26‏/09‏/2019

عن رواية: دابادا / د. وسن مرشد


قراءة
الشمولية في رواية (دابادا) لـحسن مطلك
د. وسن مرشد
استوعبت رواية (دابادا) لـ (حسن مطلك) الخروقات جميعها، لتؤسس لذاتها متناً كتابياً مميزاً، ومثمراً، ومجدداً، وشاملاً، قابل للديمومة والعطاء.
إذ انطلقت سردية الرواية بفعلٍ قصدي لنقد الممنوعات جميعها، بشمولية وذكاء روائي مميز، يحسب للروائي لا عليه، ليوظف التقانات جميعها، من تورية، وقناع، ورمزية، وسريالية، وغرائبية...إلخ، ومن هنا حققت الرواية لنصها الديمومة، والتميز المتقن.
جاءت سرديتها ناقدة للتابوات جميعها (سياسة، دين، جنس، قبيلة) وهذه الأخيرة من أخطرها، وهي ماركزت الرواية علية بصورة مميزة.
شخصياتها واضحة ومفهومة، ولا تحتاج إلى اعمال الذهن في فك شفراتها؛ لأنها مركبة من واقع معاش، والقارىء الواعي باستطاعته فهمها وفك شفراتها الرمزية.
تبدأ السردية بمأساة (هاجر) الزوجة الباحثة عن زوجها (محمود) الذي خرج ولم يعد، الغائب عن زوجته، الحاضر في مخيلتها، علة فقدانه تنحصر بحكاية خرافية ملفقة، تنحصر في أن (محمود) خرج إلى البراري التي دخل اليها ولم يعرف مصيره؛ لأن الأرنب المبقع  أجبره على ملازمة البرية معه، والحقيقة لم يكن هناك ارنباً بل مجموعة أرانب، اودت بحياة الكثيرين أمثال محمود؛ لأن الأرض "مليئة بالأرانب المبقعة"، وكانت هاجر "في كل خريف تتجدد ذكرى ضياع الأب في البراري بسبب ارنب مبقع"، مما دفعها إلى طرق الأبواب جميعها من دون اية نتيجة.
احتل (شاهين) بطولة الرواية، وهو الطفل اليتيم الباحث مع أمه (هاجر) عن الأب المفقود، واحتل الظلام جزئية كبيرة من حياته المعتمة الضائعة بين الوجود واللا وجود، بين الأمل بغدٍ جديد، الممحو بمعترك ظلام الليل المتجدد، المنزوي في سوداوية البحث عن والده (محمود)، ليلاقي المصير المجهول هو الآخر بسبب السلطة التنفيذية التي يقودها جاسوس السلطة (حلاب) الذي أودى بحياة الكثير من الأبرياء وأولهم (محمود)، ثم بحياة (عبدالمجيد) مختار القرية، الذي قتل بطريقة بشعة، عن طريق سم الفئران الذي دُس اليه بالطعام، عن طريق القاتل المجرم (حلاب) الذي سعى بقصدية عالية إلى هذا العمل الأجرامي، بهدف الحصول على منصب ولاية القبيلة، والذي حقق مبتغاه فيما بعد، ليصبح وجوده طوعي واجباري" افسحوا الطريق لحلاب. جاء حلاب افسحوا الطريق. ابتعدوا"، هذا هو المشهد الجديد، والهدف المحقق لـ(حلاب)، الذي عمل جاسوساً للسلطة لمدة" سبعة وعشرون عاماً من المؤمرات، لأجل هذه اللحظة".
والسريالية نلمسها ايضاً في شخصية الرسام (عواد) الذي رسم كلبه (شرار) بصورة الكلب الغادر لا الوفي.
وانتهت الرواية بمصير مجهول لبطلها (شاهين) الذي كان ينتكس من الأخبار "زلازل. فياضانات. أخبار مجاعة السود. محدثات نزع السلاح النووي. عمليات الفدائيين العرب. جلسات مجلس الأمن. إرهاب عالمي. مخدرات. فضائح سياسية. تجسس. جرائم. خطف. حروب. انقلابات"
ونقدت السياسة المغلفة برداء الدين بالقول: "وهم يضحكون يومياً بين سجاداتهم المزينة بصور طواويس وأعراف هداهد وقرون وعول تمتص صدى قهقهاتهم وكلامهم السطحي الدافىء يهمسون في لحظات الهدوء بعد العاصفة، حركة واحدة كصلاة إلى الأسفل بحيث يمتلىء الهواء بأماكنهم"، "شيوخ يحسبون خرز المسبحات او يكرزون بذور عباد الشمس تحت لافته: البول للحمير".
أضيف، الرواية حققت وجودها المعلن على الساحة الأدبية والثقافية؛ لأنها انطلقت من عقم الواقع المعاش، وحققت وجودها عن طريق الخرق المعلن لمقص الرقيب، بذكاء الروائي الشهيد، ليترك لقلمه بصمة ادبية جريئة، خرقت الممنوع في وقت الممنوع، أي أنها كتبت في ظروف تمنع مثل هذه الكتابات السردية الناقدة لعقم الواقع وجحيمه.
------------------------------------
*نشرت في (صحيفة المثقف) العدد 4765 بتاريخ 22/9/2019
د.وسن مرشد

20‏/07‏/2019

حسن مطلك.. واختيار الأسلوب / حسين الحسن



حسن مطلك.. واختيار الأسلوب
حسن مطلك

حسين الحسن
هل ان الأسلوب الفني لحسن مطلك هو أسلوب اضطراري؟
أي أن البيئة والسلطة هنّ ما دفعنه لأن يكتب بهذه الرمزية أو كما سموها بالرمزية!
يقول حس:"لا بد ان يجيد الكاتب اللعبة الفنية في التفصيل أو توصيل فكرة معينة" أي انه لم يرد زج أية فكرة بصورة مباشرة فتكون بذلك موضع تقبل القارئ من عدمه، وإنما أراد من القارئ أن يستنتج الفكرة ويستنبطها بالدوران حولها أو الحديث عنها بتفصيل معين فتكون لدى القارئ فكرته هو أو فكرة القارئ والتي قد تختلف عن فكرة قارئ آخر لكن بالتأكيد قد وضع حسن فيها لمسته في صياغتها أو صقلها وتعديلها في فكر المتلقي.
"
لا أريد أن أسمي نتاجي هو رواية حديثة، ولكنني أعتقد بأن الإنسان المعاصر لا يمكن التعبير عنه بشكل بسيط...”
في الحقيقة أراد حسن اضاءة الإنسان بكل جوانبه فكره وحسه.
“
أن يؤخذ الإنسان ككل ولا يؤخذ كتجزئة له"
وهو بذلك يبتعد عن النقل المباشر، النقل الفوتوغرافي لحياة الإنسان، التي لا ترى سوى الجانب الظاهري للإنسان أو الفعل نفسه، ويتلقاها الآخر ويفسرها حسبما تعلم من مرات سابقة أو استنتاجات لاحقة.
فهو كما يقول "تعلمت من وليم فوكنر أن لا اشير للشيء مباشرة" إنما يتحدث عن شي مثلا الحزن، فهو لا يكتب عن الدموع أو النشيج والانتحاب أو الألم واسبابه. انما يكتب ويدور حول هذا الشيء أو يتحدث عن شيء آخر فيجعل الشخصية أو القارئ يشعر بالتعب أو يشعر بالحزن أو يجعلها تحس بهذا الإحساس، وهو بذلك يبتعد في مستوى الكتابة، إذ جعل من الإنسان محوره وليس الاشياء التي يعيشها أو يحسها.
إذن هو لا يعتمد الرمزية الفعلية المعنية بقلب المعنى أو الاستعانة بإيحائتها. يقول عنها "دعونا نسميها شيئاً آخر غير الرمزية، هناك فكرة (النص المزدوج).. الرمزية مثلا: نضع على فم شخص لاصق، فتفهم أن الشخص لديه احتجاج ضد العالم.
بينما مسألة النص المزدوج: تجد الجملة تحمل في ثيمتها معنيين. ظاهر وباطن، يعني هناك نص داخل النص وهذا ما اسماه رولان بارت (النص في النص).. وهكذا من القراءة الأولى لا تسطيع ان تسيطر على الرواية"
لذا من الصعب الجزم بأن ما كتبه قد كتبه ليقرأه أحد أو أن أحد يريد أن يستنبط منه ما أراد قوله، إنما قال ما قاله بطريقته هو لا بطريقة الناقد والمتلقي أو القارئ أو أي مراقب آخر.
"-
قلت انك لا تضع شرطة في داخلك اثناء الكتابة.
-
(يضحك) لا... أبدا... أنا لا أضع شرطيا."
يؤكد حسن مطلك انه لا يخاف الناقد الحذق بالدرجة الأساس أو القارئ كما سماه بالقارئ النخبوي، وهي السلطة التي تمسك الكاتب وتلزمه بقيم معينة في الكتابة، أو حتى السلطة السياسية نفسها.
ويقول "أن أجعل القارئ حاجزآ عن الانتقاد والنجومية، أي أن تكتب بسهولة، تصل إلى الجمهور بسهولة وتصبح نجما بسهولة. لكن حين تكتب عملا صعبآ سوف يكون عملك من النوع الذي لا يكسب جمهورآ واسعآ ولكن الكسب يكون على مدى طويل وبطيء.."
وهو ما كرهه حسن مطلك أن يكون عاديا ومفهوما، بذلك يتناوله الجميع ويحبه الجميع ويشعر الجميع بأنه يعبر عنهم، والا ما فائدة انك تكتب إذا كنت تكتب للجميع، أو مالجديد الذي جئت به، أي أن الإحساس هو إحساس عادي مادام الجميع يحسونه ويفهمونه، وهو ليس بالفرح أو الألم الجديد انما الم عادي وحدث عادي كأي لحظة ولادة حدثت مليارات المرات. وهو شيء خال من الدهشة تماما لأنه متكرر دائما.
أي لم يرد إلا أن يعيش كفنان ويتحدث كفنان ويفكر كفنان اقصد الفنان الإنسان الذي في داخله فتخرج كل كلمة بفن معين، تكون ذات زاويا بعيد عن عين الناظر انما تكون اقرب إلى حسه كإنسان فقط. وهو بذلك يمس الفنان العميق الذي ينشأ من شيء حقيقي داخل كل إنسان.
اقصد أن كل إنسان بداخله فنان لكن هذا الفنان مخبأ بعيدآ جدا وهو ما أراد حسن الوصول إليه وايقاظه، أو حتى حشره في نفس القارئ من جديد.
لأن هذا الفنان قد مات بالفعل حين لم يعد يدهشنا شيء، وبتنا نبحث عن العيش فقط، العيش كأي إنسان بسيط دون ذكر، إنسان تهمه الأشياء التي تؤثر في حواسه الخمس فقط، التي يراها ويسمعها ويلمسها أو يشمها ويتذوقها.
بل ان حسن أراد الولوج ابعد من ذلك وإيجاد الحاسة الأولى، وهي حاسة الفن.
وبذلك فانه ينتزع كل ما هو له علاقة بما حوله، كل ما له علاقة بحواسه الخمس، جعلهن جسرا للوصول إلى حس الفنان فيه وفي المتلقي.
"
كأنني أول كاتب في العالم.. نزعت كل القيود المتمثلة بالبوليس الفني والبوليس الاجتماعي والبوليس الديني.. فكل هؤلاء على الكاتب أن يستبعدهم لكي يكتب بحرية". فهو يحافظ على الدهشة باستمرار، ويجسر كل ما يشعر به أو يحسه للوصول اليها.
"
الكتابة بقيود هي كتابة مفتعلة...”
لذا أحب حسن التحرر دائما من القيود وهو يكتب، أراد أن يكتب كيفما كان... جالسا ونائما..أو حتى واقفآ.
لنقل: ان لا يجعل الكتابة فعلا اضطراريا. فجاءت كلماته بعفوية وحس عنيفين، تخرج الكلمة كيفما جاءت، أي أن الكاتب طفل نقي تجرد من كل خوف أو حسبان لشيء إلا فنه وحسه تجاه هذا الفن.
إذن من الخطأ.. كل الخطأ، أن نعتقد بأن أسلوب حسن هو أسلوب اضطراري. 
حسين الحسن

09‏/02‏/2019

داباد.. حسن مطلك/هادي الحسيني/ طريق الشعب

من أوسلو
دابادا.. صرخة بوجه الظلم

هادي الحسيني

 (دابادا) عنوان رواية عراقية صدرت أوآخر الثمانينيات وظلت حاضرة في ذاكرة الأدب العراقي لجرأة ما طرحته الرواية من إحتجاج وصرخة من خلال نص واحد متكامل لم يتجزأ لفصول ومقاطع، كتبها شاب عراقي كان للتو قد خرج من حرب الثمان سنوات وقد عمل في التدريس بعد تخرجه من جامعة الموصل وهو قاص وشاعر ورسام وروائي بارع، أحب اللغة العربية وآدابها وعشق الرسم لكن حبه لوطنه كان الأعظم في دواخله ولهذا قرر مع ثلة من النجباء بأن يطيحوا برأس النظام البعثي الدموي أثناء استعراض عسكري على طريقة إغتيال الرئيس المصري أنور السادات لكن مخططهم كشف وألقي القبض على المجموعة وتم إعدام من كان عسكرياً رمياً بالرصاص وأخذ ثمن رصاصات الإعدام من ذويهم! ومن كان مدنياً بالشنق وكان أحدهم الروائي العراقي صاحب رواية (دابادا) أبن قضاء الشرقاط الشهيد (حسن مطلك 1961 – 1990) الذي ترك عائلته وطفلتيه الصغيرتين اللتين ينتظران عودته المستحيلة. الروائي حسن مطلك كان كثير الأحلام والمشاريع الأدبية والفنية والسياسية ففي يوم صدور روايته (دابادا) عام 1988 كان الفرح يقفز من عينيه وهو يحاول إيصال نسخها الى أصدقائه من الأدباء في بغداد وكانت السيارة التي تحمل نسخ الرواية قد تعرضت لحادث مروري فوق احدى جسور العاصمة بغداد وتناثرت نسخ الرواية فوق الجسر! ثم استأجر سيارة أخرى ليصل بنسخه الى الكثير من أصدقائه الأدباء. رواية دابادا لم تطبع في بغداد على الرغم من ان الخبير الذي أعجبته مخطوطة دابادا لم يجزها بسبب قوة طروحاتها خاصة وأنها لا تواكب مرحلة الحرب وتوجهات النظام القمعي الذي جيّر كل شيء من أجل حروبه وطموحاته في التخريب، لقد خاف الخبير من إجازتها في تلك الظروف الحرجة ، فأضطر كاتبها حسن مطلك ان يقوم بطباعتها في بيروت عن الدار العربية للموسوعات. رواية دابادا في ثيمها التي هي عبارة عن رفض وصراخ في المجهول يشهد محاولات ومقاومة بالضد من الموت البطيء عبر عبقرية الروائي بإدخال كائنات كثيرة وأبطال ومسميات تدخل في الترميز الذي يقترب من الوضوح الذي لا يخفى عن قراء الرواية ، دابادا رواية ذكية تحاول كسر حاجز الصمت والخوف و تمتلك لغة أنيقة، ومن خلال تلك اللغة استطاع كاتبها تطويع النص الأدبي الى ما فوق التراث وتحيله الى الألم والخوف واللوعة بطريقة مضحكة أحيانا عبر شخصية (شاهين) بطل الرواية. دابادا تشبه القصيدة حين تبتسم لسامعيها وقراءها حين ترسم على وجوههم شحنات الفرح المغمسة بلوعة الألم وكوارث الزمن، دابادا نص روائي مختلف بطرحه وبلغته وبظرفه الصعب . ويعتبر الروائي الشهيد حسن مطلك من الأصوات الأدبية البارزة في جيل الثمانينيات داخل العراق والذي يسمى بجيل الحرب ، نشر العديد من القصص وفازت بجوائز أدبية . وأذكر بعد سنوات قليلة من اعدام حسن مطلك ألتقيت ابن مدينته الروائي العراقي الكبير محمود جنداري الذي حدثني بألم عن حسن مطلك خاصة وأن جنداري قد أعتقل لفترة بسبب علاقته بحسن لكن بعد الأفراج عنه بفترة قصيرة غادر محمود جنداري الحياة على أثر دس مادة الثاليوم له من قبل أجهزة نظام القمع كما أكدها البعض وهي ليست بغريبة على النظام الذي عرف بقتل معارضيه بطرق وحشية متعددة! وعن الزمان ومكان الرواية فقد كان الروائي محسن الرملي وهو شقيق الشهيد الروائي حسن مطلك قد عثر على شريط مسجل في داخله حوار عن رواية دابادا بصوت الراحل بعد صدور الرواية بشهور قليلة وتحدث فيه عن زمن الرواية قائلا: (ان زمن الرواية الأصلي، هو زمن الحدث الروائي، ثلاثة أيام، أي ثلاثة نهارات وأربع ليال، أما الذي تتحدث عنه الرواية فهو زمن طويل، زمن نفسي طويل حيث يوجد تاريخ يمتد الى الشخصيات الموجودة في الرواية، بينما المكان فيمكن أن يكون رمزاً، أي ليس مكاناً حقيقياً).
ان رواية دابادا فيها من قوة النص ومفارقاته الكثيرة والتي قد تكون مأخوذة من الحياة التي عاشها الروائي داخل العراق خاصة وان دابادا باسمها الغريب، الأسم الذي لا تحتويه الجغرافيا ولا اللغة قد يكون خلقه الروائي ببراعة وبترميزية عالية ، فلو قمنا بتشكيل حروفها قد تعطينا معاني كثيرة تدين الوضع آنذاك وكدليل على الصرخات التي يطلقها شاهيين وبعض الشخصيات في الفراغ باستمرار وحتى شخص كاتب الرواية الذي يظهر اسمه مرة أو مرتين داخل النص الروائي وهو تعبير عما في داخله من آهات ومآسي حاول تطويعها عبر الأدب وبلغة سردية مختلفة عما كان يكتب في الرواية داخل العراق التي جيرت لأدب الحرب بطريقة مخزية!. وكثيرة هي الآراء في رواية دابادا من قبل أدباء وروائيين وشعراء لكن رأي الراحل الكبير جبرا ابراهيم جبرا كان مهما في تلك الفترة فقال عن دابادا (أنها رواية غير عادية ، فهي جديدة وكاتبها شاب جريء). ان رواية حسن مطلك دابادا تعتبر من الأعمال الروائية التي أثارت اهتمام النقاد والمشتغلين بالأدب بشكل عام وأحاط بها الجدل منذ صدور طبعتها الأولى قبل ثلاثة عقود ونيف وحتى اليوم فهي حاضرة ولم تغب عن المشهد الثقافي العراقي بشكل خاص والعربي بشكل عام لمِا تحمله من حداثة في اللغة وجرأة في الطرح وصرخة انسانية عالية يلفها الحزن الشديد والألم الذي يتفوق على الفرح المفتعل.
---------------------------------
*نشرت في صحيفة (طريق الشعب) العدد 117، السنة 84 بتاريخ 4/2/2019 بغداد
https://www.tareeqashaab.com/images/TariqPDF/2019/2/4.pdf
*ونشرت في مجلة (تموز) العدد 70، السنة 26 ربيع 2019 مالمو-السويد

07‏/07‏/2018

عن (الكتابة وقوفا) لـ حسن مطلك/ قراءة: مؤمن الوزان


ما الذي يريده حسن مطلك من الرواية؟ الكتابة وقوفا.
مؤمن الوزان
الكتابة وقوفا، هو عنوانٌ لافتٌ للنظر حقا، ما الذي تعنيه الكتابة وقوفا، أكثر من انها ثورة تغيير في كيفية التعامل مع الكتابة، العادة التي تعلمها الإنسان أثناء ممارسته هذه التقنية (كما يسمي الناقد روبرت إيغلستون الكتابة بالتقنية)، التغيير الذي يبدأ حتى قبل الشروع فيها، فلماذا يود أن يبدأ عصرا شخصيا جديدا في الكتابة يقول حسن مطلك:"يبدو أن الخطأ الذي نرتكبه في الكتابة، هو أننا نمارسها في وضع الجلوس، لو جربنا أن نكتب وقوفا، وفعل (الوقوف) يتجاوز معناه الشائع، أقصد أن نتلقى العالم بشكل طولي". 
إذن، فالنظرة التجديدة التي يؤمن بها حسن تبدأ في "مرحلة ما قبل الكتابة" وهي المرحلة التي يناقش فيها جدوى الكتابة والهيئة التي يُشكل بها وعيه في التعامل مع هذا العالم وقضاياه، وبما إنه يتحدث عن الرواية والكتابة فهو هنا يعني بالأخص، كيف نتعامل مع الرواية؟ وما هي الوسيلة السليمة التي من خلالها نخترق عالم الرواية لأجل الوصول لمبتغانا؟ مرحلة الانطلاق هي المرحلة التي تستحوذ على جل اهتمامه، لذلك نراه يهتم بمؤسسي المدارس الأدبية ويجلهم ويصف أتباعهم بأنهم (سارقو رؤية) فيقول:"نحاول أن نُبطل مفهوم (ثبات الرؤية) لدى الأديب الواحد، باعتبار أن هذا الأمر سينتج منطقة ما، ميتة في الوعي، فكيف الحال بمن يأخذ رؤية ليؤسس عليها، هذا الذي لم يجهد نفسه بالتعرف على منطقة وقوفه المتحرك في الأبدية…". 

يعمل حسن مطلك على تشكيل مدرسته الأدبية الشخصية قائلاً:"أدعو أن يكون كل أديب مدرسة قائمة بذاتها". 
حيث رؤاه وتطلعاته لهذا العالم، وسعيه من أجل إنتاج عمل يحمل أسلوبه الفريد ومنهاجه الخاص، لا يريد أن يكون مجرد تابع، أو كما سماهم سارقو رؤية، فهذا النَفَس الثوري في الكتابة هو الذي يضطره أن يقتحم عالم الكتابة والرواية طالبا حقه، ومكانة يعمل على صنعها بنفسه، وهذا ما نراه في المرحلة الثانية "مرحلة الكتابة"، وعملية وضع الأسس المنهجية التي سيسير عليها، إذ يلخص عدة نقاط يعمل على مناقشتها في هذا الكتاب، موضحا منهجه وأفكاره في تناول عناصر الرواية كالهجران (الافتراق)، المكان في الرواية، الزمن، الشخصية والرواي، الشكل، الواقعي والخيالي، وفي كل من عنصر من هذه العناصر، هناك استفاضة في تبيان منهجيته الروائية واستقرائه للنص وكيفية التعامل معه، في بادئ الأمر هناك النقل للعالم وصورته وموضوعاته وجمالياته من خلال النص، وكيفية جعل النص بقدرات تُخضع الصورة المنقولة لأبعاد النص وقوانينه والمشاكل التي تواجه الكاتب ما بين الموضوعية والذاتية ومشاكل الأنا - الأخر. 
ثم يتنقل إلى المكان باعتباره أرضا لوقوع الحدث، والبيئة التي يتطور باستمراره حتى يصل إلى نقطة العقدة، حيث يتناول المكان بصورة تشريحية دقيقة وكيف يمكن أن يكون للمكان دورا في مجريات الأحداث، وما الذي يمكن أن يعطيه المكان من رمزية ودلالات تعتمد على تفاصيل دقيقة، باعتبار المكان أحد العناصر المهمة في الرواية، ولا حدث من دون أرض حدث. 
فلسفة عنصر الزمن في الرواية لدى حسن مطلك، أكثر تعقيدا من عنصر المكان، وهذا الأمر يبدو واضحا، خاصة في حل إشكالية زمن وقوع الحدث الفعلي وزمن وقوع الحدث في السرد، فزمن حادثة ما تستغرق ثوانٍ معدودة تحتاج عند الإخبار بها زمنا مضاعفا كثيرا، فما الذي يحكم آلية السرد الزمني وكيف يؤثر الزمن في الرواية والتسلسل الزمني لأحداثها، هذا ما يحاول شرحه ومناقشته وتحليله. ويعطي أهمية كبرى للزمن وفهمه.. بل ويربطه  بفهم فن الرواية إذ يقول:"إن الوعي لدى الروائي بالزمن الذي يكتب فيه، أو يكتب عنه، هو الوعي بفن الرواية…".
أما الشخصية والرواي، وهي إحدى المواضيع التي تمثل له نقطة مهمة لا يمكن التهاون معها، فهو يحاول وضع تعريف للشخصية وحكم العلاقة بين الشخصية والرواي، والمدى والوسائل التي من خلالها يؤثر بها الراوي في شخصياته ويجعلها منشقة منه، فيقول في إحدى التعريفات عن الشخصية بأنها "شكل إسقاطي لفكرة الإنسان عن نفسه معبَّر عنها بمقولات أو بأفعال". 
تبقى المسألة الأهم، ما جدوى هذا الإسقاط وكيف بأمكان الراوي أن يصب أفكاره في قناع شخصياته ليأخذ الحرية الكاملة في الانطلاق من أجل تدوين حياة شخصياته دون أن التدخل الكامل بمستقبل قناعات الشخصية، حيث تبدو الشخصية مجردة من حرية التطور الخاص بها، والتي يكون نتيجة التفاعل مع الأحداث والتأثر العام بجو الرواية وزمانها ومكانها. ويشير كولن ولسون إلى ملاحظة مهمة في كتابه (فن الرواية)، أن الروائي يعمل على تحديد إمكانيات شخصياته من خلال الصفات التي يُعطيها لهم في البداية ويجعلهم سجناء فيها، ومن ثم تصبح آلية التغيير المستقبلة في الشخصية محكومة بما تم إعطائها إياه من صفات واتجاهات حياتية، مما يجعل التعامل مع الشخصية يحتاج إلى حذر وإلا سيتم الوصول إلى نهاية غير مؤثرة أو غير ذات قمية، وهذا ما يعمل حسن مطلك على توضيحه في موضوع الشخصية والرواي. 
الواقعية والخيال، ما الواقعي وما الخيالي، وهل يمكن الفصل بينهما؟ هذا السؤال الذي يمثل نقطة البدء حيث يجيب أن علاقة الواقعي بالخيالي علاقة الجرح بالجسد، فكما لا يمكن فصل الجرح عن الجسد، فإمكانية فصل الواقعي عن الخيالي غير ممكنة فهما في علاقة تورطية، يتوغل أحدهما في الآخر بصورة مستمرة، فالرواية بالنسبة له تعبير عن عدم فهمنا للواقع، ويجب اختيار مساحة واقعية أي كان موضعها، لتمثل بداية أو نهاية للرواية فهذه المساحة صالحة للاثنين، أما الوجه الآخر للقمر فيكفي أن نتخيله في الوقت الحاضر على حد قوله. 
المرحلة الثالثة لديه "مرحلة ما بعد الكتابة" ما جدوى الأدب ما أهميته وما تأثيره فينا، فهو يبرزه وإن لم يكن بصورة جواب مباشر لهذا السؤال من خلال ما يسمى "تأثير ما بعد القراءة" تأثير الرواية والأدب في القارئ فيقول:"إني أتذكر (زوربا) مثلما أتذكر صديقي (أحمد)، أتذكر (تاراس بولبا) القوقازي. فمن يضمن أنني لا أعرفه فما الفرق بينه وبين (زوربا) بالنسبة لي كلاهما يمثلان ذكرى، يمثلان خبرة عشتها وأحببتها…"
 وهنا الجواب واضح كل الوضوح عما يطمح له من تأثير روائي على أنفس قرائه، أن يجعل من شخصياته كائنات حقيقية وليست خيالية فقط، على الرغم من إنه يعطي نقطة لصالح الشخصيات الروائية أنها حيَّة لا تموت كلما أردنا قراءتها يمكننا الرجوع إليها، فهي خالدة من خلال تدوينها، فكل لحظة لا يتم تدوينها بالنسبة لحسن هي لحظة ميتة وزائلة ولن تُذكر.
لا ينفك من طرح الأسئلة، فيسأل ما هي الرواية إذا لم تكن أدبا؟ يعطي جوابا يمس سؤاله بصيغة سؤال آخر في موضع آخر إذ يقول: "هل هناك إمكانية إن تعطينا الرواية فرصة للرقص؟"، من يدري ربما! 
يلاحظ في كتابه كثرة توغل حسن مطلك في بحوثه عن/في الرواية، وتداخل علم النفس وعلم الجمال الذي يقول وجدت نفسي قد تورطت في علم الجمال، وهو الذي لا يطمح أن يكون ناقدا يقضي عمره في البحث عن المصطلحات، وتشير كثرة اقتباساته من الروائيين والنقاد والفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار، أنه لا يتعامل مع الرواية على أساس أنها نتيجة يمكن الحصول عليها من خلال عملية الكتابة بل على أساس أنها كيان أدبي يود أن يصنعه وفقا لمعرفته الشخصية وبحثه ودراسته وليس تعاملا مجردا من اللمسات الإنسانية والفكرية والأخلاقية والفلسفية والمعرفية. 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*مؤمن الوزان، كاتب ومترجم عراقي يقيم في بلجيكا.
مؤمن الوزان

06‏/01‏/2018

حسن مطلك/بالصينية 伊拉克現代詩首

باللغة الصينية
伊拉克現代詩100首Iraqi Modern Poems
 
قصيدة لـ حسن مطلك
وقصيدة لـ محسن الرملي مهداة إلى حسن مطلك
ونبذة تعريفية بالاثنين




En chino
Un poema de Hassan Mutlak
Y un poema de su hermano Muhsin Al-Ramli,
dedicado a Hassan Mutlak
Con unas biografías breves de ambos


22‏/12‏/2017

قراءة مغايرة لـ دابادا / سما العبيدي

قراءة تأويلية مغايرة لـ(دابادا)
سما العبيدي
لازالت رواية (دابادا) للكاتب العراقي الراحل حسن مطلك، تشبه اللغز بالنسبة للكثيرين، وهذه من سمات الأعمال الأدبية الفريدة القابلة لتعدد القراءات والتأويلات، وها أنا هنا، أحاول، مثل غيري، ممن بهرتهم هذه الرواية، أن أجتهد وأطرح قراءتي التأويلية المغايرة لها، بشكل مكثف ومباشر، قدر الإمكان، وما هذه القراءة في النهاية، إلا وجهة نظر أخرى في هذا العمل الأدبي المدهش والمحير في الوقت نفسه.
عنوانها: دا با دا (داء الروح الفرد أو دائرة الروح الرداء) دائماً.
با (باب) با: في الكتب الدينية هي روح حرة، كانت توصف بالصقر الذي يرتفع في السماء عند وفاة الشخص (وهنا نذكر بأن اسم إحدى أبرز شخصيات الرواية هو شاهين، وهو اسم للصقر، والذي يعرف أحياناً بالصقر الجوال)، أو أن هذه الروح بهيئة حشرة، وأيضاً في المعتقدات المصرية كانت تمثل الروح المرتبطة بجسد الإنسان ويمكنها الرجوع إليه.
أي أن الكاتب قد أشار إلى الروح كباب للولوج إلى مكنونات نفس الإنسان ، وأيضا أن الجسد البشري، هو داء الروح دائماً، وقد أشار إلى ذلك بمقطعين في الرواية.
إن رواية (دابادا) هي رواية رمزية معقدة، تدعوا قارئها إلى التريث في كل جملة، وفي تقديري إنها تنتمي إلى أدب (الديستوبيا) مما يجعل منها رواية مخيفة للقارئ الذي فهم ما أشار له الكاتب وما دعى إليه في بعض نصوصه... ودابادا هي عبارة عن حلقة تتكون من عدة نقاط، وكل منها تمثل نقطة انطلاق للحدث الذي يليه، لذلك نجد أكثر من مرة تكراراً للحدث مع اختلاف في جملة واحدة فقط قبل الحدث. كما استعان الكاتب برموز كثيرة، وكل رمز يشير إلى شيء معين.. قد يكون شخصية سياسية أو رمز ديني أو عدة ذوات مجتمعة في شخص واحد، ومن هذه الرموز، مثلاً:
*شخصية محمود: وتمثل هذه الشخصية؛ بطل الرواية، وهي عدة شخصيات في ذات واحدة، وقد أشارة لها الكاتب في جملة (أن هاجر شهدت جميع تحولاته) ويعني بها تمثل هذه الشخصية البطل، الذي قضى على جميع خرافات البشر، بحثاً عن الخلود، فنرى شخصية محمود تارة وقد ضاع في البراري بسبب ملاحقته للأرنب المبقع، بحثاً عن الخلود، وتارة أخرى أن يوم ولادته شهدت القرية أحداثاً و أنباء سارّة، وفي هذا مشابهة لقصة النبي موسى وكيف تم انتشاله من النهر عندما وضع في سلة، كما أن زواج محمود من هاجر، يذكر بقصة زواج النبي إبراهيم من هاجر... وبتتابع التأويل فإن شخصية محمود ستحيلنا إلى شخصية النبي محمد، واسم محمود هو أحد أسماءه.. لذا فإن قتل محمود للأرنب البري المبقع، معناه أنه قد قضى على الخرافة وهو الوحيد الذي نجح في تحويل البشرية من الخرافة إلى دين التوحيد.
*شخصية شاهين: ابن محمود، هي خليفة لشخصية محمود التي تبحث عن الخلود، لكنه لا يرغب بالخلود، لأنه قد تحرر، حسب وصف الكاتب، بالخروج من الغلاف بعد أن شبهه بفرخ ينقر داخل الغلاف، لذلك نشاهد أن شخصية شاهين تمر بعدة تحولات، أبرزها التأمل والعزلة والصمت وهي بهذا تمثل بوذا، وكان شاهين يتأمل تحت شجرة التين التي تعتبر شجرة مقدسة لدى معتنقي هذه الديانة، كما يمثل الأرنب البري نفسه بكل سماته.
*الأرنب البري المبقع: يمثل هذا الحيوان دور الرسول الذي كلفه إله (القمر)، بحمل الرسالة ذات الشأن الخطير إلى بنو البشر لإعلامهم بسر خلود الإنسان حتى يبعث من جديد بعد موته، كحال القمر نفسه، الذي يموت ثم يُبعث من جديد، حسب الخرافات القديمة، وأن قتل محمود للأرنب هي عقوبة له لأنه حرف فحوى الرسالة إلى (كما أُفنى إلى الأبد عندما أموت، فأنتم كذلك ستموتون وتفنون إلى الأبد)، لذلك عاقبه القمر بأن رمى على الأرنب عصا اصابت شفته، والتي صرنا نراها بهذا الشق الواضح.. ثم ولى الأرنب مسرعا فرماه القمر بالعصا أيضاً، لذلك يجري بسرعة كبيرة، وهو بدوره قد رمى القمر أيضاً قبل أن يهرب فخدش وجه القمر، وهكذا صرنا نرى هذه الخدوش في وجه القمر، عند رؤيته متكاملاً. وعندما علم أهل القرية بأن الأرنب سلبهم سر الخلود، غضبوا عليه، لهذا فإن الصبي اذا بلغ سن النضوج واتخذ مكانه بين الرجال، يمنع من أكل لحمه ومن استخدام النار التي يطهى عليه لحمه ويُبعد عن القرية.......
إن المغزى من ذكر الأرنب المبقع في الرواية، هو أن كل فرد في القرية، هو رسول خائن، والضحية محمود لأنه ركض خلف الأرنب، بحثاً عن الخلود المسلوب وقتل الرسول الذي خان أمانة الإله، وأن صفة (المبقع) هي ليست نوع الأرنب وانما التغير الذي يطرأ على فراء الأرنب في فصل الخريف، وهذه إشارة إلى أن أهل القرية نصبوا الفخ لمحمود للتخلص منه، لأنهم على علم تام بأن الأرانب يقل نشاطها في هذا الفصل، علما بأن نشاط الأرنب يبدأ من الفجر حتى المساء، وهو مطابق تماماً لما ذكر في الرواية.
*الحمار: شخصية رمزية، جاسوس مطيع لحاكم معين أو لشخصية سياسية تملك زمام الأمور، لأن للحمار قدرة على حفظ طريق العودة ذهاباً وإياباً بلا مرشد. ومحاولة قتل الحمار هي دعوة صريحة لإزالة القاعدة الأساسية للهرم الذي بنى عليها الحاكم قواه، فبقتله ستتهاوى سلطته ويفنى وحده، لأن الحمار له القدرة على حمل الأثقال، وهذا ما حاول الكاتب الإشارة إليه بهذا الرمز.  
*يوم الأربعاء: اليوم المقدس لأصحاب الديانة الإيزيدية، وفيه إشارة إلى تعذيب شخصية معينة والاحتفال بانتصار قوتهم على الضعيف.
*خرير ماء البئر وكل أنواع الأصوات التي ذكرت: هي رموز تشير إلى الديانة البوذية التي تعتمد على التلقين.
*شجرة السدرة: هي شجرة مقدسة لدى المسلمين وثمة حديث نبوي يشير إلى قدسية هذه الشجرة، وبأن أعمال الخلق بخيرها وشرها، ستعلق عليها وتعرض على الإله يوم القيامة، لذلك أجتثها شاهين لأن لا فائدة من كل الأعمال.
*حلاب: شخصية سياسية، هي المهيمنة والمسيطرة على الوضع وتملك الضوء وحدها، فيما يعيش الآخرون في ظلام، إشارة إلى عمى التفكير وعدم معرفة أهل القرية لما يجري حولهم، لأنهم يعيشون في ظلام دامس.  
*المسمار: هو رمز لأشد وسائل التعذيب وأبشعها، وهو إشارة إلى الحاكم آنذاك، والذي يستخدمها كوسيلة لصلب العبيد بها، ويزهو بانتصاراته، لذلك اقترن هذا الرمز بقصص تعذيب كثيرة، كان أبطالها مسامير، وأشهرها قصة صلب المسيح، ودق مسمامير في كفيه لتثبيته على الصليب.
*الثور: شخصية ضعيفة لا قوة لها سوى حجمها الذي لا يغني عن شيء، يظن أهل القرية بأنه سيحميهم إن داهمهم الخطر.
*الختان: إشارة إلى طقوس الديانة اليهودية التي تعتمد على التشهير بالأعمال وتمسكهم بالوصايا في أسفار التوراة.
*أخرى: في رأيي أيضاً، أن القطة إشارة إلى حرب قادمة، والكلب شرار رسول خائن.. وهكذا ثمة شخصيات أخرى تستحق التوقف عندها وتأملها، وقد فعلت ذلك مع نفسي أثناء القراءة، ودونت ملاحظات، لم أحبذ إرفاقها هنا، وآثرت تركها لتأمل القارئ، ومنها على سبيل المثال: شخصيات عزيزة وعواد وصابر وعبدالمجيد وعالية ومسعود وغيرها...


أما أهم الرسائل المضمنة في هذه الرواية، كما أعتقد، فهي:
1ـــ أن داء الروح هو الجسد الذي يحتويها وليس العكس.
2ـــ كل الأديان زائلة، ولن يتبقى منها سوى آثار معابدها وطقوس لا تمت للدين بأية صلة.. بل هي صناعة بشرية.
3ـــ ان الطبيعة لن تولد شيئاً جديداً لأنها تفتقر  القدرة على الانتصاب.. أي أنها لا تحتوي على روح.
4ـــ لا يملك الإنسان (الرجل) سوى صوت الضحك ولا يملك الإنسان (المرأة) سوى صوت حفيف الرداء.
5ـــ إن هذه الحياة مهزلة وان نقطة بدايتها ونهايتها واحدة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*مراجع:الفلكلور في العهد القديم/ الرسالة المحرمة، جيمس فرايزر/ الغصن الذهبي، الفصول: 5 و9 و18 و26 و28 و58/موسوعة ميثولوجيا وأساطير الشعوب، حسن نعمة/موسوعة الأساطير والرموز الفرعونية، روبير جاك تيبو/الويكيبيديا.
**سما العبيدي: كاتبة من العراق. 

13‏/10‏/2017

حسن مطلك عائداً في «الكتابة وقوفاً» - صحيفة الحياة

العراقي حسن مطلك عائداً في «الكتابة وقوفاً»

بيروت ـــ "الحياة"
«الكتابة وقوفا- تأملات في فن الرواية» كتاب صدر عن دار مداد في دبي، ويضم مقالات للكاتب العراقي الراحل حسن مطلك جمعها وقدم لها الكاتب والأكاديمي محسن الرملي. والمقالات غاية في الأهمية نظراً الى مرجعيتها النقدية وعمقها الثقافي والمعرفي وبعضها لم يتسن للكاتب ان ينهيها. ومن عناوينها: الوعي بالكتابة، الأسئلة الروائية ، المكان في الرواية، مشكلات الزمن في النص، الشخصية والراوي، الشكل، القراءة، الواقعي والخيالي، الواقعية المطلقة، قوة الأدب: مشروع بحث عن أدب جديد...
وجاء في المقدمة الشاملة التي كتبها شقيقه محسن الرملي والتي تعد خير مرجع لقراءة تجربة مطلك: «هذا هو حسن مطلك، لا تكفي عبارة: كاتب جاد أو كاتب حقيقي لوصفه... لأن الكتابة بالنسبة إليه هي فعل حياة كالتنفس، ومعنى وجودي لا يمكن فصله عن حياته ذاتها(...). لم أعرف مثل حسن مطلك كاتباً يُكثر من تمزيق وإعادة كتابة وخلق نصوصه، دائب التفكير والعمل فيها بلا كَلل ولا مَلل. كان كُله، بمجمله مع كل نصوصه، بمثابة ورشة حقيقية متحركة، يتحدث عن نصوصه ونصوص غيره كما يتحدث عن نفسه، يأخذ مقاطع من نصوص سابقة له ليدمجها في نصوص لاحقة، يترك الكتابة عن فكرة في منتصف الكتابة واعداً بالعودة إليها وينتقل للكتابة عن أفكار أخرى... وهكذا. من هنا تأتي صعوبة تحرير المخطوطات التي تركها غير منتهية، وتنتابنا الحيرة في أي من الصيغ العديدة سنعتمد! وعليه فقد تركنا بعض المقاطع المكررة على حالها في أكثر من سياق. يضع لنفسه مخططاً يعدله أكثر من مرة ويتنقل بالكتابة لفقرات من هذا المخطط، ففَصَّل ببعضها كقضيتي (الزمان) و (المكان) وأخرى وضع فقرات منها، فيما دوّن ملاحظات متفرقة عن أخرى، كما أنه لا يقوم بالتنصيص ووضع المراجع لبعض المقولات دائماً، لأنه يكتبها من ذاكرته كونها صارت جزءاً من تفكيره، عدا أنه غير ملزم بذلك مادام لا يقصد كتابة بحث أكاديمي بقدر ما يهمة التركيز على الإجابة عن الأسئلة التي تؤرقه».
بدأ حسن مطلك بكتابة هذا الكتاب في تموز(يوليو) 1988 حال انتهائه من روايته (دابادا)، أي حين كان عمره 27 سنة ولم ينهه، لأن حياته قد انتهت بعد عامين تماماً، فقد تم إعدامه شنقاً في 18 تموز1990، وبلا شك فإن تجربته في كتابة (دابادا)، والتي أعادها خمس مرات، هي التي دفعته لإعادة فتح الأسئلة المتعلقة بالأدب عموماً وبالرواية على وجه الخصوص؛ «إنني أتوخى أن أصل إلى علم للرواية من خلال فهم تفاصيلها. متى وكيف ولماذا عليّ أن أستخدم هذه الجُملة وقياساً إلى أي زمن؟ … لأن فهم العملية الزمنية بشقها الموضوعي هو أحد أسرار الرواية». فكان يدوّن أفكاره ويقرأ ويعيد تدوين ويناقش أفكار غيره، بالتوازي مع مواصلته كتابة نصوصه اللاحقة ومنها روايته (قوة الضحك في أورا). لم يكن يشغله أمر النشر بقدر ما كان يشغله الصدق مع النفس ومع الكتابة.
كل ما أنجزه حسن مطلك من كتابة، كان على مدى عشرة أعوام فقط، من 1980 وإلى 1990، وأثناء تدوينه هذا الكتاب، خلال العامين الأخيرين من حياته، كان قلقاً حيال العَشرة أعوام القادمة، مهموماً بميدانه الذي هو الأدب وهو يرى التطورات المتسارعة في الميادين الأخرى وبخاصة العلمية، فيقول: «... فماذا أعددنا (نحن) لعام 2000 بالضبط؟». وأنا بدوري عادة ما أتساءل: ترى ما الذي كان سينجزه حسن مطلك لو أنه عاش عشرة أعوام أخرى؟
يبدو ما دونه هنا بمثابة مدخل لما كان يأمل التأسيس له، والذي كان يحدثنا عنه كثيراً ويطلق عليه مصطلح (الواقعية المُطلَقَة) حيث نجد، في نهاية هذا الكتاب، شروعاً لدخوله إلى هذا الطرح فيعلن عما سماه: «مشروع لبيان فردي ضد مناهج القرن التاسع عشر الأدبية». وحتماً إنه كان يعني بطرحه وانشغالاته الرواية الجادة والحداثوية العالية فنياً وفكرياً، وليست الروايات السائدة الآن التي تضع كل همها في الحكاية من دون اعتبارات مهمة للجوانب الفنية والفكرية بحيث صارت في أسلوبها تقترب من لغة الحكي اليومي ولا تختلف عن بعضها كثيراً فيه، ولا عن اللغة الصحافية التقليدية.
يُسمي حسن مطلك ما قام به هنا: «تأملات» عن وعي وإدراك، فيقول: «إني لأرجو أن تكون تأملاتي قابلة للدحض، مع ذلك لن أرفض التأييد». وهي تأملات تستحق منا تأملها بكل جدية وطرحها للنقاش، ومن سمات التأمل إعادة تقليب الفكرة على وجوه عدة، تغيير التسميات، تعزيز الشك وحتى تجريب الوقوع في التناقض أحياناً. إن هذا النص يشبه الاستماع إلى حسن مطلك وهو يفكر بصوت عالٍ، كما يمكن قراءته كنص أدبي بحد ذاته والتمتع به وبلغته من هذا الباب، نص روائي يسرد حكاية وصراع وتفكير داخل جمجمة كاتب روائي، ويمنح فرصة الاطلاع والتلصص على ما يدور في رأسه، ننفذ من خلاله إلى أعماق تفكير شخصيته الرئيسية التي هي شخصية كاتب اسمه حسن مطلك. إنها (رواية تفكير) مدوَّنة بكل صدقها وقلقها وعمقها، بلغة أدبية وبتقنية يتطابق شكلها مع مضمونها.(...).
انطلق حسن مطلك في كتابه هذا من طرحه على نفسه جملة من الأسئلة المباشرة، دَوّنها على النحو التالي: «ما هي الكتابة النثرية؟ لماذا نكتب؟ مَن هو الكاتب الحقيقي؟ ما هو النص؟ ما هو النص المزدوج؟ ما جدوى الكتابة الأدبية؟ كيف يمكن الربط الإدراكي بين الحياة في النص والحياة كما هي؟ لمن نكتُب؟ من القارئ؟ ما الـــقراءة؟». ثم وصـــف ما تلاها بأنه «مشروع إجابة عن الأسئلة» ابتدأها بوضع عناوين أفكار وخطوط عريضة أو ما سماها «تكوين مفاهيم خاصة» (...).
---------------------------------------
*نشرت في صحيفة (الحياة) بتاريخ 13/10/2017 العدد 19915 بيروت

-