03‏/10‏/2009

شهادة / إبراهيم الإمحمود

عن حسن مطلك .. الإنسان الفنان والأديب

إبراهيم الإمحمود

لقد رحل قسراً.. لم نودعه.. ولم يودعنا..
بعد أن امتطى ناصية الأدب.. لكنه استعجل الرحيل لكونه لم يعد يحتمل الحياة وظلم الدكتاتور وجبروته، فاختار الموت بإرادته.. لكنه رغماً عن نفسه.. إنه الإنسان الفنان الذي يحمل في طيات فكره عالماً إنسانياً جميلاً هو أقرب إلى جمهورية أفلاطون ومدينة الفارابي الفاضلة.
حسن مطلك.. صديقي اللدود.. كائن يحمل في جسده روحاً احتوت كل مفردات الإنسانية، وهم الوجود الحياتي بكل ما يحمل من مأساة الإنسان.. يؤرقه الظلم والجوع والعري والاضطهاد.. فوزع جسده وروحه على كل الناس ليخفف عنهم بعض معاناتهم، وجعل من روحه طيراً يرفرف في سماء العراق، تكون لهم أفياء يستظلون بها من حر "الظهيرة العراقية"، كما يقول في دابادا،.. وزع عالمه ما بين ريشة فنان تشكيلي وأديب. واستطاع أن يصنع من ريشته سلماً للصعود إلى صهوة الأدب.. لكنه سرعان ما ألقى بها بعيداً عن جحيمهم خشية أن يرسم صورة أو لوحة للدكتاتور، حدث هذا عندما تعرض للضغط من قِبل زبانية الدكتاتور، وعلى الرغم من كل الضغوط التي مارسوها على أهله وأصدقائه وعليه.. لكنه أبى ورفض وبإصرار الفارس القوي بيقينياته. كان يقول:" أن التاريخ لن يغفر".. ذلك لأنه كان يعي نفسه ويمتلك فراسة نادرة لا تلين بالضغط ولا المغريات. فقذف بريشته بعيداً عن جحيمهم وتناول قلمه.. فكان متحدياً بكل ما يكتب ليخط أدباً واعياً نظيفاً يحمل لغة شعرية كثيفة مسنداً بقراءاته الواسعة للأدب العالمي والعربي وعلم النفس وغائصاً في تاريخنا العربي الإسلامي العراقي.. فجاء أدبه موسوعة متكاملة متمكنة، ولكي يؤكد كونه كاتباً لم يجد أمامه إلا ميدانهم، فتقدم لمسابقة القصة وهو المتحدي فكانت (عرانيس) الفائزة بالجائزة الأولى ليثبت لهم أنه يحمل قلماً أدبياً أقوى من ريشته. تطرق في (عرانيس) للحرب وهمومها ومعاناتها في إنسان الريف وبساطته غائصاً في عمق تراث قرية نائمة على ضفاف دجلة الشرقية (سديرة) التي تنظر نحو غرب الضفة حيث قلعة آشور واختفاء قرص الشمس وعمق تاريخ العراق، راسماً عبر لوحته الأدبية الجوع الذي يعيشه العراقيين.. لكنه جوع جميل وسعيد كونهم جعلوا منه آصرة أخرى تربطهم ويتحدون بها كوارث التاريخ وحروب الطغاة فيصنعون منه فرحاً عندما يقوموا بجني محصولهم من عرانيس الذرة ويخلقوا منها، من معاناتهم وجوعهم وتعبهم احتفالية شعبية عبر ألعاب (العلص) يستجدون البسمة والضحكة والدعاية وهم يرقصون خلال الحصاد ويتحدون التاريخ، ويصارعون الطغاة وينظرون إلى قلعة آشور ملكهم الذي أنشأ الحضارة والمكتبة الأولى في عراقهم.
لكنه زمن الحرب في (عرانيس) لذا يتحول الفرح والجوع وعرانيس الذرة وعلصها في هذه القرية إلى بندقية كلاشنكوف يحملونها لأنهم قد زجوا في الحرب قسراً كونها سوف تفقدهم فرحهم وعرانيسهم فهم لا يريدونها لأنهم يحسون أنها ستقطع الأواصر الاجتماعية ولحظات الحب وتفقدهم فطرتهم وطبيعتهم. جاء ذلك عبر بساطة الأم التي ترى ولدها يحقن البندقية على سرير اللبن والقش، وهي الفلاحة الأمية البسيطة الطيبة وخوفها على ابنها من آلة الموت كونها تعني بمفهومها (إما قاتل أو مقتول) فلا تريده أي منهما وهو لا يريد أن يكون أي منهما.. لكنه قسراً من زبانية النظام للمشاركة في قواطع ما يسمى (الجيش الشعبي) فيحاول بدعاباته أن يبرر لأمه ضاحكاً وباستهزاء مبطن سبب حمله للبندقية بأنها عروسته البديل ـ والصورة تحتمل أكثر من تأويل ـ لكنها الأم تعرف بعاطفة بسيطة ولا تحتاج إلى الالتفاف لإقناع نفسها والآخرين رغم ما تعرفه عن الابن وما يحمله من الفكر والوعي صريحاً ذكياً استطاع أن يقول ما يريد وليس ما يريدون، استخدم اللغة والوعي والرمز ومدارس علم النفس ومدارس الأدب والفن التشكيلي كي يفلت من شباكهم وكان له ذلك.

صورة: إبراهيم الإمحمود وحسن مطلك في قريتهما مطلع الثمانينات


كان حسن مطلك صديقاً وفياً ملازماً لي رغم انشغالاته وكونه مدرساً في معهد المعلمين في كركوك، إضافة إلى فرق العمر بيني وبينه، حيث كان يفرقني بكثير ـ أصغر مني ـ. كان مربياً فاضلاً وواعياً ومؤثراً.. تم نقله إلى ثانوية (قرية الزرارية) على ضفاف الزاب الأسفل، ومن ثم إلى (قرية صبيح) على ضفاف دجلة، وخلال ذلك كتب الكثير من القصص القصيرة والطويلة، نشر قسم منها في المجلات العراقية كـ (الطليعة الأدبية، الأقلام، أسفار، ألف باء).. ولأنه فيلسوف أصلاً فقد حاول تسريب فلسفته عبر الأدب مجرباً القصة، الدراسة الأدبية، المسرحية الشعرية والرواية حتى انتهى ليصر على كونه روائياً فدخل عالمها، وأراد أن يصعد جبل الرواية بأقصر وأصعب الطرق فارتقى من الجهة الحادة، حيث كتب روايته الكبيرة (دابادا) وهي كما وصفها "قصيدة غليظة وصرخة في الفراغ.." كتبها، وحسب ما يقول، "لكي يحمي نفسه من القراء"، وهو الذي تعود على البحث عن ارتقاء المسالك الصعبة رغم كونه هادئاً صامتاً مستمعاً أكثر من كونه متحدثاً، لكنه إذا تحدث أفحم سامعيه وفاقهم عبر لغة شعرية قوية متمكنة بأدلة مختصرة وواضحة ومؤثرة غائصاً عبر التاريخ ومعطيات علم النفس كونه اختصاصه.
ومثلما قذف بفرشاته بعيداً عن جحيم الدكتاتور قام بقذف قلمه أيضاً على الرغم من براعته في استخدامه كسلاح لمقارعته.. وهذا ما لم أتوقعه وأدخلني في حالة من الذهول والخوف والصدمة، الإنسان الرقيق الذي لم يجرح مشاعر إنسان، الفنان التشكيلي المرهف الحس الذي لا يستطيع قتل حشرة صغيرة، المفكر والأديب مدرس الأجيال الذي يزرع السلام والمحبة وتذوق الحياة ومحاولاته في تجميل بؤسها وفيها عبر مفردات لغوية جميلة تضع البسمة على وجوه الآخرين..!!.
هذه المرة يمتطي دبابة ويحمل مدفعاً كي يقارع الدكتاتور، نداً لند..! وهو يردد عبارته التهكمية قاصداً الدكتاتور: يا عدوي الوفي. فحسن مطلك قد عودنا على التلاعب بمفردات اللغة وجمالها ومحاولة خلقها، فكان يقول، مثلاً: (مربع الضوء) ويعني الشباك، و(صديقي اللدود) و(الظهيرة العراقية) و(ظهر الخير) قياساً على صباح ومساء الخير، و(المكعب) يقصد المذياع.. وهو عواد وشاهين دابادا. ومحاولة طعنه (قندس) حمار المختار المدلل.. والأرنب المبقع في البراري.. آه.. وآه.. يا حسن مطلك.
لم أكن أتصور ولم أتوقع أنك سترفع سلاحك بوجه الدكتاتور وتضع روحك على كف عفريت، ليس لأنك جبان.. بل لأنني أعرفك وأعرف أنك ترفض العنف وتعرف قيمة الإنسان ولا ترضى بتحطيمه حتى لو كان هو الشر والقبح والدمار، وأنت الذي يقول: حتى الأشياء القبيحة هي جميلة في زوايا منها لا يراها الآخرون.. وكنت أجيبك: ذلك كون الفنان التشكيلي يبقى قبل ولا يفارقك فيصنع لك من قبح الأشياء جمالاً.
فكنت ترد: مثلما أنت لا يفارقك الإنسان المسيس والمؤدلج. وكنا نتصافح ونضحك كما يضحك رواد فلسفة الضحك في دابادا و (كشهم) ومساميرهم.. ونحن الوارثون.. أنا وأنت..
آه.. يا حسن مطلك.. أدرك الآن عظمة عملك وكبر تضحيتك التي من خلالها تركت لنا درساً عميقاً يصعب نسيانه.. لقد اخترت موتك بنفسك بينما نحن ننتظر أن يهجم علينا موتنا ونحن غافلون.. ولكن ما يؤسفني أنك قذفت بنفسك في جحيمهم.. وكأني بك تبحث عن فرشاتك وقلمك ناسياً بأنك عبرهما وعبر كرمك بروحك قد صعدت إلى السماء لتعود نبراساً للأجيال القادمة وتخط لهم لوحات جميلة وأدباً رائعاً يعلمهم مقارعة الدكتاتوريات من غير دماء ولا شهداء.
وقد تم إعدامك أو شنقك ـ لا فرق ـ كي تموت واقفاً كما نخيل العراق وتوضع في قبرك واقفاً وبملابس النوم من دون كفن.. كما الشهداء.. وأنت نبراسهم، كي تكون مميزاً بين شهداء العراق اللذين قارعوا ظلم الدكتاتور وجبروته وهو فرعون القرن العشرين.. لتزرع الخوف في زبانية الأنذال، لتصعد روحك إلى السماء في 18 تموز 1990 وتدفن في قبرك في 2 آب 1990 والعالم يفاجأ باحتلال الدكتاتور لدولة الكويت ونحن إخوانك وأصدقائك لا نستطيع أن نبكيك مثلما نودع الشهداء خشية من الزبانية وهم كثر بإرهابهم وأوامرهم: لا تبكوا، لا تجتمعوا، لا تحزنوا.. ولا.. ولا..، يقولونها، وبكل وقاحة سيدهم متجردين من إنسانيتهم.. وها هم الآن يعيشون بسلام بيننا دون أن يخافوا أو يستحوا كونهم يعرفون أن ما نحمله من إنسانية وأخلاق وتسامح هي أكبر من أحقادهم وشرورهم ودكتاتورهم المقبور.

----------------------------------------

حسن مطلك وإبراهيم حسن ناصر

(مشاهِد معهم)

كنت أشبه بمرفأ لهما بعد سفرهما في عالم الأدب والحياة.. وصندوقاً يضعون فيه بعض همومهم ومعاناتهم وأحزانهم وربما فرحهم.. لذلك أقول ما قاله ابن عربي في (شجرة الكون):" لن يدرك ما أعاني إلا من يدرك المعاني".

مشهد ـ أ ـ
لم أكن أشعر بالبرد لكنني أحس بألم قطرات المطر وهي تصطدم بزجاج الشباك فتسيل كدموع الثكالى من أمهات شهداء العراق. دخل حسن مطلك الردهة بملابس مبللة وعيون باحثة ليصدم صوتي سمعه مرحباً ناسياً آلامي محاولاً الوقوف لمعانقته، لكنه سبقني وعيناه مملوءة بدموع لقاء الأحبة، فخرجت كلماته متحشرجة: جميل.. لقد ثـقّبوا جسدك ولم يعد يصلح كقربة.. لقد أعادوك طفلاً فقمطوك.. آه.. ربطوا قدمك كي لا تهرب. إنك مثلي تكره زرق الإبر. طرق الجبس بظاهر كفه وأضاف: صوته جميل ولونه أبيض.. تستطيع أن تعزف إيقاعاً وربما ترقص ألماً. فقلت: كفى يا حسن.. إنك لم تسلم على بقية الراقدين في الردهة. صمت قليلاً. فابتسم وحياهم متمنياً لهم الشفاء. قلت: كأن العشيرة لم تعلمك الأصول فتصافحهم.
قال: أنا لا أخضع للبطح العشائري.. المهم، وقتي ضيق لأنني مشغول بالإعداد لمعرض كاريكاتير وسيمفونيات بتهوفن.. ولأنني لا أخضع للبطح العشائري فهديتي لك كتاب ينسيك آلامك، سنلتقي، إنشاء الله في سديرة.
ناولني الكتاب وقال: السلام عليكم. خرج مسرعاً كما دخل. والكتاب كان رواية (البحث عن وليد مسعود) لجبرا إبراهيم جبرا، والإهداء: أبو ضياء.. لقد عانقك الموت فأغضبته.. فذهب.. إحذر سيعود.. أتمنى لك الشفاء.. حسن مطلك.

مشهد ـ ب ـ
عاداني مساءً: حسن مطلك وإبراهيم حسن ناصر. وكنا لوحدنا فتحدثنا طويلاً في الأدب وهموم العراق، وعما كتبا وسيكتبان. الاختلاف في أسلوب الكتابة عند كل منهما. حسن مطلك متأثر بالآداب العالمية والفن التشكيلي وعلم النفس وعمق التراث والتاريخ. كتابات إبراهيم الحسن متأثرة بالأدب العربي والحرب واللغة التقريرية للصحافة، لكنه يمتلك لغة رائعة عند استخدامه للفلاش باك والمرأة كعشيقة ومتحدية. أما المرأة عند حسن مطلك فهي فاعلة ومتفاعلة وهاجس نفسي ولوحة فنية متغلغلة فيما يكتب فتأتي كمؤثرة في الرجل أكثر من كونها متأثرة. أما المكان لدى إبراهيم الحسن فواسع شامل لكل العراق فهو يحاول توسيعه قدر ما يسمح به النص ويأتي مكانه جغرافياً معلوماً، أما الزمان فمحدد ويحاول تضييقه أو ربما لا يضعه في حساباته عندما يكتب، لذلك يجيء حراً وحسب ما يحتاجه العمل الأدبي.
أما الزمان لدى حسن مطلك فهو واسع وطويل كونه يمتد عبر عمق الحضارة الإنسانية لذلك فهو تاريخي يقف في محطات مكانية تمس الإنسان وتأثيره وتأثره بالصراعات السياسية والأفكار الفلسفية والاجتماعية والآلهة والدين وصراع الحضارات، أما المكان فهو يتحكم به فيستطيع أن يضيقه لدرجة أن بإمكانه حصره في متر واحد، مثلما كتب متخذاً البئر في قصته (حكاية السقوط) أو الحمّام في قصته (إشارات قبائل القاعة). لكن هذا لا يعني أنه لا يستطيع توسيعه.. بل تراه في قسم من كتاباته يمد هذا المكان ليشمل الكرة الأرضية، كما حدث في (دابادا) فعلى الرغم من أنه قد حصر المكان في المنطقة المحصورة بين جبل مكحول وقلعة آشور والتلال غير البعيدة شرق قريته سديرة، لكنه أخبرنا أن بإمكانه مد المكان إلى صحراء نيفادا والقارة السوداء وآسيا وحتى أوربا..
وهكذا بقينا، نحن الثلاثة، نتحدث إلى وقت متأخر من ليل الاستشفاء فجرحي مازال كبيراً باستشهاد شقيقي صباح وكانا بمثابة عزاء لي أرى فيهما صباح.

مشهد ـ ج ـ
اعتاد إبراهيم أن يودعني قبل التحاقه من الإجازة إلى الجبهة. كان مهموماً ومشتتاً يلعن الحرب قائلاً بأنها حرب نذلة وغير عادلة ومدمرة، معلقاً بأنه لا يعني الأسباب والدوافع بل أسلحتها التي تفقد الرجال كرامتهم لتحولهم إلى جرذان تختبئ في الجحور، ليس جبناً، لكن الحرب قد تحولت إلى قصف مدفعي متبادل في قاطع جنوب البصرة.. شظية جبانة تخطف إنساناً لم يكمل احتساء قدح الشاي بقربك ولا ترى عدوك لتثأر له ولنفسك فيموت في أحضانك دون أن تستطيع فعل أي شيء سوى الدموع والتحديق في دمه وهو يختلط بتراب أرض البصرة السبخة.. إنه ليس خوفاً من الموت لكنها مأساة تحطم الإنسان الذي خلق الله الكون من أجله.. يقول إبراهيم: تصور أنني اعتدت أن أمر على كلية الآداب في بغداد في بعض إجازاتي.. في بداية هذه الإجازة مررت بها وكنت أتجول في أروقتها، لكنني لم أكن أحس بأي طعم، زيارتي مزيجاً من المشاعر المتناقضة.. وكأنني لن أعود إليها ثانية، فبدت مجرد بناية صماء، شوارع وحدائق وطلبة غرباء.. ليس فيها أية حياة.. شعرت أنا الآخر بالغربة والضياع فيها، لم أتمكن من البقاء فهربت كسجين يغادر زنزانته المقيتة.
ودعني قائلاً: أظن بأنني لن أراك ثانية، لكنك ستراني موضوعاً في تابوت طويل سيكون نجاره خاسراً كونه سيحتاج إلى خشب ومسامير أكثر من المعتاد بحكم طول قامتي.
ودعني زارعاً الخوف في نفسي خشية من أن تصدق نبوءته.. للأسف صدقت نبوءته وحدث ما أخشاه فعاد ملفوفاً بعلم العراق لتنهمر دموعي ساخنة صاخبة من أعماقي.

مشهد ـ د ـ
أصبح مشاكساً ومهموماً بسبب ما عاناه من مواقفه وفي طبع (دابادا) وضيق ذات اليد، فكان يصب من همومه ومعاناته في صندوقه/ صدري.. لكنني أحسست بأنه يحمل هماً أكبر من الأدب كون أفكاره قد أخذت بمصالحتي، لأنه كان، سابقاً، يهاجم السياسة عندما يرغب باستفزازي، أما الآن فأشعر به يقذف بشباكه لتعود إليه خاوية، كوني قد عرفت من خلال تلميحاته بوجود شيء ما لكنه سيفشل بسبب التلصص والأمية السياسية والإرهاب الدموي الذي تمارسه الدكتاتورية.. دفعني ذلك لبناء سياج حولي دون أن أفقد صداقته.. وكان حسن مطلك هو عواد وهو شاهين في (دابادا) فأمسك المدية بشكل خاطئ ونجى حمار المختار المدلل (قندس) فأدمى يده وأدمى قلوبنا وجعلنا نبكيه بصمت في دواخلنا.. لقد كان الثمن باهضاً.. لكنه تراب العراق!.

مشهد أخير
الآن اختلطت أجسادكم بتراب العراق في قبريكما.. لكن روحيكما مازالتا ترفرفان، فوق رؤوسنا، مع أرواح بقية قوافل شهداء العراق.
فوداعاً يا أحبتي.. وشكراً لكما لأنكما قد جسدتما كلماتكما ووعيكما وثقافتكما بفعل الاستشهاد من أجل العراق وكل حسب طريقته.. فلكما الخلود لأنكما رفعتما راية حب العراق وبرهنتما على أن محبة الوطن من الإيمان.. فطوبا لكما ولكل شهداء عراقنا.
------------------------------------------------------------
*معذرة لهما لأن ما كتبته هنا لا يعطيهما حقهما.. كتبت موضوعاً أطول بهذا الشأن لكنني هنا قمت باختيار مشاهد/ لقطات منه بحكم أنها ألقيت في حفل تأبينهما الذي أقامه منتدى سديرة الثقافي، فجاء المكتوب فيه من الغبن لهما ولي.. لكنها الضرورة.
العبارات والأفكار التي دونتها على لسانيهما، وحتى الإهداء، ليست مطابقة نصية لأقوالهما وأفكارهما، لكنها من الذاكرة ومن صورهما في داخلي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*إبراهيم الإمحمود: كاتب وسياسي عراقي، صديق الراحلين حسن مطلك وإبراهيم حسن ناصر، وابن قريتهما.

مقال / عبدالكريم الزيدي

الروائي الذي أعدمته سلطات الدكتاتور عام 1990

حسن مطلك يُبعث في مصر من خلال رواية دابادا



عبدالكريم الزيدي


أية ليلة حزينة تلك التي شهدت إعدام القاص المبدع حسن مطلك!.. أجزم أن النوارس فرت مرعوبة من نهر دجلة وهي تشاهد تدلي هذه الجثة .. كالضوء.
كيف تجرأ الرئيس صدام حسين على تنفيذ أمر إعدام هذا القاص.. ليدخل بذلك التاريخ الأسود كما دخله قبله فرانكو حين أعدم شاعر إسبانيا لوركا.
إن عملية إعدام حسن مطلك الروائي الرائع والوديع، الذي اقتحم العاصمة بغداد بكتاباته الرصينة واستطاع أن يكون لنفسه صوتاً متفرداً ومتميزاً في الرواية العراقية، تعد خسارة للأدب العراقي.. بل والعربي. فقد كان دؤوباً ومخلصاً لعملية الإبداع، وكان مشروعاً لأن يكون أحد الأسماء البارزة والكبيرة في الأدب العربي.. إنها حقاً محنة المثقف العراقي المعاصر إزاء نظام دموي لا يتورع عن قتل مبدعيه خلافاً لتقاليد دول العالم التي تكرم مبدعيها وتقيم لهم التماثيل لتخليدهم.
أصدر الراحل حسن مطلك رواية (دابادا) عام 1988 والتي أثارت ردود فعل كبيرة لدى المختصين، فقد قال عنها جبرا إبراهيم جبرا: "إنها رواية غير عادية وكاتبها شاب جريء"..
"دابادا: هي صرخة في الفراغ..
تشهد نضال الإنسان ضد الموت التدريجي.
إنها رفسه مُوجهة قبل حلول الزوال، لبعض الناس الذين يرفعون إنسانيتهم إلى الأعلى فيخرجون من إطار الجذب الاجتماعي ويدخلون صفحات الأسطورة. إنها لا تُرسخ اتجاهاً معيناً ولا تدافع عن مدرسة أدبية، وإنما تتحدى قدسية التراث الروائي بأكمله، فهي تشبه قصيدة غليظة مشحونة بحس الفجيعة المضحك، غائرة في التراث الاجتماعي لسكان وادي الرافدين حتى عصر آشور بانيبال، وربما كانت: "تمريناً شاقاً لتعلم الخطأ" كما يصفها كاتبها الذي يقول إنه كتبها ليحمي نفسه من القراء".
قال عنها الروائي عبدالرحمن الربيعي:" لقد أحببت هذه الرواية العصية، إنها رواية مختلفة، لا يمكن أن تذكرنا بأي عمل روائي آخر ولم تتعكز على إنجاز روائي سابق.. إنها رواية وحيدة ومكتفية بما حملت". واعتبرها الراحل محمود جنداري:بأنها تمثل "الكتابة بشروط الحياة". أما الدكتور الناقد عبدالله إبراهيم فقال عنها:" إنها رواية تستفز القارئ وتتصدى لقضايا كبرى، إن هذه الرواية ستثير إشكالات في مستوى القراءة ومستوى التأويل وستختلف الآراء حولها".
وقد صدرت رواية (دابادا) ـ بطبعتها الثانية ـ عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، وجاءت طبعة القاهرة في 220 صفحة من القطع المتوسط ومدرجة ضمن سلسلة كتابات جديدة التي يديرها الروائي إبراهيم عبدالمجيد.
رواية دابادا يعدها النقاد أهم رواية عراقية كتبت في العقدين الأخيرين لما فيها من تجديد متميز على كل المستويات؛ اللغوية والتقنية وعمق الموضوع، ولما كان لها من تأثير كبير على الكتاب العراقيين الشباب.
بعد كل هذه الشهادات بحق هذه الرواية.. أيستحق كاتبها أن يُعدَم، وجريمته أن له رأياً مغايراً لنظام الرئيس صدام.
أيها الراحل المبدع الشهيد حسن مطلك، سنقيم لك تمثالين خالدين الأول خالداً في مدينتك الحدباء (الموصل) والآخر في بغداد.. فمثلك يجب أن يُخَلّد، أما تماثيل من أمر بإعدامك فستتحطم وتتناثر شظاياها في القمامة.
فهذا التاريخ، وهكذا كان لوركا مع فرانكو.. وأنت قد غدوت (لوركا العراق).. باقة أزهار على قبر مبدع سيبقى يفوح شذاها لكل الأجيال.
-----------------------------------------------------------
*نشرت في صحيفة (الاتجاه الآخر) العدد 43/الأربعاء 5/12/2001 دمشق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*عبدالكريم الزيدي: شاعر عراقي يقيم في دمشق.

قراءة / يوخنــا مرزا خامس

روايــة (دابادا ) لحســـن مطــلك


. . رموز الحياة في النص الروائي

يوخنــا مرزا خامس

تعد رواية (دابادا) للروائي العراقي حسن مطلك سمفونية من سمفونيات الموسيقار العالمي (بتهوفن)، من حيث الإيقاع؛ فإيقاع (بتهوفن) في ارتفاع وانخفاض رهيبين دون أي عبء بالزمان. وهذه الرواية – أيضاً – ذات إيقاع مرتفع ومنخفض في فراغ لا زمان له، والتي ستنسج بعد ذلك لنفسها زمانا غير هذا الذي نتعامل معه. تريد الرواية أن تقول إن الزمان لم يعد زمانا ساعاتياً عليه أن يتوقف، حركته خاطئة، أنتجت الأوجاع والبؤس، ثم أن علي الإنسان ابتكار زمان آخر يصنع من خلله حياة لا يمكن أن تنتج إلا فضيلة بأخلاقيات تتعارف هي عليها وتصيغها دستوراً للعالم.
إذن حبكة الرواية تحدث في فراغ يفصل بين زمانين، زماننا هذا، والزمان الذي سينسج، برزخ فراغ، وهو لا محالة متوقف، فإما النكوص الذي يؤدي إلى التلاشي، وإما الزمان الجديد – كعمل جديد – الذي سيقودنا إلى الولوج في الحياة الجديدة من خلل تلك الصرخة في الفراغ.
إن لفظة (دابادا) ليست لغزاً، وليست مهمة النقد البحث عن الألغاز، ولكن مهمته البحث عن تفسير النص ومكوناته وتأويله تأويلا أدبيا ناضجا بمستوي نضوج النص المقروء. فلفظة (دابادا) تتمفصل إلى ثلاث حركات تتكون صوتيا من صوت الدال والباء الانفجاريين وصوت الألف اللين؛ يولد هذا صرخة تبدأ بقوة (انفجارية) وتنتهي بلين، واللين في الصوت لا يعني الضعف، وإنما يعني الاستمرار، فكما هو معلوم فيزيائيا أن أصوات الانفجارات القوية تكون غير مسموعة تحتاج إلى صوت لين لتسمع وتفهم، وهذا هو حال هذه اللفظة.
إن التوازن بـين القوة واللين جعل من البرزخ الزماني أن يتوازن، والتوازن قاد إلى وجود تلك المساحة البرزخية بين المنزلتين منزلة الفناء ومنزلة البقاء. وبنية (دابادا) تبحث عن رموز في حياة غير هذه الحياة التي نعيشها، حياة بلا زمان، وبلا واقع، وبلا وجود، حصرا هي موضع للانتقال من حالة إلى حالة أخرى، بثلاث حركات – كما أسلفنا – هي:-
حركة (دا) :- قبل أن نلج في دراسة الحركات الثلاث لابد أن نؤكد أنها – أي الحركات – شفافة تدعو إلى المحبة ونبذ البغض مهيئة للولوج في عالم الأبدية فهي إذن حركات انتقالية تهيئ الأجواء إلى أمور خطيرة.
حركة (دا) بصوتيها تقود بنية المعني إلى سطح النص إلى الشفافية؛ لتنزع كل الضغائن والأحقاد، وتنزع القلب إذ ما دعاه الكره، ودفع السواد الذي يقاوم الجمال.
(( عضو من الأعضاء يمكن الاستغناء عنها
كالقلب المكروه كما هو مؤلم جديـر
بالقذف – ستبقي دائما علي السـطح
دائماً دائما .. دا ....)) الرواية ص 160
(( ادفعوا هذا السواد ضد الجمال نفسه
والموت تحول الوجه إلى رداء...
رداء ... رداء... دا...)) الرواية ص 161
وإذا تابعنا النصين لوجدنا أن الأول يدعو إلى نبذ الكره من القلب والثاني نبذه من الوجه، فالبراءة لا تظهر إلا علي الوجه وفي القلب، ومما يعضد هذا أن القراءة في المدارس العراقية (الخلدونية) تبدأ بـ(دا) والطفل بــ(دادا)، وهذا يضيف ويؤكد علي ما ذهبنا إليه من معني البراءة لحركة (دا).
وثمة تمازج بين لفظتي (دائماً) و(رداء) اللتين كونتا لفظة (دا) في الحركة الأولى، فانهما قادتا الحرية بعد أن قادتا البراءة؛ الحرية التي تصلح لكل إنسان، فهو ( رداء ) يستطيع أي منا أن يتقنع به علي وجهه. فكثرة استعماله تحول الرداء والقناع إلى كل الوجوه والأجساد، ولكن (دائما) علي السطح، مكان الوضوح.
حركة (با) :- تبدأ حركة (با) بالهبوط بعد أن كانت في الحركة الأولى علي السطح (الوجه والقلب)، تنزل إلى أعماق النفس لتتعرف علي الأسرار الكامنة تكشف الثعالب والأصدقاء، وتميز بينهما في اللحظة الأخيرة عند نزع السكين علي باب المذبح. تميز هذه الحركة بين ثنائية الثعلب بكل ما يحمله من مكر وخبث، وبين الصديق وما يحمله من حب وود وبراءة؛ فهي ممارسة للعري والتجرد من اللغة في حياة البرزخ التي صنعها الكاتب والتي توقف فيها الزمان وانمحى المكان، وخرج من الكل؛ ليقيد نفسه بمجيء الغد، الغد الذي يختلف عن كل الأيام الماضية لتصبح الحياة براءة قطرة عذرية الرجل في ذهن رجل آخر وتكون صوتا بشريا جميلا تحت الشجرة: -((إلا إذا كانت الخوارق شيء كثيف هابط
ممتزج بوجوه الثعالب والأصدقاء ويبقي السر
لحظة أخيرة من النزع حركة سكين الذبح في
باب المذبح، باب بابا – با...)) الرواية ص 160- 161
((ليس ثمة بقعة لممارسة العري و التجرد من اللغة
القيد خير دليل علي مجيء الغد هو البراءة قطرة
عذرية الرجل في ذهن رجل آخر صورة جميلة من
صور التفاني اليائس – احتضن البشر تحت الشجرة
... البشر... البشر.. البـ.. با...)) الرواية ص 161
عندما نقرأ النصين في هذه الحركة نحس بان المرحلة القابلة هي مرحلة: البراءة،
العذرية،الجميلة، التفاني، الشجرة، الباب، المذبح0 كل هذه العبارات تدل علي الطهارة والنقاء، وتهيئ الإنسان للولوج في حياة جديدة، لا مرارة فيها ولا شقاء، ففي هذه الحركة تحاول دلالة النص أن تنسف مقولة (نيتشة) : ((لا شيء خارج الكل))
نعم فضاء هذه الرواية هو خارج الكل، ولا يهتم بالقيود المطلقة، ودليل النص علي ذلك: إن حركة(با) تتكون من (باب) الذي يعني الخلاص والفرج، ومن (البشر) الذين يشكلون مادة التغيير في الحياة القابلة.
حركة (دا) :- تعود البنية الدائمة مرة أخرى لتطوق الدورة الدموية للنص التي بدأت بـ(دا) وانتهت ب(دا) أيضاً0 فقد عادت (دا) ثانية لتعلن عن نهاية الدورة الكونية في الوسط الفاصل بين عالمنا والعالم الجديد، ولتؤكد أن (دا) هي صرخة بين صوت (ع) وصوت (ك)، فالمسافة قريبة بينهما، لا مجال للتفكير والمشاورة، أما أن تكون في الحياة القابلة المرسومة، وإما أن لا تكون فتعود من حيث أتيت لتشعر بالعودة، بالفشل، وبالارتداد المحبط0 فالعين صوت حلقي والكاف صوت طبقي، والمسافة بين الحلق والطبق جدا قريبة، فيا أيها الناس لا تتركوا فرصة للعودة فالفردوس لا طريق له إلا مع التقدم، والتراجع يعني التلاشي والضياع0 فالصراع قائم بين الزمان الفيزياوي، واللازمان الفلسفي لتكوين معادلة زمانية جديدة لا نعلمه ولم نستخدم أدواته لكنه موصوف بالأفضل والأكمل:-
(( لأجل الألم يقترن بانغراز الأصابع في فروة
الشعر لكنها تنشر ولا تخفف لأنها مباحة دائما
دائما – دا... )) الرواية ص 161
(( سيلان الممكن في الجامد كالحديث الجارح
عن الرمل والهواء و النميمة عن الجبل رفض
الفكرة لأجل الآخر.. الآخرين – الاخر..
صرخة هي إسكات من ع حتى أقاصي ك
دائرة .. دائرة.. داء.. دا... )) الرواية ص 161
نستشف أن علاقات (دابادا) الداخلية هي علاقات (دائرية) وليست (هرمية)؛ وعلي هذا فإن المذكورين في الحركة السابقة ستكون علاقاتهم دائرية متفاهمة لا تسلطية في الحياة الموعودة؛ أي إن مبادئ الحاكمية لا تجمعهم ولا تدخل ضمن أفكارهم وايديولوجياتهم. الحركات الثلاث (دا) و(با) و(دا) لا تلتقي في الرواية مرة واحدة، بل أن وحدتها تصطدم بعثرات التمنيات حتى تصل وبصعوبة إلى وحدة الأصوات في كلمة واحدة لتحدث ثورة ضد الواقع:
نري أن محاولات الالتقاء بين أصوات (دا) و(با) و(دا) لا يتم بسهولة، وهذا اللقاء يعني لقاء القارات الخمس وتوحدها، فكما أن لقاء القارات هو أمر صعب، ولكنه ليس بالمستحيل، فكذلك هو حال (دا) و(با) و(دا):-
((ولكنه نادرا" (!) ما يصل إلى الاغماء. يمد ذراعيه فلا تصلان، إذ ليس ثمة حائط أو خزانة أو عمود أو زفير.. ويصرخ صرخة بلا حبور ولا صوت: دابادا)) الرواية ص 161-162
يمد يده نحو الوهم فلا شيء يستطيع التشبث به، هو بحاجة إلى هذا التشبث للوصول إلى الحياة الدابادية الموعودة، ولا يجد إلا جسر (دابادا) ليعبر إلى الضفة الأخرى ضفة الفردوس.
وبعد كثير من الصرخات والمحاولات تمتد اليد لتشعر بشيء وكأن الجسر الفاصل
بين المنزلتين قاده إلى الدائمية التي كان يبغيها:-
(( وتمدد فوق الكرة الأرضية شاعراً بزيت الأجنحة،
بالغطس حتى أحجار القاع . لجة النهر . الفيضان.
اللبوة الجريحة. الباذنجان علي الجريدة حيث الموضوع
المكتوب عن مجاعة السود. الطيور الأصوات الطيور
الأصوات الطيور الأصوات، الهديل الدائم الداء الدا... دا - با – دا... )) الرواية ص 200-201

----------------------------------

*نشرت في جريدة (الزمان) العدد 1963 بتاريخ 2004 - 11 -10
*يوخنا مرزا خامس: كاتب من العراق.

قراءة / زيد الشهيد

عن تجربة الروائي الراحل حسن مطلك:

دابادا . . الرحيل على كف الدهشة

المعالجة الشعرية والبناء السردي في النص الروائي

زيـد الشهيد



" كل ما أٌريد أنْ أفعلهُ هو أنء أٌنتجٌ كتاباً
جميلاً حولَ لا شيء، وغير مترابط إلاّ مع
نفسه وليس من عوالم خارجية ".

غوستاف فلوبير


التعطر بالشعرية
يقترب مفهوم الشعرية من مفردة " الشعر " كمصدر لغويٌ يبنى على ثبتِ الأحرف المشتركة بين المفردتين.. وفي الوقت الذي يختص الشعر على ما يشكل ويؤسس من تراكيب هندسية ثابتة [ وحدة تفعيلة، ووزن، وقافية ] فإنّ الشعرية تنأى تدريجياً عن بنية الشعر، ساعيّة للتمثّل بطابعٍ خاص يحددّها وحدها ولا يقرّبها من الشعر سوى التداعي بنظرته الموحية إلى استذكار شيءٍ بعيد بشيءٍ ماثل فنرى إليها ـ الشعرية ـ شذاً ينثر موسيقاه، أو نغماً يٌبعثر أرائجَهٌ بين ثنايا المفردة وعطفات الجملة.
وإذا كانت (الحرية) قد استدٌعيت في الشعر لتدخل جسد اللغة و " ظهرَ الشعر كظاهرةِ حرّية"** على حد قول باشلار فإن الشعرية أولجت دهشة التحليق في نسيج اللغة النثرية، وأظهرت النثرية رحلة مُتعوية هادفة تؤكد جوهرها من متواليات التتبع القرائي المستمر والحثيث، والذي لا تنتهي الرغبة منه بمجرد اختتام صولة القراءة الأولى إنّما تتوالد رغبة رغوية لإعادة المطالعة والبدء من جديد في بحث وخوض قرائي ـ يقيناً ـ سيمخضّ متعةً جديدة متوالية، ويفرز رؤى أكيدة متعالية؛ وهكذا …. لكنّ الشعرية التي هي حاجة يتطلبها النثر خصوصاً في فن القص المأسور بالحبكة الصارمة المبنيّة على الشد والإقناع وجمع الخيوط التي ابتدأت منفرطة ومفترقة ـ كما ألفنا ذلك في روايات القرن التاسع عشر، وروايات النصف الأول للقرن العشرين ـ لا تتجاوز الشعر بل هي تنهل من منهله حيثٌ الشعر مملكة مفتوحة يستطيع صانع الفن القصصي الدخول من أبوابها لأنه كلمّا اقترب القصص من شرط الشعر ازدادت دقّة كلماته*** فالاستعانة بفاكهة الشعر الخيالية لتغذية الشعرية وجعلها تعيش الحيوية الدائمة أمر لا مناص منه إنّما هي ضرورة…. وهذا التصوٌّر يقرّب المسافة بين الشعر والشعرية.. وقد تدفعنا الرغبة المتطرفة في تناول ذلك ـ بعض الأحيان ـ تخبطاً إلى توصيف جهد مادة نثرية ما ـ قصة أو رواية ـ على أنها رحيل شعري ليس بدافع التقييم الموضوعي ولكن باندفاع التأثر العاطفي، وحب وتوددَّ العمل المقروء … وتناولي ( دابادا )، هذا الإبداع الروائي المهمل قصداً هو ما قادني إلى التطرّف، وساقني إلى تأكيدات / استنتاجات بعد عديد المطالعات والقراءات هكذا منجزٍّ أثير، ودفعني إلى إعلان:
1- أنَّ " دابادا " رواية أدبية بمثابة قصيدة بانورامية / دائرية لا تنتهي.
2- وأنَّها متوالية من الشعر العذب أو الشعرية المفرطة بالاشتهاء ما أنَ تنتهي من صفحة حتى تساورك دهشة العودة للسابقات من الصفحات.
3- المُغري في " دابادا " الرواية أنّك تقرأها من أيمّا صفحة تهطل عليها عيون شغفك القرائية، فتهب لك متعة التواصل تجاوزاً على ضرورات الفكرة وحتمية حركة الشخوص وانفعالاتهم لأنّ "دابادا" خطاب يهشم التسلسل المنطقي للأحداث وانعدام الصعود العمودي، كذا تعثر وتوراي المسار الأفقي.
4- في " دابادا " السخرية تفوح من بين الأسطر؛ تهاجم مملكتك الروحية فتنفرج أسارير النفس لفكاهة الصورة وبلاهة المشاهد المصورة بأسلوب غير مألوف، لكأن المعروض وجود سريالي يجسد أبجدية تثير البلبلة الذهنية وتهرب من بين الأصابع شعلة الحيازة التي ظننت إنك ماسكها فيما يندلق من فم الفحوى يقين أنك في حالة افتقاد شيء احتوته؛ توارى منساباً / متسللاً عبر دروب المتعة، واختبأ مخادعاً / متحايلاً ما وراء الرغبة.
5- و " دابادا " هي ( صرخة في الفراغ … تشهد نضال الإنسان ضدّ الموت التدريجي … وإنها رفسة موجهة من قبل حِلول الزوال لبعض الناس الذين يرفعون إنسانيتهم إلى الأعلى فيخرجون عن إطار الجذب الاجتماعي ويدخلون في صفحات الأسطورة ).. هذا مقطع من رأي الدار التي نشرت هذا الإبداع النصيّ، وهذا ما ورد في الغلاف الخلفي المطبوع.
6- والمقطع الثاني المتمم يسترسل في القول " إنّها تتحدَّى قدسية التراث الروائي بأكمله" أمّا المقطع الأخير فيقرٌّ بأنَّ " دابادا " تشبه قصيدة غليظة مشحونة بحس الفجيعة المضحك.. ويستعين رأي الدار بقول صانع الخطاب يوم قدّم اشتغاله الروائي إلى مؤسستها ـ أي الدار ـ معتبراً إيّاه " تمريناً شاقاً لتعلم الخطأ " وبأنه " كتبها ليحمي نفسه من القراء ".

العنوان .. تفكيك بنيوي
بدءاً تتحدد بٌنى العنوان من تلاحم مبهمٌ يفضي إلى بناءٍ سيروري متعدد الاحتمالات، فالتفكيك البنيوي هنا يقود لثلاث بنيات صوتيه ( دا .. با .. دا ) مولدّا ثلاثة إيحاءات:-
1- إيحاءاً بتمتمات النطق لدى الطفل ذي الأشهر القليلة قبل اكتمال عامه الأول: " دا.. با.. دا".
2- إيحاءاً بتعلّم القراءة والكتابة في الصف الأول الابتدائي حيث المنهج الدراسي لوطن الروائي (العراق) يحوي ( دار ـ باب ـ دار ) تحيل إلى ذلك مهنة الروائي ـ مٌعلم.
3- إيحاءاً ببناء يوتوبي يبني عالماً خاصاً يحمل اسماً ككل الأسماء: لقرية تجترح لها موقعاً مثلاً ـ سيما وانه لم يعطِ اسماً للقرية التي حملت فضاء خطابه ـ أو تجمعاً بشرياً حاول التشبّت بالتعبير إثباتاً لهوية.

الروايـة الفحــوى
يشرع الخطاب الروائي باستهلال تقليدي، يجعلنا نحسبها ستستمر على هذا المنوال حيث نتعرف ـ من الفقرة الأولى لا غير ـ الشخصيات الفاعلة (( وإنْ لم تكن كذلك )) لأني وحسب اليقين والتقدير أقر أنّ بطل الرواية الأول في هذا العمل الفذ هو مؤلفها..
بإمكاننا إذاً التعرف على الشخصيـات بتقديم لا يخلو من ذكاء ولا يبتعد عن براعـة:
1- هاجر: الأم المبتلاة بعدوى الثأر لمقتل زوجها.
2- محمود: الأب المقتول غدراً.
3- شاهين: الابن المنتظر لقيام لحظات الزغاريد بجدوى تطمين الأم بأداء الفعل بعد عشرة أعوام من التلقين الرابض خلف تلال إعادة الهيبة للرجل القتيل والزوجة الطعينة.
4- عواد: الرسام؛ الولوع بالتشكيل ـ رسم البورتريت ـ نحت الأفكار الآتية من نحت الطين سنوات الصغر، وتفاوته مع الأب ذي اللحية المدببة المرتبة، الغارق في العبادة والناظر لهذه الممارسات على أنها أفعال شيطانية تكرس عبث الابن وترسخ لهوه ومجونه.
5- عزيزة بنت القطّان: أثيرة عواد وإحدى محبطاته في مضماره الفني، لاهيةً في نزقها؛ لاعبة على وتر اهتمام عواد بها وهيامه " بعراك أجزائها أثناء المشي "..
يَلمٌّ فضاء الرواية بتفاصيل قروية صرفة: مطبخ/ عروق الشوك/ قربة اللبن/ البراري/ الأرنب المبقع.. مفردات ترسم جزئيات العالم الريفي: [ بحلول الخريف تجاهد الأشجار للتخلص من أوراقها الميتة قامت هاجر اتجهت إلى المطبخ المتفرّد لكي توقد ما تبقى من أحطابها وتعد أصباغاً من عروق الشوك لقربة اللبن.. قامت هاجر يقول شاهين وهي أمه.. وفي كل خريف تتجددّ ذكرى ضياع الأب في البراري بسبب أرنب مبقع.. بعد ذلك تجيء الصباحات وراء الأقفال لتذكرّ الابن بوقفة ما، حفيف رداء، عشيّة عزيزة، خسارة بكل شيء تقريباً باستثناء عّواد واختباراته في فن الرسم ]ص5.
هذا الاستهلال التقليدي المتصوّر سرعان ما تتكسرَّ آجراته عبر عبث مارسه صانع الخطاب في تفتيت البناء الروائي المعهود باستخدام لغة مراوغة خرقاء وشعرية حشدَ أرائجها وجحفَلَ شذا مفرداتها لتتولى مهمة السرد بغواية ساحر مٌغَالط يمنحك شيئاً ولا تستلم شيئاً فجاءت الشعرية لتحقق المعادل الموضوعي لتهشيمـة السرد وتضئيـل صدمة قارئ اعتاد على إرثٍ حكائي يعتمد الحبكة (plot)… إنَّ ممارسة تهشيم السرد الحكائي وتغييب ترابط أجزائه ارتكبها الناص بقصدية وتعّمد قتل رتابة موضوع الحكاية وتفتيت وحدتها الدلالية، سيما وأنها حكاية مألوفة ومطروقة في واقعنا العربي وأقصد بها طلب الثأر اعتماداً على ولدٍ يكبر وسنين يٌراد لها العدو الحثيث لتجسيد الفعل وتحقيق الثار هدفاً لإرضاء الذات المكلومة والدواخل المحتشدة التي صرفت الأزمنة تحت ظلال انتظار اليوم الموعود؛ فنرى إلى أن التشظي والتبعثر هما المسيّران/ المهيمنان على امتداد نهر الصفحات؛ يفتتان سيل اللذة الناتجة عن تتبع الأحداث وما ستؤول؛ يولدّان لذاذة أخـرى من شعرية اللغة التي ستصبح صولجان الأخذ بالخطى القرائية صوب التواصل.

الشعرية والمرتكزات
ترتكز الشعرية كمفهوم يتداخل والساردّية المتبعة في بناء النص وجهوزية الخطاب على مرتكزات، لعلَّ أهمها:
1- الصورة: حيث التوجّه لرسم اللوحات الصورية اعتماداً على مهارات تنتجها الموهبة وتقدمها المقدرة الإبداعية… لوحات مٌستلّة من معرض الحياة اليومية لتفاصيل واقع مٌعاش، أو بورتريات لشخوص جسّدوا جهودهم المغايرة لجهود الآخرين وعرضوا هوياتهم الانفعالية المتمايزة للهويات… شخوص نزلوا إلى حومة السرد ليٌحكى عنهم بصورٍ أمّا أن تتلفع ضباب السخرية فتأتي فضاءاتها معطرة بروح الدعابة وباعثة على الابتسام؛ أو أنْ تعرض شرائح تنوء بأثقال الكمد ويتمسرح على سحنات وجوهها رماد المرارة.. ولقد مالت كفّة " دابادا " الرواية للتوصيف الأول وغدت نصّاً خطابياً يقطر فكاهة ملغّمة بالمرارة، إذْ نتعرف على (هاجر) المرأة التي ترّملت بفعل اغتيال زوجها عندما كان في رحلة صيد الأرانب؛ فغدت كمدةً حزينـة تعدّ للثأر المرتقب ولدها المسمى (شاهين) هذا الذي تدلّنا الكلمات راسمة الصور على بناء إنساني ضجيـج بالبلاهة المعادلة للبراءة الطفولية في النظر للناس والأشياء؛ وهو [ لم يتجاوز الطفولة بعد سبعة وعشرين عاماً، ميلاده الناقص في الوزن يتعلم كيف ينسى الكلام حين امتلأت أواني الطبخ بأجنحة الفراشات ونبتت الأعشاب ذات الاخضرار الفاقع في شقوق أرضيات الغرف وهو يسمع جملة واحدة مٌذْ كانت الأشجار أكبر من حجمها الحالي؛ إنزل يا بٌني على مهل… درجة…درجة. تراقب تنفسه المرتفع وهو ماضٍ في الاستيلاء على نفسهِ عابراً غرفته بين شقوق الباب من الرف إلى الرف المقابل فيتملكها القلق على صحّتهِ وهزِاله اليومي ويهزّها الخوف: إنه يذبل هذا الولد ] ص6.
2- استخدامات اللغة: يلعب الثَراء اللغوي دوره الفاعل في أنشطة الجهد الكتابي شعراً ونثراً.. والخطاب الروائي حاضنة وسيعة وعميقة تتطلب هدير هذا الثراء وتستوعب دفقَهٌ.. وتبقى اللـغة التي هي (مسكن الوجود) على رأي هيدغر في حالة تفاعل إرهاصي دائم داخلة بوتقة المسار الزمني تفتح أذرعها للتغير.. تتوافق مع هذه التي كالعقار الذي يمنع اللغة من الاضمحلال.. فلا يجب أن تكون اللغة مغلقة // منغلقة تعتمد التركيبة المعتادة والشكل المتوارث.. هذه النزعة الأبدية ـ واقصد بها النزعة التغييرية الحداثية ـ قادت إلى تطور الوعي وتفجيره (في الأدب خصوصاً) باتجاه حداثة فردية يمكن تلمّسها من أوجه عدّة ومستويات متفاوتة تتقدّمها اللغة التي هي أداة فعّالة في تحديد مسار الحداثة لزمننا الأخير لأنْ الموضوع بات متداولاً يسيراً لدى المبدع جرّاء ما يشاهده عبر الشاشات المواربة أبداً على مدارات المعرفة الإنسانية؛ وما يقرأه من منشورات غدت من البساطة إدراكها وحيازتها، ولقد نحا الكثير من الروائيين إلى الاهتمام باللغة وجعلها تتقدم على البنى الهندسية لمشروعه الخطابي، استحال هذا التوجّه ضرورة بالنسبة إليه ختمت السعي الدائب لتطويرها وصقلها ممّا فرضت عليه تراجع اهتماماته بالتفاصيل (… وميزة "دابادا " وفرادتها هو هذا المنحى اللغوي الغريب في الأسلوب وغير المألوف في رسم الصور)… لم تعد اللغة وسيلة حيادية غرضها إيصال وتجسيد المضمون إنما غدت تشارك وتساهم مساهمة فعالة في إنجاح الخطاب الروائي وإيصال مؤثراته إلى ذائقة المتلقي.. أن لغة " دابادا " مراوغة وخادعة تختط مسلكاً خاصاً لم نقرأه في مجمل الإرث الروائي إنما تختص بـ (حسن مطلك) الذي مارس العبث في تدجين اللغة لصالحه خالقاً فوضى تنتاب الصور، واجداً حالة من الرغبة في إعادة القراءة قصد إيقاف التشرذم في رسومية الذهن، وهذه ممارسة نشر نفوذها على امتداد ماراثون خطابه [ سمع صراخاً في أقصى القرية فخفّت قدماه، ثم تباطأتا هذان القدمان بالتحديد، تجرّان شخصاً إلى جهة الصوت ثمة أقدام أخرى تجر ظلال أشخاص إلى جهة الصراخ الذي في أقصى القرية جلبة ضجّة، حياة الآخرين جاء رجل مسرعاً وتوقف بالقرب منه على أمل أن يسأله شاهين: ما الذي يحدث هناك؟ فلم يجبه.. ضجة… جلبة.. لا مناص.. أناس يفور فيهم الدم، وهو أيضاً يبحث في الصراخ لكن الأمر لا يعنيه لأنه مليء بالغبار، مليء وملفوف.. الليل في جانب العالم وحده في هذا العالم، مع ذلك فهو وحيد تقريباً غير متأكد بأنه سمع صراخاً وأنّ رجلاً ما، ظل رجل سأله: ما الذي يحدث هناك؟.. يأتيه الصراخ فيشعر بالأحشاء مجرّد أحشاء من ألياف دافئة لحم شفّاف ودم أحمر، يضع كفّه على جبينه، يقول: ساخن تنزلق الكف فتمتلئ قبضته بأنف فيقول: أنفي، ربّما كان أنفى يستمر المشي ويرتفع الصراخ كشيء إلى الأعلى لا كصوت يزداد ويصير بعيداً جداً.. هناك ]ص20.
قد نقرأ فقرة كاملة فنحسها لا تمت إلى الحدث نلقّن ذاكرتنا بإهمالها بيدَ أننا نفتقدها بعد القراءة فنندفع رغبةً في إعادتها، مكتشفينها داعمة ومكرسة وليس من الجودة إغفالها.. هكذا نصاب بحالة من الترددّ وتنتابنا لحظة عدم اتزان يضعنا فيها السارد قلقين غير رابضين ثباتاً كما لو كنّا نقف على صفيح يغرينا في السير عليه ويحذرنا في الوقت نفسه من تتابع رفع القدمين.
3- الخيال وتوظيف المخيلة: تلعب المخيلة دوراً ذا أهمية في مضمار الكتابة السردية، فإليها تعود فائدة تنشئة الخيال وخلقه وترويضه بحيث يبدو ـ هذا الخيال ـ فعّالاً بأبهى تجسيد وأتقن.. تتولى المخيلة مهمة صهر الموضوع ـ شخوصاً وأماكن وأحداث ـ في بوتقة الذات يدخل إليها كيما يٌعاد تفصيل تشكلّه وإعطائه توصيفاً تبغي له المخيلة الاستحالة والظهور ( وتقسم المخيلّة حسبما يٌراد لها التصنيف إلى مخيلتين: الأولى مخيلة المؤلف الذي تناط به عملية البناء من خلال السرد والوصف وهي مخيلة تنتج خيالات خاصة تحتّمها المرتكزات الأساسية في القص وأقصد بها طبيعة الشخصية/ المكان/ الزمان/ ظروف التجسّد، وخيال كهذا لا يتعدى أنْ يكون مقدماً بعين المؤلف وباصرته حسبما يريد وكيفما يرتئي، فيما المخيلة الثانية تختص بالمتلقي الذي سيرسم الصورة ـ صورة خاصة به.. ينسحب ذلك على كل متلقّ يتوجه بالقراءة وهنا يعود فضل تخيل الثاني إلى فعالية ومحفزات تخيلّ الأول وهذا هو ما يدفعنا إلى إجراء الفرز وأداء حكم التقييم للخطابات المعروضة والتي نتابعها تارة بعين القراءة البسيطة ـ واعني القراءة قصد المتعة ـ وأخرى بعين القراءة المعقدة ـ وأقصد بها عين القراءة النقدية انطلاقاً من أنّ الناقد قارئي مركب ـ والقراءتان تسبران غور مخيلة المؤلف وتقدّران قدرتها على الخلق والإبداع)… إنّ بهاء المخيلة ورونقها يشعّان ألقاً بفعل التوظيف السردي المفعم بالذكاء والاستخدام الأمثل للوصف الوصف الذي يتلقىّ شأناً كبيراً من المخيلة إذْ يشكل المعين الأمثل في رسم الصورة عبر أدوات التشبيه والاستعارة… وفي "دابادا " تتدفق شلاّلات العطر الوصفي لتشكل متوالية من الفنون البصرية ودفق متأجج من التخيل البصري.. لوحات تفيض بالألوان الساخنة المجنونة تارة، وبالهادئة المتهادية تارة أخرى.. وصف يعلو على الممارسة التقليدية التي تنتج صورة بأسلوب " البورتريت " إلغاءً لكلاسيكية الوصف المعهود، وأحسبه " أنا " تحديثاً لأسلوب الرسم بالكلمات [ عينا عزيزة أي لون لهما؟ ليستا بعينين، وإنمّا كائنين حيوانين مستقلّين عنها لم يعرف مقدار اتساعهما لأنها تحجمهما حسب الموقف، وكيفما تشاء ولكنّ الانطباع الذي لا يمكن إنكاره ذلك النزول أو الانحدار في طرفيهما البعيدين، التوافق الفضيع مع موازاة الحاجبين في لحظة الاستفهام دهاء منبثق عن توتر القوس باتجاهه الضوء العميق حتى زاوية الأنف بحيث لا يمكن إنكار الذل الذي أصابه بعد التحديق فيهما، أي لون.. أي لون لهما؟ كشف له السواد الغائر شيئاً من الذكاء والاستدراك السريع لأنه أبصر الظلّ الشفيف لصورته في لحظة الاستفهام والاتساع العسير بحيث تضطره إلى نسيان جميع الأجوبة الممكنة نظراً لخيبة اللغة في التعبير عن المشهد]ص 51.
إن وصفاً كهذا يزرع بذور البلبلة لحظة القراءة، لكنه يستنفر المخيلة القارئة ويدفعها إلى التمهل في الرسم والتشبث بالكلمات، مثلما يؤكد الخروج عن المألوف من الوصف المتوارث ذلك الذي تعودنا أن نسمعه مبنياً على تشبيه طبيعي من مثل: " عيناها كالبحر " أو " رموشها كذٌبالة الغروب " أو " حاجبها كقوس صياد ".

هندسة الاشتغال
اعتادَ صٌنّاع الخطابات الروائية استخدام الفصول كظاهرة شكلية، وفي داخل تينك الفصول قد تتوالد إجتزاءات رقمية أو حرفية أو نجمية كتثبيتات لمقاطع منفصلة تكرّس التقطيع الزمني لسير الأحداث وحركة الشخوص، وقد يعمد صانع الخطاب إلى تثبيت عنواناً موحياً في استهلالات فصوله، أما حسن مطلك فلم يرَ ضرورةً لذلك ولم يجد بدّا من جعل خطابه سيراً تواصليّاً لا يروم لهٌ التوقف؛ لكأنه يبغي ترك العنوانات استنباطات تتولى تشكيلها ذائقة المتلقي أو أنه تقصدَ ذلك لإظهار فعل استحالة تجزئة الاشتغال منطلقاً من ضرورة عدم قطع انسيابية القراءة وإعاقة لذاذة القارئ التي تشيع داخل فناءات روحه المشبّعة بالمتعة.. يضاف لهذا وهو الأهم كما أستقرئ ـ عدم وجود قوالب تحدد حركة الشخصيات بسبب فعل خاص يسعون لتأديته… فحركة الشخوص متداخلة ومشتبكة ولن تمسك وأنت تقرأ خيوط الأفعال لأن السارد في خطاب " دابادا " متقلّب لا يهدأ ومنعطِف في اللحظة التي تظن مع نفسك أنه سائر في خطى السير المستقيم أو منكفئ في ساعة احتسابه يخطو بوثوق.. إنه سارد مراوغ يباغتك بما ليس في الظن.. ( وفي مضمار الروي الذي تظن أنه انتهى في الصفحة " 199" حيث تنتهي الأحداث ويكمَل البناء الروائي تفاجئك الصفحات المتواصلة المستمرة حتى " 221 " الصفحة الأخيرة من الرواية ـ وهذا بعض ما أشارت إليه نظرة الناشر التي وردت في الغلاف الأخير عندما قال عنها ( أي الرواية ): تتحدى قدسية التراث الرواية بأكمله. إذْ تستحيل الصفحات من " 199 _ 221 " رؤية تستمد أسرارها من فحوى الرواية؛ كأنها قراءة تعرض لحال الإنسان الذي جاء إلى الحياة محملاً بغيوم البراءة غير أنّ البغض الجمعي وأعاصير الكراهية يسعيان إلى حلبات القتل (وهو لا يرى إلاّ وفاء الطبيعة بأبجديتها ويسرها) .. يٌراد له حملَ الأمانة (وهو يعلن بسذاجة الماء طهره عدم المقدرة).. إن السارد الذي هو الروائي بالقناع يعلن عبر الصفحات المؤشرة وقوفه إلى جانب " شاهين "، هذه الكتلة المفعمة بالبراءة والوداعة المغلفة بالسذاجة الذي توجّه إليه النبال بمختلف تنويعاتها: نبال الأم الساعية تحت وطأة العرف الاجتماعي القميء لدفعه لأخذ ثأر أبيه/ نبال عزيزة التي ترى فيه الشخص الوحيد الذي لا يطالبها بشيء/ نبال حّلاب ( المختار ) قاتل أبيه "غيلة والذي يبغي حصاد السخرية ولم يحسب له حساب الانتقام المضاد/ نبال شعبان عازف الربابة الساعي لكسب رضا حلاّب عبر التهكم على شاهين وإدارة المقالب..

الرواية الموضــــوع
ينصب موضوع الرواية على شخص شاهين الذي ولدَ حاملاً صفات البَلدَ مع أنّ أباه محمود كان سوياً، وأمَّهٌ " هاجر" ربّة بيت ناجحة.. قتل محمود غدراً على يد "حلاّب " مختار القرية بالرصاص أثناء رحلة صيد مثلما قَتَل عبد المجيد أحد رجال القرية الموثوق فيهم بـ "سم الفئران " فعهد الزمان لهاجر مهمة تنشئة شاهين ليكون أداة تنفيذ الثأر كيما يعيد روح الأب أنفاس الطمأنينة ولقب الأم جنان الارتياح والوفاء بالوعد.. لكنّ هاجر بين شعور الأم بالخوف عليه والإحساس بعدم تساويه مع الأقران تنسحق [ لأنه لا يعرف كيف يقول لها صباح الخير، مرحباً، كيف الحال، ولا متى يقول ذلك] ص 6، و[هي تجهل عنه الكثير لأن لا يعرف كيف يقول: أمي ولا ترى إخلاصه المشعَ كإخلاص الأبناء عندما يسألون عن طبخة اليوم، بل على العكس، ترى الجحود المشعَ في مرور السنوات] ص14.
لا يحسن شاهين التعامل إلاّ مع الطبيعة، ولا يرى في الأشياء سوى مكمّلات لإشباع حاجاته أما الوسط الاجتماعي الذي يعيش بين أجرات تكوّنه ـ وهو وسط قروي ـ فأما أن ينظر إليه ـ إلى شاهين ـ بتعاطف على أنّه مخلوقٍ بليد لا يؤاخذ على تصرّفٍ يبدرٌ منه أو سلوك يمارسه ـ مع أنّه لم يرتكب فعلاً عدوانياً ـ [ تقول زهرة أن عوّاداً في المقبرة، فيسألها متى حدث ذلك؟ يجب أن أتألم تقول: أنه على قيد الحياة ولكن ذهب لزيارة المقبرة] ص98، أو أن يٌعتبر كينونة هي منبت للتندر ومَثار للسخرية وكثيراً ما قوطع وجوبه بعبارات التفكّه من قبل نساء القرية على وجه الخصوص رٌغم التعطف [ انظري إليه يا زهرة ـ تقول عالية أمّها ـ أليس وديعاً ككبش نحيف بفعل الفيء.. لماذا لا تتزوج؟] ص65.
إن الانغمار في التعرّف على شخصية شاهين وتتبّع سلوكياته والتصرفات توجد نزوعاً وتولدّ دافعاً من الإحالة إلى تذكرّ شخصية " بنجي " في رواية " الصخب والعنف " لـ وليم فوكنر تحت تأثير نظرية " التداعي بالمعاني " لـ أرسطو تلك التي تشير إلى استذكار شيء ينبثق بغتة داخل ثنايا الوعي نتيجة سماع أو رؤية شيء مقارن فلو سمعت من يقول " برج بيزا " الإيطالي يقفز إلى الذاكرة "برج إيفل " وإذا قال لك أحدهم " قلم " تمثلت في الذاكرة "الورقة" وإذا قيل نهر " دجلة " تذكرت رديفه " الفرات ".. وقراءة شاهين وملاحقته لا يمكن إلاّ أنْ يبعث صورة " بنجي " فوكز رغم أنه لا يتناص معه في ذكر الأشياء وتفاصيل الأحـداث إنمّا يتشابه وإياه في طابع الشخصية ويتقارب معه في خطى السذاجة والعته.
تربط شاهين علاقة عمرية مع عواد الرسام.. وعواد يرى في شاهين العين التي تندهش لإنجازاته الفنية لأنه محارَب من قبل الأب ومهمل من لدن أهل القرية بحكم أعماله أنهم لا يقدّرون موهبته ولم يروا في ما ينتج سوى عبث وملهاة لا طائل منها وانشغال لا ينتهي بمنفعة تنتج قروشاً فليس لعواد إذاً سوى شاهين.. ومثلما أشرنا من قبل فأن المودّة المتبادلة يعرضها السارد بأسلوبه الداني من الفكاهة كما لو كانت تعبرّ عن نظرة شاهين تجاه صديقه عوّاد [ هناك وجدَ شاهين صديقه القديم ـ عوّاد ـ فلم يعرفه للوهلة الأولى لأنه كان يعض سنونوة سوداء، فقيل له ليست سنونوة سوداء وإنّما شارباً أسودَ يا شاهين!! شاهين صديقي.. لقد جعلك النوم أصفر.. أصفر.. وأنت أصفر كالمغول.. ويضحك لأنه أكتشف الضحك النابع من مربع الشبّاك المضيء و: اقعد يا صديقي أرى أنك تحب الشاي وإنْ لم تتبدّل، لقد فعلت الكثير بغيابك بعض الطموح رسوم أخيره رسوم شرار ـ شرار كلب عوّاد ـ في حالتي الجري والوثوب لأنني لا أحب امتداد البوز مع اليدين الأماميتين]ص42.
ومن إحدى إجادات السارد التي لا تحصى في هذا الماراثون اللغوي وحمىّ التوصيف، هي صورة ختان شاهين.. توصيف يتوافق وخفة السرد الذي يليق بتصوير شاهين يوم ختانه [ يوم جاء الأب مائلاً مع السفح فاستطاع أن يميزّ البهجة في عينيه رغم بعد المسافة بينهما، ولوّح له بالكوفيّة "أترك عنزّاتك يا بني.. تعال يا شاهين" وتردد في البدء لأن وقت العودة لم يحن مقاساً بالظلّ تحت القدمين لكنّ الأب كانَ جادّاً فلن يعاقبه إذا ما عاد مبكراً هذه المرّة واحتضنه هذه المرّة.. تلك المرّة البعيدة وأحبّه هذه المرّة لأنهم يوزعون علباً ملوّنة مليئة بحلوىَ ملوّنة…. حيث كانت الزغاريد تخرج من أنابيب البنادق، أما النساء فيطلقن الرصاص من أفواههن بهجة… واقفون.. ألوان… روائح محضّرة من أندر الأعشاب… وصراخ أطفال، فلن يستطيع الهرب لأنه محمول بذراعين قويين.. عندها فقط، علمَ أن لا جدوى من الرفس ـ لأنهم ساقوه بالقوة في مرّة سابقة، حليب أنثىَ الحمار لأجل الشفاء من السعال الديكي فاحتاج لرائحة السوس.. أحياناً ذلك السوس الذي يستدعى البكاء…آه السوس! الرعي المتواصل بلا عودة لكنهم أجلسوه أخيراً منفرج الساقين تحت عمامة صفراء وكلمات تركية مبهمة ومنخرين كثقبي فأر مليئين بالدغل فقال: ( هخ.. هخ ) وأفرجوا ساقيه أكثر، وقال التركي: ما شاء الله… بال على المخدة وانتهى كلّ شيء ثم حمٌلَ ركضاً في الألم أو ركضاً في السر بين العيون التي استطالت حتى الآذان ] ص 37.
وفي اليوم الموعود للثأر ذلك الذي انتظرته هاجر الأم بعين الأمل في كبر الابن الذي غداً مؤهلاً لتحقيق الفعل فارتدت ما يليق بالزغاريد، وما يجب أن تكون في يوم الوفاء لتقول لزوجها الطعين غداً: ها قد تحقق اليوم الموعود، لقد غدا عمره سبع وعشرين عاماً [ حين خرجت من غرفة نومها صوب التعرف عليها لأنها بدت امرأة أخرى في عيون المدعوّات، بعدما دّلكت وجهها ببلوّرات الشب لغرض إزالة التجاعيد ولبست ملفع الحرير الأحمر وغطاء الرأس المنمنم، وقسمّت نفسها بحزام فضي عريض لإثبات فعالية الخصر فهتفنَ بصوت واحد: ياه!! لم يبق إلاّ العريس.
ولكنها تلمّست قلادة سن الذئب الذي أهداها لها زوجها يوماً ما ـ بخجل لتذكرهنّ بها تساءلت العيون عن صاحب الشرف بهذه الدعوة فصعدت هاجر مصطحبة امرأة أخرى كان أسمها زهور على الأغلب، أو أي أسم آخر من المنخفض في محاولة لطبع كفّه على السخام ]ص122… تسلّمه هاجر البندقية وتطلب منه التوجه للقاتل الطليق بغية إيقاف أنفاسه وجعله يلتقي ومحمود الأب أمام وجه الله، هناك ليتم القصاص الأكبر، ولكن هل يحقق شاهين أمل الأم وطلبها! [ يحس وهو يرفع البندقية بطعم الشاي بلا سكرّ، طعم المؤامرة لغرض سرقة الاسم أسمه هو شاهين أبن البقرة الحلوب سبعة وعشرين عاماً من المؤامرات لأجل هذه اللحظة الذكية ويسقط طعم الجحيم النقيقي في أسفل الهاوية والساعة الأخيرة من العيش والذهول والرعب والمؤامرة مرّة أخرى، حيث المذابح الصفراء التي نادراً ما تصل إلى درجة القتل ـ مذابح الأخوة البشر.. ويقول أنّه يشتاق كثيراً إلى شبّاك الضحك وبرميل الابتسام ووشيش السكون والامتداد والفراغ والعرى، ثم الركض الحرّ بلا توقف، والسقوط الحر بدون اصطدام.. وهو شاهين أبن هذه الأسماء بلا قيود، يشعر أنه يبتعد عن نفسه فلا يعرف إلى أين سيأخذونه؟ وماذا سيفعلون به؟.. ويريد أن يهرب فيجد الباب محاصراً بزهور، والنقيق ينتظر… فأخذ يضحك ويضحك ] ص123.
وفي لحظة تفاقم الأحداث ـ التي لم تكن أحداثاً تستدعى الأهمية وتتطلّب التتبّع الجاد ـ كذروة متعالية للنص حيث انهيال شاهين بسكيّن يمسكه على " قندس " حمار حلاّب المفضل وتناثر الدم الذي يؤدي إلى هرب شاهين خشية غضب حلاّب وعقابه وعبوره إلى الضفة الثانية من النهر تتبدّى الذروة في نقطة تنوير باهتّة، مليئة بالسخرية والهزء عندما يكتشف أن الدم النازف بغزارة لم يكن دم الحمار إنما دمّه هو، ذلك أنه كان يمسك السكين من نصلها بينما قبضتها هي التي تضرب صدر الحمار.
وبالتوازي تظهر شخصية "عوّاد " سائرة مع توافد حركة شاهين ولم يقتصر تقاطر روح دعابة السارد على شاهين إنمّا تتعداه إلى عواد ليس بدافع تضئيل شخصه والهزء من دوافعه أو التقليل من مراميه بل البقاء في ظل روح السرد وعدم الخروج من الفيض السردي المتمثل طابعاً خاصاً به؛ وحتى رؤيته للفن وتطلعاته لعزيزة.. عزيزة التي تعيش بذخ الرَفَل والشعور بالازدهاء على أساس استنتاج ولع الآخرين بها وعواد أحد الأحباء المحتملين في نظرها حيث تتقصّد اعتباره صديقاً وليس محباً بينما يعتبرها حبيبة بلا تردد، فكان يتألم من حياديتها معه [ وبدأ الألم منها عزيزة لا بديل عن المرأة الشيطانة، الضحكة النادرة، البياض الهلالي في العينين، الالتفاتة الذكية لأنثى الرجل تلك قالت "لك عالم خاص… أما أنا فلا أستطيع" عندما كان يبني أحلامه على أمل وجود امرأة تضع العاطفة فوق واجبات المطبخ وتقول مباشرة إنها عاجزة عن فهم جمل ما بعد التأمل بمعزل عن الحس، وقد عبّرت له مرات عديدة كفرصةٍ للانتباه، عن تعبها في محاولات بلوغ الأطراف الدنيا لحلمه مرّة من خلال هدّية تمثّل تقويماً مزيناً برسوم عصر النهضة، حيث كتبت بعد يومين من التفكير باختيار العبارة المناسبة: " إلى أعظم رجل عرفته في حياتي و… " وتحت تأثير العجز نفسه والبراءة الخبيثة ذاتها أكملت جملتها: "….. واعز صديق" واعز صديق واعز صديق .. إلخ ] ص82.
في النهاية يفشل عواد في إيصال فنه إلى الآخرين داخل القرية ويخيب ظنّه بعزيزة مثلما يتقهقر أمام عدم إقناع الأب بتمايز موهبته فلا يجد بدّا من المغادرة إلى العاصمة كي يبدأ حياة فنية هناك.. هناك إذْ تستطيع شباك إبداعه ـ هكذا يعتقد ـ صيد الإعجاب فيقرر ركوب القطار توجها إلى العاصمة [ حيث تأتي من هناك روائح الألوان وأخبار المعارض ونجاحات بعض المغمورين…. كان الانكسار الأخير يدفعهٌ لمواجهة اللوحة بعد الوقوف ساعات طويلة، يعد مكاناً مناسباً، مثل دجاجة تستعد للبيض، بين عشرات الأسماء الشهيرة، لأنّ عزيزة لم تعد قادرة على عذاباته بها، وهو تبرير ملائم لأجل البحث عن امرأة أخرى مع الاعتـراف بوجود الرفض تجاه كل جنس مغاير لجنسه لكن الوقت كان ضيّقاً دون أن يلجـأ إلى الإحراق ينصت إلى صفيـر القطـار عندما يمزّق هواء المحطة ]ص136.
وبلحظات التوالي السردي كثيراً ما نجابه بانفلات ذهن السارد / المؤلف وتخليه ـ جهاراً واعترافاً ـ عن هم الكتابة ومتابعة الشخصيات، حتى أنّه يتبرأ من الواجب الذي ابتدأ به ليرميه إلى الفراغ، متخلياً عن مهمته وكأنه يحمل صفات شاهين أو يتماها به.. شاهين الجزوع/ الملول الذي يواصل سيل كلماته السويّة نراه يخرج عن طوره ليهرب إلى اللا التزام، كما لو كان يٌعلن براءته من عمل ورّط نفسه في الارتقاء إلى أعاليه، أو الغور باتجاه منابته [ فمنذٌ سنوات وهو يحب الصيد ـ يقصد محمود أبا شاهين ـ الصيد وليس القتل أبداً.. أقول: إنّهٌ مجرد انطباع وفق طريقة؛ إملأ الفرغات التالية….. لكي تصير هذه الرواية أكبر حجماً لأنني لا أعرف محموداً معرفة دقيقة كما لا أعرف شاهيناً ولا عالية ولا هاجر ولا عواد.. لا أعرف أي واحد منهم تقريباً..] ص135.
إذاً لا بد لنا ونحن نخرج من لّجة القراءة الاعتراف بأن " دابادا " ليست رواية أحداث بقدر ما هي مختبر شعري تفاعلت فيه اللغة الشعرية وتمازجت بغية خلق فضاءات رغوبة وبقدر ما بدت الفكرة الجامعة للاشتغال بسيطة ومكررة بقدر ما كان العمل نفسه تجربة غريبة تفاوتت مع التجارب الكتابية الروائية المعهودة ولربما سيحالفنا الوقت مستقبلاً لتناولها في مضمار تفكيكي بنيوي نرحل فيه مع اللغة المتوحشة التي حلّقت بنا على كفّ الدهشة؛ أثملتنا بالعذوبة، وسرقت منا الاستقرار.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*دابادا، رواية، حسن مطلك، إصدار الدار العربية للموسوعات، بيروت ـ لبنان 1988.
**أنظر " جماليات المكان " تأليف غاستون باشلار، ترجمة: غالب هلسا، إصدار المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت ـ لبنان 1984.
***أنظر " السيمياء والتأويل " تأليف روبرت شولتز، ترجمة: سعيد الغانمي، إصدار المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1994.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في صحيفة (الزمان) العدد 2282 بتاريخ 12/12/2005م.
*زيد الشهيد: كاتب وناقد عراقي. zaid532000@yahoo.com

إهداء إلى حسن مطلك / حمزة الحسن

الشاعر الأسباني لوركا

نائم والعشب ينبت بين أصابعه

حمزة الحسن

* الإهداء: إلى الروائي الشهيد حسن مطلك الذي أعدمه الفاشيون في العراق.

حين قرأت شهادة قاتل لوركا في رواية فيلالونغا وهو يروي بالتفصيل كيف ساقه إلى الموت ثم أطلق عليه الرصاص، بلا قمر، شعرت بعجز الجريمة عن قتل المغني أو قتل النشيد أو الروح أو الأمل، فلوركا لم يعد ملك نفسه، بل هو ملكنا نحن الذين نقف كل صباح على حافة أمل جديد وفي صلاة خاشعة من اجل انتصار الإنسان على الوحش.
يقول القاتل: "ذهبت في طلب لوركا في منتصف ليلة التاسع عشر من ـ انهض .. هذا هو الوعد.
قال: متى شئت. أنا جاهز.
نظرت إلى ساعتي: على مهلك.معنا وقت.
قال لوركا:
ـ أحب ألا يحدث ذلك في المقبرة. المقابر ليست ليموت فيها الناس.إنها فقط للصمت والأزهار والغيوم. ولا أحب الموت على مرآى من القمر.
وحين وصلنا، ساده فرح غامر فهمت معناه. لا يوجد قمر.
توقفت السيارة. نزل منها رجال الفصيل السبعة. كما ترجل قس طرز على ثوبه الكهنوتي قلب يسوع المقدس. وضعت إصبعا على كتف الشاعر وقلت له:
ـ تقدم وأنا أدله على الطريق.
سار راكضا في الطريق المحاذي لمجرى ساقية جاف. وبعد عدة دقائق من المشي توقف. ظهرت أمامه في الأفق جبال لاسييرا وقد غطاها ضباب الليل الأزرق. وقربها وراء غابة الحور السوداء، قرية الشاعر ومسقط رأسه. سمعته يتمتم مرتين: لماذا يا ربي؟.
كان أحد رجال الفصيل يمشي إلى جانبي ومسدسه في يده. أدخل فوهته في صلب الشاعر وانتهره بجلافة:
ـ امش وألا بقرت بطنك.
استأنف لوركا سيره متعثرا بالحجارة وسقط ثلاث مرات على ركبتيه. فجأة توقف وسألني:ـ قل لي الحقيقة. هل هذا مؤلم كثيرا؟.
فجأة ندت صرخة. صرخة لا يبدو أنها ندت من حنجرة إنسان. توقف لوركا عند حافة الجرف. أخدود عريض طويل حفر في باطن الأرض، كاشفا عن جذور الأشجار. على مرمى أبصارنا منظر فاحش فظيع: ساق امرأة عارية ظلت خارج القبر فوق التراب المحرك منذ وقت قريب.
أجهش لوركا في البكاء.
تقدم الكاهن وفي يده صليب. قال للشاعر:
ـ اعترف.
تساءل: بماذا أعترف؟
قال الكاهن:
ـ بما تريد.
مد لوركا يده وابعد الكاهن. عبأ رجال الفصيل سلاحهم. قلت له:
ـ أركض.
قال : بأي اتجاه؟.
قلت: على خط مستقيم. إلى أمام.
ركض عشرين مترا بشكل يثير الشفقة وتوقف.
ـ أركض أيضا!
استأنف الركض ويداه تهتزان ورأسه يتداعى كأنه تمثال لا حياة فيه. وأصدرت أمري:ـ نار.
ولما اقتربت منه رأيت وجهه معفرا بالدم والتراب الأحمر. وكانت عيناه جاحظتين.قال بصوت خافت:
ـ أنا مازلت حيا.
حشوت مسدسي وصوبته إلى الصدغ. انطلقت الرصاصة ونفذت من البطن.
ودفناه عند جذع شجرة زيتون...".
قتل قرب نبع ماء جوار غرناطة وفي قرية فيثنار أو تل الفخار من قبل الفاشيست.
كان لوركا قد انتظرهم طويلا وقد تأخروا عليه، بل كان قد كتب عن هذه اللحظات كثيرا وخاصة في قصيدة شهيرة يقول فيها:
"عرفت أني قتيل
فتشوا المقاهي والمقابر والكنائس
فتحوا البراميل والخزائن
سرقوا ثلاثة هياكل عظمية لينتزعوا أسنانه
ولم يعثروا عليّ
ألم يعثروا عليّ؟
نعم لم يعثروا عليّ."
دفن بلا قبر في مكان مجهول.
إنه يخيفهم حيا وميتا.
في شهادة قاتل لوركا الفاشي يقين ساذج أنه يقود هذا الشاعر إلى الموت والنسيان والقبر إلى الأبد، دون أدنى شعور أو حس أو وعي أنه هو الذي سيمضي إلى النسيان والتجاهل والاندثار ويظل هذا الموسيقي الشاعر حيا عبر العصور.
لكن لماذا كان لوركا لا يريد الموت تحت القمر؟.
ربما نجد الجواب في قصيدة رثاء صديقه مصارع الثيران إغناثيو الذي قتل هو الآخر في حلبة لمصارعة الثيران:
"لا أريد أن أراه
قل للقمر أن يأتي
لأني لا أريد أن أرى دم
إغناثيو فوق الرمل."
قتل الشاعر لوركا تجسيد، كما يقول محمود درويش في تعليق له على رواية مقتله المريرة( لعجز الدكتاتور القابع في القصر، وصغار المندسين في الشعر عن الحيلولة دون انبثاق أغنية لوركا من كل أعضاء الجسد ومن جميع مجالات الروح).
أيتها الأيائل
لا توقظي هذا الأندلسي النائم على التراب
والعشب ينبت بين أصابعه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في موقع (الحوار المتمدن) بتاريخ 12/3/2003م.
*حمزة الحسن: روائي عراقي يقيم في النرويج. hamzaalhassan@hotmail.com

إهداء إلى حسن مطلك / أسامة عطية حسن

خاطرة

شـاهـين مطلك

نص: أسامة عطية حسن


لا وقت لدينا للأقلام..!!
قالوا: انهض من نومك يا شاهين
وامسك مديتك بالمقلوب..
اجرح كفيك بلا رحمة
وحذار من جرح عدوك
فإن الجرح عليك حرام..
قندس يا رعشة مصلوب
قندس يا سبعة أرقام
يا دملاً يسكن راحاتي
يا ملحاً نزّ من الأقدام
يا بغياً عاشر أنكيدو
يا هيئة حرف الأختام
يا شكل الجرح على كفي
يا عقدة حبل الإعدام.

--------------------------------------------
*شاهين: هو بطل رواية (دابادا) لحسن مطلك. وقندس: هو اسم الحمار في الرواية نفسها.
---------------------------------------------------------------
*نشرت في صحيفة (الاتجاه الآخر)، العدد 129 بتاريخ 9/8/2003 العراق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*أسامة عطية حسن: من أبناء قرية الراحل حسن مطلك.

إهداء إلى حسن مطلك / عبدالجبار الجبوري

قصيدة

هبط الليل

عبد الجبار الجبوري

" ذات مساء في نادي أدباء الموصل
كنا ثلاثة: محمود جنداري وحسن مطلك وأنا "

هبط الليل
ومضيت أجوس دروب الحزن
إلى وجع النهر.
الصمت غريبا
يأخذني.
ما بين شوارع
تنأى.
ودموع تجيء على
شجن الآهات.
استذكر وجها
ظل يعاقرني.
ويثير كلاما
عن أهل القرية
ومحلات الرملي
في الشرقاط.
دابادا عطرا
يملا كل الجلسات.
محمود ينام
وحيدا فوق مصاطب
آلهة المدن المقهورة.
ويعفر بالحب
المذبوح هواه.
في تلك.. مساءات الليل
المدفونة بالأحزان.
يستيقظ في روحي
شجر الشطان.
وأقول لمحمود
تعال.. ولا تأت.
ها قد انتهت
الحرب يا محمود
ومضى الصحب إلى
وجع النسيان.
د ا با د ا
هجرت هاجر
شاهين يعيد لظى
الحرمان.
انهض يا ابن المطلك
تستقبلك اسديرة
بالأحضان.
كبرت د ا با د ا.
صارت دارا
صارت وطنا
تورق بالأضواء.
ما بين زمانين نسير
إلى الشكوى.
ما بين جحيمين نسير
إلى البلوى.
ونعيد طقوس الليل
إلى زمن الأشياء.
---------------------------------
*نشرت في صحيفة (الاتجاه الآخر) 2004 العراق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*عبدالجبار الجبوري: شاعر وكاتب عراقي
.
aalgabbar@yahoo.com