04‏/10‏/2008

كلمة - عبده وازن



روايتاه اليتيمتان صدرتا معاً في بيروت
الكاتب العراقي
حسن مطلك
يعود إلى الذاكرة

بعدما أعدمه صدام في 1990


عبده وازن
ـ بيروت ـ


كان الكاتب العراقي حسن مطلك في التاسعة والعشرين عندما أُعدِم شنقاً ليل الثامن عشر من تموز (يوليو) 1990، بتهمة الانضمام إلى «ثلّة» من العسكريين والمدنيين حاولت الانقلاب على نظام صدام حسين في السادس من كانون الثاني (يناير) من العام ذاته. كان الكاتب أصدر رواية واحدة عنوانها «دابادا» في بيروت بعدما تعذّر عليه نشرها في بغداد. وسرعان ما لقيت روايته الصادرة قبل سنتين من إعدامه، ترحاباً كبيراً ووجد النقاد في صاحبها موهبة حقيقية. وكان الراحل جبرا إبراهيم جبرا من أوائل الذين مدحوا الرواية قائلاً عنها انها «غير عادية، رواية جديدة وكاتبها شاب جريء». وان استطاع الروائي الشاب أن يفرح بروايته الأولى وما أصابت من نجاح، فهو لم يتسن له أن ينعم بروايته الثانية «قوّة الضحك في أورا» التي يرسّخ فيها صوته الخاص، فهي صدرت بُعيد رحيله في دمشق.
منذ إعدام مطلك انحسر الكلام عنه وكاد أن يُنسى، لا سيما بعدما اجتاح الجيش العراقي الكويت في الثاني من آب (أغسطس) 1990. وساهمت الحرب التي شنت على العراق وما تلاها من مآسٍ وخراب، في طمس اسم هذا الكاتب الشاب وجعله مجهولاً أو شبه مجهول لدى القراء العراقيين والعرب. ومثلما عانى حياً الكثير من الترهيب على يد النظام السابق عانى أيضاً في غيابه الكثير من الإهمال والنسيان، ولم تسعَ أي دار في العراق إلى إعادة نشر أعماله، المعروفة والمجهولة، ولم تحاول أي جهة إحياء ذكراه والاحتفاء به.
قبل أيام صدرت روايتاه اليتيمتان معاً في بيروت. وكأن الواحدة تكمل الأخرى، لغة ومناخاً وأسلوباً، علماً أن الثانية تبدو أشدّ راهنية واقتراباً من الواقع المأسوي الذي يشهده العراق. فالرواية التي حوّر في عنوانها اسم مدينة «أور» السومرية القديمة، تدور حول سرقة الآثار العراقية، وتستوحي الصراع العراقي – الغربي من خلال شخصية الموظف الإنكليزي «أوليفر» الذي يعمل في العراق، ويسعى إلى تهريب آثاره العريقة إلى الغرب. وتحضر قرية «أور» وكأنها صورة عن العراق، فهي تضم في جوفها كنوزاً تجذب الطامعين الغرباء. ويبدو الشخص الرئيس في الرواية «ديام» قريناً للكاتب نفسه، من غير أن تكون الرواية سيرة ذاتية. وعندما يحل الطوفان جارفاً المنازل والحيوانات والأشجار، تمتد يد خفية حاملة «ديام» إلى سطح أحد المعابد القديمة ومن هناك يرى المشهد الرهيب...
يدمج حسن مطلك في نسيجه السردي بين التاريخي والمتخيّل، ساعياً إلى كتابة رواية ترتكز إلى معطيات الواقع وشطحات المخيّلة. ويبدو أثر الرواية الأميركية – اللاتينية واضحاً في روايتيه الاثنتين، خصوصاً «الواقعية السحرية» التي بلغت ذروتها في أعمال غبريال غارسيا ماركيز. أما الرواية الأولى «دابادا» التي نمّت عن موهبته، فتدور في جوّ يتراوح بين الواقعية والغرائبية أيضاً. ويجتاز بطلها «شاهين» أحداثاً كثيرة ويصادف مفارقات تجعل منه شخصية غاية في الغرابة والمأسوية. واعتمد المؤلف في هذه الرواية أسلوباً شبه شعري، جاعلاً نصّه يدفق جارفاً معه البنية الروائية التقليدية. ولا تخلو الرواية من بعض الغموض الناجم عن طبيعتها الغرائبية، وتبدو كأنها تتحدى القارئ نفسه حافزة إياه على إيجاد مفاتيحها.
يعود حسن مطلك إلى الضوء بعد ستّ عشرة سنة على رحيله المأسوي، والأمل أن تطبع أعماله غير المنشورة والمجهولة، وبينها ديوان شعر وقصص ومقالات كثيرة. فهذا الكاتب الشاب الذي ولد العام 1961 في قرية (إسديرة) في شمال العراق، كان فعلاً من المواهب الكبيرة، ولو قدّر له أن ينجو من «مشنقة» صدام لكان الآن من كبار الكتّاب العراقيين والعرب. لكن قدره العراقي المأسوي دفعه للوقوع ضحية من ضحايا نظام صدام حسين قبل أن يسقط هذا النظام سقطته الرهيبة. أما قدره ككاتب فجعله ينتمي دوماً إلى الأدب الجديد، أدب الكتّاب الشباب، لأنه أُعدم في مقتبل عمره.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في جريدة (الحياة) بتاريخ 30/5/2006م.

ليست هناك تعليقات: