان فيه وفي المتلقي.
"
كأنني أول كاتب في العالم.. نزعت كل القيود المتمثلة بالبوليس الفني والبوليس الاجتماعي والبوليس الديني.. فكل هؤلاء على الكاتب أن يستبعدهم لكي يكتب بحرية". فهو يحافظ على الدهشة باستمرار، ويجسر كل ما يشعر به أو يحسه للوصول اليها.
"
الكتابة بقيود هي كتابة مفتعلة...”
لذا أحب حسن التحرر دائما من القيود وهو يكتب، أراد أن يكتب كيفما كان... جالسا ونائما..أو حتى واقفآ.
لنقل: ان لا يجعل الكتابة فعلا اضطراريا. فجاءت كلماته بعفوية وحس عنيفين، تخرج الكلمة كيفما جاءت، أي أن الكاتب طفل نقي تجرد من كل خوف أو حسبان لشيء إلا فنه وحسه تجاه هذا الفن.
إذن من الخطأ.. كل الخطأ، أن نعتقد بأن أسلوب حسن هو أسلوب اضطراري. 
حسين الحسن

09‏/02‏/2019

داباد.. حسن مطلك/هادي الحسيني/ طريق الشعب

من أوسلو
دابادا.. صرخة بوجه الظلم

هادي الحسيني

 (دابادا) عنوان رواية عراقية صدرت أوآخر الثمانينيات وظلت حاضرة في ذاكرة الأدب العراقي لجرأة ما طرحته الرواية من إحتجاج وصرخة من خلال نص واحد متكامل لم يتجزأ لفصول ومقاطع، كتبها شاب عراقي كان للتو قد خرج من حرب الثمان سنوات وقد عمل في التدريس بعد تخرجه من جامعة الموصل وهو قاص وشاعر ورسام وروائي بارع، أحب اللغة العربية وآدابها وعشق الرسم لكن حبه لوطنه كان الأعظم في دواخله ولهذا قرر مع ثلة من النجباء بأن يطيحوا برأس النظام البعثي الدموي أثناء استعراض عسكري على طريقة إغتيال الرئيس المصري أنور السادات لكن مخططهم كشف وألقي القبض على المجموعة وتم إعدام من كان عسكرياً رمياً بالرصاص وأخذ ثمن رصاصات الإعدام من ذويهم! ومن كان مدنياً بالشنق وكان أحدهم الروائي العراقي صاحب رواية (دابادا) أبن قضاء الشرقاط الشهيد (حسن مطلك 1961 – 1990) الذي ترك عائلته وطفلتيه الصغيرتين اللتين ينتظران عودته المستحيلة. الروائي حسن مطلك كان كثير الأحلام والمشاريع الأدبية والفنية والسياسية ففي يوم صدور روايته (دابادا) عام 1988 كان الفرح يقفز من عينيه وهو يحاول إيصال نسخها الى أصدقائه من الأدباء في بغداد وكانت السيارة التي تحمل نسخ الرواية قد تعرضت لحادث مروري فوق احدى جسور العاصمة بغداد وتناثرت نسخ الرواية فوق الجسر! ثم استأجر سيارة أخرى ليصل بنسخه الى الكثير من أصدقائه الأدباء. رواية دابادا لم تطبع في بغداد على الرغم من ان الخبير الذي أعجبته مخطوطة دابادا لم يجزها بسبب قوة طروحاتها خاصة وأنها لا تواكب مرحلة الحرب وتوجهات النظام القمعي الذي جيّر كل شيء من أجل حروبه وطموحاته في التخريب، لقد خاف الخبير من إجازتها في تلك الظروف الحرجة ، فأضطر كاتبها حسن مطلك ان يقوم بطباعتها في بيروت عن الدار العربية للموسوعات. رواية دابادا في ثيمها التي هي عبارة عن رفض وصراخ في المجهول يشهد محاولات ومقاومة بالضد من الموت البطيء عبر عبقرية الروائي بإدخال كائنات كثيرة وأبطال ومسميات تدخل في الترميز الذي يقترب من الوضوح الذي لا يخفى عن قراء الرواية ، دابادا رواية ذكية تحاول كسر حاجز الصمت والخوف و تمتلك لغة أنيقة، ومن خلال تلك اللغة استطاع كاتبها تطويع النص الأدبي الى ما فوق التراث وتحيله الى الألم والخوف واللوعة بطريقة مضحكة أحيانا عبر شخصية (شاهين) بطل الرواية. دابادا تشبه القصيدة حين تبتسم لسامعيها وقراءها حين ترسم على وجوههم شحنات الفرح المغمسة بلوعة الألم وكوارث الزمن، دابادا نص روائي مختلف بطرحه وبلغته وبظرفه الصعب . ويعتبر الروائي الشهيد حسن مطلك من الأصوات الأدبية البارزة في جيل الثمانينيات داخل العراق والذي يسمى بجيل الحرب ، نشر العديد من القصص وفازت بجوائز أدبية . وأذكر بعد سنوات قليلة من اعدام حسن مطلك ألتقيت ابن مدينته الروائي العراقي الكبير محمود جنداري الذي حدثني بألم عن حسن مطلك خاصة وأن جنداري قد أعتقل لفترة بسبب علاقته بحسن لكن بعد الأفراج عنه بفترة قصيرة غادر محمود جنداري الحياة على أثر دس مادة الثاليوم له من قبل أجهزة نظام القمع كما أكدها البعض وهي ليست بغريبة على النظام الذي عرف بقتل معارضيه بطرق وحشية متعددة! وعن الزمان ومكان الرواية فقد كان الروائي محسن الرملي وهو شقيق الشهيد الروائي حسن مطلك قد عثر على شريط مسجل في داخله حوار عن رواية دابادا بصوت الراحل بعد صدور الرواية بشهور قليلة وتحدث فيه عن زمن الرواية قائلا: (ان زمن الرواية الأصلي، هو زمن الحدث الروائي، ثلاثة أيام، أي ثلاثة نهارات وأربع ليال، أما الذي تتحدث عنه الرواية فهو زمن طويل، زمن نفسي طويل حيث يوجد تاريخ يمتد الى الشخصيات الموجودة في الرواية، بينما المكان فيمكن أن يكون رمزاً، أي ليس مكاناً حقيقياً).
ان رواية دابادا فيها من قوة النص ومفارقاته الكثيرة والتي قد تكون مأخوذة من الحياة التي عاشها الروائي داخل العراق خاصة وان دابادا باسمها الغريب، الأسم الذي لا تحتويه الجغرافيا ولا اللغة قد يكون خلقه الروائي ببراعة وبترميزية عالية ، فلو قمنا بتشكيل حروفها قد تعطينا معاني كثيرة تدين الوضع آنذاك وكدليل على الصرخات التي يطلقها شاهيين وبعض الشخصيات في الفراغ باستمرار وحتى شخص كاتب الرواية الذي يظهر اسمه مرة أو مرتين داخل النص الروائي وهو تعبير عما في داخله من آهات ومآسي حاول تطويعها عبر الأدب وبلغة سردية مختلفة عما كان يكتب في الرواية داخل العراق التي جيرت لأدب الحرب بطريقة مخزية!. وكثيرة هي الآراء في رواية دابادا من قبل أدباء وروائيين وشعراء لكن رأي الراحل الكبير جبرا ابراهيم جبرا كان مهما في تلك الفترة فقال عن دابادا (أنها رواية غير عادية ، فهي جديدة وكاتبها شاب جريء). ان رواية حسن مطلك دابادا تعتبر من الأعمال الروائية التي أثارت اهتمام النقاد والمشتغلين بالأدب بشكل عام وأحاط بها الجدل منذ صدور طبعتها الأولى قبل ثلاثة عقود ونيف وحتى اليوم فهي حاضرة ولم تغب عن المشهد الثقافي العراقي بشكل خاص والعربي بشكل عام لمِا تحمله من حداثة في اللغة وجرأة في الطرح وصرخة انسانية عالية يلفها الحزن الشديد والألم الذي يتفوق على الفرح المفتعل.
---------------------------------
*نشرت في صحيفة (طريق الشعب) العدد 117، السنة 84 بتاريخ 4/2/2019 بغداد
https://www.tareeqashaab.com/images/TariqPDF/2019/2/4.pdf
*ونشرت في مجلة (تموز) العدد 70، السنة 26 ربيع 2019 مالمو-السويد

07‏/07‏/2018

عن (الكتابة وقوفا) لـ حسن مطلك/ قراءة: مؤمن الوزان


ما الذي يريده حسن مطلك من الرواية؟ الكتابة وقوفا.
مؤمن الوزان
الكتابة وقوفا، هو عنوانٌ لافتٌ للنظر حقا، ما الذي تعنيه الكتابة وقوفا، أكثر من انها ثورة تغيير في كيفية التعامل مع الكتابة، العادة التي تعلمها الإنسان أثناء ممارسته هذه التقنية (كما يسمي الناقد روبرت إيغلستون الكتابة بالتقنية)، التغيير الذي يبدأ حتى قبل الشروع فيها، فلماذا يود أن يبدأ عصرا شخصيا جديدا في الكتابة يقول حسن مطلك:"يبدو أن الخطأ الذي نرتكبه في الكتابة، هو أننا نمارسها في وضع الجلوس، لو جربنا أن نكتب وقوفا، وفعل (الوقوف) يتجاوز معناه الشائع، أقصد أن نتلقى العالم بشكل طولي". 
إذن، فالنظرة التجديدة التي يؤمن بها حسن تبدأ في "مرحلة ما قبل الكتابة" وهي المرحلة التي يناقش فيها جدوى الكتابة والهيئة التي يُشكل بها وعيه في التعامل مع هذا العالم وقضاياه، وبما إنه يتحدث عن الرواية والكتابة فهو هنا يعني بالأخص، كيف نتعامل مع الرواية؟ وما هي الوسيلة السليمة التي من خلالها نخترق عالم الرواية لأجل الوصول لمبتغانا؟ مرحلة الانطلاق هي المرحلة التي تستحوذ على جل اهتمامه، لذلك نراه يهتم بمؤسسي المدارس الأدبية ويجلهم ويصف أتباعهم بأنهم (سارقو رؤية) فيقول:"نحاول أن نُبطل مفهوم (ثبات الرؤية) لدى الأديب الواحد، باعتبار أن هذا الأمر سينتج منطقة ما، ميتة في الوعي، فكيف الحال بمن يأخذ رؤية ليؤسس عليها، هذا الذي لم يجهد نفسه بالتعرف على منطقة وقوفه المتحرك في الأبدية…". 

يعمل حسن مطلك على تشكيل مدرسته الأدبية الشخصية قائلاً:"أدعو أن يكون كل أديب مدرسة قائمة بذاتها". 
حيث رؤاه وتطلعاته لهذا العالم، وسعيه من أجل إنتاج عمل يحمل أسلوبه الفريد ومنهاجه الخاص، لا يريد أن يكون مجرد تابع، أو كما سماهم سارقو رؤية، فهذا النَفَس الثوري في الكتابة هو الذي يضطره أن يقتحم عالم الكتابة والرواية طالبا حقه، ومكانة يعمل على صنعها بنفسه، وهذا ما نراه في المرحلة الثانية "مرحلة الكتابة"، وعملية وضع الأسس المنهجية التي سيسير عليها، إذ يلخص عدة نقاط يعمل على مناقشتها في هذا الكتاب، موضحا منهجه وأفكاره في تناول عناصر الرواية كالهجران (الافتراق)، المكان في الرواية، الزمن، الشخصية والرواي، الشكل، الواقعي والخيالي، وفي كل من عنصر من هذه العناصر، هناك استفاضة في تبيان منهجيته الروائية واستقرائه للنص وكيفية التعامل معه، في بادئ الأمر هناك النقل للعالم وصورته وموضوعاته وجمالياته من خلال النص، وكيفية جعل النص بقدرات تُخضع الصورة المنقولة لأبعاد النص وقوانينه والمشاكل التي تواجه الكاتب ما بين الموضوعية والذاتية ومشاكل الأنا - الأخر. 
ثم يتنقل إلى المكان باعتباره أرضا لوقوع الحدث، والبيئة التي يتطور باستمراره حتى يصل إلى نقطة العقدة، حيث يتناول المكان بصورة تشريحية دقيقة وكيف يمكن أن يكون للمكان دورا في مجريات الأحداث، وما الذي يمكن أن يعطيه المكان من رمزية ودلالات تعتمد على تفاصيل دقيقة، باعتبار المكان أحد العناصر المهمة في الرواية، ولا حدث من دون أرض حدث. 
فلسفة عنصر الزمن في الرواية لدى حسن مطلك، أكثر تعقيدا من عنصر المكان، وهذا الأمر يبدو واضحا، خاصة في حل إشكالية زمن وقوع الحدث الفعلي وزمن وقوع الحدث في السرد، فزمن حادثة ما تستغرق ثوانٍ معدودة تحتاج عند الإخبار بها زمنا مضاعفا كثيرا، فما الذي يحكم آلية السرد الزمني وكيف يؤثر الزمن في الرواية والتسلسل الزمني لأحداثها، هذا ما يحاول شرحه ومناقشته وتحليله. ويعطي أهمية كبرى للزمن وفهمه.. بل ويربطه  بفهم فن الرواية إذ يقول:"إن الوعي لدى الروائي بالزمن الذي يكتب فيه، أو يكتب عنه، هو الوعي بفن الرواية…".
أما الشخصية والرواي، وهي إحدى المواضيع التي تمثل له نقطة مهمة لا يمكن التهاون معها، فهو يحاول وضع تعريف للشخصية وحكم العلاقة بين الشخصية والرواي، والمدى والوسائل التي من خلالها يؤثر بها الراوي في شخصياته ويجعلها منشقة منه، فيقول في إحدى التعريفات عن الشخصية بأنها "شكل إسقاطي لفكرة الإنسان عن نفسه معبَّر عنها بمقولات أو بأفعال". 
تبقى المسألة الأهم، ما جدوى هذا الإسقاط وكيف بأمكان الراوي أن يصب أفكاره في قناع شخصياته ليأخذ الحرية الكاملة في الانطلاق من أجل تدوين حياة شخصياته دون أن التدخل الكامل بمستقبل قناعات الشخصية، حيث تبدو الشخصية مجردة من حرية التطور الخاص بها، والتي يكون نتيجة التفاعل مع الأحداث والتأثر العام بجو الرواية وزمانها ومكانها. ويشير كولن ولسون إلى ملاحظة مهمة في كتابه (فن الرواية)، أن الروائي يعمل على تحديد إمكانيات شخصياته من خلال الصفات التي يُعطيها لهم في البداية ويجعلهم سجناء فيها، ومن ثم تصبح آلية التغيير المستقبلة في الشخصية محكومة بما تم إعطائها إياه من صفات واتجاهات حياتية، مما يجعل التعامل مع الشخصية يحتاج إلى حذر وإلا سيتم الوصول إلى نهاية غير مؤثرة أو غير ذات قمية، وهذا ما يعمل حسن مطلك على توضيحه في موضوع الشخصية والرواي. 
الواقعية والخيال، ما الواقعي وما الخيالي، وهل يمكن الفصل بينهما؟ هذا السؤال الذي يمثل نقطة البدء حيث يجيب أن علاقة الواقعي بالخيالي علاقة الجرح بالجسد، فكما لا يمكن فصل الجرح عن الجسد، فإمكانية فصل الواقعي عن الخيالي غير ممكنة فهما في علاقة تورطية، يتوغل أحدهما في الآخر بصورة مستمرة، فالرواية بالنسبة له تعبير عن عدم فهمنا للواقع، ويجب اختيار مساحة واقعية أي كان موضعها، لتمثل بداية أو نهاية للرواية فهذه المساحة صالحة للاثنين، أما الوجه الآخر للقمر فيكفي أن نتخيله في الوقت الحاضر على حد قوله. 
المرحلة الثالثة لديه "مرحلة ما بعد الكتابة" ما جدوى الأدب ما أهميته وما تأثيره فينا، فهو يبرزه وإن لم يكن بصورة جواب مباشر لهذا السؤال من خلال ما يسمى "تأثير ما بعد القراءة" تأثير الرواية والأدب في القارئ فيقول:"إني أتذكر (زوربا) مثلما أتذكر صديقي (أحمد)، أتذكر (تاراس بولبا) القوقازي. فمن يضمن أنني لا أعرفه فما الفرق بينه وبين (زوربا) بالنسبة لي كلاهما يمثلان ذكرى، يمثلان خبرة عشتها وأحببتها…"
 وهنا الجواب واضح كل الوضوح عما يطمح له من تأثير روائي على أنفس قرائه، أن يجعل من شخصياته كائنات حقيقية وليست خيالية فقط، على الرغم من إنه يعطي نقطة لصالح الشخصيات الروائية أنها حيَّة لا تموت كلما أردنا قراءتها يمكننا الرجوع إليها، فهي خالدة من خلال تدوينها، فكل لحظة لا يتم تدوينها بالنسبة لحسن هي لحظة ميتة وزائلة ولن تُذكر.
لا ينفك من طرح الأسئلة، فيسأل ما هي الرواية إذا لم تكن أدبا؟ يعطي جوابا يمس سؤاله بصيغة سؤال آخر في موضع آخر إذ يقول: "هل هناك إمكانية إن تعطينا الرواية فرصة للرقص؟"، من يدري ربما! 
يلاحظ في كتابه كثرة توغل حسن مطلك في بحوثه عن/في الرواية، وتداخل علم النفس وعلم الجمال الذي يقول وجدت نفسي قد تورطت في علم الجمال، وهو الذي لا يطمح أن يكون ناقدا يقضي عمره في البحث عن المصطلحات، وتشير كثرة اقتباساته من الروائيين والنقاد والفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار، أنه لا يتعامل مع الرواية على أساس أنها نتيجة يمكن الحصول عليها من خلال عملية الكتابة بل على أساس أنها كيان أدبي يود أن يصنعه وفقا لمعرفته الشخصية وبحثه ودراسته وليس تعاملا مجردا من اللمسات الإنسانية والفكرية والأخلاقية والفلسفية والمعرفية. 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*مؤمن الوزان، كاتب ومترجم عراقي يقيم في بلجيكا.
مؤمن الوزان