11‏/08‏/2013

إمام الحرية.. حسن مطلك /نص: أمل الجبوري




               إمامُ الحُرّيةِ.. حسن مُطلَك
شعر: أمل الجبوري
من ديوان (أنا والجنّةُ تَحْتَ قَدَمَيْكِ)، باب (شهداء الحرية)
دار الساقي 2013 بيروت
حسن مطلَك([1])
مِنْ قريَتِهِ البعيدةِ عنْ قلبِ بغدادَ
يرسُمُ عراقاً
مليئاً بأنهارِ الحرّيةِ 
يُدفِئُ وجهَ الأرامِلِ الجائعاتِ بالخبزِ والأملِ
كما كانَ يفعلُ معَ جارَتِهِ  
ويحفرُ بالفنِّ على جدرانِ قُرَى الشرقاط([2]) وطناً لا تلوّثُهُ الحروبُ
وطناً خالياً من العسكريةِ والعريفِ الغبِيّ
وطناً خالياً من موظّفي الأدبِ الرسميينَ
الذينَ يحوّلونَ مخطوطاتِ رواياتِهِ وشعرِهِ
بعدَ إعادةِ تصنيعَها إلى ورقِ تواليت منَ الدرجةِ العاشرةِ
لتحقيرِ رُموزِ حكاياتِهِ
التي كانتْ تريدُ حرْقَ...
جُنون العسكرِ والبطولاتِ الورقيةِ،
وخطاباتِ الديناصور التي تحتلُّ القناةَ اليتيمَةَ في عُمْرِ تلفزيونِ العراقِ،
ولا مفَرَّ منْ رُؤيتِهِ،
سماعِهِ،
فحتّى اللهُ كانَ متواضعاً بالمقارنةِ معَهُ 
ومعنَا، فَلا يقتحِمُ عُزلتَنَا إلاّ خمسَ مرّاتٍ في اليومِ،
وفي أديانِهِ الأخرى مرّةً واحدةً في الأسبوع.
إلاّهُ...
جعلنا نبتكرُ لوركا عراقياً
عرفناهُ ولكنّنَا حينَما دفعْنَا بحُلْمِكَ يا حسنُ إلى الأمامِ 
تركناكَ وحدَكَ كما فعلنَاهَا معَ الحُسينِ
ونفعلُهَا اليومَ مع أهلِكَ في الحويجةِ أو الأنبارِ  
نعَمْ لَمْ نعمّدْكَ لتصيرَ أسطورةَ الحرّيةِ في بلدِنَا
لأنّ التاريخَ مقلوبٌ
ولا نتمكّنُ مِن رؤيةِ وجْهِكَ
أو نلْمسُ وجعَكَ إلاّ بقياسِ «الأحزابِ» التي ادّعتْ النّضالَ 
حسن مطلَك لم يمسّكَ ناظورُ عشيرةِ الجبّورِ
التي تصدّرَتْ القائمةَ الحقيقيةَ بمحاولاتِ الانقلابِ على البعْثِ
لكنّهُ أمسَكَ بالعراقِ كُلِّهِ
بالعراقِ الّذي
لا يتحمّلُ الحُلمَ 
في بلادٍ فِيها الإعلاميّونَ
والأدباءَ قطيعٌ في مزادِ الصّمتِ والسُّلطاتِ
لماذا كنتَ متقدّماً كثيراً على خرائِبِنَا؟!!!
على تقديمِ عُنقِكَ لجَلاّدِيكَ؟
وأنتَ الشّجاعُ،
الشجاع،
المتهوّرُ،
المفرطُ في حُبِّكَ للحرّيةِ،
والمفردُ وتاريخُ بلادِكَ جَمْعٌ  يَتَشَيّأُ في الهوياتِ
إلاّكَ أنْتَ 
هلْ ندِمْتَ اليومَ،
لأنّكَ دافعْتَ عنْ أحلامِ كُلِّ العراقيين
في الانعتاقِ؟!
ولم يتذكّرْكَ أحدٌ منهُمْ إلاّ أخاكَ اليتيمُ محسن الرملي([3])
مغامراً باستحضارِكَ في نشر مخطوطاتِكَ
معتذراً بالنيابةِ عنّا نحنُ الكتّابِ 
رافضاً جوائزَ المضطهدينَ «ضحايا حرّية التعبيرِ»
محاولاً إيقاظَ التاريخِ منْ تخديرِ الأكاذيبِ
فاركاً عينَهُ صارخاً بهِ: أيُّها التاريخُ اسمعْ واقرأْ ودوّنْ...
لتنظرَ إليهِ... إلينا جميعاً،
بضميرٍ غيرِ مثقوبٍ بالتّزويرِ أو الطائفيةِ 
نعَمْ كانَ هناكَ
بطلُ الحرّيةِ
كانَ هناكَ
للعراقِ
لوركا
وحسين لم يحْلَمْ بخلافةِ العباسيين حينّما قرّرَ تغييرَ النظامِ
كان حسن مطلَك إمامَ الحرّيةِ المظلومِ في العراقِ الجديدِ
كان جيفارا الذي لم نضعْ صُوَرَهُ فوقَ قُمصانِنا،
يومَ خرجْنا للتظاهرِ ضدَّ حكومةِ المحاصَصَةِ.
كُتُبُ حسن مطلَك توبّخُنا جميعاً:
«لماذا تتشظُونَ في ميزانِ الطوائفِ غير العادلِ،
غيرِ العاقلِ،
غيرِ الإنساني»؟!!!
يا حسن مطلَك حتّى وإن تأخّرتُ عليكَ بهذا النّداءِ،
لكنّي أراكَ هناكَ في السماءِ السابعةِ للقدّيسينَ،
أنتَ وضرغام هاشم وهادي المهدي 
لكنّكَ تفوّقتَ
علينَا
فأنتَ حُرٌّ وكذلك هُمُ الصّديقونَ في زمانِ الأكاذيبِ
ونحنُ عبدَةُ ذوَاتِنا،
وخوفِنا.
يا حسنُ ألمْ تندمْ اليومَ على العراقِ الذي أحْبَبْتَ؟!
العراقِ الذي كسرَ أحلامَكَ يومَ وضعَكَ في خانةِ المناطقِ الغربيةِ!!
المناطقِ التي يدّعونَ زوراً أنّها «خسرت الرفاهية» بسقوطِ الصَنمِ.
وأنتَ الشاهدُ والشهيدُ،
لا... أنتَ الجمرةُ التي ستبقَى تحرقُ التاريخَ،
التزييفَ،
الأوهامَ،
أنت يا حسن...
يا بطلَ الشرقاط، بطلَ قريةِ السديرةِ هناكَ في الأعالي
يا إمامَ الحرّيةِ... يا بطلَ البلادِ 
بناتُك المنسيات... اليومَ
هُنَّ زينبُ المنكوبةُ بحُسينِها المسروق في زمن اللصوص.
لقدْ تأخّرتُ عليكَ كثيراً بهذا الحُزْنِ 
تأخّرتُ وانتظرتُ كتابةَ اسمِكَ بعدَ 2003  في طليعةِ الثّوارِ ضدَّ النّظامِ
ولكنَّ...
الشجاعَ حسن مطلَك الخارجَ عنْ قوانينِ الطبيعةِ في عالَمِ التّضحياتِ،
لمْ يقتلْهُ غُموضُ نَصِّهِ.
حسن قتلَ الوضوحَ في ظلامِ الوطنِ،
فقدْ عَزَّ عليهِ أن يرَى الرّجالَ خائفينَ،
والأمّهاتِ متعباتٍ منَ الحروبِ،
عَزَّ عليهِ أن يتفوَّقَ على خيالِهِ النبيّ...
مجرّدَ مُنافقٍ في قافلةِ الرئيسِ.
عَزَّ عليهِ أن يسوقَ رجلٌ واحدٌ أحلامَ النّاسِ إلى جهنّمَ،
غيرَ مبالٍ إلاّ  بأوسمةٍ منْ نُعوشٍ رُغماً عن أنفِها تسيرُ.
حسن أرادَ أنْ يُنزِلَ الشمسَ والقمرَ إلى وجْهِ العراقِ
ولمْ يعرِفْ أنّهما ضدَّانِ
وأنَّ بلادَه لا تحتملُ الضّياءَ.
ظلَّ يرسمُ في مقهَى الأدباءِ ومُنتدَى الأدباءِ الشبابِ قائِمةَ العشّاقِ والعاشِقاتِ،
على مقاساتِ الحبِّ العُذْريِّ
وينقشُ جنْبَ كُلِّ واحدٍ منهم بستاناً منَ الفرحِ في مدنٍ لا تحتملُ إلاّ البكاء. 
وقرى بيضاءَ وخضراءَ وأنهاراً لا يغارُ منها الفراتُ
الأنهار والجداولُ خطّتْ ورسَمَتْ أسطورةَ حسن مطلَك 
حينمَا سارَ بقلبِهِ إلى قرارِهِ بأنْ يكونَ ثائراً..!
ومتَى وأينَ..؟!!!
في الزّمنِ الخطأ،
في المكانِ الذي هُوَ مجموعةُ أخطاء.
أمّهُ لمْ تصدّقْ أن المشنقةَ سحبتْهُ إلى وجهةٍ أخرى،
غيرَ بيتِهِ المهجورِ الذي أكملَ لِلتوِّ بناءَهُ وبالتقسيطِ
وأنَّهُ لنْ يعودَ أبداً إليها
حتى وإن ناكدَها وأخافَها حينما صرخَ عالياً: «أمي،
 السعلوة هوَ
هوَ الطنطل([4]) هو...
هوَ كُلُّ شيءٍ يُقابلُ رعبَ أطفالي ويُخيفُكَ أنتَ أيضاً.
قولِي لمروَةَ قولي لها إنَّ أباكِ لا يريدُ عُشبَ جلجامش
 ولا سيفَ صلاحِ الدين 
ولا أسطورةَ الحُسينِ»
حسن مطلَك أرادَ شيئاً واحداً فقطْ 
أن نكونَ حالمينَ،
مدافعينَ عن أحلامِنا،
حتى وإنْ صحّحنا الخطأَ اللُّغويَّ لطغاتِنا كما كانَ يفعلُ هُوَ
لقاضي محكمةِ الثورةِ الملعونةِ أبدَ الدّهرِ في حَبلِ المشانقِ.
المشانقُ في بلادِنا لا تليقُ إلاّ بالحالمينَ أمثالِهِ،
الحالمينَ أبعدَ منْ حُدودِ النومِ،
في بلدانٍ تسهرُ وتصحُو...
لتقتلَ كلَّ النائمينَ،
خَوْفَ نبوءَةِ حلمهِمْ في الانعتاقِ،
منْ وَهْمِ الأوطانِ،
الأديانِ والتعاليمِ.
كلُّها حبالُ المشانقِ تلكَ
بلدُنا لا يليقُ بكَ أيُّها النبيُّ الذي شقَّ الكلامَ،
وأخرَسَ الموتَ الذي غادرَكَ،
وأنتَ تُبصرُ بعدَ عقودٍ ذاتَ الحبلِ الذي حرّرتْكَ منهُ حُرّيتكَ...
يلتَفُّ على ظلمِ ظالِميكَ ذاتَ يومٍ كنتَ تريدُهُ احتجاجاً،
وغفراناً لهُمْ منْ ذنبِكَ الذي لنْ يبْرَأَ منهُ كلُّ مَنْ نَسيكَ،
أو ادّعَى بطولةَ «حرّيةِ التعبيرِ» في بلادِ الدكتاتور.
كانَ زملاؤكَ يصرّحونَ بأنّهمْ ضَحايا النظامِ،
ومُلاحَقونَ بسببِ قصائدِهم لا غيرَ
حتّى أتعبُوا حملةَ كاميراتِ الإعلامِ الغربيّ
التي كانتْ بأمَسِّ الحاجةِ إلى هؤلاءِ لشَرْعَنَةِ الحربِ ضدَّ العراقِ 2003
خاصةً إذا كانَ الشاعرُ «مختفياً»
أو «مُتخفياً» أو حتّى إذا تعدَّى الأمرُ إلى شاعرةٍ «ساخرة» من بلادِكَ
أصبحَتْ فيما بعدُ «بطلةَ الحرّيةِ» في بلادِ الأمريكان!!!!
فيما كنْتَ أنتَ... منسيّاً هناكَ،
في الشّعبةِ الخامسةِ لدائرةِ الأمنِ العام 
في أسرِ الشّهورِ الستّةِ منْ عمْرِ التعذيبِ الأسطوريّ
كُنتَ وأنتَ تتقدّمُ زملاءَكَ إلى موكبِ الموتِ يوم ١٨/٧/١٩٩٠  
أنتَ فكرةٌ والأفكارُ تُخيفُهمْ 
فأحاطوا موكبَ موتِكَ بمدرَّعاتٍ،
وطائرةٍ مروَحيّةٍ تحومُ فوقَ الرتلِ المتوجّهِ إلى مقصلةِ الإعدام.
كانوا يخافونَ فضيحةَ أن يفتضِحَ خوفُهُمْ مِنْ حلمِكَ النّبيل...
شابٌ لمْ يُكْملْ الثلاثينَ
حلمَ ولكنْ بصوتٍ عالٍ
بالحرّيةِ
ولم يحلمْ بغيرِها
مجرّدَ حلمٍ في جمهوريّةِ العسكَرِ  
لا أقلَّ ولا أكثرَ 
حرّيةٌ،  كلمةٌ طائشةٌ وضالّةٌ وكافرةٌ
وسحريّةٌ في واقعيّتِكَ الحنظلِ التي لا تتحمَّلُ
أيَّ شيءٍ جميلٍ خارجَ إطار المدحِ الحكوميّ.
كمْ نحنُ كذّابونَ إذاً،
ومنافقونَ
يا حسن فلمْ تُخْجِلنا ابتسامتَكَ،
وأنتَ تلتفُّ على حبْلِ المشنقةِ مثلَ طفلٍ يتدلَّى بحبلِ الأرجُوحةِ،
لا.... رجلَ يُغتصبُ بقتلٍ مجّانيّ. 
لمْ يخجلْ بعضُ زملائِكَ منْ رِثائِهمْ لَكَ...
لقدْ نسَوْا أنّكَ أكثرُ حياةً منهمْ
لأنّهمْ
لم يُجرّبوا الاعتذارَ عن استلامِ أوسمةِ البطولةِ منَ الذينَ أكمَلُوا اغتصابَ بلادِكَ
وأقاموا أعراسَ دَمٍ في كُلِّ مكانٍ
حينما منَحُوا عمراً إضافياً للدكتاتور:
ثلاثةَ عشرَ عاماً منْ عُمْرِ الحصارِ،
ونحنُ نهربُ منَ العراقِ،
تحتَ حُججٍ وأعذارٍ نهرُبُ
وأنت تصرخُ بِنا:... إلى أيْن؟!!!
«والله لو توقّفنا عن الخياناتِ والغدرِ بحُلْمِنا...
لتمكَّنَا منْهُ ومِنْ كُلِّ طنطلٍ ممكنٌ أن يجيءَ
لا تتْرُكوني إلى شِتاتِكُمْ،
ولا تُجرِّبوا منافِيَ لا يُمكنُها أنْ تكونَ رئةَ الوطنِ البديلِ»...
صدقَتْ نبوءَتُكَ...
لكنّنا كُنّا نخافُ موتَكَ،
فنَسُدُّ بالأوهامِ آذانَنا ونخْلُقُ أساطيرَ لنجاتِنَا منْ بطْشِ السُّلطةِ.
نتقلَّدُ أوسمةَ الدّولِ الغربيةِ،
ويُحتفَى بنا،
دونَ أنْ نلتفتَ إلى قبرِكَ اليتيمِ.
كانتْ الأرملةُ هيَ وبقرتُها وحمارُها هناكَ في الشرقاط
أكثر صِدقاً ووفاءً منّا لكَ
ولاضطهادِكَ الذي نستعيرُهُ لحصْدِ المزيدِ منْ أوسِمةِ وجوائزَ «الكُتّاب المعارضين»
تلكَ الأرملةُ التي أدمنَتْ صيانةَ قبرِكَ منْ عفَنِ النّسيانِ
يا حسنُ أنتَ كريمٌ فمُنَّ عليهِمْ، علينَا، بالتسامُحِ
يا أيّها المسيحُ المُخلِّصُ
والمنتظرُ في عهدٍ فاضَ فِيهِ كُلُّ شيءٍ
قريباً في الزمنِ الأبيضِ الذي مُتَّ منْ أجْلهِ...
سيأتِي لا محالةَ
اليومُ الذي يُكتَبُ اسمُكَ في أوّلِ صفحاتِ الكتُبِ المدرسيةِ
حيثُ سيتعلَّمُ الجيلُ الجديدُ منْكَ درْسَ الحرّيةِ وحُبَّ الوطنِ
حينما كُنتَ تسخَرُ من أدواتِ التعذيبِ
ولنْ يندهِشَ أطفالُنا ذاتَ يومٍ
منَ الذين زوَّرُوا أملَكَ في مكافحةِ الخوفِ،
وبعوضِ النّفاقِ  
ولكنْ وأنتَ تجفّفُ دموعَ أمّكَ،
بدمِكَ، وتهدُمُ بصبْرِ الأمّهاتِ
كلَّ جدرانِ العراقِ التي ضاقتْ عليْنا بعدَكَ.
فأنتَ معادلَةُ الحقِّ والحلُمِ،
في نَوْمٍ يسرُقُ الأرقَ حقيقة ما دوَّنهُ العالمُ منْ نفاياتٍ
و... أكاذيبِ الحكاياتِ([5]).


[1]  الروائي حسن مطلَك الكاتب العراقي الوحيد الذي صدر بحقه حكم الاعدام شنقا أثناء حكم النظام البعثي في العراق . وقد استشهد عام 1990 وذلك بسبب اشتراكه في المحاولة الانقلابية ضد نظام صدام.
[2]  الشرقاط هو لواء كان تابعاً لمحافظة الموصل في العراق ولكنه أُلحق بتكريت في نهاية الثمانينيات، ويمتاز بانتماء غالبية مواطنيه الى قبيلة الجبور وهي أكبر قبيلة في العراق يترواح عدد أفرادها حوالي الستة ملايين.
[3]  محسن الرملي هو قاص وروائي عراقي، وهو شقيق  الشهيد الروائي حسن مطلَك.
[4] الطنطل هو شخصية اسطورية في الخيال الشعبي العراقي يشابه في ضخامته هرقل، والسعلوة هي شخصية شريرة أسطورية من نسيج الخيال الشعبي أيضاً، يُستخدمان في إخافة الأطفال، وهما شخصيتان يمثلان الرعب والخوف.
[5] موقع الشهيد حسن مطلَك  يضيء رموز هذا النص: Hassan  Mutlak حسن مطلَك: hassanmutlak.blogspot.com
-----------------------------------
*من ديوان (أنا والجنّةُ تَحْتَ قَدَمَيْكِ) للشاعرة العراقية أمل الجبوري، والصادر عن دار الساقي 2013 بيروت.
 
 
 

22‏/04‏/2013

اليأس بَدَل القلب / حسن مطلك

نص غير منشور سابقاً
اليأس بديلاً عن كلمة القلب
حسن مطلك
تموز 1988

ثمة ما يُخيف، ليس اكتشاف العلاقة الشِعرية في عالم الصخور، بل منطقة التوتر المريح مقابل أشكال الدرهم بين الناس، تبدل صورة الفجيعة في نشرات الأخبار، انسحاق الإنسان، الانسحاق...
هناك كلمة أخرى: (اللاجدوى) التي لم تعد تخيفني كما أخافت السيد (بيكيت) و(كامو) و(باسكال).. إنها بديهية الوجود، الكلمة الأولى، حجر الزاوية في بناء العالم.. ولكن المباغتة التي أخذت هؤلاء كانت أكبر من التصديق. أحدهم (هيدجر) اكتشف "أننا موجودون لأجل الموت".. فما الفرق بين هذا وبين آخر يكتشف أننا نتنفس. حقاً، ان من أصعب الأمور أن نبرهن بديهية معينة، ولكن، علينا أن نعرف جميعاً أن ثمة أمر يمكن اكتشافه على الدوام: "نحن" الكلية، تعني: أننا، أو (أنني) وجود غير قابل للنفاد، وجود ممتد، ضخم، بلا حدود، وأن مشكلة (الموت) هي مشكلة جزئية بالنسبة للأنا، إنها ليست المشكلة الوحيدة، ولو أنها مشكلة رئيسية، فهناك مشاكل أخرى، مثل: من أنا قبل أن أموت؟.
إنني أنبثق من هذا الحطام الرهيب، والاستعجال بالإجابة هو محاولة لإراحة الوعي الشقي. الخروج من هذا اليأس، إلى يأس ذي قوة.
الصيرورة، واحدة من أهم إنجازات العقل، ولكن الإنجاز لأعظم هو أن نعي تماماً، وبلا خوف، بأننا وصلنا إلى اليأس.
إنني أمتلك شعوراً هائلاً: أن كلمة (يأس) بالنسبة لي، بديل عن كلمة (قلب) التي هي أكثر الكلمات عربية، أكثر الكلمات ضعفاً.. إنها خرق كُمثري في حائط الكينونة. لقد اكتشفت أخيراً أن أكثر الأفكار تجريدية وجفافاً تأتي من الشعور.
هناك الفينمولوجيا، ان فكرة الأنا هي الشعور الحرج بأنني أستطيع مخاطبة العالم، حتى لو تطلب الأمر أن أتصور وعياً آخر يتصور وعيي لأول، وهذا هو (ديكارت) في الكوجيتو.
ملاحظة: إن المؤشر الدقيق على عظمة مفكر ما، هو أنه لا يمكن إدانته إلا بعد أن يموت.
-------------------------
*نشر في صحيفة (العالم) العراقية، العدد 800 بتاريخ 22/4/2013م
 

13‏/04‏/2013

أو كما قال حسن مُطلَك / نص: بلقيس الملحم

نص
أو كما قال حسن مُطلَك!
بلقيس الملحم
كنتُ في نزهة من نفسي اللحوحة بالتشكي، وقد رأفت بي حالا حين اتفقت معي على استراحة من ضجيج العصافير التي احتشدت في شجرة النبق الكبيرة قبيل الغر، فانزويت عنها وعنِّي لصق بحيرة لم يطأها بشر على حد علمي، ولما شربتُ من نبع سقف النجوم، تدحرجت تفاحة ناضجة نحوي، فاستقرت إلى نصفين حادين، ومما أثار دهشتي أن نصفَي التفاحة أخذا في حوار طويل بينهما.. كنت أسمع بعضه، ويخفى علي بعضه الآخر، قد حفظت ما سأرويه لكم بطريق المشافهة عن فلان، عن فلان, عن فلان..... ثنا.. عن حسن مطلك:

غطِّ وجهكَ بالكتاب، وتخيل بأنك تكذب، لا عيب في الكذب، امضغ خبزتك، وقضم ريقك الذي سيُذكِّركَ بها، التفاحة أخرجت آدم من الجنة، وعلى البرتقالة أن تعيده إليها، المخلص آدم قبَّل شفتيها حين وصلا في نقطة واحدة من التفاحة المأكولة، حينها قال لها: سأسعى لكي تكوني نقية أمام نفسك أولا، ثم أمام الناس!! لن تكوني المرأة التي ظن الناس بأنها تنتهي ببقعة الدم على الفراش، وصناديق الزينة الموصودة، وزغاريد العرس الأبدي.. سأذكر جيدا بأني امتطيتُ حصانا بسرج صغير، وبأني ناصفتك الملح، والطاولة، والحبر، والأسئلة، أنا من صرت برأس حزين حين أفقتُ على زواجي المخدوع بصورتك دونك، ولكني إيمانا بك سأضاجع صورتك، وسأركض على الحائط..
------------------------------------
*هامش:
هذا الرجل لا تكفيه السطور!
حسن مطلك أديب وشاعر عراقي، كتب أجمل الروايات التي لن تكرر، فهو منفرد بأسلوبه فيها، كما كتب القصيدة والنثر ومن أهم مؤلفاته: دابادا، قوة الضحك في أورا، كتاب الحب، وديوان شعري: أقنعه أنا وانتِ والبلاد..
وغيرها من الأعمال. أعدمه النظام البائد بتاريخ 18/7/1990م ولم يتجاوز الثلاثين من عمره! .. ثكلتك يا عراق!!
وقد كتبتُ هذا النص بعد قراءتي لأعماله وإعجابي الكبير لما خلفه من تركة أدبية رائعة، فوجدت نفسي أحفظ شيئا مما كنت أقرأه وقد خلطته بما أملاه علي الوحي.. لذا عنونت النص بـ : أو كما قال حسن مطلك!
------------------------------------
*نشرت في مركز (النور) بتاريخ 6/3/2010م.
بلقيس الملحم

حسن مطلك / قصيدة: علاء المحياوي

قصيدة
حسن مُطلك
علاء المحياوي

كان يظنُّ بأنَّ سماءَ عيونهِ

مُهيّأة لمرور طيور من الذهب..

لذا كان صعباً عليهِ تحاشي عيون البشَر

والجزم

بأن جميع العيون بنادق..

كيف يُبارحُ بحراً

ظَفَرتهُ عيون الصبايا لهُ..

موجه الذي أغرق كل مراكبه..

قد تمدُّ رمال الليالي لهُ يدها برضاه

قد يعبرُ النخل على عَجلٍ

من أمام مراياه

لكن حكمته الصادقة

لو كذبت مرة ثم لو كذبت مرة

لو مرة قذفت بمباهج أوهامها خلف ليل بعيد

واختَرَعت أفقاً يتسعُ

لكل حمولة أحلامها..

لكنه كان يجيءُ مراراً ولا ينتبه..

لا ينتبه

لبقايا قامةٍ فتَّتَها أجساد العابرين...

--------------------------------------------
*نشرت في (الحوار المتمدن) بتاريخ 11/4/2013م.

24‏/03‏/2013

كتابٌ يُقرأ لمرات.. مدهش ولا يُنسى / صالحة حسن

كتابٌ يُقرأ لمرات.. مدهش ولا يُنسى
صالحة حسن
(كتاب الحب.. ظِلالهن على الأرض) هو كتابٌ عن الحب أولا وعن الإنسان والفكرة.. وهو أيضاً، وبلا شك، عن حسن مطلك أولا وأخيرا.. شخصٌ يدرك نفسه جيداً.. ويدرك لحظات الارتباكات والتعثر.. ويدرك إلى أين يريد أن يصل في الحب والحياة وكيف أنهما لا ينفصلان عن بعضهما ولا يتنازل أي منهما للآخر.. وهو ما يتوصل إليه الإنسان بعد رحلة تعب ونبش طويلة داخل الذات.. المليئة بالأشواك والمؤثرات الداخلية والخارجية معاً.
هو هنا كيانٌ وزع على لفظات وانفعالات وكلمات.. على مرحلتين.. أحببت في الأولى الموضوعية في التحليل والتأمل والتناول مع غرابة اللفظة واستخدام المركب المختلف منها وأسرني في الجزء الثاني من الكتاب ذلك الحب الكامل بالعواطف وليس بالظروف وهو ما يكتشفه القارىء... هدى في حسن مطلك كانت الأنثى مجردة من أي شيء آخر.. كيان حر له وعليه.. الرسائل كانت مفعمة لأبعد حد بالصدق، بالنزق، بالثورة، بالوفاء، بالاحباط، بالتوهج، بالغضب.. وغيرها مما فرضه الحب على مطلك في تلك المرحلة.
لفت انتباهي أيضا ادراج رسائل هدى إلى مطلك.. وكيف أنه استطاع أن يحيلها إلى كيان مشبوب بالعاطفة..العميقة .. كما أوجعتني بحق رسالتها الأخيرة إلى دكتور محسن الرملي بعد أن استوعبت فاجعة إعدام حسن وأنه اخيرا انتهى للعدم الذي لا عودة بعده .
لغة حسن مطلك متقنه وتميل إلى عرض العادي بطريقة مؤثرة تماماً كما عبر عن ذلك في إحدى رسائله لهدى قائلاً: "وأنت منذ التقيتك تتحدثين بلغة الأشياء الميته، لغة الناس الذين لم يتعبوا كما تعبت، تقولين مثلاً: "أن للكرسي أربعة أرجل أو تقولين مثلاً بأنك ذهبت إلى السوق بالسيارة، وبعد؟.. لا بأس، ولكن حدثيني عن الكرسي والسيارة بطريقة مختلفة".
هناك نقطة افتقدتها في الكتاب، الوضع المحيط بمطلك لم يكن واضحاً.. وأعني ما كانت تمر به المنطقة سياسياً واقليمياً لم ينعكس على الرسائل سواء في الجزء الأول منه وهو يسرد تحركاته وتأملاته أو في الجزء الثاني الذي جالت فيه الرسائل أغلب الأمور إلا هذه الأراء.. التي أتوقع أن مطلك كان من أكبر الساخطين عليها وهو ما أدى به إلى ذلك الإعدام الغادر.  
أخيرا هو كتابٌ يُقرأ لمرات، كلما شعرت بأنك قد اختنقت من كمية قراءات دسمة.. إنه مدهش ولا يُنسى.
----------------------------------
*صالحة عبيد حسن: كاتبة إماراتية، من أعمالها: (زهايمر) و(ساعي السعادة).
**نشر في موقع (Goodread) بتاريخ 1/10/2012م