28‏/09‏/2009

شهادة - نص / بشار عبدالله

طيور الراوخ
إلى روح الراحل حسن مطلك

بشار عبدالله


(1)
كنت أخضع قبل ثلاث وعشرين سنة إلى عصف فكري ومخيلاتي يومي من صديقي الشاعر فضل خلف جبر؛ كلما اختطف من قلب المشهد العادي طبقة غرائبية من التي يتقن رؤيتها بوضوح حين يمر عليها كثيرون مرور الحمار الذي يحمل أسفارا ويحسبها محض أحمال كغيرها، أقع أنا في المصيدة ولا أتحرر منها إلا بولادة قصيدة.

(2)
في يوم شتوي مطير وقار، قادتنا رائحة بشرى سعيد إلى كافيتريا المركز الطلابي في جامعة الموصل، قادتنا إلى حيث الدفء كله يحتضن بشرى وعلب الراوخ، عصير التفاح الطبيعي، وعلب النسكافة.
بادرني فضل وعيناه إلى علب النسكافة:
ـ ما رأيك في أن تكتب قصيدة بعنوان (شجرة النسكافة)؟!.. " ويل لك أيها الجلاد الذي لا يتركني أسحب نفسا حتى يلطمني بواجب بيتي"، ثم التفت إلى حيث كانت تتسامق علب الراوخ أمام شاب لم أدرك لحظتها أنه كان يتسامق باطنيا قبالتها.
ناداه فضل:
ـ ما رأيك في أن ترسم لوحة بعنوان (طيور الراوخ)؟!.
ابتسم الشاب وأومأ بالإيجاب.
ثم غادرنا قبل أن يهدأ المطر…………

(3)
ليس من السهل على شاعر معصوف فكريا ومخيلاتيا أن يخلق شجرة نسكافة، لا شكل لها في الذاكرة المعرفية، أو الذاكرة البصرية. وها هي ذي ثلاث وعشرون سنة تمضي، ولم أكتب تلك القصيدة التي طلب مني فضل أن أسمعه إياها في اليوم التالي.

(4)
في اليوم التالي، المطير، القار، قادتنا رائحة بشرى إلى حيث تتلاطم (مواجيد الماء والظمأ والصحراء )*، كانت لحظةً امتدت من نافذتها يدا الشاب حسن مطلك وقد خلقت على هيئة الطير ما لم تخلقه يدي على هيئة الشجرة.

(5)
كانت بشرى (تضحك.. تضحك.. وينساب صوت الأنوثة من صدرها المشرئب ومن شفةٍ أنضجتها الحرائق.. إن حرائق بشرى جنونية الطبع).
وكانت تنبت من علب الراوخ على إيقاع ضحكتها على لوحة حسن رؤوس بمناقير وأجنحة وذيول.. إن جنون حسن حرائقي الطبع.
حلقت بشرى في فضاء الظمأ النابت من عيون فضل،
حلق فضل في سماوات بشرى،
وحلق في فضاء الجنون مع طيور الراوخ حسن.

(6)
بعد عشرين سنة
كتبت إلى فضل خلف جبر هذه القصيدة:
" قلت لنا: (تناولوا أحلامكم بسرعةٍ رجاءً !)
واختفيت،
وتركتني في القمرة المجاورة،
تناول حسن حلمه بسرعة
وتناولت بشرى حلمها السعيد بسرعةٍ أيضا،
لكنك نسيت أنني بقيت في القمرة المجاورة
وحيدا
اجلس إلى طاولة تحلم بنا !"

(7)
اليوم
سأشعل الشموع
واعتكف
لأعيد تشكيل المشهد القديم:
"تقودنا بشرى إلى حيث الدفء
يحتضن فضاء اللوحة التي غادرتها
طيور الراوخ مع حسن
وغادرها دفؤها مع فضل
ولكنني سأضيف إلى المشهد شجرة نسكافة
قد تحط عليها حين تتعب
طيور الراوخ
المسافرة أبدا في البشرى والفضل العامرين في ذاكرة حسن مطلك".

----------------------------------------------
*(مواجيد الماء والظمأ والصحراء): عنوان قصيدة للشاعر فضل خلف جبر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في صحيفة (الزمان) العدد 1879 بتاريخ 4 آب 2004م بغداد.
*بشار عبدالله: شاعر وناقد عراقي. basharabdulah@yahoo.com


شهادة / زيد الشهيد


حسن مطلك .. صديقي الذي رأيته ولم ألتقه


زيد الشهيد


تطوف رؤى الأحبة ممّن فقدناهم عنوةً كما الفراشات. هائمةً؛ مستأنسةً أو متوحشة تطوف لأننا نريد لها البقاء قاب نظرتين أو أقرب.. هي المُعنّاة ونحن المتشوقون.. هي لم تنهل من فيض الضياء ما يشبعها؛ ونحن لم نرتوِ من دفق ألقها.
أسوق هذا البوح مسترجعاً منتصف التسعينات من القرن الماضي كذكرى ترتبط بمفجِّر اللغة ولاوي عنقها؛ المبدع قطعاً حسن مطلك يوم قدّمَ (دابادا) على مصطبة الخلق الإنساني.. أعود لألتقي في صيف العام 1995 – وكان ذلك في عمّان وكنت قادماً من العراق ومتوجهاً إلى صنعاء لأني تعاقدت فيه كمدرس للغة الإنكليزية قبل عام وقضيت العطلة الصيفية في السماوة مدينتي لألتحق مرة أخرى بعملي.. وصار إن التقيت في (مقهى العاصمة) في عمّان القاص كريم شعلان؛ قدّمه لي الشاعر نصيف الناصري فأحتفيت به كونه كان أحد القصاصين الشباب الخمسة الذين فازوا بمسابقة القصة التي أقامتها صحيفة الجمهورية في العام 1992 كما أظن. وكانت قصته (عوانس) هي الفائزة وقد حملت اسم مجموعته في ما بعد؛ نشرها في عمّان على حسابه الخاص وأهدى نسخة منها لي حملتها معي إلى صنعاء ونشرت تعريفاً لها في صحيفة (الثورة) اليمنية... إلى هنا و(دابادا) الرواية لم تقترب مني، ولم أسمع بها. ولم يكن حسن مطلك إسماً يمكن أن يثير إنتباهي رغم أني قرأت قصته (عرانيس) كإحدى السرديات الفائزة من قصص الحرب في الثمانينات.
تمر عدّة شهور أصرفها في قرية (بلسن)؛ إحدى قرى ريف صنعاء. وفي إحدى زيارات العاصمة ألتقي كريم شعلان ليحدثني عن حضوره لصنعاء مجبراً كي يطير منها إلى كندا حيث المتَّفَق مع حبيبةٍ أنجزت له معاملة الإستدعاء بغية الزواج هناك في مواطن الحلم..
بقي كريم ما يقرب من عشرين يوماً كنا خلالها نخرج نطوف الشوارع حيث إغراءات جو صنعاء الجميل وحسن تعامل أهل صنعاء مع الغرباء... عرّفني كريم خلال ذلك على رئيس تحرير مجلة (السفير). قال عنه أنّه كان في عمّان يصدر مجلته عندما أبعدته السلطات الأردنية لأسباب عرّشت في دواخلها. كان كريم قد آوى عنده في المجلة يساعده في العمل ويرقد في إحدى الغرف... يقودني الحديث إلى دخولي غرفته مرّةً وسؤالي عن كتاب متوسط أخضر داكن، وسطه زهرة برتقالية وحشية سيفيّة الأوراق طويلةً. في الأعلى قفزت الحروف المكررّة تقرأ (دابادا).. سألت كريماً: ما هذا..؟. أظهر دهشةً كأنه يعاتبني كيف لم أعرفها؛ قال: رواية؛ ألم تقرأها؟.. قلت: لا..
قال: هذه رواية غريبة.. لكاتب أعدموه وهو في قمّة تألقه..
صمت لوهلةٍ ، ثم قال: أتعرف إنها المطبوع الوحيد الذي أخرجته معي من بغداد؟…
أخذت منه الرواية استعارةً. وفي الطريق إلى الفندق الذي أسكن رحت أقلب الصفحات وأقرأ.. كلمات وأسطر.. وكانت رؤية كريم في محلِّها. ففي غرفتي وأنا أطلُّ من شرفتها طفقت أقرأ الرواية باستهلالها.. قرأت الأسطر/ قلبت الصفحة الأولى نحو الثانية فالثالثة فإذا بي أدخل في تهافتات رغبة القراءة والتواصل. أجتاز الصفحات تلو الصفحات وسط بلبلةٍ وتشظّي وقفز في هواء من متعة غامضة.. خفت أن يتآمر الوقت عليَّ فيسرق (دابادا) من بين أصابعي. لذا نهضت من فوري؟ ارتديت ملابسي؛ وتوجهاً لمكان واحد لاغير تلكم هو محل التصوير والإستنساخ حيث تعودت الذهاب لصاحبه الذي يعرفني لتكرار حضوري إليه وطلب إستنساخ هذا المقال من جريدة أو تلك القصة من مجلة. طلبت منه تصوير الرواية من أولها حتى النهاية.. وفي اليوم التالي أعدت (دابادا) المُختلَسة إلى كريم دون أن أخبره بما فعلت… ولأنَّ القراءة المعمّقة والرغبة المفتوحة على سعتها وغرابة اللغة الموظَّفة في العمل إستحوذوا عليَّ فقد عدت إلى كريم أطلب رأيه في قصة قصيرة جداً قلت له أنني كتبتها بالأمس… كانت لغتها شبيهة بلغة (دابادا) فما إن سمعني وأنا أقرأها ( وفي ذات الوقت أتابع ردّة فعله) حتى اتسعت عيناه اندهاشاً وكاد أن يسألني كيف كتبت قصة كهذه!. لكنه تراجع لأنَّ كتاب (دابادا) لم يبق عندي أكثر من يوم، فمن غير المعقول أن أتأثر به هذا التأثر الذي يصل حدَّ كتابة قصة تحمل أسلوباً مشابهاً لأسلوبها.. أعتقد أنَّ هذا هو السبب الذي أسكت كريماً فلم ينطق سؤاله الإستغرابي؛ ولربما حدسَ فعلتي لكنه آثر ألاّ يثر شكّاً يعبر عن إتهامي بسرقةٍ من وراء ظهره خشية أن أرد عليه ردَّ البنيويين من أن النص لن يكون لصاحبه طالما خرج من يديه.
سألت كريماً إنْ كانت له صلة بحسن مطلك فأبدى إيجاباً.. قال أنني راسلته لكنني لم ألتقه.. وقال أنّه كان في الأردن وسمع بأن لحسن أخ موجود في عمّان وأنّه سعى للقاء به وأنّه حصل على صورة شخصية لحسن.. أخرجها من حافظةٍ في جيبه فإذا بها صغيرة الحجم لشاب حليق الشارب؛ سرعان ما قفزت إلى ذاكرتي صورته.
أتذكّر أننّي إشتركت في قصة ضمن وفد المحافظات الذين جاءوا إلى الموصل في العام 1989 للمشاركة في مسابقة القصة العراقية التي أقامها إتحاد الشباب هناك؛ وكان على رأس لجنة التحكيم الناقد باسم عبد الحميد حمّودي.. أتذكّر إنَّ استراحة تخللّت ما بين قراءة النصوص عندما دخل شاب قصير القامة، (مربوع )؛ معتدّاً بنفسه (كشّاخ باللهجة العراقية) توجّه إليه العديد من معدّي المهرجان وبعض الجلاّس يستقبلونه. لحظتها أنا الجالس في مقعدي مع أعضاء الوفد تساءلت: من يكون هذا حتى يستقبلونه بهذا الإهتمام والحفاوة؟ (هل كان ذاك حسن مطلك؟…. وجهت سؤالي ـ الآن ـ إلى الأخ محسن الرملي ليجيب إنْ كانت الملامح التي وصفتها له ذاتها أم لا؟.. فصلت له أكثر.. فكان ذلك حقّاً.. وهكذا.. فإننّي أكون قد رأيت حسن مطلك مرةً واحدة وإلى الأبد.) .
طار كريم شعلان إلى كندا لكنّي سرقتُ منه ذكرى وذاكرة.. كانت معي دابادا – مستنسخة – أنيسة في ريف صنعاء.. هزّتني هزّاً عنيفاً محطّمة لدي إعتزازاً بما قرأته طيلة حياتي من قصص وروايات. وضعني هذا الجهد الروائي على مفترق دروب مع الأدب.. لا، بل همّشَ عندي كل الأعمال الروائية العالمية والمحلية.. طغت عليَّ طغيان الجنون فاستحالت هاجساً لا يفارقني.. أذهب إلى كتابٍ لأقرأهُ ولكن ما أنْ تمر عدّة صفحات حتى أرميه لأعود إلى (دابادا) مملكتي القرائية الأثيرة وعالمي الجميل الذي أبغي.. صارت دابادا كتابي الأثير الذي ذُهلتُ به فدفعني إلى كتابة رواية (سبت يا ثلاثاء). بدأتها في اليمن وانتهيت منها في العراق بعد عودتي صيف 1997، حاملاً إياها معي. ومعي رؤى ونصوص تحمل طابع العبث قدّمت واحده منها إلى مجلة (الف باء) العراقية ونشرت يوم الأربعاء 25/3/1998 بعنوان "أسفل فنارات الوقيعة" أعطيت كما يبدو للقاص (............ ) لإبداء رؤيته النقدية فقدّمَ كلماته وجمله الملغومة بالفخاخ ( بعدها بثلاثة أسابيع نشر القاص محمد اسماعيل مقالاً حمّله عنواناً مستعاراً من الشاعر الفلسطيني محمود درويش يقول: أفكلّما نهدت سفرجلةٌ نسيت حدود قلبي.. تنبأ القاص محمد بسوء العاقبة لي مديناً القاص ( الناقد ) على ما احتوته كلماته من شراك ومكائد.. فعلاً!.. وعلى إثر ذلك طفق رجالات الدولة الأمّية والمخابراتيون بوسائلهم القذرة.. التلفون يرن في البيت يومياً ما يزيد عن مئة مرّة ولا من أحدٍ يجيب عندما نرفع السمّاعة / إنبوب الماء خارج البيت ننهض صباحاً لنراه مكسوراً وقد غمرت المياه الشارع ولا جدوى من إصلاحته العديدة / الملابس المغسولة التي تُنشر على حبل الغسيل في الحديقة يسرق بعضها / طاقم شرطة الحراسة لبيت مدير الشرطة الذي لا يبعد غير أمتار عديدة عن بيتنا أستُبدِلً أكثرهم بعناصر شابة أحدهم كان يتابعني ولم أفقه حينها السبب.. رئيس عرفاء الشرطة العجوز يعرفني ويقدّر أمّي العجوز على حسن صنيعها عل ما تبعثه اليه وإلى طاقمه من ( ثواب الجمعة) عشاءً مثلما توفّر لهم الثلج يومياً في لهيب الصيف، كنت ألمح التأسي عليّ في عينيه لكنه غير قادر على البوح بما يجري وما سيحيق بي ( تذكرتُ كل ذلك بعدما جاء من يخبرني سرّاً بضرورة الهرب خارج الوطن وليس داخله لأنّ قرار القاء القبض علي اتّخذ وبقي التنفيذ، وما عليَّ سوى تدارك الأمر سريعاً........... خرجت أنا واسرتي صيف العام 1998 وتحديداً نهاية تموز لأُلأحق في شوارع عمّان بعد أيام بوجوه كلبية مخابراتية دفعتني إلى الذهاب لـ( مكتب الأمم المتّحدة ) طالباً اللجوء والحماية.. على يساري هاجسي وقلقي، وفي يميني (دابادا) كتاباً هذه المرّة بعدما وجدته مهملاً في إحدى رفوف مكتبة منزوية؛ أنقله بعد ذلك إلى ليبيا لأكتب قراءةً للرواية تحمل عنوان (الرحيل على كف الدهشة).. ثم نص " تراجيدي " استيحاءً من شخصية حسن مطلك.. أدعو قارئي للولوج إلى فضائه.. وهناك / هناك سيلتقي بحسن قمراً يرفل مع كوكبة الخُلاّق الذين احتوتهم عوالم النص ونواصيه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*زيد الشهيد: كاتب وناقد عراقي.

شهادة / أكرم الياس بكر


الجانب الكاريكاتيري في شخصية (نسح كلطم ناظور)

صورة: حسن مطلك وأكرم الياس


أكرم الياس بكر

كان حسن مطلك رساماً كاريكاتيرياً. ويدعو نفسه باسم آخر مضحك هو (نسح كلطم ناظور) وهو كناية، وقراءة مقلوبة، عن اسمه (حسن مطلك روضان) ويوقع به على لوحاته الكاريكاتيرية التي يرسمها معي في معارض الجامعة.. تلك الرسوم التي أبكت الطلبة أكثر مما أضحكتهم في ذلك الزمن الغابر. زمن بداية الحروب.
وكان حسن شديد الحساسية تجاه المسألة العشائرية، وهكذا تحول إلى عشيرة أخرى غير عشيرة الجبور التي هو منها، هذا ما صرح لي به ونحن نركب باصاً مزدحماً من باصات نقل الركاب (الحمراء) حيث صرخ بأعلى صوته، وهذا أحد أساليبه المتنوعة في الكلام، بعد أن سألته:
ـ من أي عشيرة أنتَ؟.
قال:ـ أنا من عشيرة الوجودية!!.
وهنا تحول الجبوري المثقف إلى وجودي أكثر ثقافة.
ويوماً من الأيام ارتدى حسن حذاءً كردياً (كيوة) مليء بالمسامير (أم الفِلس) ومشينا كعادتنا من الجامعة إلى دورة السويس وعندما وصلنا إلى تل (كويسنجق) رأيت حسن يبتسم ابتسامات غريبة وهو يقول انظر إلى أسفل قدمي اليمنى فرأيت الدم ينزف لكون المسامير قد فعلت فعلها برجليه لكنه استمر في ابتساماته.. وتساءلت في قرارة نفسي هل أنا أمام ما يسمى الماسوشية؟!.
ومرة أخرى أحببتُ فتاة كان حسن يحبها ضمن قائمة الفتيات اللواتي يحبهن حسن.. وكانت تلك مصيبتي معه، حيث بعدها تم فراقنا.
ويوما من الأيام (عزمته) دعوته في دارنا على كبة موصل وتعجبت أمي (رحمها الله) حيث شاهدته يأكل كبتين كبيرتين بشراهة مخيفة ويطلب بعد أن ابتلعهما المزيد، فقالت كيف يتمكن هذا الشاب النحيل من التهام كل هذه الكمية من الطعام..؟!. ويبدوا أن حسن كان شاطراً في فهم خوالجها فتوجه إلى سيارة (البيكم) التي كانت قد أقلته، وأهدى أمي نصف (كونية) كيس من البطيخ الذي جلبه من قريته سديرة الوسطى لبيعه في الموصل.!.
وأذكر أنني ذهبت إلى قريته ووجدت أن حسن يضع جميع ما يقرأه من كتب في تابوت كبير يتسع (لنفرين) لشخصين، ومعظم كتبه وجودية وقصص لغادة السمان التي كان يعتبرها، آنذاك، أجرأ امرأة بعد (مي….).
وشيء آخر مهم يجب أن أقوله أن (حسنا) كان شخصاً مسالماً جداً.. لذا لا أدري ما الذي غيّره.. فأكاد لا أصدق ما سمعته عنه من اشتراكه في حزب سياسي مناوئ (للسَطلة)عفواً السُلطة.. ثم اشتراكه في محاولة عسكرية لقب نظام الحكم!!.
.. ويبقى حسن مطلك أو (نسح كلطم ناظور) في عقلي وقلبي. وكنت في عسكريتي كلما التقيت جبورياً أسأله عن حسن ولكنهم كانوا يخشون الإجابة ظناً منهم بأنني من رجال الأمن!!.
وكان حسن يطلق علينا أسماءً ضاحكة فيسمي: جاجان (ناج ناج)، أما (فلان) فيسميه (الرجل المُبَقَّع) لكثرة البقع في ملابسه وربما في حياته.. أما فلانة فكان يسميها (الزرافة) لطولها المديد..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*اكرم الياس بكر: صحفي ورسام كاريكاتير عراقي.. من العهد البائد!.
أكرم الياس وحسن مطلك في معرضهما الكاريكاتيري المشترك في نينوى، والصورة الأخيرة في قرية حسن مطلك

27‏/09‏/2009

شهادة / عطية محمد الجبوري

مملكة الأديب المبدع حسن مطلك . . كما عرفتها
الصورة: حسن مطلك، في كردستان العراق/مطلع الثمانينات
عطية محمد أحمد الجبوري
أرى لزاماً عليَّ أن استهل هذه الكلمة بالاعتذار، كما أني أردت أن ادخل عالم الأديب والمفكر الشهيد ( حسن مطلك ) من باب واحدة ربما تكون غامضة على الكثيرين من قرائه ومحبيه ومن أبناء جلدته والمقربين إليه لان كتاباته وحياته سحرتني ولأني لا أعرف، مهما بلغت بالاهتمام في القراءة والاطلاع، أن أصل إلى إلمامه الخاص والذي اعتبره كبحر متلاطم تكثر فيه الحيتان وحيوانات البحار.. ولكني وباختصار شديد أراه من كتاب هذا الزمن الصعب. كان يطل على عالمنا بوجه حسن بثلاث عيون رغم بساطة ملقاه وحياته البسيطة التائهة بألغازها التي لم نستطع لحد اليوم فك شباكها العجيبة. وكلما حاولنا أو اقتربنا منها قتلنا الخوف والفزع والارتباك.. خوفا أن تفقد إحدى حلقاتها المتراصة حد الموت.. ولا أعرف بالضبط كيف سحر هذا الشاب المغرور قلوب الناس وذاع صيته في وطنه..! ثم انتقل كسرعة البرق إلى خارج دائرة المحيط ليغطي مساحات واسعة من العالم المترامي.. ولا أنسى، وللأمانة أقولها، كرجل لازمته بعض حياته الأدبية وعرفت الكثير من أصدقائه وأقاربه وتنقلاته وضحكاته وحزنه وعتبه إلا أن أقول: انه كلما مر على مقهى أو حضر مأدبة عشاء أو سار في السوق أو حضر أمسية أدبية أو حتى ماراً في قريته.. لم يكن مروره مر الكرام، فلابد أن يتحدث بكلمات عجيبة وغريبة تتغلغل في الصدر وتدور مع الدم لتخلق عالماً آخر للقاص والمبدع. والمغرور (حسن مطلك).. بدأ بالتفكير ليلاً وربما بعد الواحدة بعد منتصف الليل أو اكثر بكثير.. بالتفكير والتحليل والتنجيم بما قاله (حسن ) وماذا يريد وماذا يعني بكلمته الفلانية التي قالها في المكان الفلاني أو في القرية الفلانية، ويبدأ التساؤل.. وأؤكد أن الجميع لم يصلوا إلى حل لغزه إلا بعد جهدٍ جهيد، وكل يفسر مقالته حسب رأيه واجتهاده.. فأنا أقول: اصبح عليَّ لزاماً أن ادخل سيرته من بابها الثقافي الواسع. إن الأستاذ الشاب الأديب (حسن مطلك) عالم مجهول وغامض تماماً وبحر، كما ذكرت، لا يُستطاع الغوص فيه، وأكررها للمرة الثانية، حتى الحيتان واسماك القرش وحتى الغواصين أنفسهم.. لأنه قادر في لحظة صمت أن يحول مياه ذلك البحر إلى مكان مجهول ويموت الجميع بعد أن خلق عالم آخر يختلف باختلاف المياه والمذاهب الأخرى. وللأستاذ الكريم عالمه الخاص وفكره الخاص وتأملاته الخاصة وطموحه الذي هو اكبر منه بسبع مرات.. إنه يحمل هموم الناس قبل أن يحمل هم نفسه رغم تواضعه وبساطة مظهره.. لم يذكر لي، ولو لمرةً واحدة، المادة والعوز لكنه كان يؤكد على المساواة وان الفقر ملعون وكان يبكي أحياناً. -1- يبكي.. على البؤساء والمتعبين، لا من أبناء قريته فحسب، انه يبكي على الوطن. لم يعرف التحفظ على ما يريد الإيضاح عنه لكنه يوصله إليك بأسلوب الخبير بعلم النفس.. هو يقرأك قبل أن تقرأه.. وهو يعرف ما بخاطرك، وإذا تورطت مرة وجادلته في الأدب وفي القصة الفلانية نقلك إلى عالم (حسن مطلك) الواسع ودهاليزه المظلمة وعبر فضاءاته البعيدة وطوفانه ومراكبه المحملة بالودع والخرز والعناكب وطيور الماء وأشجار الدفلة ولا يقربك للموز والجوز والمشمش والتفاح والقصور العالية لأنك بعيداً عنها ولأنك تريد العيش بعز. هاجسه المساواة.. كان يغضب وعندما تناقشه في أمور الدنيا يدعوك إلى الاتزان والشكر.. أقولها وأكررها: هاجسه الوطن المعافى وان يكون صاحب فضيلة وان لا تجرح كرامته من أي مكان مصدره ومكانته فلولا هؤلاء الناس البسطاء لما جلس وتربع الحاكم على عرشه.. كان يخاف الانكسار ويدعو إلى التلاحم. يطيل القراءة والاطلاع على حضارة الغرب بعد أن يعطيك نبذة مختصرة وفاحصة عن حضارتنا وكتابنا الأجلاء.. كان، وكما قلت، عالِما نفسانياً يداوي الأمراض جملة واحدة (حسن مطلك) بكل تركيباته وأفكاره.. حتى سيرته وحياته ونقاشه يختلف عنا.. حتى قراءته وكتاباته والأفكار التي يحملها وأسلوبه في النقاش ومعرفة الأحداث والنصوص والحبكة في الموضوعات وكل تصوراتها.. حزنها وآلامها.. ضحكها عرسها خفاياها وأسرارها.. هو يعرفها وأنا وغيري من الكتاب لا يعرفها.. والذي حيرني وحير الكثير من أصدقائه الكتاب والمفكرين وحتى السياسيين.. انه يعرف كل أدباء العالم وتولداتهم وكتاباتهم وحتى حياتهم الخاصة والعامة.. وفوق هذا وذاك له رأي آخر بكل ما كتبوا وناقشوا وما سألوا وما أجابوا.. حتى أنني اضطر في بعض الأحيان لشراء مؤلفات ذلك الكاتب فاقرأ ما قال به ( حسن ) فأجد الكثير من صدقه واطلاعه وجرايته حتى وكأنه عاش معهم أو صاهرهم أو أن والدته منسوبة إليهم.. هو يركض فوق الحائط بلا أرجل ويعوم بالماء ويغوص نحو الأعماق ويقترب من الصخور ويقف أحيانا عند حافات المقابر ويعقد ندوته الأدبية لأبناء قريته..(هو جدل الوجه والقناع وثنائية السطح والمحتوى) وأنت تعايشه ترى أن تركيبته كأنها من ركام المعادن وصفائح الحديد يبني عليها خطابه الجميل كنواة أساسية.. وهذا نابع من إيمانه وإدراكه ليعطي شيئاً من الوظيفة المجانية لها، أما صلابته مهما ومهماته فهي اكثر شجاعة هو رجل غيور ومغرور يهاجم ويخترق يصوب دون أن يطبق الفرضة على الشعيرة.. مشيته مع نفسه، حركته ذات طرد مركزي، وهو ذو أعمال نحتية خضعت لطريقة معينة لتكسبها وتأطرها. -2- بإطار فضفاض وبذلك يخلق التلاحم والتواصل في جميع كتاباته من رؤى وأفكار ومقترحات فكرية وجمالية و(حسن مطلك) مميز في اللحظة المرحة.. فالكلام عنه يطول لكني اعترف، وهذا رأيي الشخصي، أن القاص المبدع (حسن مطلك) من ابرز رجال الحداثة، رغم صغر عمره، وانه ساهم بخلق أنماط جديدة في كتابة القصة والرواية.. اقرأ له صفحة واحدة فستجري من عمق سريرته.. إنه يبحث في كل المغارات من أجل الضوء ليأخذك ويجذبك دون درايتك.. كتاباته تستوقف القلوب الواجفة خلف الدور وعند ضفاف الأنهر وفي الصحراء الواسعة.. هو يحكي عن الخراب.. وكأنك تعيش معه في دوامات فارغة. والحقيقة، وكما عرفته، هو يريد فضح العالم، وهو يريد أن يكتب ما يريد وتتوقد كتاباته في الزنزانة والمنفى.. هو طليق لكنه سجين. قال لي بأنه: (بائس.. لكنه مغرور).. هو مبتل الأيدي، لكنه يملك الاقتدار والاقتحام.. هو صلب لكنه هادئ.. يصل إلى ما يريد الوصول إليه.. كل شيء وكأن لم يحصل شيء! بحيث يجعلك تبحث عن نفسك بدون ضوء.. يتفحص كثيراً.. يُرى انه متعب ومهموم ولا يستطيع الكلام ولا حتى رد السلام وإبداء الرأي، لكنه يُفحم من يجادله ويناقشه في أمور الأدب والثقافة بحيث يرفع يديه ويسلم تسليم.. وهو طائر فرح.. دائماً يصفق بجناحيه المتعبة ولا يبدو عليه أي يأس؟، انه يواجه عالما غامضا يطمس ويستعبد الآخرين لذلك تراه يتهرب عما ينبغي فعله. أما عالمه السياسي فانه يسوده الغموض تماما سوى التلميحات في بعض الأحيان. عندما أكون في ضائقة أدبية؛ سواء من طبع مؤلفاتي وعدم قدرتي أو لعدم نشر قصصي والموافقة عليها، آتيه منفعلا" وأطلب منه قراءتها والرد عليها في اليوم الثاني، وما أن يراني حتى يبتسم ويقول: الصبر جميل يا أبا الأنوار فلا تتعجل. وعندما اصرخ: هل قرأتها؟ وعرفت لغزها؟. يجيب بهدوء: قرأتها بتأمل وتستحق النشر. عندها افقد أعصابي ويتعالى الصراخ، وأنا الرجل الثقيل كما يحلو أن يسميني رحمه الله. واذكر مرة في عام 1981 بالضبط أني كتبت قصة (العرس الآخر) ولم يوافق على نشرها لعدة مبررات، وذهبت في مهمة خارج المحافظة أو ما نسميه بالواجب، لكوني أحد الفنيين في القوة الجوية، وعند عودتي رأيت زوجتي تلوح بصحيفة فرحة وهي تقول: لقد نشر حسن مطلك قصتك. وأذكر كذلك أن غداءه كان عند جاري العزيز (عبدالله صالح) الملقب بأبي فاضل.. لم اسأله عن الكيفية التي تمت بها الموافقة لأني أعرفه إذا قال شيء يفرض بالدليل والبرهان والحجة، ودعوته إلى تناول قدح من الشراب البارد في محلة (وادي الحجر) التي كتبت عنها مجموعة قصصية كاملة. -3- .. وأذكر انه قال لي بالحرف الواحد: إنهم يخافون من كتابة الثوار. ولما سألته: كيف أيها الشاب المغرور؟. أجاب بابتسامته: لأن صدى الكلمة يا صاحبي كالريح العاتية وهم يخافون من الرياح التي تُغيّر. منذ ذلك الحين بدأت اقرأ كتاباته بكل تأن وأعيد قراءتها وأناقش بها زوجتي، وكانت تجيب: أنت مجنون لكن لا خوف عليك.. خوفي على هذا الشاب الذي لا أفهم حرفاً من كتاباته. وبدأ يكتب وينشر ويسافر إلى بغداد ويلتقي بالأدباء وأصبح نشره غزيراً وأن مجلة (الطليعة الأدبية) لا ترد له طلباً، وكذلك الصحف الأخرى.. أقول؛ أن اسمه قد لمع فعلاً، وبدأنا في المقاهي وأثناء الندوات الأدبية؛ الكل يحكي باسم (حسن مطلك).. هذا الرجل القروي المقتدر الذي يُفحم من يريد إفحامه، وهذه الكلمة ترددت على مسامعي عدة مرات، وبدأت اقترب من حسه الوطني العالي كلما كثرت قراءاتي لكتاباته واخرج ما يدور بذهني بعد أن آخذ وقتا بتحليل أقواله. وكان وقتها يبدوا شاباً عادياً، وحاولت مرات عديدة إثارته حول الوضع الحالي وترف الحكام وحاجة المعوزين.. وقتها ضحك ضحكة طويلة وقال: بدأت أفتحك. وقتها قلت له: لقد فهمتك قبل أن تفهمني. عندها أجابني: أبداً.. أنا فهمتك منذ عام 1967 عندما سجنوك أثناء تقديم قصتك (الورد والشوك) لمجلة (الجندي). قلت: لكنك صغير ولم أعرفك. استحلفته بالله عمن أخبره؟. فأجابني بهدوء كعادته: أم الأنوار. قلت له: لكننا لم نكن قد تزوجنا بعد!. سكنت الدهشة ثم أجاب: لنكتب عن (التغيير). قلت له: ماذا تقصد؟.. وضح رجاءً. همس بأذني: ألا ترى ما يدور من حولك؟. قلت: بالطبع لكن ما العمل يا صديقي؟. سكت وأطال السكوت، وهذه ليست من طباعه.. وعلى الفور بعد برهة أجاب وكأنه في حالة استعداد: " الطوفان ". قلت له: أبعدني عن ألغازك ومتاهاتك وأجبني أمانة في رقبتك.. ماذا تريد؟. أجاب بعصبية: قلت لك لنبحث عن التغيير والتغيير لا يكون إلا بالطوفان، ولن يبقِ منهم أحداً.. لان بقاء أحد منهم يعني موتنا جميعاً. ثم اعتذر عن عصبيته وغادرني دون وداع .. منذ ذلك الوقت بدأت أضع النقاط على الحروف وقتلني الخوف عليه.. بعد شهر تقريباً جاءني يحمل صحيفة وفيها لقاء معه يسمي فيه نفسه بالرجل المغرور وانه قادر على أن يقلب الأمور ويصل إلى ما يريد، وفيما معناه، ولا اذكر نصه، لكنه أكد انه قادر على الوصول لما يريده وانه كاتب له وزنه وعليهم أن يعطوه المساحة التي تليق به.. وقال لي: ألم اقل لك باني رجل اقتحامي.
ـ 4 ـ ومرت الأيام والسنين واشتركنا في المسابقة القصصية لوزارة الثقافة والإعلام ولا اعرف كم عدد المشاركين وكانت النتائج فوزه الأول على القطر بقصته التي عنوانها (عرانيس ).. والحقيقة أنها أحدثت ضجة كبيرة في الأوساط الثقافية وقد اتهمه بعض المغرضين بان السيد مدير التربية والذي مسقط رأسه في الشرقاط تدخل في الأمر وأعطى فوز (حسن مطلك) لان قريته تابعة للشرقاط وهناك صلة بينهم.. والحقيقة تقال أن اغلب الأدباء وقفوا وقفة واحدة لتكذيب هذا الخبر. وفي لقاء بعد الفوز وبعد تهنئته قال بصوت يكاد لا يُسمع: ( الفوز القادم أهم واشمل وسأطبع على حسابي كل مخطوطاتك). انبهرت من هذا القول وأنا اعرف انه لا يملك شيئاً.. ولو كان يملك شيئا على سبيل القول لطبع كتبه هو.. أو لدفع طبع روايتي (البيارق) والتي كلف طبعها على ما اذكر (300) دينار قطعتها من قوت أولادي ومن راتبي البالغ (100)دينار. إنني اخبر زوجتي بكل صغيرة وكبيرة ولما أوجزت لها ما دار بيننا من نقاش قالت: (اترك المسكين يشوف طريقه). واذكر وقتها أن فاضل عبدالله كان عند أخواله في قضاء الشرقاط (قرية سديره) وأخواله هم أهل (حسن)، ضحك عندما سمع ذلك، وقتها كان في المتوسطة والإعدادية، وقال: (كانت والدة حسن قبل فوزه تلومه على قراءته وعدم مساعدة أهله في الزراعة، وان هذه الـ (شخابيط) لا تطعم والفلاحة هي التي تطعم ولما فاز وقدم لها ثلاثة آلاف دينار، فرحت وراحت تدافع عنه ولم تقبل أن يذهب للمزرعة.. بل تدعوه للمزيد من القراءة والمطالعة). وبدأ نجمه يسطع في الساحة الثقافية واصبح اسمه يذكر في جميع الندوات كشاب قاص مبدع وبدأت الصحف تكتب عنه واسمه صار لا يسقط عن لسان الأدباء، ناهيك عن قريته وأبناء جلدته.. اختفى حسن مطلك وكلما سألت عنه قالوا: انشغل بالتدريس وأمور الحياة الأخرى وظهرت غيمته الممطرة بولادة مؤلفه الجديد الـ (دابادا) وذاع صيته وبدأ كنجم لامع في سماء الأدب وراح الكتاب الكبار يكتبون عن دابادا حسن مطلك. والنقاش جار حول محتواها ومضمونها وشدة حبكاتها.. وانه ماذا يريد حسن مطلك من كل ما قاله..؟. وقد كتب عنها الكثير وكثر توزيعها، واذكر أنها طبعت في لبنان ثم انتشرت في كل أنحاء الوطن. واذكر ما كتب عنها صديقه المرحوم محمد جنداري وما قاله من: أن هذا الشاب مبدع ودابادا هي أروع ما كتب في هذا القرن.. -5- وبدأت اقرأ الدابادا شأني شأن الآخرين من الأدباء والقراء والمحبين لـ(حسن مطلك).. قرأتها عدة مرات وفي كل مرة احصل على لغز.. وفي القراءة الرابعة توصلت إلى جملة مفادها: أن حسن مطلك يريد التغيير وحتماً انه مشترك أو سيشترك في انقلاب الحكم ونقلت ذلك لزوجتي فصرخت بي، ولأول مرة في حياتها: أن خل الولد يعيش. ولما عاتبتها على صراخها قالت: (مسكين بعدو شاب خطية بعد ما شاف شيء من دنياتو وهذولة ما ينكدرلهم). وبدأت أفكر في مسيرة المرحوم وغروره وكل كلماته وافكك حلقاتها وأبعادها ووصل عندي الشك اليقين عند لقاءي أو عند دعوتي إلى حفلة عرس في مسقط رأسي في قرية (الحود الفوقاني) من قرى ناحية (القيارة) حيث جلست مع المرحوم الشهيد النقيب (صباح عبدالله حسن) وتركنا العرس ورحنا نتناقش حول العسكرية وتذمر الضباط والمراتب والتسلط والانفراد بالسلطة والسجون وأمور كثيرة، واذكر انه سألني عن (حسن مطلك) وكتاباته ورأيي فيه تجرداً عن العشائرية. قلت له: شاب مغرور ينظر إلى الأمور بعين مغرور ويحلم بأشياء أكبر من عمره. أجابني: نحن أبناء منطقة وفرحنا واحد وحزننا واحد ماذا فهمت منه؟. قلت: انه متذمر من الحكم ويريد التغيير على ما أظن. قال بتوسل: كيف عرفت؟. قلت من خلال (دابادا) ه وكلامه الملغوم معي. واخذ بيدي خارج بيت العرس وقال: (أمانة الله عليك هل قال لك شيء). قلت: أبداً لكني فهمت من كلامه الشيء الكثير وأنكما سيان وأنكما تريدان الانقلاب. فجأة قال: وأنت؟. وأقولها بصراحة متناهية؛ قلت: ( الوضع يخوف، ولا يمكن لأي قوة أن تقهرهم ). هز رأسه واستأذن بالانصراف. بعدها التقيت الشهيد حسن مطلك وكان متعبا جداً ومتفائلاً جداً ويتكلم عن كانون.. حتى أني ظننت انه قد كتب رواية لهذا اليوم..! وقتها كنت في الكلية العسكرية الثانية وطردت منها أثناء نقاش حول أن صدام حسين رجل سياسي وميداني. قلت: سياسي وليس ميداني والدليل انه لم يخدم العَـلَم. لم أكن أعرف بأن الخبر وصله. ربت على كتفي واقسم بالله أنه سيأخذ كل حقوقي وستنشر جميع كتاباتي وتوزع. ولا اعرف كم بقى من كانون لكن على ما أظنه ثلاثة أو أربعة اشهر عندما قال لي: ستأخذ إجازة قبل كانون وستعيش هناك فترة من الزمن، أعرفك على كثير من الأدباء والكتاب وربما أساعد في نشر قسماً من كتاباتك. قلت له مازحا: ( زرّع يا جحش حتى يجيك الربيع). قال بتأسف: كلام لم اسمعه منك من قبل يا أبا الأنوار. قبلته وقلت له معتذرا: لا تعاتبني يا مغرور فأنا (...). قال: صدقت، لكن قل لي كيف صوتك؟. قلت مازحاً: هل تريد أن أكون مطرباً. ضحك وأجاب: أبداً.. أبداً لكني سأمتحنك قبل كانون القادم. أجبته فوراً: سأنجح. أجاب: بالطبع. ودعني وداعاً حاراً ولم أره بعدها. أذكر انه وقف على بعد أمتار وقال: ( لا تنسى انك من رجال الظل). حيث اختفى عن الساحة الثقافية ولما سألت بيت أبو فاضل جاري في الموصل.. هز رأسه وأخبرني أن أخباره مقطوعة نهائياً وأن مقره بغداد أو كركوك. -6- اختم شهادتي بالقول الآتي: إن الشهيد حسن مطلك أول من كتب الحداثة في الثمانينات وانه كذلك أول من مد جسور التواصل الثقافي والأدبي بين القرى والأرياف والأقضية والنواحي.. صحيح أن الناس يقولون باني كنت سباقا لذلك وان الدليل لهم أني أسست رابطة أدباء وكتاب القيارة عام 1989 لكني أقول وللأمانة: كان ضوء وصوت حسن مطلك يغطي الجميع بما فيهم أنا. والحقيقة الأخرى: أن للقاص والمبدع الشهيد حسن مطلك مملكة خاصة وعجيبة وان الدخول إليها صعب جداً.. بل وأحيانا وبسبب واحد أن الغموض والرؤية في مملكته تحتاج إلى الصبر والتأني والتأمل واخذ الحيطة والحذر الشديدين وان حراسها مدججون بالسلاح الفكري العالي وان كنوزها ليست كالكنوز التي نعرفها.. ولا أظن أن أحداً قد اقترب منها.. حتى أخوه الدكتور الأديب المبدع محسن الرملي.. وإن اقترب فلم يقترب إلا نحو حافاتها الشمالية الغربية، إن صح التقريب. أما أنا فقد اقتربت، على ما أظن، بشكل حسن وحيطة وحذر عاليين.. إن كل كلمة من كلماته، كما ذكرت، تولد الينابيع وان كل بذرة ستلد آلاف الأشجار المعمره وان الأشهر والسنين ستشهد كتابات واعية ومدركة وستحمل كثيرا من الألغاز المتشابكة والمعقدة.. وان سيرة الشهيد الغائب الحاضر في قلوب كل الخيرين ستكون ثورة الأمل والبحث عن الأمان.. ثورة العدل والمساواة والحرية التي ترفرف فوق أسوارنا العالية والتي نادى بها شهيدنا لأكثر من أربع وعشرين سنة. نم في ضريحك يا حسن مطلك مرتاح البال.. فقد أديت الرسالة وأعطيت دمك وفكرك وكل ما تملك لخدمة المساكين والفقراء ولطريق أبهى وأجمل.. وإننا على العهد سائرون مستلهمين منك ومن صحبك الكرام العزيمة والإقدام وان لا تهزنا الرياح العاتية مهما تعددت أشكالها واتجاهاتها بعد أن توكلنا على الله ناصر المجاهدين. كما يمكن القول بأنه أعطى المثل الحقيقي لأبطال كتاباته وأضاف نغمة واعية ومدركة ونظرة شمولية لمستقبل مجهول ومعركة دائمة من خلال قصصه المتفرقة هنا وهناك.. وانه كعالِم أكد على الأصالة والابتكار والمخيلة بعالم مشترك مترابط عجيب. فهو ينقلك إلى عالم الأموات وبواطن الأرض لتحس بتلك الديدان التي تعيش دون شمس.. وانك لا تستطيع اقتناص معنى جملة إلا في الغوص في أعماقه وعند حافاته فهو يبني من الرمل أهرامات في صحراء متناهية الأطراف فيولد لها المطر ليكون الاخضرار.. -7- واغلب قصصه توصف بالصدق، وكلما تعددت شخصياتها تكون اكثر وضوحا، والفاحص المدرك لكتاباته يرى أن حكاياته تستساغ بوعي.. وكأنه يعطيك تعزية نفسه لمعالجة معضلة ما.. وكأنه قد ألم بها جيداً.. أعود فأقول: إن الحديث عن مملكة الأديب سلسلة ليس لها نهاية نعيشها اليوم لأنها تبشر بالرضا المرتقب.. فهو محارب جيد للأفكار حتى في نفحة اللحود، ذرى في الإبداع وسر الحياة التي فارقها في عنفوان شبابه هو كونه معارض وفاضح لعالم منحرف.. هو لم يكتب حرفاً واحداً لصدام بينما كان أحوج من غيره لذلك. بدأ حرب الكتابة ثم الجودة بالنفس ولذلك وجد ملاذه وخلاصه بالحب فلما لم ينفع الحب بدأ بالهجوم لذلك اصبح عنوان الحياة الجديدة فأبقى لنا صورة صافية ممتزجة بالأمل والحب والسلام والخير بالأهل والأصحاب.. وانه نجح إلى حد بعيد بدمج علم النفس بأشخاصه.. فهو ينتمي إلى كل الأجيال.. واكرر: لابد من تشكيل فريق عمل ودخول مملكته لمعرفة أسراره.. وهذا لا يكون إلا بالبصيرة والتعقل، عندها سنصل إلى عالمه العجيب وسنكشف عن كنوزه الكثيرة وسنكتب الكثير بلا شك وهذا ما سنفعله بعون الله تعالى.. رحم الله حسن مطلك.. الشاب الذي احرق نفسه ليضيء الدرب للآخرين.. وليخلق عالماً فيه الفضيلة والتسامح والعادات التي ننشدها جميعا ونناضل من اجلها حد الموت كما ناضل من قبلنا حسن مطلك وصحبه الأخيار رحمة الله عليهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ *عطية محمد أحمد الجبوري: كاتب عراقي، سكرتير تحرير جريدة (الحياة الجديدة) ومحرر جريدة (الإنقاذ). aljeboury2000@hotmail.com

مقال / عدنان حسين أحمد

النَص المُزدوج

عدنان حسين أحمد

أثار إعدام الروائي حسن مطلك نقمة الوسط الثقافي العراقي، ففضلاً عن أهميته كإنسان يحق له أن يعيش حياته الخاصة كما يشاء، فهو فنان تشكيلي، وخطّاط، وقاص، وروائي، وكاتب مسرحي ينتمي إلى كتّاب القصة والرواية الطليعيين في العراق، بل أن روايته الأولى (دابادا) التي أثارت جدلاً واسعاً في المشهد الثقافي العراقي قد رفضتها دور النشر العراقية كلها ومن دون استثناء بسبب ”فنيّتها العالية“، وقد أعرب الناقد د.عبد الله إبراهيم عن دهشته لمثل هذه التبريرات غير المنطقية في تأخير نشر الرواية حيث قال:”إذ أُتهِمتْ.. ويا للعجب؛ بأنها رواية طليعية، لم يحِنْ أوان نشرها بعد. ولا بد من الانتظار سنوات كيما تتوافر إمكانات قرائية لدى القرّاء لتقبّل عالمها الجديد، وطرائقها السردية المبتكرة."(8). ومع ذلك فقد نشرتها ”الدار العربية للموسوعات“ في بيروت عام 1988، وكتب عنها العديد من النقاد العراقيين والعرب، كما أعادت نشرها ”الهيئة المصرية العامة للكتاب“ في القاهرة عام 2001 تحت محور ”كتابات جديدة“ لتشير إلى أهميتها ودورانها في فلك الرواية المختلفة والمغايرة لما هو سائد من الأنماط السردية. وتأكيداً على قوة الابتكار في هذا النص الروائي سنقتبس الفقرة الآتية من المقال ذاته للدكتور عبد الله إبراهيم حيث يقول:”لا تعتمد هذه الرواية.. على التفسير ووصف سلوك الشخصيات، والعناية بالاستهلال والذروة والحل، ولا تُعنى ببناء حكايتها، ولا بمحاولة إقناع الآخرين بصدقها أو عدمه، إذ تعد ذلك جزءاً من الموروث الذي لا بد من الانطلاق منه إلى ما هو جديد.. إلى ما هو مبتكر.“(9)
لا شك في أن رواية " دابادا " هي نص متعالٍ، لا يعتمد على بنية حكائية رصينة، بقدر اعتماده على لغة متوهجة تحاول الوصول إلى فضاء ما بعد اللغة، أو قول ما لم تقله اللغة نفسها من خلال هيمنة الرؤية على سياق النص الغائب الذي يستمد قوته من اللغة المضيئة أو اللغة الصوتية ذات الإيقاعات المميزة في آنٍ واحد، والتي لا تحيل إلى المعنى حسب، وإنما تنشُد استدراج المتلقي إلى فضاء مليء بالمفاجآت المدهشة. لنقرأ ما قاله القاص محمود جنداري عن رواية "دابادا" وتفرّد مبدعها في تجاوز الأنماط الكتابية السائدة آنذاك حيث قال:" إن حسن مطلك يقترح علينا الكتابة خارج شروط الرواية، أو خارج شروط الفن المتوارثة وبذلك يقطع الطريق على المخيلة وخداعها، ولا يعطيها إلا أقل جسامة في العمل الروائي، وبذلك يطمئننا إلى أنها ليست خدعة، إنما هي غير ذلك.". لقد اختار حسن مطلك خلال العقد الثالث والأخير من حياته أصعب المسالك وأوعرها في كتابة نصه الإبداعي المخاتل، والقائم على "غياب النص" بحسب توصيف الناقد د.باسل الشيخلي، والذي يعتمد على "تصديع البنية الحكائية" كما يذهب د.عبد الله إبراهيم، أو استثماره للموروث الشعبي والأسطوري كما يؤكد القاص عبد عون الروضان، إضافة إلى سلسلة طويلة من الأساليب والتقنيات التي تفنن بها حسن مطلك خلال السنوات الخمس التي كرسها لهذا النص الروائي المُؤلف من "220" صفحة من القطع المتوسط.

الأسلوب المخاتل
لا أنوي هنا الخوض في التفاصيل الدقيقة لشكل الرواية ومضمونها، ولكنني سأتوقف عند تقنيات الأسلوب المخاتل الذي يراوغ رقيب السلطة، ويتحايل عليه من أجل الوصول إلى القارئ. كان حسن مطلك كاتباً جريئاً، وقد قطع على نفسه عهداً بأن يتحدى السلطة القمعية ويقارعها، ولكن بطريقته الخاصة التي تعتمد على الأسلوب غير المباشر. وعلى القارئ أن يتأنى كثيراً في أثناء قراءته لأي نص من نصوصه كي يمسك بالدلالات المُرَّحّلة التي يبتغيها الكاتب، ويريد من القارئ أن يلامسها، ويصل إليها، حتى ولو في القراءة الثالثة للنص.جاءت الإشارة إلى شجاعة حسن مطلك من قبل الروائي جبرا إبراهيم جبرا الذي عاش في العراق نحو خمسة عقود، حيث قال:" إنها رواية غير عادية، فهي جديدة، وكاتبها شاب جريء."(10) لم يُتح هامش الحرية الضيّق جداً للنقاد العراقيين الفرصة لقول الأشياء "اللامقولة أو المحجوبة بفعل الخوف والترهيب السلطوي" وحتى جبرا إبراهيم جبرا، الكاتب العربي الذي كانت له حظوة لدى رموز النظام السابق، اكتفى بالإشارة إلى جرأة حسن مطلك من دون تسليط الضوء على مواطن الجرأة في النص الروائي المخاتل الذي يحتاج إلى قراءة تفكيكية تحلّل النص، وتعيد صياغته من جديد، خصوصاً وأن هذه الرواية كما يعتقد عبد الرحمن مجيد الربيعي بأنها "رواية مختلفة، لا يمكن أن تذكِّرنا بأي عملٍ روائي آخر، ولم تتعكز على إنجاز روائي سابق.. إنها رواية وحيدة ومكتفية بما حملت."اعتمد حسن مطلك في كتابة هذه الرواية على أسلوب" الواقعية المُطلَقة "وكما هو معروف فإن الكاتب الذي يتبنى هذا الأسلوب يحاول أن يحشّد أغلب الفنون القولية وغير القولية في نصه الروائي بعد أن يحطّم الحواجز التي تفصل بين هذه الأجناس الإبداعية، ويذوّبها إلى الدرجة التي يصعب فيها الفصل بين جنس إبداعي وآخر.

الكتابة المقنّعة
كما أفاد حسن مطلك في هذه الرواية، وفي روايته الثانية (قوّة الضحك في أورا) التي صدرت بعد إعدامه بثلاث عشرة سنة، من بنية "النص المزدوج"، والدلالات المقنّعة، والتقنيات السينمائية لعل أبرزها اللعبة المونتاجية التي تأتي في أهميتها بعد "عين الكاميرا" والسيناريو، وما إلى ذلك من معطيات سينمائية. وقد ذهب بعض النقاد إلى الاعتقاد بأن لغة حسن مطلك هي السر الأكبر الذي يكمن وراء نجاح هذا النص الروائي المغاير فقد أكد الناقد د.باسل الشيخلي بأن "هذه الرواية تتجاوز حدود الواقعية لتدخل في إشكالية أكبر وأوسع من نمطية الكتابة المقنّعة... وإن لغة دابادا هي سر قوتها"(11) وعلى رغم من قناعتي التامة بأن اللغة المشعّة التي استعملها حسن مطلك هي عنصر مهم من عناصر البنية الروائية، إضافة إلى كل التقنيات الأخرى التي وظّفها في نصه الروائي إلا أنني أجد نفسي مضطراً هنا للتوقف عند اللغة المقنّعة، والنص المزدوج، أو المخاتل الذي يشير بوضوح تام إلى ترحيل الدلالة من المعنى المباشر إلى المعنى المجازي الذي يقصده كاتب النص ومبدعه بوصفه شخصاً ناقماً على السلطة، ومؤلّباً عليها. ففي رواية "دابادا" ثمة إحالة واضحة إلى السلطة القمعية التي رمز إليها من خلال الحمار " قندّس" فشاهين حاول قتل "قندس" الذي هو رأس السلطة "قفز ملتقطاً مديته، والمدية في يده، هاجر في الرأس، الحمار المدهون بزيت الخروع على بعد ذراع وطعنة.. طعنة.. طعنة"( دابادا ص،195 ) غير أنه كان يمسك مُديته بالمقلوب، فيطعن يده "ويهجم الألم لحظة رؤية الدم." (دابادا،ص195). لقد أصاب شاهين نفسه، وأن الدّم الذي يراه قد تفجّر من باطن يده، وليس من الحمار قندس. "أعرف بأني لم أقتله لأني اكتشفت فيما بعد... استعملت المدية بشكل معكوس لأن كفي ظل يؤلمني والدم هو دمي أنا لا دم الحمار"( دابادا ص210). لقد تنبأ حسن مطلك بموته المبكر، وهذا جزء من آلية الإنزياح المجازي للسارد والراوي العليم إلى شخصية حسن مطلك المقنّعة حين قال في روايته:" أنه يعي وقائع موته كمن ينفذ خطة طويلة بذل في إعدادها زمناً يمتد من آشور بانيبال حتى القيامة"(دابادا،ص52) وذهب شقيقه د.محسن الرملي إلى تأكيد نبوءة حسن الذي أدرك بأنه سوف يموت في الثلاثين من عمره حينما قال في نصه الروائي الأول:" سأموت في الثلاثين أو أتعرض لأزمة."(دابادا،ص107) ويفسّر محسن الرملي هذه الأزمة بمحنة التعذيب التي تعرّض لها شقيقه حسن مطلك طوال الأشهر الستة قبل أن يُنفّذ به حكم الإعدام شنقاً حتى الموت. وقد استشهد حسن فعلاً قبل أن يكمل الثلاثين من عمره، ولم يمت الحمار قندس لا الفعلي، ولا المجازي الذي رُحلِّت إليه الدلالة، بل أن الكارثة قد حلّت بكل الشخصيات الوطنية التي اشتركت في التخطيط لمحاولة الاغتيال، وقلب نظام الحكم الاستبدادي في العراق. وفي رواية "دابادا" ما يؤكد هذه النبوءة أيضاً حيث نقرأ:"تسلل المساء الحزين إلى بقعة هاجر التي لا تعرف ماذا تقول.. فكانت تقوم لتكنس جثث العصافير الساقطة على العتبة"(دابادا، ص205) تمتد اللغة المقنّعة في النص المراوغ الثاني أيضاً (قوة الضحك في أورا) حيث لا يمكن قراءة هذا النص قراءة واقعية من دون ترحيل دلالاته إلى القراءة المجازية، التي تمر عبر "الواقعية المُطلقة أو الكلّية". ولا يمكن البتة أخذ شخصية المستر أوليفر على أنه مجرد منقِّب أثري من دون ربطه بالسلطة سواء أكانت خارجية قادمة من الغرب الإستعماري، أم داخلية متواطئة مع الآخر الإمبريالي، ولا يمكن التعاطي مع شخصية ديّام بوصفه مواطناً عابراً لأنه يشكّل جزءاً حيوياً من الذاكرة الشعبية للناس. وقد اضطر في نهاية النص الروائي إلى المراوغة والكذب من أجل إنقاذ الكنز الذي يضم المكتبة الآشورية المطمورة في باطن الأرض. اعتمد حسن مطلك على اللغة المقنّعة، والنص المخاتل من أجل تمرير ثيماته وأفكاره لعقد من السنوات بسبب طبيعة العلاقة الإشكالية بين المثقف العراقي والسلطة الشوفينية، وحينما سنحت له أول فرصة لمنازلة الدكتاتورية، ترك القلم المُصادَر جانباً وقرر حمل السلاح لأنه كان موقناً بأن صرح الدكتاتورية لا يقوّضه إلا رصاص الثائرين.
---------------------------------------------------------------------
*جل الإحالات المشار إليها بالأرقام يمكن النظر إليها في العدد 11 من مجلة (ألـواح) سنة 2001م مدريد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر هذا المقال في صحيفة (الصباح الجديد) بتاريخ 19/7/2006م بغداد.
**عدنان حسين أحمد: كاتب وناقد عراقي يقيم في هولندا.

مقال / حسين سليمان

ما الأدب أو العراق

حسين سليمان

لقد لفت نظري رسالة موجهة إلى ناطق فرج من ناصر محمود نشرتها مجلة ألواح وكنت قد تأملت قبل ذاك في نفس المجلة عالم حسن مطلك. فأدركت مقدار الضلال والهلاك، الهدر، الذي ارتكبه (ابن العراق) صدام حسين في حق أهله وشعبه.
لم تأخذني الصور ولا الرسم أو الموسيقى والتي وصفت مرحلة العراق كما أخذتني الكلمات التي كتبها ناصر محمود، على سبيل المثال. لقد لمست عن حق العبارة الأدبية الضائعة، في الوطن العربي، الروح التي نطمح للإمساك بها في رسالة هذا الأديب، وفي كتابات كونية لا يعرفها لا كافكا ولا غيره من موديلات الأدب العربي المعاصر، كان قد كتبها حسن مطلك. لقد وصل هذان الأديبان إلى شعلة الأدب التي تضيء اللغة وتضيء الزمان. ولقد أدركتُ مقدار الخسارة برحيلهما. وحسمتْ من جانب آخر الكلمات التي كتبها حسن مطلك تساؤلي عن العمق الذي ينفذ إليه الأدب. حيث كثيرا من الأحيان كنت أظن بأن الرسم والموسيقى لهما الباع الأطول في الوصول إلى أعماق الإنسان، إلى هز روح وجوده، لكنني كنت قد نسيت المعنى الروحي للكلمة وبأن الكلمة كانت قد جاءت من قلنا له كن!.
هذا النوع من الكتابة هي كتابة أنبياء العصر ولقد خسرنا الكثير على يد القائد الملهم. ليس العراقيون ما خسروا فقط بل كل العرب، خسرنا حياة عمرها تقريبا خمسين عاما. ولقد ساهم بهذه الخسارة مثقفو الوطن، الأدباء الكتاب الذين كانوا يتقاطرون للسلام ولتأييد حاكم بغداد. لقد ضربوا بعرض الحائط معنى الأدب وضيعوا فرصة مشرقة كانت ممكنة لهم. فتحولوا إلى كتبة بالأجرة، إلى شعراء بالأجرة. بعيدون كل البعد عن الأدب. فهؤلاء لم يدركوا أو لم يفهموا هروب مظفر النواب، مثلا، منذ تقريبا ثلاثين عاما فخانوا بذلك عهد الكلمة والأدب. هؤلاء باعتقادي لم يكونوا أدباء أبدا بل كانوا كتاب إنشاء. يطوعون الكلمة والجملة، يفهمون الإعراب والنحو. لهم علاقة مدرسية مع اللغة لكنهم لا يقتربون أبدا من ميدان الأدب. فالأدب هو كائن لا تلمسه الجملة السلسة حلوة الأسلوب. الأدب هو دين، دين حقيقي يرفع شعلته من خبر الضياع الذي لحق بالروح فيريد أن يصهرها من جديد في الأتون.
علينا أن نتأمل بعمق أدب العراق في هذه المرحلة، أن نأخذه درسا لمن يريد أن يمسك بالجذوة. حيث أن الروح التي فيه هي روح لها تماما المقدار الرياضي ـ المطلق من العلو والسمو ما كان لنظام صدام حسن. فبمقدار ما كان ينحدر هذا الحاكم بأقدامه الهابلة كان معين الأدب يصعد محلقا في سماء الإنسانية.
هيوستن. 24 آذار مارس 04
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*حسين سليمان: husolaiman@yahoo.com .عن موقع (كيكا) في آذار 2004م.

شهادة / عامر سلطان


حسن مطلك.. اختصر الطريق إلى الإبداع بطلاسم قريته

الجالس في الصورة هو حسن مطلك


عامر سلطان

(1)
كثيرا ما يكون المرء وحيدا في هذا الزمان رغم أن له بيت وزوجة وأطفال، وإذا لم يحصل على الوحدة يقتنص بعض اللحظات كي يكون وحيدا. وعندما يغزو الليل هذه الوحدة يؤنسها أكثر ويجعلها رومانسية لتنبعث منها أحلام الماضي والمستقبل. جربت ذلك ووجدت نفسي وجها لوجه قبالة ذاتي حلقت خلالها كعصفور حر في الأفاق. أطير بأجنحة الخيال فتضاء أمامي ازرقاقات السماء وابحث في الوجوه العديدة والغائبة من أصدقاء الماضي البعيد علني أجد زملاء الدراسة في جامعة الموصل .انفتحت خلالها ذاكرتي على مسافة زمنية عمرها عشرين عاما أو يزيد. وجوه منورة بأمل الغد. أستطيع تذكر أسمائهم: فارس سعد الدين، يحيى صديق، مروان محي الدين، ثابت محمد خضير وحسن مطلك روضان. كان وجه الأخير يسرق مني سكوني وهدوئي لأبحث فيه عن صورة الإنسان الطيب داخل أديب متجدد. كنا أصدقاء كلمة وفكر، كانت رؤوسنا الصغيرة محشوة بمشاريع أدبية كبيرة متضاربة الاتجاهات، تجمعها الرغبة في الإبداع وتقديم الجديد والمثير. متكئين على قدرات كتابية متواضعة، كانت في وقتها مناسبة لأعمارنا الفتية. ولا زلت أتذكر ذلك النهار الشتائي القصير عندما تقدمت بهدوء إلى زملائي ـ ومنهم حسن مطلك ـ بمشروع إنتاج مجلة ثقافية أدبية مستقلة عن سلطة عمادة كلية التربية والاتحاد الوطني آنذاك. عندما اجتمعنا لأول مرة فوق الثيل الأخضر لحدائق كلية الآداب. التهب الجميع حماسة وعاهدوني على خوض غمار هذه التجربة. بأقلامهم وأموالهم وحماستهم، وراح (حسن) يمجد هذه الخطوة ويعرض إضافة إلى عرض زملاءه ريشته وألوانه في التصميم والإخراج الفني.

(2)
كانت الأيام قليلة والرغبة كبيرة لإنجاز هذا العمل. هذا يذهب لفحص النصوص لغويا في قسم اللغة العربية، وأخر يدور حول الطلبة في المركز الطلابي ليعرف آرائهم في موضوع العدد الذي كان حول المرآة. وأنا كنت أتابع الطباعة على الآلة الطابعة، وصورة إخراج الصحيفة في وحدة الطابعة في كلية التربية.
في زحمة العمل كنا لا ننقطع عن الاجتماع والمناقشة والحوار ولا نخرج من هذه الدوامة إلا ونحن نقابل وجه (حسن) طافحاً بالتفاؤل عبر عينين هادئتين لكنهما متمردتين في ذات الوقت، لا نعرف منه هل هو راض عما أنجز. وراء عينيه حكاية طويلة لشاب قدم من قرية على ضفاف دجلة متجشما عناء طريق الصحراء.
لا أتذكر انه أباح لي يوماً من الأيام عن لواعج صدره أو آرائه في الناس أو المجتمع الموصلي. لكنه فرح كثيرا بالعدد الأول والوحيد لمجلتنا (المُربي) وحزن معنا على يتم هذه المجلة بعدما فشلنا في استدرار عطف الجهات الرسمية آنذاك لدعمنا.

(3)
في ممر كلية الآداب المزدحم بخضرة الأشجار وقامات الطلبة الذين يقطعونه ذهابا وإيابا هاربين من محاضرات آلفو سقامتها لأساتذة متحذلقين أو بحثا عن فرص جديدة للحب والصداقة مع زميلاتهم. من بين هؤلاء أشاهد وجه (حسن) وجها طفوليا لقروي متعطش لعوالم المدينة وأشياءها. يكتفي معي بالإصغاء ومسايرتي في المشي موزعا نظراته السريعة على جميلات كلية الآداب مستلهما جمالهن بحس الفنان والإنسان.
وأنا منهمك في طروحاتي معه أحس حضوره الجسدي بينما يغيب عني مجاله النفسي الذي يحيط به، أحسه يقتحم هذا العالم المزدحم والجميل بعذابات داخلية وهواجس متخفيا في صورة مواسم الزراعة والحصاد ولوحات الرقص الشعبية التي يعيشها مع رجال ونساء قريته. كنا جميعا نقضي أوقاتاً غير مرتبة، مرة في المكتبة المركزية، وأخرى في المطعم الجامعي. وأخرى في الكافيتريا، وفي كل اللقاءات يتعمق في ذاكرتي وجه (حسن) الطفولي بملامحه والمنفتح على الآخرين في تعاطيه. يختبئ وراءه وجه الناقد الاجتماعي ويتمنى طول المقابلة ليعبر عن حبه ومعاناته من الحبيبة والناس والآخرين، وحينما تعجبه شخصية معينة يغرق إلى أذنيه للاهتمام فيها ولا يترك مجالا حتى يعرف الأشياء التي يريد معرفتها. و(حسن) لا ينقطع عن النظر بعينيه الصغيرتين الحادتين إلينا مرة يشاركنا التعاطف مع أفكارنا وأخرى يتراجع يهما وهما تغوصان داخل محجريهما بضحكة سهلة لطيفة. كانت عيناه المغسولتين بدموع الفرح والانبهار بجدة الأشياء والأشخاص مع صوته الناعم الهادئ تعيد إلينا الرغبة في المواصلة والاستمرار قي الحديث.

(4)
تاريخ (حسن) يبتدئ من أول سيارة استقلها من الشرقاط إلى الموصل كان تحدياً كبيراً له. يكون أو لا يكون. ليس هناك من طلبه للنزال لكنه الهاتف الداخلي. فهو موجود بجسده داخل السيارة التي ستصل إلى الموصل، وخارج نوافذ هذه السيارة ارض غريبة عنه يتصورها ممنوعة منعا جعله يشعر بالحرج والخجل من مباشرتها .لم يغب الإنسان عن فكره في أعماله الكتابية أو التشكيلية لذلك جرب اللقاء مع (المواصلة القح) ونجح في بناء علاقات صداقة وزمالة معهم. أما أشياء المدينة فانه نظرها من بعيد وهو يتسكع في شوارعها ويدخل مقاهيها ومطاعمها وبعض بيوت أهلها. ووجد قلبه معلق ومتوجع منذ النظرة الأولى لناسها، وكم من المرات رجع إلى قريته أخر الأسبوع كسير القلب ومن بعد المسافة كانت عينيه ترى في واقع تلك الأيام نقطة سوداء في داخلها نافذة مملوءة بالنور.
أستطيع أن أتكلم ألان عن شعوره في لحظات صمته التي نواجهها في وجهه التي كانت عبارة عن لحظات ولادة للثورة على ذاك الواقع الذي كان يرى عدم جدوى الكلام في تغيره. خاصة معنا. وحسن المفكر القاص الفنان صفات كان يعرفها زملاءه المختلطون به إلا أن صفة السياسي لم تكن معروفة بعد، ولو أن هناك كثير من القضايا الاشتراكية والديمقراطية والعالم الثالث قد مرت في أثناء بعض الأحاديث، وقد سخر حسن لأجل ذلك فكره اليساري الاشتراكي غير المعلن حتى لأقرب زملاءه.

(5)
إذا تمثلنا طريق الشرقاط ـ الموصل المعروف لسكنة تلك المنطقة نساءً ورجالا، حتى بعد فَصل القضاء عن الموصل إدارياً، بقي هذا الطريق رابطاً روحياً للشرقاطيين يذكرونه ويحنون إلى أيامه، وكان حسن واحداً من مجموعة الشباب المثقف الذي درس في جامعة الموصل وبقي أربع سنوات في كلية لتربية. لم يجن من ورائها سوى معاقرة القراءة والعديد من الأصدقاء الأدباء. وحقا كانت رحلته هذه مليئة بألوان فرشاته التي حفظت معاناته في مرسم جامعة الموصل. وشهدت سنوات بقاءه تلك اعتلال صحته النفسية وقربه من مرض الاكتئاب. وأشهد أن ليس هنالك غير مميز كان يثقل به مسيرته وإذا أعطته الجامعة شهادة التخرج من الكلية بيده اليمنى فانه قد أخذ بيده اليسرى شهادة الرسوب في حبه وبقي الأول الذي عاش من أجله ضائعاً يبحث له عن أرض. اشعر أن كثيرين من زملائنا يشاركوني هذا الرأي، وأتذكر الآن اللقاء الوحيد معه قبل سماعي الأخبار المتضاربة عن رحيله وكيف رأيت الفرح في محجري عينيه وهو يحدثني عن فوزه بالجائزة الأولى التي أقامتها دائرة الشؤون الثقافية في وزارة الأعلام آنذاك، كانت قصة (عرانيس) والتي لم أقراها. فرحة ناقصة لحسن، فعلى الرغم من فائدتها المادية والاعتبارية له إلا أنها جاءت في الحديث عن موضوع يريد أن يقول فيه بحرية أكثر مما موجود فيها.. ألا وهو موضوعة الحرب. وقصة (عرانيس) عمل من وحي قريته فمن العنوان الذي يحاكي دواخل الفلاحين وتبريراً مهماً لدخول عالم الثقافة عن طريق أدوات القرية.

(6)
كنا نجتمع صباحا، حسن مطلك القادم من القسم الداخلي ونحن الموصليون المنزلقون من بيوتنا الأنيقة في أحيائها الحديثة مع إضاءة الصباح نحمل كتبنا الجامعية ومعها نحتضن طموحاتنا الأدبية ولا يخلو (الليفكس) لكل واحد منا من كتاب أدبي أو مقتطفات لكتاباتنا المتواضعة آنذاك ونتحلق على الطاولات المستديرة لكافتيريا الجامعة ونتكلم ونتكلم مسحورين بصوت فيروز وكلمات سعيد عقل وألحان الرحابنة ولا نخرس إلا عندما تغلق أفواهنا على أكواب الشاي أو الشاي بالحليب. وفي هذا الجو الرومانسي ألاحظ بشرة حسن السمراء المصقولة والخالية من أي اثر لحب الشباب أو النمش وانظر في حركة إطباق شفتيه على كوب الشاي الزجاجي ومن زاويته على الطاولة يلاحظني، يرتد إلى الوراء ويأخذ كامل راحته ليؤكد بهذه الحركة بأنه متمدن. وما يفعله جزء من قابليته على استلهام المدينة.. وفي ذاك الوقت قد يأخذنا نقاش طويل حول قضية معينة يصبح رأس حسن بشعره الأسود أقرب إلى صورة أعرابي عائد من الصحراء الغربية واضعاً فوق رأسه الكوفية والعقال.

(7)
حينما حاول أن يعبر عن رأيه فيّ كانت كلماته نارية مصنوعة بانفعالات فنان وأديب رومانتيكي. لقد توقفت كثيراً عند عباراته العميقة التي استصرخت فيّ كل تخيلات المبدع والإنسان، وإذا ما تذكرت تلك العبارات الآن وبعد أكثر من عشرين عام، أرى فيها إعجاباً بنظارتي السوداء التي رأى حسن فيها لغزا للعبقرية، كان يتأملها في شخصيتي. وفي فترة لاحقة لذلك مع استمرار علاقتي به، وجدت حسن يضع في خياله هالة حول بعض المبدعين الذين يروقون له ويحيلهم إلى طوطم، ومن تلك الطوطم صورة أدونيس وطروحاته الفكرية والأدبية وعبد الوهاب البياتي وسعدي يوسف. ومن عاداته القروية والتي بقيت مسيطرة عليه حتى بعد دخوله الحرم الجامعي مطالعته لكل شخص يتعرف عليه لأول مرة ويتفحص ملامحه بإحساس الطفل مستخدماً عينيه في النظر ولسانه في الثرثرة، وإذا ما كان هناك موقفا مطرباً أو مرحاً أطلق قهقهته المعروفة لزملائه.. وتشعر بالسعادة تغمر وجهه وعينيه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في (دنيا الرأي) بتاريخ 26/7/2006م.