04‏/10‏/2009

تكريم لحسن مطلك../ دريد أحمد

بدايات لتكريم حسن مطلك في قريته


خاص- سديرة 2004 آذار/
من دريد أحمد

حال سقوط النظام الدكتاتوري السابق كشفت قرية سُديرة / شمال العراق، التي أنجبت الروائي حسن مطلك صاحب رواية (دابادا) الشهيرة (الذي أعدمه النظام العراقي السابق في 18 تموز 1990 إثر اشتراكه في محاولة انقلابية)، كشفت عن وجهها الثقافي الذي حجبته منذ صدمتها بغيابه، فسارع مثقفيها إلى تأسيس منتدى سديرة الثقافي ضاماً معظم قرى الساحل الأيسر، وكان نشاطه الأول هو الاحتفاء التأبيني والتكريمي الكبير بالمبدعين الأديبين الراحلين حسن مطلك وإبراهيم حسن ناصر، وقد حضر هذا الحفل عدد غفير من المثقفين والمبدعين الذين توافدوا إلى قرية سديرة من مختلف القرى والمدن المجاورة فجاءوا من الشرقاط والموصل والقيارة والزاب الأسفل وغيرها، شعراء وأكاديميين وكتاب قصة وفنانين وسياسيين وغيرهم.. ممن أحاط بهم جمهور غفير فاق التوقعات.


كما أنه لم يكن من المستغرب أن يسارع أبناء قرية (سُديرة الوسطى) قرية مسقط رأس حسن مطلك، والذين أطلق الكثير منهم اسمه على مواليدهم الجدد كنوع من التحدي أيام الدكتاتورية، لم يكن مستغرب منهم أن يرفعوا اسمه على أول مؤسسة رسمية عامة يتم تشيدها، بعد زوال الدكتاتورية، في قريتهم والتي ، وإن كانت للأسف، مركزاً للشرطة حمل اسم الشهيد حسن مطلك، معتبرين أن هذا الأمر لا يعدوا أكثر من كونه بداية بسيطة لتكريم مبدعهم الرمز وابن قريتهم الذي يعتزون به.

كما عقد منتدى سديرة الثقافي أمسية كبيرة ثانية مخصصة وشاملة عن رواية (دابادا) قام فيها باستضافة الكاتب الدكتور محسن الرملي شقيق المؤلف حسن مطلك والذي جاء ـ بعد أكثر من عشرة أعوام من الغياب ـ عائداً في زيارة إلى أهله وذويه وقريته من مغتربه الإسباني. فتحدث الدكتور الرملي عن رواية دابادا وعن مؤلفها بإسهاب وأجاب على مختلف الأسئلة التي وجهها إليه الجمهور الغفير والذي جمع بين صفوفه العديد من الوجوه الثقافية والأكاديمية والسياسية والفنية في المنطقة الممتدة من ناحية الزاب الأسفل وحتى قضاء الشرقاط.
هذا عدا الكثير مما نشره أصدقاء وطلاب ومعارف حسن مطلك عنه في مختلف الصحف المحلية التي صدرت حرة في المرحلة الجديدة، إضافة إلى عزم بعض طلاب الدراسات العليا على تناول أعماله في رسائلهم للماجستير والدكتوراه بعد أن صاروا يتمتعون بالحرية للصراخ باسمه علناً وهم يعبرون عن نيتهم بمواصلة مسلسل تكريمه، وإقامة مهرجان سنوي ومسابقات للقصة باسمه، معتبرين إياه قدوة ومثلاً أعلى لهم ورمزاً مشرفاً لهوية منطقتهم ووطنهم العراق.

احتفاء / هلال العبيدي

قرية حسن مطلك تحتفي بذكراه

" ما الأسد إلا مجموعة خراف مهضومة "

هلال حمود العبيدي

إحدى العبارات التي طالما كان يجيب بها الكاتب الروائي "حسن مطلك" قد تم استذكارها ضمن الكثير من عباراته، نتاجاته، مواقفه من النظام السابق، وذلك في حفل جدد فيه مثقفو قريته (سديرة) التابعة لقضاء (الشرقاط) ذكرى رحيل المبدع "حسن مطلك" الذي أُعدِم في بغداد بتاريخ (18/7/1990) لاشتراكه في محاولة لقلب نظام الحكم، هو وكوكبة من الضباط والأكاديميين والمثقفين من أبناء سديرة حيث تم الحكم بإعدام (سبعة عشر) وبالحكم المؤبد على (عشرة) خلف جدران "سجن أبي غريب"، وغالبيتهم ممن ينتسبون إلى عشيرة "الجبور" التي تشكل (90%)من سكان قضاء الشرقاط.
وقد أقيم الحفل التكريمي في دار المشرف على "منتدى سديرة الثقافي" عبد محمد جرو الذي طوى سنين السجن بالحكم عليه "مدى الحياة" من قبل "محكمة الثورة" إلى جانب ثوار حركة السادس من كانون، أقيم إحياء الذكرى في مساء (18/7/2006) لمرور "ستة عشر عاماً" على غياب هذا الإنسان الحاضر بنتاجه، والذي لازال نجماً وهاجاً في سماء الإبداع، وتكريماً للروائي "حسن مطلك" ولما ترك من إرث ثقافي محاولاً فيه "تحدي قدسية التراث الروائي بأكمله" من خلال رواية "دابادا" التي يصفها بأنها "تشبه قصيدة غليظة مشحونة بحس الفجيعة المضحك، غائرة في التراث الاجتماعي لسكان وادي الرافدين حتى عصر أشور بانيبال". وربما "كانت تمريناً شاقاً لتعلم الخطأ" كما يصفها كاتبها الذي يقول أنه "كتبها ليحمي نفسه من القراء" حيث تم تناول نتاجات "حسن مطلك" ضمن أطروحة الدكتوراه للطالب (عبد الرحمن محمد حمود الجبوري) المسئول الثقافي لمنتدى سديرة، وتم إطلاق اسم (قرية حسن مطلك) كأسم آخر لقرية سديرة، بعدما تم تسمية مركزاً للشرطة باسم "مركز شرطة الشهيد حسن مطلك" إضافة إلى تسمية العشرات من المولودين حديثاً باسم "حسن". وقد استعرضت مجموعة من أعضاء منتدى سديرة الثقافي سيرة حياة المبدع "حسن مطلك" ونتاجاته الأدبية والشعرية وأهم لوحاته الفنية التي رسمها ومعارضه الشخصية التي أقامها وحبه للقرية، وقد وردت عبارة طالما كان يجيب بها "حسن مطلك" مشجعا وداعياً للقراءة المستمرة والمواصلة في قراءة المطبوعات،أي أن موقفة ثابت بكون الكاتب هو نتاج لما يقرأ ويطعم الذهن برفده من خلال القراءة المستمرة.
قص عبد محمد جرو على الحضور "أن حسن مطلك كان شجاعاً ومؤمناً بضرورة التغيير حتى ونحن في زنزانات الموت التي جردت من النور والرحمة والماء والهواء، والتي أخذت موقعاً تحت الأرض لعدة أمتار، وأن المبدع لم يغير موقفة من حتمية التغيير وأن النظام السابق قد حطم العراق وأهله، وكمّ على أفواه الجميع ووثق الأيادي وقيد حرية القلم. ودفاعاً عن حرية قلمه راح مضحياً بأغلى ما يملك ليعلن تحديه بوجه أعتى نظام عرفة تاريخ العراق".
رحل حسن مطلك تاركاً أصدقاءه ومحبيه وأهله وبناته "مروة وسارة" وأخواته" ملكة وكاظمية وربية وحسنة وحمدية" وإخوانه أحمد وحسين و د.محسن الرملي المقيم في أسبانيا منذ أكثر من عشر سنين. وصاح "بوم الحزن" في ذلك اليوم "التموزي" الذي لم "تقيل" أحزان النائحات فيه، حيث توافدت "العجائز" إلى "مقبرة القرية"، وتحف الموجودين عناصر "المخابرات والأمن" التي منعت أهل الشهداء من إقامة مجلساً للعزاء، وإنهم قد دفعوا ثمن الرصاصات التي أُطلقت على صدور الضباط والعسكريين عند تسلم جثث الضحايا من "سجن أبي غريب" القسم الخاص بـ"السياسيين"، أما المدنين فكانت طريقة الإعدام شنقاً حتى الموت.
قرأ الكاتب إدريس حسين إسماعيل نصوصاً منتخبة من رواية "دابادا" على الحاضرين ومنها:
"يقول الأحياء أن الحياة صعبة. ما أروع أن تكون صعبة!! وهم الأحياء في كل مكان من الكرة الأرضية، يعرفون أسماء بعضهم بعضاً: البشر، الناس، الآخرون. كلهم آخرون بالنسبة لبعضهم. المرء. الإنسان الذي يفتح عينيه صباحاً فلا يجد غير بخار الشاي فيُصعد إيماءاته اللامجدية مالئاً الفراغ بتنفس مسموع لكي يعترف لنفسه بملكية الشهيق".(ص58 دابادا). واصفاً نساء في قريته "ثمة نساء، ذكريات نساء تقريبا. نساء ميتات يحتضن أطفالاً موتى تحت المطر وعواصف الغبار ومياه البطيخ المسروق كل يوم بفضل الشموس الحارة المسروقة أيضاً من الاستواء".(ص98 دابادا).
عبارات جادت بها أنامل المبدع حسن مطلك والذي يقول أيضاً: "منذ عشرين عاما، تصعد إليه يوميا: ألا تفطر؟. فينزل إلى اللبن وبخار الشاي، ويسمع نشرات الأخبار الأولى: "زلازل أمريكا اللاتينية. فيضانات الهند. عمليات الفدائيين العرب. محادثات نزع السلاح النووي. قرارات مجلس الأمن. الإرهاب العالمي. مخدرات. تجسس. انقلابات. حوادث عنف. مجاعات السود. فضائح سياسية. تمييز عنصري. إرهاب. إرهاب. فساد….الخ" (ص95 دابادا) مضيفاً، على مسامع الحاضرين ومحبي الكاتب، فيقول:"يتوقف الصوت فجأة، وتتوقف الأسئلة، أو تضمحل تقريبا. يمد ذراعيه فلا تصلان. ليس ثمة حائط أو عمود أو خزانة جسد أو بقرة.. لا شيء تقريباً. ظلمة. سواد. هوّة خانقة، لذا فكر بان تجربة اليومين الماضيين… أية تجربة؟ فكر بأنه ميت. أين الباب؟ هل من سقف لهذا السواد؟ أسئلة ضائعة. يسال من؟ ومن يجيب….؟...... كان الصوت يضمحل ـ انتهاء الشاي.. يضمحل ـ جفاف الغدران.. يضمحل العمر.... أين عظام البشر؟. يقول: هذا الظلام. ويرى الظلام. الظلام. انطفاء الضحك، وعد بلا إثارة ـ مجرد دعابة جافة تؤدي إلى الثقوب مغلقة حيث مستنقع البرد والسكون. تأتي جميع الصور والذكريات والأحلام والمخاوف والمشاعر والأفكار في لحظة واحدة. وتذهب اللغة فيعتقد بأنه ميت ولذلك يصرخ هذه الصرخات لكي يسمع نفسه. ويتأكد بأنه ينطق ويسمع. فيقول: هذا الظلام الحق المخيف الجارح الآسر المفردات ـ تجاوزها... الصعوبة كانت القوة مرحلة المرض في المفردة الصغيرة يمكن ذلك، عضو من الأعضاء يمكن الاستغناء عنها كالقلب المكروه؛ كما هو مؤلم جدير بالقذف ـ ستبقى دائما على السطح دائماً دائماً..دا ... إلا إذا كانت الخوارق شيء كثيف هابط ممتزج بوجوه الثعالب والأصدقاء ويبقى السر لحظة أخيرة من النزع حركة سكين الذبح باب المذبح، باب.. بابا.. با... لأجل الألم يقترن بانغراز الأصابع في فروة الشعر لكنها تنشر ولا تجف لأنها مباحة دائما دائم.. دا...قل... وبـ...عسى...لا... لو... فردا...دا..با..دا تحيات العمق... داف.... دابادا... دابادا.. تأتي صور أخرى. صرخة بلا حبور. وتذهب خيوط اللغة: هذا القيد شكل الرداء حالة البشر ـ الدمعة اكتشاف حديث. وما هو ضد الرداء ضد الرداء... ادفعوا هذا السواد.. ضد الجمال نفسه والموتى تحوّل إلى الوجه إلى رداء...رداء ...رداء...دا..."(ص161 دابادا)
وانتقل بالحضور القاص صالح حسن سلامة، إلى مقاطع مما كتبه حسن مطلك في قصته (عرانيس) الفائزة بالجائزة الأولى عام (1983) حيث قرأ عدة مقاطع جاء من بينها:"الناي يناديه وينسرب صوته في مسامه، تنتابه بين الحين والآخر لحظة ولحظة رعدة خفيفة كلما أوغلت الأنغام في الرقة. الفوانيس الحمراء في حقول الذرة لفلاحين لم يرجعوا بعد إلى البيوت.. والقرية تغرق في سكون تام، نام بعض الناس ومازال بعضهم يشرب الشاي أو القهوة وينثر الأحاديث له. القرية آمنة عند أقدام جبل "مكحول" تسلم نفسها لحبه دون مقاومة، والظلمة الفضية تهرول بين الأشجار وعلى حوافي نهر الزاب الأسفل، هجعت العنادل والحمائم واستفاق الدود والصراصير من سبات النهار فراش الحقول القريبة وبراغيث الأحراش وحشرات غدران الري ترتمي على ضياء الفوانيس الحمراء الراقصة.. تهرب تلك الكائنات بينما يدخل هو مملكتها.". مضيفاً فيما يقرأ بصوت عال وعيون دامعة على فقيد محبي الأدب: "كانت تنظر إلى رؤوس العرانيس بجذل، أنها تعرف أن الحصاد وفير هذا العام أوفر من أي عام مضى وإنها لابد أن تخفف عن أبيها بعض العبء. مازال يزحف بحذر جهة الصوت بدأ يراها فوق الصخور، تمنى لو يتعرى جسدها، لو تسبح في الغدير مثل بطة، لو ينسكب الجسد الأبيض كالحليب في الماء.. لكنها حذرة حتى في وحدتها. فكر لو يغرق نفسه أمامها، غير أن سرعان ما استخف بالفكرة. نهضت بخفة ففزعت بطيطات الماء ونثرت قطرات صافية فوق الغدير ثم حطت من جديد. طار سرب العصافير محدثاً عاصفة رمادية في الفضاء. نظرت سليمة باندهاش إلى صفاء السماء كأنها تراها لأول مرة. انفرج ظل ابتسامة فضاقت العينان السوداوان.. صعدت فوق كومة الصخور منصبة على أطراف أصابعها وأرسلت ببصرها باتجاه القرية بعد أن وضعت كفها فوق الجبين مظلة، أبصرت صويحباتها ينحدرن من بين التلال. صاحت بفرح ثم قفزت إلى الماء. خاف الذي كان يرقبها وخمن أنها ستكشفه أثناء عودتها إلى قدم الحقل.. أراد أن يهرب فماجت رماح الذرة بعنف محدثة صوت تكسر وقرقعة، مكث منطرحاً على الأرض الموحلة وقال لنفسه:ـ يا الهي.. هل رأتني؟.
زحف إلى الأمام مسافة قصيرة فاصطدم بشيء صلب، تلمسه.. انه ساق بشرية. نظر إلى فوق، تراجع مرتبكا ثم جلس:ـ سليمة؟!.
كانت تهزأ به ونظراتها تنوي التهامه، ابتسامتها تقطر سخرية به. لم تنطق في البداية غير أنها وضعت يديها على خصرها.
ـ عفوك يا سليمة.. كـ.. كـ.. كنت أمر من هنا.. عفوك..".
وقد اختتم الحفل التأبيني الخاص بذكرى رحيل الأديب "حسن مطلك" الكاتب نجم ذياب رمضان من خلال مقاطع وكلمات أخرى انتخبها من رواية (قوة الضحك في أورا) لحسن مطلك.
--------------------------------------------------------
*نشرت في صحيفة (المدينة) العدد 26 سنة 2006م ـ العراق.

قصيدة / فهد عنتر عبود

قصيدة

دابادا تنهض من جديد..


فهد عنتر عبود

.. إلى محسن الرملي في غربته التي لا تنتهي.

صمت، صمت، صمت
وخرق لا يعبأ بالضجيج
وحزن لا يأبه بالمصير
وسحابة تحط على الأديم
منذ فجر السلالات
وقلعة آشور تخلع ثياب الحزن
وتتزين بعصر المرئيات والفضائيات
وحسن مطلق عنان دابادا
متجاهلا عصر القاذفات والراجمات
تفسد لذة صهيل الفجر
وغابة مترعة بالسؤدد
لامست طيف أحلامي
ولكنني لم أر الحب، خلته سرابْ..!
يتطاول بعثه مضنياً
في طرقات المدمنين
أو النازحين،
وجدت نفسي كما هم وثنيون حاذقون
كقلوب الفراعنة
تخطفهم رؤى الحداد
ونفسي لازالت كما هم، خلتها طليقة....
كطير معصوم من الذبح
أجرع ولع السنين
بقلمي.!
وانفض غبار الآهات عن قدمي
من يمنح الدفء للمرافئ ؟
غير الصمت
ومن يكسو العاريات في مدن السحت ؟
وأذرع تمسد أعناق الراحلات في مدن الغلاة
كأنبوب محتقن.
ربما من أثر الركلات طافت الأجساد على خراطيم الفضاء
وتعامد الليل سيفا على كاهل الغرباء
ظلام ... ظلام ... ظلام
لم تجن هذي الأرض غير الرقاد
وتراتيل
ونبوءات
وصلوات.
والمواسم اقتيدت
تضاجع الجناة والقضاة
فكيف نحفل بزهو الأماني
أبألق الحانات ؟
ترنيمة في الآفاق وزعيق ينحدر في الأعماق
وحشود كصراصير الخلاء
جففت ينابيع البكاء
ونضبت أهازيج البغي
ولم ترمق الأعين خطايا العقلاء
واستبد الجلادون بإرث المحرومين
وتداعت بعنف أزمنةٌ الوعي،
واضمحلت شفاه امرأة نحب
وحصد (القائد) خطايا الأبرياء
وشطبت من الذاكرة دواوين الشعر
واستحال الحب وهماً.
-----------------------------------------------
*فهد عنتر عبود: شاعر عراقي. fahad_anterr@yahoo.com
*نشرت في صحيفة (الاتجاه الآخر) العدد 180 بتاريخ 31/7/2004 العراق.

ذكرى ومرثية / عبدالله الرمضان

ذكرى عن مفردة دابادا

ومراثي لـ حسن مطلك

عبدالله محمد الرمضان
دابادا تشبه معركة، كان بطلها ومنفذ عملياتها ومروض حروفها حسن مطلك الذي وافانا بكل شيء فيها. وعن مفردة دابادا أعتقد، ووفق ذاكرتي، بأن منبعها من ( داه .. باه .. داه ) وهي كلمة كان يعرفها ذلك المجلس القروي المزدحم صباحاً، عصراً لاحتساء القهوة. وقائلها هو ذلك الشيخ الجليل الكهل ( الملا مطلك الروضان ـ والد حسن مطلك ) الذي نذر حياته في بناء وإمامة مسجد سديرة وفي فض النزاعات العشائرية وكان عالماً بأمور الدين، فإذا ما تحدث أحد الحضور أمامه كان يصغي بكليته، حتى وإن لم يكن يتفق مع محتوى القول، ويتحسس الكلام من نبرة الصوت فيشخص اللغو والزلل واللغط ويبقى صامتاً حتى يتم المتحدث كلامه ثم يعقب الملا مطلك الروضان دون تردد: " باه.. داه.. باه.. داه.. داه.. ". كان الملا يحترمني رغم صغر سني لأنني كنت ملازماً للمسجد. تطفلت مرة وبجرأة غير عادية مستفسراً عما يعنيه بلفظة: داه.. باه..؟. فقال: لتكن إذاً، سر بيني وبينك ولا تخبر بها أحداً حتى أفارقكم بلا عودة. فكلمة (باه) هو مطلع أو إيجاز لكلمة (باهت) التي تعني في أصلها العربي البهتان وفي العامية تعني الذي بلا ملح، تطلق على الطعام وعلى الأشخاص مجازاً أيضاً تعبيراً عن خلوهم من الطعم والمعنى. وكلمة (داه) تشير إلى (الدهاء ـ داهية) وخاصة في المراوغة أو الخداع. وكان الملا يرددهما بشكل متواصل مستمراً دون انقطاع حتى يأخذ الاحمرار وجنتيه، ويواصلها بحجم رفضه للحديث المراوغ والكاذب، فيعيدها: داه.. باه.. داه.. إلى عشرة مرات أحياناً.. أي، وبأسلوب مهذب يلمح ولا يصرح قاصداً: يا هذا لا تكثر من هذا الكلام الذي نحن في غنى عنه.
قدِم الشهيد حسن مطلك، ذات مرة، إلى المجلس عصراً مبتدءاً بالسلام. كنت حينها أجلس في طرف المجلس لأنني دون سن البلوغ، فرمق المرحوم الملا مطلك ولده بنظرة لا رضاء فيها. كان الشهيد حسن لحظتها قد صفف ودهن شعر رأسه بالطيب وعطر زيتي، ويداه نظيفتان بلا آثار عمل ما، فصاح به والده:" باه.. داه.. باه.. داه.. يَوَل ما يصير منّك شي.. يمشيط العرايس ". أي ( يا أنتَ لا يُرتجى منكَ شيئاً.. يا مشيط ـ مصغر كلمة مشط ـ العرائس). فقفل حسن راجعاً يحمل معه الخجل الذي صبغ وجهه. وبعد أيام التقيت بحسن قرب ( زَل ـ حقل قصب ـ البو حلاب) فقال: يا عبدالله سأجعل من كلمة والدي هذه بمثابة نقطة.. بل خط بداية وسأحتفظ بها حتى أهيئ كنانتي وأضع فيها سهامي معلقاً قوسي في رقبتي.
مضى الزمن وراحت نواعيره تأسر المياه عنوة.. فتمخضت الأعوام عن الرواية الكبيرة دابادا (الداه باه داه) تحمل في مضامينها الكثير من الماضي والمستقبل.

---------------------------------------

مرثية لـ حسن مطلك

"الرثاء بعد الفاجعة.. جُبن الراثي"

عبدالله محمد الرمضان

منذ صغري.. من وكر مهدي الأول.. سالت دمعتي من جفنيك يا حسن.
أحبَكَ الآلاف.. لك واحتضن.. من حنان أبويك.. من سُديرة.. فصرت عنوان المحن.
ازدان عقلك.. غاو دربك.. راح اسمك.. وأبى قلمك إلا أن يُصّن.
إيه.. يا سُديرة.. يا ملاذي.. يا هواي.. أنتِ ستري فيكِ يُنسج لي كفن.
أنتِ دمعي.. أنتِ جرحي.. أنتِ كلي.. أنتِ صبحي في الظلام.. في فضاء الكون ولم أكن.
غاب.. غاب.. غاب عن عينيّ حسن.
كم كتبتَ.. كم رسمتَ.. كم هزجتَ.. كم.. وكم.. وكم دُفِن.
هالني صمت رهيب، عندما حل المغيب، وجرحت من دموعي تربة كانت وطن.
حسن أي ذنب قد جنى.. هل.. هل قتل.. هل دنا.. الجاني الفاعل إذاً
في ربيع العمر راح.. يلعق سيل الجراح.. هل خاف منهم؟.. هل ناح. لا.. لا.. باسماً.. هازئاً من هذا الزمن.
أهلُك.. محيطك.. بحرك.. نهرك.. تُبحر فيه بواخر، ناقلات، سُفن بلا سَفَن.
إيه يا روع حلمي.. راح يُدمي.. كل عقلي صار وهمي.. والفكر مني قد وهن.
إيه دابادا.. عنادا.. دادا.. فنادى.. حرف ضادا.. فتصادى.. راح يحدو للضعن.
بين شطيك دجلة.. ضاءت الأمواج شعلة.. هذه الأجساد تبلى.. وتبقى أنت ثروة يا حسن.
بكيت.. تمنيت بين أقراني حسن.. لم أكن أعلم أن هكذا يغدر زمن.
قال لي من زمان.. يا ابن جدي رمضان.. فات الأوان.. أصبح الموت مجان.. طالما الشيطان سكن.
يبقى القلب يحتويك.. القبر يأويك.. الله يحميك.. عندما الميزان يَزن.
يا وادي الضباع.. يا نبرة الوداع.. غاب عن أذني السماع.. من يتكلم، إذاً، سوف يُجن.
من مد الحبل إلى عنقك.. معصميك، رجليك. من عصب عينيك، رصاص، بارود.. أيكفيك؟.
الكل يعرف.. أنا.. أنتم.. هم.. والجبنُ لثأرك بلا حدود.. لا تستغث بنا.. لا نستطيع.. لا.. ولن.. ولن..
لكن حكم القدر.. لا يبقي ولا يذر.. غداً قصاص البشر.. والقاتل للقتل امتهن.
حسن.. محسن.. هذا زمن فِتن.. وطن.. فن.. يكن.. سَفَن.. طعن.. الكل ملفوف في كفن.

---------------------------

يا حسن.. أخاطب أخيك من خلالك

يا حسن أبكيك ولكن.. كيف أبكي يا حسن
يا حسن جرحي عميق.. كيف جرحك من يظُن
كنتَ للكاتب قراءة.. كنت بحراً للسُفُن
كنتَ يوماً للحياة.. كنتَ عطراً للزمن.
كنتَ كفاً للمصافِح، كنتَ سيفَ ذي يزن.. كنت صبراً للمصائب عندما الموت يكن
كنتَ صوتاً للمنادي، كنتَ للسامع أُذن.. كنتَ ابناً للجميع همكَ الأول وطن
يا أبا مروة.. عزيزي.. هل بقى اسمك حَسَن ؟!.
جئتُ أحدو للأمل.. وصلتُ قبل أن أصل.. والحضور على عجل.. فخجل الصوت بحضرة بطل
إن هذا الكون ملفوفاً في كفن.
وجوم، سكوت، لا أمل.. لن يعود لن يصل.. نجمنا الساطع أفل.. حكَم الأجل.. وجيادٌ عارمات
كيف في السوح بكن.. كبن.. كبن..
أنا في مثواك أنادي.. يا ربيعاً للبوادي.. يا حسن أنتَ مُرادي.. أنتَ لبٌ في فؤادي.
تبقى .. وتبقى.. وتبقى نبراس عزمنا في المحن.
أنتَ رمزٌ.. أنتَ للكل كتاب.. أنتَ درع مَن يهاب.. يا حسن.. ما ذا المصاب!.. بعدك الكل خراب.
محسن .. حسن.. زمن .. فِتن.. من..؟.
يا سُديرة ابكي على .. لن يعد حسن فلا.. الكل يبقى مبتلى.. يا ويح من نادى العلا.. قلى.. قلى..
في باطن الأرض اندفن.
كنتَ للكل صديق.. يا سباتاً لا يفيق.. صغتَ للضفدع نقيق.. في الماء شب الحريق
موتكم غالي الثمن
الصمت يلف الليل.. بلا ويل.. لا تضليل .. يا حسن أنتَ الزميل.. تبقى للعين جفن
يا حلة الأحزان .. يا طعنة الميدان .. يبقى الجرح زمان.. برتقال.. أسبان.. لابد أن
يظهر حسن .. من صورة الماضي يكن..
حياتك كانت كحرب.. وسط.. على.. فرٌ وكرب.. نهب.. سلب.. ضرب.. وحسن في قرى بلا مدن.
تماسيح تلتف حول الفجيعة.. حسن نشتريه.. لا نبيعه.. يا محسن أين الوديعة؟.. الكل يشدوا للشجن
محسن كيف أناديك؟.. والماضي بين يديك.. ستعود يوماً.. أراك ويُريك.. وتقول: البعد جنة عدن.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*عبدالله محمد الرمضان: شاعر شعبي وسَجّاع عراقي من أبناء قرية حسن مطلك، من أعماله: ديوان المدائح، زهيري، مساجلات جلسة سمر.

شهادة / فارس السردار


قراءة في أوجه هرَم

فارس سعد الدين السردار

(1)
نصان قصصيان هما اللذان خلقا نص علاقتنا التي لم تنقطع لحد الآن.
(الاكتظاظ) و(البيوت الرطبة)
الاكتظاظ: فتحت باب الوصول للبيوت الرطبة، لتسكن بين يدي حسن مطلك.
التي قال عنها: رائعة بكل تفاصيلها، بشكلها ومحتواها.. لن اشك في جانب منها، قلت أنها رائعة وهذا أقصى شيء أقوله.. وابسط شيء.
فيما بعد وعلى صفحات (المربي) منح حسن (للبيوت الرطبة) تخطيطاً، كثيرا ما حاورته وربما كنت أحاور حسن نفسه، واستنطقه باتجاهات غيبها الفراق. الذي ابتدأ لحظة التخرج من الكلية. لحظة الغياب في أتون الحرب. وبقي ما بيننا يصر على التواصل من خلال رسائل مكتوبة وشفاهية يحملها أصدقاء مروا سريعاً في فسحة الإجازات.
وكم مر بي ومررت به دون لقاء، ليترك كل منا للأخر وردة شوق واسى كنا نتسلمها وقد ذبلت.
ويوم وقفت أمام الاكتظاظ قلت: انك تتسلل خلسة لتتطهر بماء النهر.. يا حسن. لم أدرك انه لم يوصد الباب بعدما ألقى بقلمه بعيداً عن نصه المكتمل. (الاكتظاظ) ولكن بعد تجربة الحرب بدا لي حسن انه بحاجة للتطهر مرة أخرى، وان الاكتظاظ بدأ يهرسه. لكن هذه المرة كان نصه مغموسا بالدم.. وقد أوصله إلى نفس البؤرة التي راوغته يوما راسمة له شكلا للأفق اقتضى منه أن يقول:" الموت شيء تعس هو الأخر.. شيء اكثر بشاعة من الحياة ". فانتصرت الحياة بهامش تفوقها المحتوي على الأمل والغد والنضال. لكن عندما بدء الغد والأصدقاء يشفطون في دوامة النهر الدموي الجارف، لم يعد الموت شيئاً تعساً. فتح حسن مطلك الباب ودخل.

(2)
لم يكن فارس سعد الدين أحد الولدين. في قصة (ولدان وبنت حلوة)، بل كان شاهداً. غرق قميصه بدموعهما.
الولدان اللذان لم يقِلا حلاوة عن تلك البنت الحلوة.. الحلوة.
الولد الأول هو حسن مطلك
والأخر لا يختلف عن حسن إلا بشيء؛ انه قابل للترويض.
كل الأشياء في عيني حسن قابلة لإعادة التشكيل، لتنبعث مرة أخرى وتتحرك وتتشابك وفق نسيج أخر، ليس مهما أنها ستقوى على تجاوز مواقعها للأمام. بل المهم أن تغادر حالة ركودها. لأنه يؤمن أن الحركة التي تندفع في كل اتجاه، سر البهاء والخلود..
في هذا الاحتدام الجميل، الذي لم يخل من عتاب ينبع من ذاك الإرث الذي انبعث منه الولدان، حيث التلقائية والبساطة والنقاء، أمام بنت حلوة انحدرت من بيئة المدن. ربما توهم أنها يمكن أن تطفئ له نارا أججتها يوما ما لارا قط البياتي التتري، أو مارتا الخارجة من بين القلاع الملتفة حول الدانوب، أو عائشة. أو أي معادل لإهماد البركان المتفجر في جنبات حسن مطلك.
كنت أتوسط المسافة بين الولدين، الجميلين وهما يحترقان بنار الحب.
يستكين أحدهما لكل اشتراطاته، ويملي الآخر تجلياته عبر الفرشاة، ضربات وألوان صاخبة لا يمكن أن يكبلها قيد..
لكن حسن لم يستطع أن يقتنع بأنه كان يقود تلك البنت الحلوة إلى مساحة من الأرض البكر غير المستكشفة طالبا منها قبول المغامرة والاقتناع بها وبه. في وقت لم تكن البنت مهيأة لاحتواء هكذا جموح.
لا اشك أنها أحبته.. وقد احبها.
والولد الآخر أيضا لم يكن يشك في حبها له. لكنها وضعت بمواجهة المستحيل، فذوى الثلاثة. ودب الهزال بينهم. وكعادته؛ حسن فجر الموقف. معيداً تشكيله، وتزوج. تاركاً للباقين دموع العاشق، فتزوجا.

( 3 )

استطاع عامر علي سلطان، أن يضعنا أمام تجربة غاية في التفرد والمغامرة.
نحن أسرة تحرير مجلة (المُربي) الفصلية /1982 -56 صفحة
1ـ عامر علي سلطان قسم علوم نفسية وتربوية رئيس تحرير
2ـ فارس سعد الدين السردار قسم الفيزياء سكرتير التحرير
3ـ حسن مطلك روضان قسم علوم نفسية وتربوية محرر ومصمم للغلاف ومشرف فني
4ـ ثابت محمد خضير قسم علوم نفسية وتربوية محرر
5ـ محمد نجيب (تونسي ) قسم علوم نفسية وتربوية محرر
6ـ محمود علي محمد خطاط

ما جعل هذا العمل علامة بارزة، ما كتب عنه من شهادات، وما وصلنا من أراء مشافهة. جعلتنا نتحقق من أننا كنا صادقين وأصلاء، وأن شرف الكلمة لم يُنتهك. وعززت (المربي) باعتراف الأخريين حضورنا في الساحة الثقافية.. التي كانت قد قطعت بشخوصها شوطا أوسع في ارتقاءها. وشدت انتباه أسماء كبيرة، وربما أدهشتها، وتحولت أسرة التحرير إلى بؤرة استقطاب.
صراحة.. في ليلة وضحاها وجدنا أنفسنا في وضع آخر، ومسؤولية ضخمة، ربما حاصرت العفوية التي اكتنفت العمل برمته، فاكتشفنا حجم الإنجاز.
هذه التجربة عمقت علاقتنا مع الناقد سعيد الغانمي، والشاعر فضل خلف جبر، والشاعر بشار عبد الله، ورسام الكاريكاتير أكرم الياس بكر، والدكتور فاتح عبد السلام، والدكتور ادهام محمد حنش، والدكتور محمد جلوب فرحان، والدكتور محي الدين توفيق عميد كلية التربية.
هذه الأسماء سجلت شهادات مكتوبة وشفاهية، دفعتنا باتجاه الإبحار حيث لم يعد مجال للتراجع.
مع المربي اندفع حسن مطلك ينجز أشياءه بصمت، لا أذكر أنى سألته أمرا إلا وجدته منجزاً. هنا اقتحم النقد الأدبي والتنظير في الفن التشكيلي من خلال نصين أحدهما ((قراءة في موسم الهجرة للشمال)) للطيب صالح مع الأخ محمد نجيب والآخر ((الفنان التشكيلي بين الإقرار بالالتحام والنزوع نحو التمرد)) كان واضحا في هذا النص أن حسن قدم رؤاه في الجمال والفلسفة والفن التشكيلي، وافصح عن مرجعية تمرده.
يقول حسن:" التمرد يكمن في اللحظة التي يكتشف الفنان فيها جمال الشيء فينقله بأية أداة بصرية أم صوتية أم حركية لا بالصورة التي سبقت الاكتشاف إنما التي جاءت بعده".
ويقول أيضا:" إن الفنان ينظر غالبا إلى الأشياء كتحديات سهلة الخضوع والاستسلام وهذا يفسر شعوره الدائم بالعنفوان والقوة ".
كانت لحظة حب، تجمع في بؤرتها جهد مثمر وحثيث. وحروف هطلت من سحب بيضاء طرزتها صبوات، تطفئ أسئلة، وتعود فتشعلها.
في هذا الوقت بالذات كان حسن قد بدا يوغل بصمت في تجربته التشكيلية ويؤصلها. من خلال ملازمته للفنان المبدع ضرار القدو، كانت الساعات تنطفئ في مرسم الجامعة، لتضيء مساحات من قطع القماش المؤطَّر بالألوان التي تتركها فرشاة حسن بجرأة مذهلة. كان حسن يحاول أن يؤسس شيئا. لم يلتفت كثيرا للمتحف المعتم المرتبط بالمرسم بباب جانبي. كانت تقف على جدرانه أسماء كبيرة مرعبة مثل نجيب يونس وراكان دبدوب وضرار القدو ومبدعين آخرين.
صراحة أقول: أن تجربة (المربي) بشكلها ومضمونها وبصمتها وتفردها وجرأتها أرعبتني وجعلتني مرتبكا حتى لحظة الولادة. وربما شاركني الجميع هذا الهاجس. إلا أنها حملت أسماءنا، ألزمتنا فيما بعد الإصرار على تجاوزها، والقوة على عدم النكوص والتردي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*فارس سعدالدين السردار: كاتب عراقي. farisalsardar@yahoo.com
(فارس سعدالدين) بريشة حسن مطلك /1982

قراءة / د.السيد نجم

"قوة الضحك في أورا".. رواية غير مضحكة!

د.السيد نجم

صدرت رواية "قوة الضحك في أورا" للروائي "حسن مطلك" عام 2003م، بعد وفاة صاحبها عام 1990م، عن دار "الدون كيشوت" للنشر بسوريا. تقع في 144 صفحة، وقد سجل الكاتب تاريخ الانتهاء منها عام 1987م. وهى الرواية الثانية له، بعد رواية "دابادا" التي نشرت عام 1988م. قام شقيقه "محسن الرملي" على جمعها ودفعها إلى الطبع، وهو ما يفسر الفارق ألزمني بين الكتابة والنشر الذي تجاوز ست عشرة سنة.
أما والرواية تعد من الأعمال الشاقة في القراءة والمتابعة، ربما بسبب المزاوجة الزمنية إلى حد التوحد بين القديم والجديد في الزمان والمكان.. حيث "أورا" عاصمة الآشوريين، هي نفسها مسرح أحداث طفولة وحياة "البطل". وكما وحد بين الراوي، والروائي، وشخصية "ديام" حيث يقول الكاتب: "ديام" هو أنا..كيف أنكر؟.. وآدم هو أنا.. وأوليفر هو أنا..!. "أورا".. تاريخ مفتعل أو هو كل مكان لم أره.. القبر/الموت.. أو الهرب من مكان لآخر.. أو ذكريات تحولت كوابيس (هذا ما قاله الروائي في كلمات قليلة قبل الفصل رقم 1).
كما يقول الروائي : "لن أكتب رواية، لا أريد إرضاء أحد.. لست بحاجة إلى من يصفني بالبطولة في مسألة الانتصار على الألم".. أننا إذا أمام "حالة" في رواية، وليست رواية تقليدية تسرد حالة على النسق الأرسطى. كل ما نسعى إليه هو الولوج إلى عالم مغاير بين دفتي كتاب، يحتمل التأويل، والكذب، والشفقة. وفى كل الأوقات عليك أن تصدق الكاتب وتسعى لأن تتحمل الألم المتولد سطرا بعد سطر. "ألم" شفيف راق وعزيز، ألم يحمل داخله العزة والكبرياء والأماني الطيبة.. يحمل الحلم.
.." الطفل مع أبيه، وأدم الحداد أو العم، في حضرة الرجل الإنجليزي.. الطفل مع العم القوى العفى، يخرجان، يتركان "أورا".. سرعان ما تآلف الطفل مع المكان الزاخر بعظام البشر والجماجم التي دفعتها مياه الأمطار الغزيرة من تحت الأرض إلى سطحها.. مملكة أشور من حوله.. تقفز الأحداث هنا وهناك. الرجال حول الإنجليزي في حوار زاعق، حيث تغوط أحدهم عمدا في حضوره.. والصغير يلهو مع "مطلق وياسين" صائدا الخنازير في البيداء، ومع "ديامة" الجميلة التي تنضج يوما بعد يوم.
لكن "سيل المطر، الفيضان الكاسح، فعل فعلته.. قسم الناس إلى قسمين، منهم من نبت من أنقاض مملكة أشور، ومنهم من سقط وغرق وحملهم النهر إلى فم البحر. تماما كما قسمة السنة إلى نصفين، وحيث اخترع الناجون – في سنة واحدة - اختراع الملعقة والحذاء.
صحيح الجد الأول أو الأكبر "دلهوث" لم يفقد ما في الذاكرة كليا، فهو صاحب الأسماء كلها.. أما الجدة أخبرتهم أن "دلهوث" قال:" كلكم أبنائي فما الذي جعلكم تنقسمون إلى عشائر وأنتم من ظهري"؟؟
وكان المطر والأم تمنع ولدها من ترك الدار، وكان الفيضان الذي يحفر في الأرض ويخرج الجماجم، التي شعر الطفل أنها ستغزو حوش دارهم. أمام الخطر الجاثم، بات الطفل روح تاريخ، تذكر أقول جده الأكبر "دلهوث" الذي يرى بأن الإنسان لا يكون إنسانا عندما يخطئ، أما الذي لا يخطئ فهو من البشر. "لقد جئت مسلحا بيقين الانتباه والغفوة معا، حاضر من منطقة الظل...". كان منهم من يمشى على الماء، ومنهم من خاف مقدم الحيتان مع الماء/الطوفان، فأغلقوا الأبواب.. مع ذلك كانت الأموات أكثر من الأحياء. وكان كل حرص الأم ألا يصل الطوفان إلى صندوق الثياب.
تماما كما حرص "أوليفر" الإنجليزي على سرقة التمثال أو الثور الحجري، بمعاونة العم "حداد ومع رفض الأب الذي اشترى ثورا حية يرعاها ليلقح أبقار أورا كلها، لعلها تخصب ثورا حجريا. يعد نفسه بالأمان ويعد أولاده. أما الأم فلم تحلم أن تكون روحا تاريخيا، بلا أية فكرة عن الشر، لذلك لم تكن من الممثلين لسلالة دلهوث، وفق مقاييس الجدة التي تقول نقلا عن دلهوث:" باشر بإزالة الشر ستجد نفسك قد باشرت الخير.. مجرد إزالة الشر هو عمل خير". فيما ينسب الأب الأمر كله إلى جزاء العقاب على ذنوب لا يتذكر أنه ارتكبها.
"الكوابيس" لها دور فاعل، جعلته ينظر إلى النافذة معترفا، وقد امتد بصره نحو الغرب :"أنت أفضل شخص عرفته يا ديام، لأنك مثقف بثقافة غربية". ويأتي ضوء الغروب ويلون كل شئ. فيما تنشغل ديامة في الحفر لأجل شق ممرات لضوء الغروب، حتى كانت لحظة الاكتشاف.. عثرت على العلبة التي نقلتها إلى البيت. دفعها الألم أسفل بطنها أن تطوى ألمها ونفسها داخل الحجرة وحدها، لم تكن تدرى أنه الخصب يشق طريقه إلى جسدها.
كان العم الحداد يعانى من تضخم خصيته، وكان الولدان يبشران صيد الخنازير ومتابعة النساء اللاتي يدخلن على الحداد، بينما اهتمت "سارة" الابنة الصغرى للحداد بحث الرجل على متابعة إنجاز طلبات الناس وصنع أشيائهم. لم الحداد حلا سوى أن يقطع خصيتيه.
"تفاحة" ابنه الحداد الكبرى تعرف حكاية أبيها، فتقتل زوجها لتعود إلى أورا. أما "سارة" فلم تخرج إلى الناس لشهور طويلة. فلما خرجت منحت نفسها له.
كما كان للطوفان من اثر واضح على أورا، كان الحال بعد قطع خصية الحداد. تحول الرجل من العنف إلى الرقة، وتحول ولداه من مطاردة الخنازير إلى إذلال أبيهما, فيما كافح ديام إلى إخراج "تفاحة"، لأنها أرادت أن تراه لاخلاصه بعد أن قتلت زوجها.
تماما كما كان لحادثة الغوط أمام الإنجليز من أثر، فقد خرج الرجل يحفر حفرة هنا وهناك كي تغيط فيها الناس. فشل، فسرق ثور حجري مجنح بمساعدة أولاد الحداد. وحل ديام في العمل مع أوليفر مكان أبيه، وكان ضائعا بين أكداس الفخار، ورفوف الكتب، في الهواء المشبع بالشمبانيا.............
فلما تبدأ المواجهة بين ديام والإنجليزي, فيكون بسبب العلبة التي وجدتها ديامة وأعطتها لديام..إنها علبة الملكة الآشورية، تستحق الصراع لروعة جمالها.. وتبدو الأرض وكأنها على وشك زلزال قوى, تراقصت التماثيل في حديقة البيت، كادت تسقط.. بل سقطت بالفعل, وسقط سور السياج، وسقط كل شئ، حتى اوليفر.."ورأى أوليفر يزحف بسرواله الأبيض ذي العلامات النحاسية، ويبتسم بوداعة، ثم ينحني ليقطف العشب بأسنانه" ص144
حالة كابوسيه تعيشها، تغوص فيها أو تغوص فيك، فلا تتوقف عند السؤال: ما مصداقية هذا الحدث أو ذاك.. تتوقف طويلا أمام المنمنمات الكثيرة، الملقاة بعناية وقصدية، وراء موقف، جملة، وربما كلمة.. ثم تتساءل: هل كان يعنى الروائي بعمله رصد تاريخ البشرية كلها، وآلا ما هي دلالة "الماء/ المطر/ السيل/ الفيضان / النهر /البحر"؟ ثم "أورا" الآشورية المحطمة الذابلة.. أو لنقل المنهوبة، فلم يبق منها سوى العظام والجماجم والصندوق الملكي؟ ثم قطع الخصية، والثقافة الغربية، وضوء الغروب؟.
وأخيرا "الزلزال" الذي لم يرد لفظا صريحا، عاش القارئ أعراضه ونواتجه.. فقد غاص "أوليفر" الإنجليزي على الأرض يقطف العشب بأسنانه؟؟
هناك بعض الأعمال يفسدها التفسير المباشر، أو الشرح المتفلسف، لأنها ببساطة "حالة" فنية عاشها الفنان صاحب العمل، نقلها بمنجزه اللفظي والخيالي، ولا حيلة لنا أمام مثل تلك الأعمال إلا التأمل، والاستمتاع الذهني والوجداني بها.. ورواية "قوة الضحك في أورا" للروائي "حسن مطلك" منها، لعلنا نضحك من الألم وتتحقق نبؤه العنوان!!.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*د.السيد نجم: كاتب وناقد مصري. mb-negm@hotmail.com

عن حسن مطلك / نجم ذياب رمضان


كان يحب القرية لأنها تمنحه الوحدة

صورة: حسن مطلك في حقول قريته


نجم ذياب رمضان

في عهد الاستبداد، حيث كان كثير من الكتاب والمثقفين خدماً وأبواقاً للطاغية قانعين مطمئنين بذل ومهانة.. كان الشهيد حسن مطلك قد وضع نفسه بشجاعة في مواجهة الطاغية، الذي كان في ذروة قوته وجبروته، مستمداً تلك الشجاعة من مزاياه الشخصية مضافة إلى إرثه من آبائه وأجداده الذين لهم مجابهات كثيرة مع الطغاة على مر التاريخ.
انضم الشهيد حسن مطلك إلى طليعة ثورة 6 كانون الثاني 1990 وكانت مجموعة من الضباط والمدنيين الذين نذروا نفوسهم الزكية في ثورة منظمة للإطاحة بنظام الحكم المستبد وتخليص الشعب العراقي من ويلات المغامرات.
وكان الشهيد هو الرجل المهم في الجناح المدني للثورة. أصدر الطاغية حكمه الجائر بإعدام كوكبة خيرة منهم وأحيل الكثيرين إلى السجن المؤبد.
وكان حسن مطلك مثقفاً وكاتباً وأديباً امتازت أعماله بخلوها من التمجيد الزائف والترويج لمغامرات النظام فأصبحت أكثر جذباً للأنظار وأكثر أصالة وعمقاً، فتراه خصباً متكاملاً يمثل امتداداً لعمق وأصالة تاريخه الحضاري وجذوره الريفية الأصيلة فكان صفحة من صفحات الفكر المشرقة.
في منتصف عام 1961 ولد الشهيد حسن مطلك روضان الرملي الجبوري في قرية سديرة الوسطى على الساحل الشرقي لنهر دجلة في محافظة نينوى من عائلة فلاحية تتكون من تسعة أفراد وكان تسلسله الخامس بين اخوته.
وفي عام 1973 أنهى دراسته الابتدائية في مدرسة القرية والتحق بعدها بثانوية الشرقاط حيث أكمل الفرع الأدبي عام 1979 ومن ثم التحق بـ جامعة الموصل/كلية التربية/ قسم العلوم التربوية والنفسية، وتخرج منها عام 1983.
أقام معارض عديدة للرسم ومنها معرض الرسوم التشكيلية في قاعة الفنون التشكيلية/المركز الطلابي عام 1983 وشارك في مسرحيات عديدة كاتباً ومخرجاً ونشرت له العديد من القصص القصيرة.
نشأ في وسط متعلم حيث كان والده مطلك الروضان يعد بالنسبة لمنطقته المرجع الديني ومستودع أسرارهم وخطيباً في مسجد القرية داعياً ومدرساً حيث أنشأ مدرسة لدراسة الدين واللغة. فأضافت هذه البيئة الاجتماعية صفحات من الأهمية إلى ما كان يمتاز به الشهيد من أمجاد شخصية في الفكر والأدب.
حصل على الجائزة الأولى في مسابقة قصص الحرب عام 1983 عن قصته (عرانيس)، وكُرم من قبل رئيس الجامعة عن معرضه الشخصي الأول في الفنون التشكيلية. وبعد أن أكمل الدراسة والخدمة العسكرية عين مدرساً في ثانوية (الزرارية) التابعة لمديرية تربية كركوك وأصبح عضواً في نقابة المعلمين عام 1988.
كتب عدة روايات طبعت منها رواية (دابادا) في بيروت/ الدار العربية للموسوعات 1988. وعانى كثيراً من أجل نشرها حيث لم تحصل الموافقة على نشرها داخل العراق. وأصبح عضواً في الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق عام 1989.

النقيب حسين مطلك شقيق الشهيد يقول: "كان الشهيد مسالماً للغاية، منكباً على كتبه ودفاتره ولوحاته ولم يستخدم المسدس في حياته، لكنه كان يؤمن بضرورة التغيير، وكان تواقاً إلى التحرر من الظلم والعبودية التي يعيشها أبناء الشعب، طموحاً يحلم بحرية النشر وحرية الصحافة. يتعامل مع الجميع بوداعة، حاضر الابتسامة ولم أره يوماً يغضب ويفقد أعصابه. نشطت علاقته بضباط ثورة 6 كانون الثاني وخصوصاً مع النقيب سطم الغنام والنقيب صالح جاسم الجرو.. وغيرهم.
فاتحه النقيب صالح في موضوع الثورة على الطاغية، وصالح زميله وصديقه منذ الصغر، فكان الشهيد من السباقين في تلبية الدعوة لما كان يعانيه من مضايقات في نشر نتاجاته الأدبية لأنه لم يقبل أن يكون من أبواق نظامها.. ومنذ انضمامه إلى طلائع الثورة أصبح مفكر الثورة وأديبها.
أُعتُقل الشهيد يوم 6 كانون الثاني 1990 وكان مدرساً في ثانوية (صُبيح) واقتيد إلى بغداد منطقة الحاكمية حيث معتقلات الطاغية وأزلامه.
وانقطعت أخباره حتى يوم 2 آب عام 1990 حيث وصلنا بلاغ لاستلام الجثة وكانت حينها مغامرة غزو الكويت قد وضعت الناس في محنة أشد من سابقتها.. وكانت سيارة الأمن تتواجد بشكل دوري قريباً من دارنا. ومُنِعنا من إقامة مراسيم العزاء وإشهار مراسيم الجنازة وكنا فيها ننتظر ويلات ونكبات الحرب الجديدة ".

صورة: النقيب حسين مطلك (ولد عام 1963 وتوفي سنة 2008م)


أعماله الأدبية
كانت بداياته في الشعر فعثرنا على الكثير من الأشعار متناثرة في أوراقه ودفاتره، دفقات إبداعية وحالات انتابت أديبنا الكبير فتركها مسودات خام منها قصائد نثرية أو خواطر كتبت لمرة واحدة عبر فيها عن واقع القرية الاجتماعي الذي يعيشه.
وكان قارئاً نهماً وذواقاً للشعر.
جمع الدكتور محسن مطلك الرملي أعماله الشعرية في مجموعة أسماها مبدئياً (الأقنعة) لم تنشر بعد. وفي القصة القصيرة نشر عدداً كبيراً من القصص في الصحف العراقية والعربية وكانت أشهرها قصة (عرانيس) التي أصبح لها صدى كبير في الصحف العربية.
وفي مجال الرسم له لوحات كثيرة ومشاركات ومعارض عديدة وأشهر لوحاته: مولد القوة، عشتار، مقطع من حارة، ضياع.. ورسومات ولوحات كثيرة. وفي الرواية له روايتين: (دابادا) و(قوة الضحك في أورا). طبعت الأولى في بيروت ولم تطبع الثانية بعد.

ماذا تعني له القرية؟
كان يحب القرية لأنها تمنحه الوحدة والقدرة على التأمل وتمنحه العزلة.
وكان ريفياً يحب الأرض ويحب الزراعة ولا تشغله أعماله الخاصة عن مشاركة الآخرين أفراحهم وأحزانهم.
وعن القرية يقول:"ثمة سدرة وحيدة في قعر المكان الجدب وقد أعطت للوادي شرف التسمية" ص40دابادا. ويصفها فيقول:"ثمة أيضاً تلك الخطوط الرفيعة المرسومة بحوافر القطعان كحبال عظيمة تشد السدرة إلى جهات الوادي فتذهب محاولات السيول عبثاً في تعرية جذورها".
ويقول:"القرية مأوى الوجع الكبير.. شكلها القديم الهادئ.. أشجارها المعادية.. سواق محفوفة بجذوع" ص140 دابادا.
وهكذا فإن القرية مصدر إلهامه بما تحتويه من شخصيات وأساطير وحكايات العجائز وتراث الأبطال والشهداء مادة خصبة للقصص والروايات يستمد منها أفكاره ويستعير شخصياته لقصصه.

صورة: حسن مطلك في حقول قريته

رمز السلطة في رواية (دابادا)
كان الجميع يطبلون للطاغية ويصورون أفعاله بطولات إذا قام أو قعد. فما وجد كاتبنا إلا أن يرمز للسلطة بالحمار قندس يحمل أوهام وأحلام أسياده بلا مبالاة، فيقول:"فقفز ملتقطاً مديته، والمدية في يده، هاجر في الرأس، الحمار المدهون بزيت الخروع على بعد ذراع وطعنة.. طعنة.. طعنة" ص195 دابادا. حاول شاهين أن يقتل الحمار وفي رأسه الأهل والأقارب من بعده، لكن المدية كانت مقلوبة فطعنت يده فتدفق الدم من يده "ويهجم الألم لحظة رؤية الدم" ص195 دابادا.
"وبدأ الألم ينقر راحة يده فيضعها بين فخذيه ويطبق" 202 دابادا.
ما أصاب كاتبنا يشبه ما حدث لبطل روايته شاهين الذي حاول طعن الحمار فما كان ليصيب السلطة قد أصابه هو شخصياً. فتنبأ كاتبنا لما يصيبه من مواجهة السلطة إذا فشلت الثورة وذلك قبل الثورة بسنتين، فقال:" لكن صورة الرجل الأول كدفقة حارة مالحة من دفقات نقاط الزيت مستقلة في الكيف فيضطر أن يموت.. وهو رجل مهم".
وهكذا حُكم بالإعدام شنقاً حتى الموت لتآمره على السلطة في يوم 18 تموز 1990 فمات وهو رجل مهم وكاتب وفيلسوف الثورة، وكان يدرك:" أن الرجل الحقيقي هو الذي يحذف ساعات الخطر الحقيقية ويقترب من القرار بإلغاء صيغة التعجب في تحجيم الذات"ص146 دابادا.
وتنبهت السلطة لما كان قد حيك لها قبل أوانه فكانت رفسة الحمار المحتضر.
"أعرف بأني لم أقتله لأني اكتشفت فيما بعد... استعملت المدية بشكل معكوس لأن كفي ظل يؤلمني والدم هو دمي أنا لا دم الحمار" ص210 دابادا.
"تسلل المساء الحزين إلى بقعة هاجر التي لا تعرف ماذا تقول.. فكانت تقوم لتكنس جثث العصافير الساقطة على العتبة" ص205 دابادا.
في مساء يوم 18 تموز 1990 عندما تسلل الخبر ليصل قرية الكاتب تلفعت هاجر بالسواد والحداد تنتظر الخلاص من الظلم والاضطهاد، وهاجر رمز الأم والأخت والزوجة التي وقع عبء القرار الجائر على كاهلها.
واندملت كل الجروح باستثناء جرح المدية المقلوبة الذي مازال ينزف.
"سرعان ما تندمل العناصر المتحدة باستثناء جرح المدية المقلوبة فسوف يُنكأ بالمصافحة" ص211دابادا.
وظلت الأيام والسنين التي تلت ذلك المساء من عام 1990 والأعوام التي بعده إلى أن رحل الطغاة ورواد الظلام عن بلدنا وشعبنا.. ولا يزال ماثلاً في الذاكرة ذلك الجرح.
----------------------------------------------------
*نشرت في صحيفة (الاتجاه الآخر) السنة الثالثة/العدد 123/ السبت 28/6/2003م.
*نجم ذياب رمضان: صحفي عراقي من أبناء قرية الراحل حسن مطلك.