30‏/09‏/2009

قراءة / سهام الدهيم

سنابل من دهشة!

كتاب حب حسن مطلك

سهام الدهيم

عندما تكون بعيداً عن الأرض، أعني بقرب السماء تماماً، فإنك تتخلى بسهولة عن كل مايمت الأرض بصلة وتخلع ذاكرتك وترمي بها من هذا العلو، فلا يهمك إن سقطت على رأس شخص فتكون ذاكرة أخرى تُقل عنقه، أو تسقط في البحر فتغرق بثقل الألم اللامنسي والمتكور في بلورات ترسلها للأسفل دائماً، لا يهمك إن سقطت في أرض للتو قد حُرثت، فتنبت حياتك مرة أخرى بهيئة جذر يمتد لينمو شجرة شوك أو يقطين وفي أجمل الاحتمالات ياسمين!
من الطائرة ألقيت ذاكرتي من علو آلاف الأمتار، لأطهرني من كل شيء إلا قراءة كتاب " كتاب الحب.. ظِلالهن على الأرض" / كتابة حرة ومذكرات لحسن مطلك .
كنت أريد أن أعرف كيف يُحب رجل معقد وصعب كحسن مطلك، أريد أن أعرف نساءه، وكيف يبذل روحه في نزيف الحب وفاءً وإخلاصاً.. ثمة رجال دون أن تكون إحدانا حبيبتهم الخاصة إلا أنها تحدس بوفائهم وصدقهم وإخلاصهم، رجال لا يصلحون إلا لمرأة واحدة فقط، ومن بعدها يعطبون بدافع البقاء على الأطلال، وحفاظاً على الجمال المكتنز بأرواحهم.. رجال هم من الصلابة بحيث أن الحب وحده يجعل أرواحهم تمتلك حساسية عالية، فتغدو أرواحهم شفافة كثغر طفل فرحه يعني الكثير وحزنه يعني الدمار، رجال لا تُلهيهم تجارة عن ذكر الحب !الكتاب مقسم لفصلين تبعاً لمرأتين أحبهما حسن مطلك الفصل الأول بعنوان "ظل الباشق على الأرض" عن حبيبته ميسلون، التي يرمز لها برسائله ومذكراته بحرف "م". ورمزية العنوان بمعنى:
الظل= الحب
الأرض= حسن مطلك
الباشق= م
فهي كانت مرحلة ممتلئة بالتوحس والترقب، الخوف والتردد، كانتظار انقضاض الباشق على فريسته، أظنها كانت مرأة مليئة بالتوتر، حيث ميسلون لا أراها شخصية قريبة من حسن، فهي قد تعرف إليها في الجامعة بدراسته معها في ذات القسم، امرأة لا تحضر إلا لتغيب، لا تقول صدقاً إلا لتملأه شكاً.
كانت بعيدة عن عوالمه فقد قالت لصديقه ثابت الذي تزوجته فيما بعد:
"أنهيت علاقتي بصاحب النظار السوداء، ولازلت مصرة على قول ماقلته من قبل عن حسن مطلك، هذا الرجل مرتفع عني كثيراً، لذلك أشعر بأنني مجرد صفر. وكيف تريدني أن أقول: نعم أرغب أن أكون صفراً؟!.. مع الشعور بالخزي أمام الرجل. لايمكنني أن أقدم له شيئاً سوى الفراش البارد. حتى أنني لا أجيد صنع الطعام باستثناء سلق البيض. لا أستطيع أن أشبع رغبة عشرة رجال، وهو يجمع هذا العدد في شخصه، ورغباته المتعددة والمتبدلة، وانفعالات الفنان فيه، حزنه الذي لا يباح لأحد.. لا أستطيع"
فكتب في السطر الذي يليه يعلن خيبته:
"وعلمت بعد هذا التصريح ، بأني منخفض جداً عن مستوى إرادتي بحيث أصبحت ألمس العدم اللانهائي وأتحسس الفراغ المديد..الخ. قرأت في كتاب رامبو: " لم تعد ، ولن تعود أبداً تلك المعبودة التي جاءت إليّ. حقاً، لقد بكيت في هذه المرة أكثر من جميع أطفال العالم".
انتهت علاقتهما دون تفاصيل معلنة، انتهى كل شيء فحسب واظن البادئ في البُعد هي "م" إذ لاحظت الفرق فكانت أكثر جرأة في اعلانه!
ولكن في الصفحات الأخيرة جاء بهذه الفلسفة التي تؤطر العلاقات ، وأظنها تلائم سبب فراقهما أثر اختلافهما، فهو لم يكتب عن فكرها وعقلها كما سيكتب عن هدى فيما بعد، لذا فإنه كتب عن صداقته مع ثابت ما يُدلل على طبيعة علاقاته بالآخرين:
"ولكن تلك العلاقة التي خمن الآخرون، أنها ستنتهي بالإشباع أو فاجعة عدم التفاهم، قد دامت بفعل الكشف المستمر للخفايا. لقد تكون لدي مفهوم دقيق حول نجاح أي علاقة بين شخصين، بأنها تعتمد على الكشف المستمر من قبل الآخر. مما يعطي انطباعاً على شكل يقين , بأن نوعية هذين الشخصين تعتمد: أما على عمق كل منهما بحيث لا يمكن أن يعطي ما لديه وينتهي ـ وكان هذا حالي مع ثابت ـ، أو أنها تعتمد على سطحية الاثنين معاً، بحيث لا يحتاج أحدهما إلى كشف الآخر، بل يكتفي بقراءته من السطح، ولما كان السطح يتغير بعوامل الطبيعة شأن تغير وجه الأرض في اختلاف الفصول، فإن ذلك كافياً لاستمرار العلاقة حتى لحظة الكف عن مشاهدة الآخر" !
ليجيء الفصل الأخير بعنوان:
" ظل القمر على الأرض"
إلى هدى :.. اعتراف بقوة العِشرة
فُتح بتاريخ 18 شباط 1987 م
سمِع عنها كل سوء قبل أن يلتقيها في قرية كان يُدرس في ثانويتها وهي في ابتدائيتها، وكان هذا ينعكس حتى في تفكيرهما إذ هو يسبقها بمراحل عدة ويحاول أن يأخذها إليه، يملؤها ثقة واطمئناناً.
ولكنها المرأة الصائبة في الوقت الخاطئ ، حيث كان متزوجاً وأباً لطفلة تسمى مروة. أحب جسدها وروحها، إنها المرأة الأكثر ندرة وقرباً وتوأما لروحه:
" زرعتنا السيارات على مفرق الطرق، أنا وهي، نتجاذب القلوب ونشتكي من متاعب السفر وصعوبة الحياة وسط الدغل. نتجاذب أطراف الحديث بينما يخفي كل منا كلمة سرية توشك أن تطفر على اللسان. كلمة نقولها ونستريح. عندما طلبتُ أن ترفع يدها أمام السيارات، لأنهم يستجيبون لإشارة المرأة ولا يستجيبون لإشارة الرجل، أخذتنا سيارة بيضاء صغيرة، وجلسنا في المقعد الخلفي، تفصل بيننا الحقيبة بينما احتل المقعد الأمامي رجل ذو شارب غليظ، كأنه أحد القراصنة إلى جانب السائق. وكان منظرهما يُذكر المرء برجال البوليس السري، غير أنهما كان لطيفين حين تكلم أحدهما وأعطانا برتقالتين.

كنت قد أخبرتها عن الانطباع الذي خلفه في نفسي كلام الناس وقلت: " لقد تخيلتك سمينة". وضحكت فذهب خوفي !كنت أنظر إلى يديها الصغيرتين تقشران البرتقالة بطريقة تدعو إلى الخَبَل. تلك الطريقة البسيطة دائماً، وأظافرها المصبوغة دائماً، وشفتاها المصبوغتان دائماً، وعطرها دائماً دائماً. فقالت "تفضل".وقلت لنفسي: آه .. لقد تذكرت الخطيئة الأولى: التفاحة الحوائية التي أخرجت آدم من الجنة، فلا بد أن تعيده الرتقالة إلى الجنة مرة أخرى! "
كتبت على هامش هذا الفصل [واااوو]، فعندما يقول العراقي لشيء ما "يخَبَّل" فتأكد بأنه فائق الجمال!
استمرت اللقاءات بينهما، كل لقاء يقرب روحيهما حتى سألته يوماً: هل أنت متزوج ؟، فأجابها: لا، لقد تزوجت الكتابة. لقد كذب عليها ، وعندما عرفت من الناس أنه متزوج " جاءت مرة أخرى بعدما دعاها زميلي (بهنام) إلى الغداء، وأعرف بأنها جاءت لأجل معاتبتي فقط. لا أذكر التفاصيل، لأن الذي حدث فيما بعد أنساني ما أردت أن أكتبه.قالت: لماذا كذبت عليّ وقلت أنك...
قلت: كل الرجال يكذبون على النساء لأجل الحب. وذهبت"

هذا المقطع قرأته في بداية إقلاع الطائرة فجأت شهقة دهشتي محفوفة بألم في بطني.. فعندما تكون عاشقاً ستفهم جيداً ماتعنيه كلمة "الحب" عندما تكون آخر ما يُقال، وأول الحكاية الآتية!
إنه يكتب عن الحب، والحبيبة، ويصف لذة اللقاءات السرية والنقاشات الطويلة التي تنتهي بقُبلة خاطفة.. يشكو من الغيرة فيُحاول أن يُعقل محبوبته، يفكران معاً " هدى هل نفكر معاً بمعنى العالم؟ لأنه من غير المعقول أن أكتشف شيئاً لاتعرفينه. لأنه من غير المعقول أن تكوني حبيبتي ولا تعرفيني" إنه لا يغرق في العاطفة فحسب، بل هو كأي رجل مفكر يبطن رسائله ومذكراته اليومية بأفكاره حيث تكون المركز لكل ماسيأتي من عاطفة عميقة. ففي الكتاب يعبر بصراحة عن رأيه وموقفه من المرأة، فهو لا يُعمم الغباء والسذاجة على كل النساء، فحبه العظيم جعله يجسد تاريخ الرجل منذ البدء ضد المرأة، جعله يشفق عليها من سطوة رجال كانوا. فيشعر بعظيم الذنب لأنه رجل فقط :
" ياله من اختناق!!.. أيها الإنسان ياصديقي المنكسر. لقد جعلتني هذه المرأة أتذكر أخطاء الرجال وظلمهم للمرأة على مدار التاريخ الإنساني. وضعتني مباشرة أمام الجرح لأعترف لها باسم جميع الرجال، وأتوب إليها عن خطايا جميع الرجال. فلابد أنها أصبحت أصغر حجماً بفعل الطَرق والمحاصرة. ولابد أنها صارت (أصغرعقلاً) بفعل التفوق الأهوج، والقسوة.. لقد وضعتني في مستنقع التاريخ لأرى العالم منذ البداية: الدماء، وتطور شكل السيف وشكل الأرض "من صورة قرص طاف على المياه".. حتى زمن اكتشاف فكرة الدوران، ومن العراء والمطر الدائم ومشاعية الرزق والتكاثروسياط الأقوياء والنوم على الشواطئ، ومهازل الحملات الجماعية لاصطياد الوحوش، وعصر الحجر والنار والبرونز والطيور الخرافية التي عبرت بقوة أجنحتها الفضاء ثم احترقت في غاز الهيدروجين.. رأيت شاهد الذبح وعفن الفضائح حتى زمن البارود وانشطار الذرة .
يكفي أن أغمض عيني: أنا مذنب بما أنني رجل".
أي حب عظيم هذا الذي يستحضر الذاكرة الجماعية من مكامن النسيان والتجاهل للأعتراف بذنب قديم بقدم ذنب حواء ؟!.. إنها حسرة حقيقية ، ووجع يفتق القلب فقدان رجل كهذا الحسن الذي مات إعداماً في عهد صدام الذي أرتد موتاً بذات الطريقة.. ربما هي دعوات هدى المسكينة التي عرفت رجلاً يندر أن يتكرر في روحه وعطائه.. رحماك يا اله بقلب أحبته هدى وميسلون وأنا!.
-----------------------------------------
*سهام الدهيم: كاتبة وإعلامية سعودية.
*عن موقع منتدى (شظايا أدبية) بتاريخ 26/9/2009م.

28‏/09‏/2009

شهادة - نص / خضير ميري

الكفن والوصية.. أنا وحسن مطلك والفارة سميرة


خضير ميري

(وهكذا... أهمل نفسه ليكمل النشيد الناقص. ضحك. ضحك. ضحك........)
دابادا

(ورأى اوليفر يزحف بسرواله الأبيض ذي العلامات النحاسية، ويبتسم بوداعة، ثم ينحني ليقطف العشب بأسنانه)
قوة الضحك في أورا 1987م

(1)
ليس هذا ضربا من الكتابة، ليس أسلوبا على ورق، وما نصيبه من الخيال إلا جمالاً يترنح على أمواج من الواقع وكان ذلك هو في قدومه المارق من هنا، ذات عراق، ذات ظلام لفنا واعتصر أعمارنا وصار ذلك الظلام نسيا منسيا، عندما يتعثر التاريخ بأقدام صبية يرممون فراغه الموحش ثم يبصقون على أباطرته وأغبياءه وجلاديه، ذلك أننا كنا ومازلنا نطوق الأرض بأكثر مما تستحق من المعنى ونحلب لها من القيم ما تجهله السماء في عماءها المبارك.
ومن ثم كانت لنا أغنية، أنا اعتقد بذلك، أنا واحد من الذين سرقوا حياتهم من فم الأسد والذئب والفار والذبابة والربابة والدبابة والرماية والسقاية والعائلة والدين والوثن وما يصدقون.. أنا الذي يتوزع في أكثر مني، ويتوالد لغة ولثغة ولهفة وعجالة وبصلة وبطيخة. اتكيس في جيبي، وأتجلد في جلدي ولي الله في ضياعي عنه ورضاعتي التراب والماء والنار والكتابة كنت قد رايته حيا وشاهدته مغامرا ومجنونا وغير مصدق به أحد فكنت قد ذهبت قبله إلى الجنون الخائف الرعديد وكان قد ذهب قبلنا إلى بطولته المنتظرة فما مات قط لكنه قتل مبتسما على الأغلب وغير نادم لأنه على فرديته الضيقة لصالح موته الجمعي، لأنه على سرديته الأولى يبتكر حكايته وذروتها ونهايتها فيكون بذلك كله كائن وكله مكنون.. مجنون ومجنون ومجنون وأنا أرى.. السقوط من رأسي، من أعلى مسراتي الأولى، أفكر فيه الآن وههنا، اجلس وحيدا في بار الانتعاش القابع في ورك شارع الرشيد أتنفس دخان المكان واشرب نعاس مصابيحه الكابية، عدت للتو من رحلتي القاسية من الجنون والعسل محملا بأطياف ناشزة للعقل الذي غادرته مرغما، صرت اكثر نسيانا من قبل اشد خوفا مني واكثر حرصا على حياتي التافهة التي استعادة نفسها من مخالب العدم ومجانية الموت فيه، لعله الصواب الأثول الذي لفني يوما ما ولعق مؤخرتي وتبول علي.
الموسيقى التي يعزفها جهاز التسجيل كانت لام كلثوم هذه ليلتي وهذه ليلة أخرى تشدني إليه وتمد خيوط شعرها الليلي بعيدا عبر أوتاد الدخان المنفوث في وجه الزمن العراقي المشحون بالمجهول والغني والسائب والمسكوت عنه والمذبوح والمشلوح والنيئ والقميء والمسلوخ من فروة الرأس والمدسوس والممسوس والملحوس والناتئ والمرشوش بعطر الكلام وزيفه.. وياله من زيف!
وكنت أنا قطعة من العبث، نزوة قططية، بقايا أفكار محفوظة وركام من أوراق الكتب. كنت قبل ذلك مجرد صبي يقرأ ويثرثر وينز أفكاراً.. إلا أن (أردال) الحزين كان حينها أكثر صمتاً، هو الذي صار مهندساً جاداً يعمل في (شركة حمورابي للمقاولات) ولم يكن الموعد مناسباً لي:
ـ انه بار الانتعاش، أنت تعرفه جيداً.
ـ البار نفسه؟
ـ نعم.
قال أردال.. وفكرت..
ـ بار للبيرة فقط، كم أكرهه!

هكذا كنت لا أحب سوى العَرق وما أدراك ما هو؟ عرق العصرية أفضله على عرق أبي نؤاس الذي يترك في حلقومي خيط مرارة تبعث على الغثيان ولكن البيرة، آها، إنها تنعس ولا تنعش وتُبوّل كثيراً وتُرهق راس مال الجيوب. ويصبح الانتعاش مضغوطا بميتافيزيقا الشعر المفتوحة على مصراعيها، مع أردال وأنفه المنقاري وطبقة الباز التي تتكلم فيه، انه يهمس لي عن آخر سوف تراه بعد قليل، ولكن لا عليك انه مجرد فكرة سردية، أضغاث أحلام ومزيداً من الضحك الغجري الأصيل!
ـ ماذا عن ابن عربي؟
ـ انه باهض الثمن وطبعته رديئة.
ـ وهو؟ هل هو غجرياً؟
ـ من هو؟
ـ أعني ذلك الحسن مطلك؟
وجلب لنا زنبور مزيداً من الباقلاء المزيتة، انه زنبور في حركته الدؤوبة ودورانه الحلزوني، هكذا نفتتح الليلة الليلة، وكانت هناك هذه ليلتي موسيقى بلا كلمات، وبكلمات أقل قرأ أردال القصيدة نفسها التي يرفض نشرها مطلقا وهي بناء هائل من الدلالات والرؤى والتهويمات، إنها تهدف أن تتكون كأفضل قصيدة في العالم.. وكأفضل قصيدة في العالم لابد من أن لا ترى النور مطلقاً. ولم ترَ النور كما أراد اردال أو كما أراد الله لا فرق، إنها ليلتي ومضارب عرسي وأوان ضربي على الناي، وجلب زنبور مزيداً من البيرة (فريدة) وهو يمسح كفيه بكفيه.
ـ مع الباقلاء؟
ـ مع الباقلاء.
وكان اردال مترقبا، متحسبا لمجيء حسن مطلك وكنت لا أعرفه، لا أعرف عنه شيئاً سوى أنه فاز قبل أيام بقصة مذهلة وغريبة (عرانيس).
ـ هل قرأتها؟
ـ نعم.
ـ ما هو رأيك؟
كنت مشغوفاً بفكرة الأسلوب أن تتلوى الكلمات وأن تمتص نفسها بنفسها وتتنفس واقفة.. أن يكون العمل الأدبي أعجوبة وفرادة نوعية ولكن الأفكار كانت تتسلط علي أكثر، كنت ما زلت منقوعاً بالفلسفة ومذاهب الكبار مأخوذا من الخلف وغير صريح كفاية. كنت ثعلباً ولغوياً وصاحب مرجعيات لا تعد ولا تحصى وكانت الأضواء تتحرك قرب أنفي، شاب في الثامنة عشر من عمره يصافح هيجل وماركس وسارتر وكامو وابن عربي وهيدجر وكل من لف لفهم
ـ أرابت، اندليت المكان يا أردال؟
نهض أردال وصافح رجلاً متوسط القامة، ممتلئ صحة، منحته أضواء البار ظلالاً رمادية وأكسبته بعداً لم أكن أجيد تحديده بعد
ـ انه خضير ميري
قال له أردال ذلك، لم يلتفت إلي وانشغل بتعديل كرسيه الفخم المزعج قليلاً، تمطق بشفتيه وقال:
ـ الأكل.. هينه أكو أكل؟
وشعرت بعدم ارتياح واضح، كان يبدوا قائماً بذاته، غير مؤدب حتى، وله أسلوب خاص بتحريك ملامح وجهه،
ضحك بلا مناسبة وخبطني على ظهري خبطة ثقيلة:
ـ أنت ميري إذاً؟
ـ نعم، كنت قد حدثتك عنه.
أجاب أردال نيابة عني، كان يبدو وكأنه يريد تفادي خلل ما، أو لعله شعر بان سلوك حسن مطلك لم يكن مناسباً، وكنت في لحظتها أرغب بالإيقاع به أو إحراجه على الأقل، إلا أن مرحه اللذيذ وتلقائيته حالت دون ذلك
ـ هل تشرب؟
ـ أنا، ههههه أشرب البحر وأرجعه عطشانا.
ثم قال:
ـ لا تزعل، اني أحب الهزار، قوة الضحك الضحك الضحك
حاولت أن أواصل كلامي عن أفكار كنا تبادلناها أنا واردال ولكن الزنبور تدخل ووجه طلبا إلى حسن
ـ لا لا أشرب الشرب يجعل معدتي منفوخة.
ثم قال اردال وقد احتقن وجهه
ـ قليل من الويسكي
ـ الويسكي آه، نعم بصحبة الفيلسوف.
ثم التفت إلي وركز نظره علي
ـ هل أنت فيلسوف؟
ولم أفهم أيعد ذلك سؤالاً أم استهزاءا؟
كانت البيرة تفور في أمعائي. كنت عفتها تسخن سهواً مني وصارت الباقلاء أكثر صلابة إلا أن حسن أراد أن يعرب عن حُسن نيته فقال:
ـ لا تقلق لقد قرأت لك ما يكفي، لا أعرف أين أنت..
ـ وأين أنا؟
ـ هنا في بار الانتعاش طبعاً هههههههههه
ونادى أردال زنبور فطار إلينا بقليل من الويسكي
ـ على شرف حسن
قال اردال
ـ على شرف (عرانيس).
قال حسن مطلك...
ورحت أنظر إليه نظرة برويفيلية فوجدت غمازة محببة في زوايا شفتيه وكان هو حليقاً تماماً ومبتسم رغم أنفه وله مواصفات أخرى لرجل لا تردد لديه. وعرفت أن أردال كان قد عد هذه الأمسية للاحتفال بحسن مطلك وأن حسن هو الذي طلب التعرف إليّ، وكان أسلوبه ذاك مبيتا ليعرف من خلال الاستفزاز نوعية الفتى الذي كنته والذي أخذني سكري مأخذا صعباً فصرت أحاول التطاول عليه بحق أو بدونه وكان هو يدوزن كأسه جيداً ويتحدث بغرور مناسب عن قدراته الروائية التي لم نكن نعرفها وسرقت الجلسة من يدي ورحت أتحول إلى مصغي ليس إلا، وهذه لم تكن عادتي وكان الزنبور يسقني بيرتي وكان أردال يساند حسن وكنت أتسرع بشربي راغباً بالنهوض سريعاً والانصراف عن هذا الكائن الذي أخذ يشدني إليه بسوء طوية ربما أو لعلها نوعا آخر من الحضور القنفذي الغامض لهذا الرجل الشرقاطي الذي مازالت قرويته بادية للعيان وصراحته لا تسر عدو ولا صديق. نهضت، وطلب أردال توصيلي بينما قال حسن مطلك:
ـ فرصة سعيدة.
لم أرد على المجاملة وذهبت مترنحاً إلى الخارج يضربني هواء بغداد وتدوخني شحة الإنارة فيها في ليل بغداد الثمانيني العجوز العبق برائحة الخوف والحرب والسكر والأقدار وكان اردال قد قال لحسن
ـ لا بأس من اللقاء غداً.
ولم التفت إلى حسن، ولم أرغب بلقائه مرة أخرى، وأنا أتضور جوعاً للإطاحة به، ولكن لا بأس من جلسة أخرى.
.. لم أكن في واقع الحال راغباً بها.

(2)
لا تقدم الرغبة شيئاً مفيداً دائماً، وليس صحيحاً أن العلاقة الإنسانية تحتاج إلى مقدمات مناسبة لكي تتحقق ولعل بعض الشخصيات لا يرغب الواحد منا أن يأخذها على محمل الجد إلا بعد لأي، بعد حين، بعد معرفة أوفر ولكن من العصي علي أنا شخصياً أن أتمرن على علاقة شائكة منذ البداية مع حسن مطلك. لم أكن أود لقاءه، هذا ما كنت أردده لنفسي وأنا اجلس في مقهى البرازيلية وكنت أطالع كتاب (ضياع في سوهو) لكولن ولسن بصحبة فنجان صغير من القهوة كان رحيم يوسف قد منحني إياه بسخاء ولعلني كنت أتعجل في أعماق نفسي أن يأتي الليل سريعاً وأن يحين موعدي مع اردال ولأنني لا أضمن مواعيد اردال وتقلباته المفاجئة وأحيانا تغيبه البوليسي الغامض فإنني كنت أشعر بالنكبة، لا ليس النكبة، ولكنه شئ من الرغبة في معرفة حسن أكثر أو العكس في عدم معرفته أو النيل منه أو.. أو............
كان رحيم يوسف يحدثني عن جمال قصة (عرانيس) بعد أن أخبرته بأنني كنت مع حسن مطلك ليلة أمس وأنني غير معجب بسلوكه القروي، ولكنه لم يبالي. كنت حزينا بعض الشيء وأنا أفكر بقبولي طالبا في أكاديمية الفنون الجميلة وكنت ارغب في قسم الفلسفة في جامعة بغداد وصار الوقت ثقيلا والبرازيلية تشعل مصابيحها وأنا بلا نقود كالعادة ولا أعرف ما إذا كان رحيم يوسف سوف ينقدني شيئاً أم لا، لم أساله لكي لا أُصدم ولكنه حدس ما كنت أفكر به فقال لي:
ـ لا عليك، اليوم ربعك طالع.
ـ اشلون؟
ـ بعت ثلاثية محمد ديب اللي سرقتها من أبو عوف.
ـ ليش يمعود؟
ـ لا عليك عندي نسخه ثانية منها
إلا أنني لم اكن أفكر بربع عرق في بار الحمراء المتواضع الكائن على شارع أبي نؤاس بل أفكر بالانتعاش وموعدنا مع حسن مطلك هناك، ونهض رحيم يوسف مستندا على ساق واحدة ووضع نقودا في كفي وحمل كيس مسروقاته من كتب هذا النهار، وما أن هم بالذهاب حتى صرخت به
ـ والقهوة؟
ـ مدفوعة من حسن العاني.
وحسن العاني هو المالك الشرعي لمقهى البرازيلية التي كانت واحدة من معالم الأمكنة الثقافية في شارع الرشيد وهو صاحب (الدار العربية للموسوعات) التي ستكون على موعد لطباعة (دابادا) رواية حسن مطلك الأولى ورائعة الأدب العربي بلا منازع. وكان بار الانتعاش يقع إلى جانب الدار نفسها، وهي في الوقت نفسه المكتبة الأكاديمية، وعبر هذا الثالوث المقدس والمدنس والمتنفس من بار ومكتبة ومقهى آثر حسن مطلك أن يجلس قدره من طعام الكتابة وان يزحف عبر هذا الثالوث الغريب باتجاه تاريخه الشخصي وخلوده الأدبي الذي لم يكن يخطر لنا ببال كما لم يكن يخطر لي أن أجده جالسا بمفرده بعد قليل في نفس الطاولة التي جلسنا عليها ليلة أمس يكتب شيئا ما سرعان ما خبئه وهو يرتدي بدلة رائعة وكأنه ممثلاً خرج تواً من اللكيشن وكان الزنبور قد جلب له استكانة من الشاي في واحدة من الحالات غير المسبوقة في بار الانتعاش. كنت أرتدي سترة من القش هكذا وصفها حسن مطلك ساخراً وان أحشو تحتها قميصا غير مكوي وسرعان ما قال لي:
ـ لدينا وقت لنشتري لك شيئاً من الألبسة المناسبة.
ولكنني رفضت خجلاً وصرت مباغتاً أكثر في سلوكه الغريب إزائي. لم أكن صديقه بعد، لم نلتق إلا عابرا ليلة أمس، ولم أكن أطيقه حتى، من يكون هو ذلك القروي الشرقاطي الفائز في مسابقة للقصص القصيرة؟ كنت أمور غيضا وربما حرصا عليه. وكان هو يدفعني بميانة وسرعان ما صرنا بقفا البار في قيصيرية جانبية لشارع الرشيد وغبنا قليلاً في داخل محل أنيق اخطبوطي الشكل ثم خرج أمامي ولحقت به وأنا أسير ببطء مرتدياً بنطالاً أسود وجاكيتة سوداء ثقيلة ومناسبة، وعلى فانلتي البيضاء المتسخة قميص بياقة واسعة وربطة عنق حمراء منقطة، وكنت بذلك قد أصبحت عريساً، هذا ما رآه اردال فيّ وفي هيئتي الجديدة.
ـ والآن أريد شيئاً من الويسكي احتفالاً بالهيئة الجديدة.
وضحكنا معاً، وكنت ماخوذاً بأسلوب هذا الرجل الغريب واختياره لمفرداته الوصفية وسرعان ما أفسدت الليلة عليه فأخبرته بأنه لا يعرف شيئا عن الكتابة وأنه مجرد كان قد حصل على جائزته الأولى بفضل الأغبياء من المشاركين من أمثاله، وكان هو يضحك بعناد ويمط شفتية ويعنى كثيرا بأقداح المزمزات التي كان يجلبها زنبور بإمرته هو لا بمشيئة اردال الذي كان يخشاه قليلاً ويستمع إليه بتعاطف ظاهر للعيان، وكان اردال يتطلع إلى ساعته وهو يهم بالانصراف لأسباب أجهلها، وكان يود أن نفض الجلسة معاً لولا أنه عرف من حسن بأنه لا ينوي الذهاب وعرف مني بأني راغباً في المكايدة وإرهاق حسن لا لشيء إلا لأنه لم يحسن معاملتي، وأنا أنوي أن أتقيئ كل ما قرأته أمامه، هكذا من أجل أن يكن لي احتراماً أكبر وأن يعرف من أنا
ـ من أنت؟
هذا هو السؤال الذي أطلقه بوجهي حسن مطلك وراح يحدثني بلهجة جادة اكثر مما توقعت عن القراءات التي بحوزته إلا انه قال رأياً غريباً بعد أن عصر ليمونة يتيمه في ماعون اللبلبي.
ـ العمل الأدبي يتجرد عن الزواحف القراءية، الكتب الكثيرة تعيق الكتابة أليس كذلك؟
فقلت له
ـ مبكراً عليك كلاماً كهذا.
مال بوجهه إلى جهة بعيدة وكان يكتم ضيقاً كان عالقا بين شفتيه
ـ اسمع، أنا لا أبحث عن دروس في المعرفة والجمال بكر لكل من يحرثه.
ـ ولكن كل ما هو كتابة هو معرفة.
ـ من حيث المنطق هذا صحيح.
فقلت له
ـ إذن؟
ـ لا، الكتابة تضيق ذرعا بالمنطق، الكتابة مغامرة، تعارض مع ما هو عقلي، انفجار قدر له أن يسطر على الورق هكذا قوة الجمال في جملة غير محسوبة ولكنها مرغوبة ومرهوبة. وصرت أكثر انقيادا له وصار اردال منسحبا كليا فنهض ونادى على الزنبور فرفض حسن مطلق وأجاب بلهجة مسرحية
ـ لا، أنا سيد الجلسة ودافع خساراتها.
وطلبت مزيدا من البيرة من زنبور وطلبت منه خيارا ورحت انتبه إلى حسن وهو يحاول أن يدفع الحوار إلى الأدب. ثمة لحظات شعرت بها بأنه يعني تماماً ما يقول وأخرى، كنت أشعر به لا يجيد الكلام أو أنه بالأحرى يجد أن الكلام لا يعطي تغطية كافية، ما هو الأدب؟ كيف يمكن التخلص من المفهوم العام للأدب. سرعان ما أحس بالضيق من المكان. كان البار مكتظا والدخان يجر نفسه سحابات فوق رؤوسنا. كان يفكر بالحافات، نعم الحافات بكل شئ.. بالأدب، بالفكر، بالرؤية المباغتة المتقطعة ولكن المبنية جيداً
ـ الرؤية المصيرية للعالم.
ـ ماذا تعني بذلك؟
ـ الرؤية بمعنى السر
ـ أي سر
ضحك ثم قال
ـ السر في أن تكون أنت واردال لاصقين هنا في هذا المكان، هيا لنذهب إلى الأعلى.
ونادى على زنبور بصوت جهوري ومسرحي
ـ الحساب من فضلك.

(3)
مثل طلقة جنونية.. هكذا امتطى حسن مطلك سيارته البرازيلي الحمراء اللون منعطفاً على شارع أبي نؤاس متفادياً على سرعته الرهيبة أطفال الغسيل الذين يتصيدون وقوف السيارات لغسلها دون إذن من سائقيها، وسرعان ما دخل شارع فرعي ثم انعطف كما لو كان يدخل غرفة نومه الخاصة إلى جراج داخلي يبدو أنه اعتاد المكوث فيه، صفق بابه ونزل مسرعا وفتح جيب الصندوق الخلفي لسيارته الساخنة وأخرج حقيبة جلدية سوداء لامعة ثم أشار إلي بحركة من رأسه أن هيّا.
كان فندق ميريديان منار كلياً وزجاجه اللامع يبهر الأبصار، وكان هو يسير فاتحا ساقيه قليلاً يحرك حقيبته السوداء بنوع من الاستهتار والشجاعة بادية عليه. وقفنا بانتظار نزول المصعد غير عارف إلى أين نحن ذاهبين
ودخلنا إلى غرفته المربعة المرآتية وصعد بنا المصعد إلى آخر ما لديه من ارتفاع.. وقبل أن يتوقف المصعد لمحت إشارة حمراء مضيئة تخبرنا ببار (هلا)..
ـ هلا.. هل أتيته من قبل؟.
ـ لا.
ـ إذن هيا إلى هلا.
صالة علوية واسعة لكنها متمفصلة بعدة فواصل هي عبارة عن خانات صغيرة مقطعة مخصصة للعشاق الذين ينزوون هنا وهناك، ليليون وخائفون ومتوارون. سبقنا النادل الذي لم يكن زنبورياً بعد فهيئته تدل على ضخامة لا تتناسب مع زنبورية نادل بار الانتعاش وكان ركننا يطل على نهر دجلة والسحاب غير بعيد عنا وسرعان ما قال لي حسن مطلك:
ـ اسمع، أنا وأنت لابد أن نصبح أصدقاء.
ـ ومن قال عكس ذلك؟
فتنحنح ثم أضاف
ـ أنت تتوهم نفسك مختلفاً أو أنت تتصور بأنني لا أعرفك جيداً.
أردت أن أوضح له بأنني لم أكن أعني ما أقول له حقا وانه كان قد أجبرني على مناكدته ولكنني فضلت أن أصغي إليه. كان وجهه حزيناً بعض الشيء، لعله كان مجهداً قليلاً، فهو رجل غير كحولي وبذل جهداً واضحاً في العناية بأفكاره وكلماته. كان النادل الضخم ينتظر إشارتنا فقال لي حسن:
ـ أنا لا أحب الخمرة اطلب أنت.
فأجبته بلهجة مصطنعة:
ـ وأنا أيضا لا أشرب كثيراً.
ـ أنت!؟ لا تكذب، إن نهر دجلة في نظرك نهر من الخمرة.
مددت قدمي إلى الأمام وطلبت ويسكي بالصودا ثم سألته
ـ لماذا جلبت هذه الحقيبة.
ابتسم قليلا ثم ألقى نظرة إلى ما حوله ورفع الحقيبة ووضعها على ساقيه:
ـ هل تعرف أن تسمع من يقرأ لك؟
ـ طبعاً.
ـ إذن اسمع.
لا يجرؤ المرء مهما تغطرس أو تمترس إلا أن يصغي للجمال الباذخ الذي يكتب مهما كانت الظروف والأحوال. لم أكن قد استمعت من قبل إلى ما يجعلني أتضور جوعاً للمزيد. كانت هناك قصة، تلك التي استمعت إليها أو لعلها لفافة أولية لخطاطة ما لم أكن أصغي لما يكتب بل كنت اسمع ما يجب أن يقرا، كانت الصور سريعة منغمة ومفلوته عن سياقاتها وكان هناك خالق أمامي يمرغني بالجنون والرفعة والأرض تفلت من تحت قدميه وهو ماسك بزمام الكلام عارفا أين هي الوقفات والسكنات التي هو بحاجة إليها.. وصرت أتمثل الرؤية المكتوبة ببطء أو لعلني كنت أتلمس اللغة في فيضها السردي ودقة الشحن الشاعري المولد عنها وصرت أعب كؤوس الخمرة غير لامس من المزمزات شيئاً، أريد أن أشرب من أذني وفمي غير مستعين بأسناني المهترئة.
إنها لحظة هاربة من معطف التاريخ، نوعا من الجنون المرهوب، لكن المرغوب والنادر صار الوقت منفتحاً على اللانهائي وكنت للتو اكتشف عبقرية وأرى في ملامح وجه هذا الفنان انسرابا جديدا لأدبنا المتواضع الموروث والمصنوع والمرتشي بالآداب العالمية الجاهزة.. كانت له طينته الخاصة في الكتابة، له حماقات وخروقات غير مستساغة، ومع ذلك كنت ما زلت في حيرة معه، من أين له هذه الطريقة في الكتابة، ولماذا لم أكن أعرفه من قبل؟.
وكان النادل قد اترع كأسي أكثر من مرة وصرت في عالم آخر تعذر على أن اركز معه بل كنت بحاجة إلى ابتهاج آخر معه. هبطنا من (هلا) مترنحين وأخرجنا السيارة منطلقين في شوارع بغداد. كان يرغب بإيصالي واكتشاف المكان الذي أهبط فيه كل يوم. لا ادري كيف عرفت طريقي. كان الليل موحشا إلا أن بغداد ما زالت تولي الليل بعض ثقتها. وصر الباب الحديدي في يدي وصعدت السلم الحجري لمنزلنا الشعبي المنبوذ في (حي الكمالية) وبادرني شيخ الجامع بأنه لا زال ساهراً وقال لي بسماعته العالية الصارخة:
ـ الله أكبر الله أكبر.
وكانت وسادتي في انتظاري منذ زمن طويل ومازالت أحلامي نفسها تطقطق أصابعها هناك وتشرب جنوني الفتي الذي ما زال بحاجة إلى سقف منزلي وقليل من الجدران للمكوث فيها.

(4)
توهمت سميرة بان ذلك هو أنا فدبت على ساقيه ببراءة الأطفال وندت منه صرخة عالية زرعت الرعب في أعماقي وجددت الصحو في ذهني في ظهيرة اليوم التالي، واكتشفت أن حسن مطلك، هنا في غرفتي العلوية الكائنة على السطح. كان جالسا شابكا قدميه تحت فخذيه يرتدي ملابسه كاملة باستثناء جاكتته المعلقة على كتف كرسي طاولة القراءة ودهشت لهذا:
ـ هل أتينا معا؟
ـ نعم.
قال حسن ذلك ثم انبطح على بطنه وزحف باحثاً عن سميرة، وقلت له:
ـ إنها مجرد فأرة.
ـ طبعاً فأرة وهل كان ذلك ديناصوراً!
لقد ربيتها بعد أن ارتكبت ذنب قتل أمها هنا ذات يوم، كانت صغيرة وعمياء، أطعمتها وأعطيتها الأمان ثم أصبحت صديقتي، إنها سميرة، الفأرة سميرة.
نهض حسن وألقى نظرة عريضة على رفوف مكتبتي التي تغزو الجدران، كتب في كل مكان، كتب تنام تحت بعضها البعض، كتب على السقف كذلك. كنت قد علقت شبكة بلاستيكية من النوع الذي يستخدم في مرمى كرة القدم على طول السقف ووضعت كتب في باطنها، وكان ذلك كفيلاً بإعطاء صورة لكهف كتبي لا شك فيه.
ـ سميرة وعَرَفانها، ما هي حكاية هذه الجمجمة؟
جلبت لنا (علياء) شقيقتي صينية كبيرة، عامرة بقيمر المعدان ومثلثات جبن وأرغفة ساخنة وإبريق شاي، وكان الشاي هو كل نصيبي بينما أجهز حسن مطلك على كل شيء. كانت الجمجمة تعود إلى متحف مدرسة الإعدادية النظامية التي يعمل والدي حارساً وفرّاشاً فيها، هكذا كانت جمجمة للدرس موضوعة في متحفها الخاص عندما دغدغتني شهوة السرقة عندي ورغبتي لاقتنائها بأن أجلبها هنا وأعطيها سلطة الآمر والناهي في مملكة الكتب هذه. كان حسن مطلك يصغي إليّ بارتياب وهو يرسل نظرات متقطعة إلى سعادة الجمجمة الضاحكة بين آونة وأخرى، وطلب أن أتركه مع الكتب قليلاً ثم وقع اختياره على كتاب (أسطورة سيزيف) لكامو. وكانت نسختي المفضلة، فالتقطه بعناية ثم قال: لدي رغبة بأن نقضي بعض النهار معاً. لأنه كان لابد أن يعود إلى الشرقاط نهاية ذلك اليوم.
صرختُ به:
ـ دير بالك!
ـ ماذا؟!
كانت سميرة تتشمم حافات حذاءه وصار أكثر رقة فانحنى عليها وأراد التقاطها فلم تمانع وزحفت على كفه ونامت بين أصابعه. قلت له:
ـ مازالت عمياء.
فأجاب:
ـ لقد أنسنتها، فماذا تنتظر..
وأعاد سميرة إلى الأرض ونظر بتفحص إلى جمجمتي الأثيرة وصار أكثر قناعة بجنوني الخاص مذ ذلك الحين.
********** **********

مقهى البرازيلة فاترة بعض الشيء، لم يكن حسن العاني موجوداً ولم تظهر آثار رحيم يوسف بعد، إلا أن حسن مطلك كان مصدعا بعض الشيء، تركني بحثاً عن صيدلية قريبة وجلست أفكر بما جرى لي من أحداث متعاقبة وكنت في وعثاء السكر بعد، محمر العينين ومنفوش الشعر. كان من المفروض أن أذهب إلى الكلية، فأنا لم أسجل بعد حضوري فيها.. وطال زمن غياب حسن مطلك، زمن أكثر مما تستحقه صيدلية قريبة، وصرت قلقاً عليه وقررت أن أذهب للبحث عنه ورمقني أبو مهيدي بنظرة متشككة لولا أن حقيبتي الصغيرة المتروكة على الطاولة ضمنت له عودتي لدفع حساب القهوة الحلوة التي شربت منها اثنين.
كانت سيارة حسن مطلك غير موجودة في مكانها، كان قد صفها قرب رصيف المقهى المقابل وهذا يعني بأنه لم يذهب مشياً على قدميه، وصار مفروغاً منه بأن أمرا ما كان قد حدث.
ولم يحدث شئ، عدت خائباً كما لو أنى خارجا من حلم وأنا أفكر بما عليّ أن أفعله للسؤال عنه. لم أسجل تلفونه حتى، إلا أن شعورا ما كان يخبرني بأنني حصلت على ذات مبدعة ولعلني لم أكن حينها قد قرأته بعناية، لم يترك بين يدي أثرا كتابياً له، جلست منتظراً قدوم شبحه الخاص وتذكرت ابتسامته ونظرات عينيه وقدراته الكلامية. كان ذلك كله يشي بأسلوبه الخاص وطعم شخصيته، ولكن ما الذي دفعه لان يتركني موشوشاً هكذا؟.. أين تراه ذهب؟.. ولماذا لم يكلف نفسه عناء إخباري بما ذهب إليه؟.
صار الوقت بطيئا حتى وأنا أشاهد رحيم يوسف وشخص آخر يدعى راضي داخلان إلى المقهى. كان رحيم يستند على كتف راضي ويمشي بصعوبة، جلس رحيم إلى طاولتي بينما تفاداني راضي وذهب ليجلس بمفرده. كان مثقفا حساساً لا يطيق الحوار معي ودائم الإدمان على التهم الشخصية والمهاترات، ذلك أنه كان يرى نفسه أكثر أهمية.. ولكن لا أعرف مِن مَن؟.
صار الوقت الطويل يقينا لا شك فيه بأن حسن مطلك لن يعود، ولمس رحيم يوسف قلقي وطمئنني بأنه اليوم على ما يرام ماديا وأننا معزومين بالقصر الفضي على حساب ماجد جبر، وعليت صوتي لأُسمع راضي الغير راضي بأننا اليوم خمر وغداً أمر، وضربنا وجهتنا صوب الجانب الآخر من (ساحة التحرير) إلى رصيف المكتبات كان ماجد جبر يعمل هناك كتبي في مكتبة التحرير وكان شابا أسمر دقيق الملامح صموت جداً ما يكفي لان يصبح بعد سنة من هذا اللقاء مجرد جثة لا حراك فيها مهشمة ومشوهة وملقاة على أكتاف الساتر الأمامي للحرب العراقية الإيرانية التي كانت مازالت دائرة إلا انه كان بطيئا في العمل واضطررنا إلى انتظاره أكثر من ساعة ونصفها وانضم إلينا باسم حردان وهو صديق مقرب جدا لماجد جبر يشبهني في نحافته إلا أنه كان يزرر عينيه دائما ويمتص سيجارته بنهم وتوسل كما لو كانت كأسا من العصير. وانتهينا في القصر الفضي من أعمال بارات أبي نؤاس. وكنت ما زلت أرغب بان أبحث عن حسن مطلك أو في القليل أن أذهب إلى بار سميرا ميس المجاور للسينما سميرا ميس لعلني أعثر على أردال، واستأذنت من أصحابي باني لن أغيب طويلاً، وكان حدسي الكحولي في محله. كان اردال هناك وسط فوضى الزبائن وضجيج التلفاز، ينتحي ركناً جانبيا قرب الزجاج المطلي بالأحمر العتيق وجلست من فوري وقابلني اردال ببرود مألوف فيه ثم قال لي:
ـ هل تجرب الجعة؟.
كان يحب أن يقول للبيرة (الجعة) وهززت رأسي موافقاً بالرغم من أني كنت قد صفيت حسابي مع ربع عرق زحلاوي قبل قليل وأن الخبط سوف يتعبني وكنت أهم بأن أساله عن حسن مطلك إلا أنه بادر وقال لي:
ـ حسن يُسلم عليك.
ـ هل رايته؟
ـ لا، لكنه اتصل بي وقال لقد اضطر للذهاب إلى الشرقاط تلك الليلة.
ـ آه، هكذا إذن؟
وصار الجو أكثر رتابة، ولم يحضر الموضوع المناسب بعد. كان اردال يجري حسابات مزعجة لا أعرفها في دفتر صغير ثم انتهى أو لعله قاطع نفسه وقال لي:
ـ لم تكن فرصة سعيدة لقاءك مع حسن؟
وأيقنت بأن اردال كان يظن بأننا انتهينا على خلاف وان أمور سيئة حدثت بيننا، فضحكت ثم ارتشفت كأساً مترعاً من (الجعة) ورحت أطلق العنان للساني بأن يقول ما يشاء. كان لابد لي أن أقول أن الصورة التي لدي عن حسن لم تتضح بعد وأن على اردال أن يساعدني قليلاً بمعرفة المزيد عنه ولعل الجانب الغائبي من شخصيته لم يكن هو الأهم، عموماً لقنني اردال درساً طويلاً عن ما يشبه الكلام عن حسن مطلك. لم يكن دقيقاً كفاية وكان يتحدث عنه كما لو كان إنساناً فوق الطبيعي وأدركت بأن اردال يعرف أكثر مما قاله لي أو لعله لم يرغب أن يغادر نرجسيته قليلا أو ظن بأن لقاءنا أنا وحسن لن يتكرر. وكان ذلك كلاماً على أية حال لم يكن هو جوهر الموضوع بالنسبة لي، أصبح اردال أكثر تشددا معي وقال لي بأن حسن لا يصلح لأن يكون صديقاً معرفياً وسوف لن تراه مجدداً وغيرها من الكلمات التي تشبه الأحاجي والألغاز. كان اردال مهووساً بالصوفية لذاتها بمعنى كونها خطابا أدبيا ليس إلا، مزاولة أسلوبية، طريقة في التعبير، كلام جميل بلا اله ولا بطيخ.. هو ماض في ترتيب نفسه على هيئة أسرار، حفنة من أسرار الكلام، تكتم دائم وتحسس من البوح وله نوع من حذره المرضي من أزلام النظام البوليسي ويشعر بان الدكتاتور يعرف ويرى ويسمع كل شئ حتى الضرطة في المرحاض.
وسمعنا قرقعة مجاورة ثم ارتطام وانقلاب طاولتين وتكسر عدد من قناني البيرة، وهربنا من شجار دموي وشيك وابتعدنا عن الحانة دون أن ندفع حسابنا. وعرض علي اردال أن يوصلني بسيارته اللا ندروفر التي خصصتها الشركة له.
ولكنني ما زلت أرغب بالخمرة وما زال الليل طويلاً ففارقته ومشيت سريعاً صاعدا على جادة أبي نؤاس ولم يكن البار بعيدا وسمعت مصب بول أحد السكارى على جدار البار الخارجي ودخلت مترنحا قليلا وكان المكان اكثر سعة من بار سميرا ميس. ووجدت رحيم يوسف مشتبكاً بحوار ساخن عن القصائد الأخيرة لسعدي يوسف هي قصائد أقل صمتا وأشركني بالنقاش من فوري، وصرت أقول كلاماً جميلاً لا أتذكره عن الشعر والشعراء الآن. النادل كان يلح على الحساب وباسم حردان شبه نائم والجو مشحونا وماجد جبر ذهب كعادته إلى المنزل مبكرا ليعد نفسه للموت في الجندية وصار نهاية الجلسة مربكا بالنسبة لي وكنت بحاجة ماسة لأن أرى حسن مطلك من جديد فلدي كلاما كثيرا أريد أن أقوله له.. وسوف أقوله.

(5)
سوف أقول كلاما آخر لا يشبه ما بلغته به يومذاك، كلاما أو إعجابا. كنت قد سجلت اسمي في دفاتر الجامعة في قسم المسرح مع أني واثق بان سرة بطني مدفونة في كلية الآداب، قسم الفلسفة وفي المركز البريطاني في الوزيرية. جلست بصحبة فنجان كبير من النسكافيه مع كتاب (مائة عام من العزلة) لماركيز. وكنت بانتظار فتاة كردية هي طالبة في كلية طب الأسنان، عندها لمحت حسن مطلك داخلا وكان يمشي إلى أمامه غير ملتفت لأحد وسرعان ما وثبت عليه وصافحته بحرارة وقدته من يدي إلى حيث أجلس، وكانت الشمس تسرح في الحديقة الخلفية للمركز البريطاني نساء حليبيات اللون لهن شعور شقراء يزرعن ديكورا إنكليزا مناسباً. كان حسن مطلك عجولاً في جلسته ولم يخبرني بسر قدومه إلى هنا، تطلع إلى ساعته وقال:
ـ أنا غير موجود هنا بعد.
ـ لم أفهم
ـ سوف أرحل الآن، وسوف نلتقي في المساء.
وكان ذلك هو ما يسمى عادة بلقاء عابر. سرعان ما ابتلعه الغياب من جديد ووصلت فتاتي الكردية ودخلت متمهلة تحمل مريلتها البيضاء على ذراعها، وكنت أفكر أن أذهب إلى المساء السعيد القادم، وكان اردال هناك لمحته يمشي أمام نصب الحرية وكنت مازلت أتصفح بعيني الكنوز الرائعة في محل الجقمقجي وصور نادرة بالأسود والأبيض لعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش وناظم الغزالي وأم كلثوم عندما خرجت باتجاه اردال وناديت عليه فلم يسمعني. كان قد دخل إلى بار الانتعاش وعرفت أنه على دراية بموعدي مع حسن مطلك، وجلسنا بعض الوقت. كان اردال مهتما بأفكاري عن حسن مطلك وصار بمقدوري أن أخبره ما أشاء عنه، ولكني كنت حريصاً على أن أقول ما أعتقد وأن لا أجازف وألقي كلامي على هواه. وكان اردال قد طلب القليل من الجعة من زنبور الذي ادعى بان هناك نقص في حساب ذلك المساء وكنت ابتسم لأردال مكذباً ما ادعاه زنبور متصورا ثمالتنا ونسيانا المستحيل..
ولم يكن حسن مطلك قد لاح لنا بعد. كنت أظن أن اردال يعرف خطواته الإبداعية جيداً إلا أن ما دار بيننا من كلام كان يتضح من خلاله بأنه معولا عليّ في فك طلسمه إن كان هناك طلسم، ان الأمر كان يأخذ عند اردال حجماً أكبر، هو هكذا دائماً وسواساً بعض الشيء وغير واثق مما يدور حوله ولم يكن حسن متبعا لخطوات كتابية متراتبة.. هو انبجس في سماء كتابتنا مثل ماء من تحت تبن وكان التبن غزيراً والماء مهم وشحيح.
ـ السلام عليكم.
وكان ذلك هو حسن مطلك، رمقته بنظرة معاتبة على غيابه المفاجئ عني في ذلك النهار، وقال هو كلاماً غامضاً عن ركضة الأمكنة، وقدراتها على حمل الماشي عليها وقذفه إلى البعيد كان متفائلاً ومبتسماً كعادته وقال مخاطبني:
ـ جلبت لك قصة قصيرة جديدة.
وكانت تلك هي (إشارات قبائل القاعة) أو مسودتها الأولية.. لست أذكر.
وكنت مهتما فيما يكتبه وعازما على قراءته جيدا، حينها خوضنا بأفكاري عن الفلسفة وما كنت أروج له من نظم الاشكالويات وهو انهمام معرفي وابستمولوجي أكثر منه عملاً فلسفياً مستقلاً أو تخصصي. كنت أضع المعرفة إلى جانب الإشكال أو بمعنى أدق كنت أرى أن الوعي هو وعي المشكلات ولكن الفهم هو تمثل الإشكالي وإعادة تأسيسه وهو حقل كان بعيداً عن اهتمامات العقل الأكاديمي العراقي آنذاك. ولعل ما كنت أسعى إليه هو ضبط لاتجاه فلسفي هو التخلص من مفهوم (الحقيقة) و(الواقع) وإعطاء الفلسفة فرصة إبداعية أكبر، وكنت للتو قد بدأت الطريق في الكتابة في جريدة عسكرية هي (القادسية) وكنت أنشر أيضا في صحف غيرها وكانت المزحة الغالبة على كتاباتي هي أنها صالحة للنشر لأنها غير مفهومة.
والأمر عند حسن مطلك هو كونه كان يؤسس بدراية الأفعى وصبر اللقلق وعناد دودة ما سيطرح ثماره بعد حين، في (دابادا) و(قوة الضحك في أورا)، انه لا يؤمن كما كنت أرى بالبدايات أو المكونات العلمية المصاحبة لمهنة الأدب، هو موفور الصحة من ناحية اللغة ولم يكن ينقصه الشعر إلا انه دائما لا يعطي ثقة كافية للفهم أو الشرح وكان كأسه اليتيم يبقيه صاحياً حتى الثمالة. كنت قد أوليت عناية أخلاقية لحضور أردال وهو آخر الشياطين العتاة الذي كان وما زال مصيره مجهول لولا أن حسن مطلك قد أفتى، وبلا تردد، ببؤس السردية العراقية وانتفاء الحاجة إليها، كان يتكلم عن زيف ما، عن خدعة جمعية وعن تقليد القصّر للأكبر منهم سناً.
ـ وماذا عن الشعر؟
قال اردال
ـ أما عن هذا، فحدث ولا حرج.
وراح يروي لنا كيف أن الشعر العراقي يكاد أن يكون كله شعراً!
ـ ومع ذلك أريد أن أفهم؟
قال اردال.
ـ وليكن، إن شِعراً يتناسل هو عبارة عن امرأة واحدة، وامرأة واحدة لا تكفي لحفلة، طبعاً أنا أقول ذلك بحثاً عن العمق داخل اللغة، أين هو الكلام الشعري الذي لا يشبه اللغة، قل لي يا أردال، أين؟.
وكنت أفهم ما يقوله، أقسم بأنني كنت أشعر بذلك النوع من التصحر المتكثر، كان ذلك إعطاء اللغة دور الشِعر، بينما هو، أي الشعر، هو انزياحها، عدم كفايتها المنطقية، ثوريتها بلا قيادة ولعله لم يستقي ذلك من مصدرية مركزية أو مرجعية تاريخية، إن إخفاق التأثير يعرف ما هو الأدب؟
ـ وما هو الأدب؟
ـ اسأل أخ القحبة سارتر.
وضحكنا، وطلبنا من زنبور (جعة) جديدة. وكانت بغداد ترش مطرها وتعتصر غيماتها في الأعالي ونشاهد المارة يتقافزون والسيارات تطلق زماراتها ونحن نحتسي بيرة المساء لاهين عن الحرب التي تحدث في البعيد وتقتل البعيد كله وتمزق أشلاء القريب من الناس وتضحك على عقولهم وتعدهم توابيت محققة.
وكنت أرى أن البيرة سيئة، وأن العرق سلاحنا الأبيض في مواجهة المهزلة أو المأساة في معطف مهزلة، لا فرق. وكان اردال يتذكر مقاطع قصيدة جديدة له، كنا نحبها أنا وحسن، خاصة مقطعها المحبب (في زنبور الشهوة.......) وكان اردال يحب صوفيته الشعرية ويبارك تجارب (أدونيس) و(أنسي الحاج) وكان الليل يزحف في أعناق الزجاجات القاتمة اللون وحسن يرفض أن يقرا لنا شيئاً من قصصه أو مسروداته بينما يحرص أردال المهندس أن ينضبط في ذهابه المبكر من زمن البار المتأخر ويدفع نصف ما علينا تاركاً النصف الآخر إلى حسن مطلك، فلم أصل أنا بعد إلى سن الدفع.
واقترح عليّ حسن أن نتحسس بغداد بأقدامنا فخرجنا من (الانتعاش) وكنت أكثر رغبة في الشرب في مكان آخر، إلا أن حسن مشى أمامي صوب الجانب الآخر من شارع السعدون. كنا نغتسل بمطر خفيف لكنه بارد بعض الشيء، وعرفت من وجهته بأنه ذاهب إلى (البتاوين) فتبعته وكان هو يمشي بصمت ويتطلع إلى أكداس من المصريين في المربعة، وصار المكان لزجاً ومجاري المياه مفتوحة فيه، ولكنه لم يبالي كان شعر رأسه قد تبلل بالكامل وأخذ أنفه يقطر مطراً، وعرفت أنه يمشي وحيداً، وسرعان ما راوحت بقدمي وتركته يبتعد في زقاق جانبي.. وكانت خطواته تغطس في برك الماء الآسنة وهو يمشي بعناد طفل ربما أو لعله لم يكن يعرف بأنه يمشي، وتوقفت ناظراً إليه من بعيد وكأنني كنت أعتاد غيابه، واشرف على ذهابه للمجهول.. عادة ذلك الذهاب كله الذي كانه وأراده وعمل من أجله.. كان العالم ضيقاً عليه ومن كان مثله لا ينتظر موته، بل يصنعه ويتعب عليه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*عن موقع (أدب وفن) بتاريخ 21/1/2007م.
*خضير ميري: كاتب عراقي. Khdhrmery@yahoo.com

شهادة / أحمد دخيل النقيب

وحدة الشكل والموضوع في تخطيطات (المُرَبي)

صورة: حسن مطلك مع الزوار في معرضه التشكيلي الشخصي 1983

أحمد دخيل النقيب

الفنان إنسان متميز يملك حساً داخليا يجعله يختلف عن باقي البشر، لان سماته وأحاسيسه تجعله ينفرد ليملك حالة الإبداع وحالة التسامي الذي يصعب على الإنسان الاعتيادي أن يمتلكها ويصبو أليها في حياته وتعامله.
وعملية الأبدع الفني سواء في الأدب أو في الفن وكلاهما عنصرين متلازمين من أهم ما يمتلكه الفنان. ومن خلال مشاهدتي للأعمال التخطيطية التي تركتها أنامل الفنان حسن مطلك فوق صفحات مجلة المربي التي كان المرحوم هو المشرف على إخراجها فنياً.
أدركت أنى اقف أمام لمسة فنية رسمت لها طريقا بقوة خطوطها وصلابة تماسكها ورصانة إخراجها وجمالها الحقيقي لان الجمال الفني أرقى من الجمال الطبيعي كما يقول هيكل وهذا ما لمسته من خلال التخطيطات التي أمامي لأحدد فيها المضمون الحقيقي للشكل الذي وضعت فيها التخطيطات والتي أحسست أنى أمام كتلة مرنة يميل التخطيط فيها إلى الكتل النحتية من خلال الخط ومن خلال الشكل والمضمون والتوافق الحاصل بين فعل الأضداد بين النفس البشرية للفنان الذي يعبر عن انتماءه للبيئة التي يعيشها من قسوة وظلم ومن تعسف لشكل له إبداعا فنيا عاليا مستندا على الشذرات الحقيقية لقيمة العمل وقيمة الإبداع الفني. فهناك خطا واضحا ومتلونا مع جرة القلم وتشكيله في الموضوع وإبداعه في إظهار الشكل في تخطيط الصورة الشخصية للقاص فارس سعد الدين. كانت خطوطا قوية تكاد تكون قاسية مرتبطة بحس وجمال معبرة عن دواخله الإبداعية مرتبطة بالعقل، مظهرة قوة اللحظة الحدسية للموضوع. ولقسوة الخط في الوجه لحظة التصوير اليدوي مظهراً التعبير أثناء الحدث الواقعي لعملية النقل الإبداعي. وفي تخطيطه لقصيدة (قراءة في عيون انيجونا) هناك توافق في رؤية الحدث معبرة عن الصورة الحقيقية لمضمون القصيدة وبذلك يتطابق الشكل والمضمون في موسيقى من الخطوط التي لها فعلها وقوتها وأصالتها. معبرة بوجهيها الحسي والجمالي في تشكيل العمل الفني وولادته إن صح التعبير في إظهار الحقيقة الصادقة عن الموضوع وهناك تجانس في الإنشاء التصويري لعملية التخطيط وبذلك امتزج الحس مع الشكل والمضمون لنحصل أخيرا على الإبداع. وتظهر شخصية حسن مطلك. وهذه عملية جدلية في الفن لابد من وجودها لتحقيق قيم الإبداع والجمال.
----------------------------------------------------
*المربي: مجلة فصلية صدرت عن كلية التربية عام 1982 جامعة الموصل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*احمد دخيل النقيب: فنان تشكيلي عراقي، مدير معهد الفنون الجميلة في الموصل.

إهداء إلى حسن مطلك / كامل أحمد

خاطرة

كامل أحمد مطلك

.. إلى روح عمي.. الشهيد حسن مطلك.. وإلى روايته العظيمة (دابادا) التي حُرمت منها المكتبات العراقية إبان الحكم البائد.. ربما لأنها صرخة غير مريحة لكراسي الحكام.. فهي ثورة في الأدب العربي المعاصر.. والكراسي لا تحب الثورات.

سلاماً من أهل الدنيا
لروحٍ رحلت.. لم ترحل
فالكل .. يستذكر .. يقرأ
من دابادا وقوة ضحككِ يا أورا
إيقاعات يعسر أن تُهمل
في كل أمسية ذكرى
لشخوص دمها الكلمات
حاضرة في وسط القاعة؛
عزيزة تذرف دمعتها
حلاب يشهر بالمنجل
وشاهين يصرخ.. وينادي
دائماً .. أبداً.. دا..
دا .. با .. دا
دا..
با ..
دا ..
دابادا..
أنتِ أسطورتي
.. باقية
أنتِ الأجمل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*كامل أحمد مطلك: عضو منتدى سديرة الثقافي، ابن أخ حسن مطلك.
حسن مطلك وابن أخيه كامل أحمد مطلك، في القرية مطلع الثمانينات

شهادة - نص / بشار عبدالله

طيور الراوخ
إلى روح الراحل حسن مطلك

بشار عبدالله


(1)
كنت أخضع قبل ثلاث وعشرين سنة إلى عصف فكري ومخيلاتي يومي من صديقي الشاعر فضل خلف جبر؛ كلما اختطف من قلب المشهد العادي طبقة غرائبية من التي يتقن رؤيتها بوضوح حين يمر عليها كثيرون مرور الحمار الذي يحمل أسفارا ويحسبها محض أحمال كغيرها، أقع أنا في المصيدة ولا أتحرر منها إلا بولادة قصيدة.

(2)
في يوم شتوي مطير وقار، قادتنا رائحة بشرى سعيد إلى كافيتريا المركز الطلابي في جامعة الموصل، قادتنا إلى حيث الدفء كله يحتضن بشرى وعلب الراوخ، عصير التفاح الطبيعي، وعلب النسكافة.
بادرني فضل وعيناه إلى علب النسكافة:
ـ ما رأيك في أن تكتب قصيدة بعنوان (شجرة النسكافة)؟!.. " ويل لك أيها الجلاد الذي لا يتركني أسحب نفسا حتى يلطمني بواجب بيتي"، ثم التفت إلى حيث كانت تتسامق علب الراوخ أمام شاب لم أدرك لحظتها أنه كان يتسامق باطنيا قبالتها.
ناداه فضل:
ـ ما رأيك في أن ترسم لوحة بعنوان (طيور الراوخ)؟!.
ابتسم الشاب وأومأ بالإيجاب.
ثم غادرنا قبل أن يهدأ المطر…………

(3)
ليس من السهل على شاعر معصوف فكريا ومخيلاتيا أن يخلق شجرة نسكافة، لا شكل لها في الذاكرة المعرفية، أو الذاكرة البصرية. وها هي ذي ثلاث وعشرون سنة تمضي، ولم أكتب تلك القصيدة التي طلب مني فضل أن أسمعه إياها في اليوم التالي.

(4)
في اليوم التالي، المطير، القار، قادتنا رائحة بشرى إلى حيث تتلاطم (مواجيد الماء والظمأ والصحراء )*، كانت لحظةً امتدت من نافذتها يدا الشاب حسن مطلك وقد خلقت على هيئة الطير ما لم تخلقه يدي على هيئة الشجرة.

(5)
كانت بشرى (تضحك.. تضحك.. وينساب صوت الأنوثة من صدرها المشرئب ومن شفةٍ أنضجتها الحرائق.. إن حرائق بشرى جنونية الطبع).
وكانت تنبت من علب الراوخ على إيقاع ضحكتها على لوحة حسن رؤوس بمناقير وأجنحة وذيول.. إن جنون حسن حرائقي الطبع.
حلقت بشرى في فضاء الظمأ النابت من عيون فضل،
حلق فضل في سماوات بشرى،
وحلق في فضاء الجنون مع طيور الراوخ حسن.

(6)
بعد عشرين سنة
كتبت إلى فضل خلف جبر هذه القصيدة:
" قلت لنا: (تناولوا أحلامكم بسرعةٍ رجاءً !)
واختفيت،
وتركتني في القمرة المجاورة،
تناول حسن حلمه بسرعة
وتناولت بشرى حلمها السعيد بسرعةٍ أيضا،
لكنك نسيت أنني بقيت في القمرة المجاورة
وحيدا
اجلس إلى طاولة تحلم بنا !"

(7)
اليوم
سأشعل الشموع
واعتكف
لأعيد تشكيل المشهد القديم:
"تقودنا بشرى إلى حيث الدفء
يحتضن فضاء اللوحة التي غادرتها
طيور الراوخ مع حسن
وغادرها دفؤها مع فضل
ولكنني سأضيف إلى المشهد شجرة نسكافة
قد تحط عليها حين تتعب
طيور الراوخ
المسافرة أبدا في البشرى والفضل العامرين في ذاكرة حسن مطلك".

----------------------------------------------
*(مواجيد الماء والظمأ والصحراء): عنوان قصيدة للشاعر فضل خلف جبر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في صحيفة (الزمان) العدد 1879 بتاريخ 4 آب 2004م بغداد.
*بشار عبدالله: شاعر وناقد عراقي. basharabdulah@yahoo.com


شهادة / زيد الشهيد


حسن مطلك .. صديقي الذي رأيته ولم ألتقه


زيد الشهيد


تطوف رؤى الأحبة ممّن فقدناهم عنوةً كما الفراشات. هائمةً؛ مستأنسةً أو متوحشة تطوف لأننا نريد لها البقاء قاب نظرتين أو أقرب.. هي المُعنّاة ونحن المتشوقون.. هي لم تنهل من فيض الضياء ما يشبعها؛ ونحن لم نرتوِ من دفق ألقها.
أسوق هذا البوح مسترجعاً منتصف التسعينات من القرن الماضي كذكرى ترتبط بمفجِّر اللغة ولاوي عنقها؛ المبدع قطعاً حسن مطلك يوم قدّمَ (دابادا) على مصطبة الخلق الإنساني.. أعود لألتقي في صيف العام 1995 – وكان ذلك في عمّان وكنت قادماً من العراق ومتوجهاً إلى صنعاء لأني تعاقدت فيه كمدرس للغة الإنكليزية قبل عام وقضيت العطلة الصيفية في السماوة مدينتي لألتحق مرة أخرى بعملي.. وصار إن التقيت في (مقهى العاصمة) في عمّان القاص كريم شعلان؛ قدّمه لي الشاعر نصيف الناصري فأحتفيت به كونه كان أحد القصاصين الشباب الخمسة الذين فازوا بمسابقة القصة التي أقامتها صحيفة الجمهورية في العام 1992 كما أظن. وكانت قصته (عوانس) هي الفائزة وقد حملت اسم مجموعته في ما بعد؛ نشرها في عمّان على حسابه الخاص وأهدى نسخة منها لي حملتها معي إلى صنعاء ونشرت تعريفاً لها في صحيفة (الثورة) اليمنية... إلى هنا و(دابادا) الرواية لم تقترب مني، ولم أسمع بها. ولم يكن حسن مطلك إسماً يمكن أن يثير إنتباهي رغم أني قرأت قصته (عرانيس) كإحدى السرديات الفائزة من قصص الحرب في الثمانينات.
تمر عدّة شهور أصرفها في قرية (بلسن)؛ إحدى قرى ريف صنعاء. وفي إحدى زيارات العاصمة ألتقي كريم شعلان ليحدثني عن حضوره لصنعاء مجبراً كي يطير منها إلى كندا حيث المتَّفَق مع حبيبةٍ أنجزت له معاملة الإستدعاء بغية الزواج هناك في مواطن الحلم..
بقي كريم ما يقرب من عشرين يوماً كنا خلالها نخرج نطوف الشوارع حيث إغراءات جو صنعاء الجميل وحسن تعامل أهل صنعاء مع الغرباء... عرّفني كريم خلال ذلك على رئيس تحرير مجلة (السفير). قال عنه أنّه كان في عمّان يصدر مجلته عندما أبعدته السلطات الأردنية لأسباب عرّشت في دواخلها. كان كريم قد آوى عنده في المجلة يساعده في العمل ويرقد في إحدى الغرف... يقودني الحديث إلى دخولي غرفته مرّةً وسؤالي عن كتاب متوسط أخضر داكن، وسطه زهرة برتقالية وحشية سيفيّة الأوراق طويلةً. في الأعلى قفزت الحروف المكررّة تقرأ (دابادا).. سألت كريماً: ما هذا..؟. أظهر دهشةً كأنه يعاتبني كيف لم أعرفها؛ قال: رواية؛ ألم تقرأها؟.. قلت: لا..
قال: هذه رواية غريبة.. لكاتب أعدموه وهو في قمّة تألقه..
صمت لوهلةٍ ، ثم قال: أتعرف إنها المطبوع الوحيد الذي أخرجته معي من بغداد؟…
أخذت منه الرواية استعارةً. وفي الطريق إلى الفندق الذي أسكن رحت أقلب الصفحات وأقرأ.. كلمات وأسطر.. وكانت رؤية كريم في محلِّها. ففي غرفتي وأنا أطلُّ من شرفتها طفقت أقرأ الرواية باستهلالها.. قرأت الأسطر/ قلبت الصفحة الأولى نحو الثانية فالثالثة فإذا بي أدخل في تهافتات رغبة القراءة والتواصل. أجتاز الصفحات تلو الصفحات وسط بلبلةٍ وتشظّي وقفز في هواء من متعة غامضة.. خفت أن يتآمر الوقت عليَّ فيسرق (دابادا) من بين أصابعي. لذا نهضت من فوري؟ ارتديت ملابسي؛ وتوجهاً لمكان واحد لاغير تلكم هو محل التصوير والإستنساخ حيث تعودت الذهاب لصاحبه الذي يعرفني لتكرار حضوري إليه وطلب إستنساخ هذا المقال من جريدة أو تلك القصة من مجلة. طلبت منه تصوير الرواية من أولها حتى النهاية.. وفي اليوم التالي أعدت (دابادا) المُختلَسة إلى كريم دون أن أخبره بما فعلت… ولأنَّ القراءة المعمّقة والرغبة المفتوحة على سعتها وغرابة اللغة الموظَّفة في العمل إستحوذوا عليَّ فقد عدت إلى كريم أطلب رأيه في قصة قصيرة جداً قلت له أنني كتبتها بالأمس… كانت لغتها شبيهة بلغة (دابادا) فما إن سمعني وأنا أقرأها ( وفي ذات الوقت أتابع ردّة فعله) حتى اتسعت عيناه اندهاشاً وكاد أن يسألني كيف كتبت قصة كهذه!. لكنه تراجع لأنَّ كتاب (دابادا) لم يبق عندي أكثر من يوم، فمن غير المعقول أن أتأثر به هذا التأثر الذي يصل حدَّ كتابة قصة تحمل أسلوباً مشابهاً لأسلوبها.. أعتقد أنَّ هذا هو السبب الذي أسكت كريماً فلم ينطق سؤاله الإستغرابي؛ ولربما حدسَ فعلتي لكنه آثر ألاّ يثر شكّاً يعبر عن إتهامي بسرقةٍ من وراء ظهره خشية أن أرد عليه ردَّ البنيويين من أن النص لن يكون لصاحبه طالما خرج من يديه.
سألت كريماً إنْ كانت له صلة بحسن مطلك فأبدى إيجاباً.. قال أنني راسلته لكنني لم ألتقه.. وقال أنّه كان في الأردن وسمع بأن لحسن أخ موجود في عمّان وأنّه سعى للقاء به وأنّه حصل على صورة شخصية لحسن.. أخرجها من حافظةٍ في جيبه فإذا بها صغيرة الحجم لشاب حليق الشارب؛ سرعان ما قفزت إلى ذاكرتي صورته.
أتذكّر أننّي إشتركت في قصة ضمن وفد المحافظات الذين جاءوا إلى الموصل في العام 1989 للمشاركة في مسابقة القصة العراقية التي أقامها إتحاد الشباب هناك؛ وكان على رأس لجنة التحكيم الناقد باسم عبد الحميد حمّودي.. أتذكّر إنَّ استراحة تخللّت ما بين قراءة النصوص عندما دخل شاب قصير القامة، (مربوع )؛ معتدّاً بنفسه (كشّاخ باللهجة العراقية) توجّه إليه العديد من معدّي المهرجان وبعض الجلاّس يستقبلونه. لحظتها أنا الجالس في مقعدي مع أعضاء الوفد تساءلت: من يكون هذا حتى يستقبلونه بهذا الإهتمام والحفاوة؟ (هل كان ذاك حسن مطلك؟…. وجهت سؤالي ـ الآن ـ إلى الأخ محسن الرملي ليجيب إنْ كانت الملامح التي وصفتها له ذاتها أم لا؟.. فصلت له أكثر.. فكان ذلك حقّاً.. وهكذا.. فإننّي أكون قد رأيت حسن مطلك مرةً واحدة وإلى الأبد.) .
طار كريم شعلان إلى كندا لكنّي سرقتُ منه ذكرى وذاكرة.. كانت معي دابادا – مستنسخة – أنيسة في ريف صنعاء.. هزّتني هزّاً عنيفاً محطّمة لدي إعتزازاً بما قرأته طيلة حياتي من قصص وروايات. وضعني هذا الجهد الروائي على مفترق دروب مع الأدب.. لا، بل همّشَ عندي كل الأعمال الروائية العالمية والمحلية.. طغت عليَّ طغيان الجنون فاستحالت هاجساً لا يفارقني.. أذهب إلى كتابٍ لأقرأهُ ولكن ما أنْ تمر عدّة صفحات حتى أرميه لأعود إلى (دابادا) مملكتي القرائية الأثيرة وعالمي الجميل الذي أبغي.. صارت دابادا كتابي الأثير الذي ذُهلتُ به فدفعني إلى كتابة رواية (سبت يا ثلاثاء). بدأتها في اليمن وانتهيت منها في العراق بعد عودتي صيف 1997، حاملاً إياها معي. ومعي رؤى ونصوص تحمل طابع العبث قدّمت واحده منها إلى مجلة (الف باء) العراقية ونشرت يوم الأربعاء 25/3/1998 بعنوان "أسفل فنارات الوقيعة" أعطيت كما يبدو للقاص (............ ) لإبداء رؤيته النقدية فقدّمَ كلماته وجمله الملغومة بالفخاخ ( بعدها بثلاثة أسابيع نشر القاص محمد اسماعيل مقالاً حمّله عنواناً مستعاراً من الشاعر الفلسطيني محمود درويش يقول: أفكلّما نهدت سفرجلةٌ نسيت حدود قلبي.. تنبأ القاص محمد بسوء العاقبة لي مديناً القاص ( الناقد ) على ما احتوته كلماته من شراك ومكائد.. فعلاً!.. وعلى إثر ذلك طفق رجالات الدولة الأمّية والمخابراتيون بوسائلهم القذرة.. التلفون يرن في البيت يومياً ما يزيد عن مئة مرّة ولا من أحدٍ يجيب عندما نرفع السمّاعة / إنبوب الماء خارج البيت ننهض صباحاً لنراه مكسوراً وقد غمرت المياه الشارع ولا جدوى من إصلاحته العديدة / الملابس المغسولة التي تُنشر على حبل الغسيل في الحديقة يسرق بعضها / طاقم شرطة الحراسة لبيت مدير الشرطة الذي لا يبعد غير أمتار عديدة عن بيتنا أستُبدِلً أكثرهم بعناصر شابة أحدهم كان يتابعني ولم أفقه حينها السبب.. رئيس عرفاء الشرطة العجوز يعرفني ويقدّر أمّي العجوز على حسن صنيعها عل ما تبعثه اليه وإلى طاقمه من ( ثواب الجمعة) عشاءً مثلما توفّر لهم الثلج يومياً في لهيب الصيف، كنت ألمح التأسي عليّ في عينيه لكنه غير قادر على البوح بما يجري وما سيحيق بي ( تذكرتُ كل ذلك بعدما جاء من يخبرني سرّاً بضرورة الهرب خارج الوطن وليس داخله لأنّ قرار القاء القبض علي اتّخذ وبقي التنفيذ، وما عليَّ سوى تدارك الأمر سريعاً........... خرجت أنا واسرتي صيف العام 1998 وتحديداً نهاية تموز لأُلأحق في شوارع عمّان بعد أيام بوجوه كلبية مخابراتية دفعتني إلى الذهاب لـ( مكتب الأمم المتّحدة ) طالباً اللجوء والحماية.. على يساري هاجسي وقلقي، وفي يميني (دابادا) كتاباً هذه المرّة بعدما وجدته مهملاً في إحدى رفوف مكتبة منزوية؛ أنقله بعد ذلك إلى ليبيا لأكتب قراءةً للرواية تحمل عنوان (الرحيل على كف الدهشة).. ثم نص " تراجيدي " استيحاءً من شخصية حسن مطلك.. أدعو قارئي للولوج إلى فضائه.. وهناك / هناك سيلتقي بحسن قمراً يرفل مع كوكبة الخُلاّق الذين احتوتهم عوالم النص ونواصيه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*زيد الشهيد: كاتب وناقد عراقي.

شهادة / أكرم الياس بكر


الجانب الكاريكاتيري في شخصية (نسح كلطم ناظور)

صورة: حسن مطلك وأكرم الياس


أكرم الياس بكر

كان حسن مطلك رساماً كاريكاتيرياً. ويدعو نفسه باسم آخر مضحك هو (نسح كلطم ناظور) وهو كناية، وقراءة مقلوبة، عن اسمه (حسن مطلك روضان) ويوقع به على لوحاته الكاريكاتيرية التي يرسمها معي في معارض الجامعة.. تلك الرسوم التي أبكت الطلبة أكثر مما أضحكتهم في ذلك الزمن الغابر. زمن بداية الحروب.
وكان حسن شديد الحساسية تجاه المسألة العشائرية، وهكذا تحول إلى عشيرة أخرى غير عشيرة الجبور التي هو منها، هذا ما صرح لي به ونحن نركب باصاً مزدحماً من باصات نقل الركاب (الحمراء) حيث صرخ بأعلى صوته، وهذا أحد أساليبه المتنوعة في الكلام، بعد أن سألته:
ـ من أي عشيرة أنتَ؟.
قال:ـ أنا من عشيرة الوجودية!!.
وهنا تحول الجبوري المثقف إلى وجودي أكثر ثقافة.
ويوماً من الأيام ارتدى حسن حذاءً كردياً (كيوة) مليء بالمسامير (أم الفِلس) ومشينا كعادتنا من الجامعة إلى دورة السويس وعندما وصلنا إلى تل (كويسنجق) رأيت حسن يبتسم ابتسامات غريبة وهو يقول انظر إلى أسفل قدمي اليمنى فرأيت الدم ينزف لكون المسامير قد فعلت فعلها برجليه لكنه استمر في ابتساماته.. وتساءلت في قرارة نفسي هل أنا أمام ما يسمى الماسوشية؟!.
ومرة أخرى أحببتُ فتاة كان حسن يحبها ضمن قائمة الفتيات اللواتي يحبهن حسن.. وكانت تلك مصيبتي معه، حيث بعدها تم فراقنا.
ويوما من الأيام (عزمته) دعوته في دارنا على كبة موصل وتعجبت أمي (رحمها الله) حيث شاهدته يأكل كبتين كبيرتين بشراهة مخيفة ويطلب بعد أن ابتلعهما المزيد، فقالت كيف يتمكن هذا الشاب النحيل من التهام كل هذه الكمية من الطعام..؟!. ويبدوا أن حسن كان شاطراً في فهم خوالجها فتوجه إلى سيارة (البيكم) التي كانت قد أقلته، وأهدى أمي نصف (كونية) كيس من البطيخ الذي جلبه من قريته سديرة الوسطى لبيعه في الموصل.!.
وأذكر أنني ذهبت إلى قريته ووجدت أن حسن يضع جميع ما يقرأه من كتب في تابوت كبير يتسع (لنفرين) لشخصين، ومعظم كتبه وجودية وقصص لغادة السمان التي كان يعتبرها، آنذاك، أجرأ امرأة بعد (مي….).
وشيء آخر مهم يجب أن أقوله أن (حسنا) كان شخصاً مسالماً جداً.. لذا لا أدري ما الذي غيّره.. فأكاد لا أصدق ما سمعته عنه من اشتراكه في حزب سياسي مناوئ (للسَطلة)عفواً السُلطة.. ثم اشتراكه في محاولة عسكرية لقب نظام الحكم!!.
.. ويبقى حسن مطلك أو (نسح كلطم ناظور) في عقلي وقلبي. وكنت في عسكريتي كلما التقيت جبورياً أسأله عن حسن ولكنهم كانوا يخشون الإجابة ظناً منهم بأنني من رجال الأمن!!.
وكان حسن يطلق علينا أسماءً ضاحكة فيسمي: جاجان (ناج ناج)، أما (فلان) فيسميه (الرجل المُبَقَّع) لكثرة البقع في ملابسه وربما في حياته.. أما فلانة فكان يسميها (الزرافة) لطولها المديد..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*اكرم الياس بكر: صحفي ورسام كاريكاتير عراقي.. من العهد البائد!.
أكرم الياس وحسن مطلك في معرضهما الكاريكاتيري المشترك في نينوى، والصورة الأخيرة في قرية حسن مطلك

27‏/09‏/2009

شهادة / عطية محمد الجبوري

مملكة الأديب المبدع حسن مطلك . . كما عرفتها

الصورة: حسن مطلك، في كردستان العراق/مطلع الثمانينات
عطية محمد أحمد الجبوري
أرى لزاماً عليَّ أن استهل هذه الكلمة بالاعتذار، كما أني أردت أن ادخل عالم الأديب والمفكر الشهيد ( حسن مطلك ) من باب واحدة ربما تكون غامضة على الكثيرين من قرائه ومحبيه ومن أبناء جلدته والمقربين إليه لان كتاباته وحياته سحرتني ولأني لا أعرف، مهما بلغت بالاهتمام في القراءة والاطلاع، أن أصل إلى إلمامه الخاص والذي اعتبره كبحر متلاطم تكثر فيه الحيتان وحيوانات البحار.. ولكني وباختصار شديد أراه من كتاب هذا الزمن الصعب. كان يطل على عالمنا بوجه حسن بثلاث عيون رغم بساطة ملقاه وحياته البسيطة التائهة بألغازها التي لم نستطع لحد اليوم فك شباكها العجيبة. وكلما حاولنا أو اقتربنا منها قتلنا الخوف والفزع والارتباك.. خوفا أن تفقد إحدى حلقاتها المتراصة حد الموت.. ولا أعرف بالضبط كيف سحر هذا الشاب المغرور قلوب الناس وذاع صيته في وطنه..! ثم انتقل كسرعة البرق إلى خارج دائرة المحيط ليغطي مساحات واسعة من العالم المترامي.. ولا أنسى، وللأمانة أقولها، كرجل لازمته بعض حياته الأدبية وعرفت الكثير من أصدقائه وأقاربه وتنقلاته وضحكاته وحزنه وعتبه إلا أن أقول: انه كلما مر على مقهى أو حضر مأدبة عشاء أو سار في السوق أو حضر أمسية أدبية أو حتى ماراً في قريته.. لم يكن مروره مر الكرام، فلابد أن يتحدث بكلمات عجيبة وغريبة تتغلغل في الصدر وتدور مع الدم لتخلق عالماً آخر للقاص والمبدع. والمغرور (حسن مطلك).. بدأ بالتفكير ليلاً وربما بعد الواحدة بعد منتصف الليل أو اكثر بكثير.. بالتفكير والتحليل والتنجيم بما قاله (حسن ) وماذا يريد وماذا يعني بكلمته الفلانية التي قالها في المكان الفلاني أو في القرية الفلانية، ويبدأ التساؤل.. وأؤكد أن الجميع لم يصلوا إلى حل لغزه إلا بعد جهدٍ جهيد، وكل يفسر مقالته حسب رأيه واجتهاده.. فأنا أقول: اصبح عليَّ لزاماً أن ادخل سيرته من بابها الثقافي الواسع.
إن الأستاذ الشاب الأديب (حسن مطلك) عالم مجهول وغامض تماماً وبحر، كما ذكرت، لا يُستطاع الغوص فيه، وأكررها للمرة الثانية، حتى الحيتان واسماك القرش وحتى الغواصين أنفسهم.. لأنه قادر في لحظة صمت أن يحول مياه ذلك البحر إلى مكان مجهول ويموت الجميع بعد أن خلق عالم آخر يختلف باختلاف المياه والمذاهب الأخرى. وللأستاذ الكريم عالمه الخاص وفكره الخاص وتأملاته الخاصة وطموحه الذي هو اكبر منه بسبع مرات.. إنه يحمل هموم الناس قبل أن يحمل هم نفسه رغم تواضعه وبساطة مظهره.. لم يذكر لي، ولو لمرةً واحدة، المادة والعوز لكنه كان يؤكد على المساواة وان الفقر ملعون وكان يبكي أحياناً.

-1-
يبكي.. على البؤساء والمتعبين، لا من أبناء قريته فحسب، انه يبكي على الوطن. لم يعرف التحفظ على ما يريد الإيضاح عنه لكنه يوصله إليك بأسلوب الخبير بعلم النفس.. هو يقرأك قبل أن تقرأه.. وهو يعرف ما بخاطرك، وإذا تورطت مرة وجادلته في الأدب وفي القصة الفلانية نقلك إلى عالم (حسن مطلك) الواسع ودهاليزه المظلمة وعبر فضاءاته البعيدة وطوفانه ومراكبه المحملة بالودع والخرز والعناكب وطيور الماء وأشجار الدفلة ولا يقربك للموز والجوز والمشمش والتفاح والقصور العالية لأنك بعيداً عنها ولأنك تريد العيش بعز. هاجسه المساواة.. كان يغضب وعندما تناقشه في أمور الدنيا يدعوك إلى الاتزان والشكر.. أقولها وأكررها: هاجسه الوطن المعافى وان يكون صاحب فضيلة وان لا تجرح كرامته من أي مكان مصدره ومكانته فلولا هؤلاء الناس البسطاء لما جلس وتربع الحاكم على عرشه.. كان يخاف الانكسار ويدعو إلى التلاحم. يطيل القراءة والاطلاع على حضارة الغرب بعد أن يعطيك نبذة مختصرة وفاحصة عن حضارتنا وكتابنا الأجلاء.. كان، وكما قلت، عالِما نفسانياً يداوي الأمراض جملة واحدة (حسن مطلك) بكل تركيباته وأفكاره.. حتى سيرته وحياته ونقاشه يختلف عنا.. حتى قراءته وكتاباته والأفكار التي يحملها وأسلوبه في النقاش ومعرفة الأحداث والنصوص والحبكة في الموضوعات وكل تصوراتها.. حزنها وآلامها.. ضحكها عرسها خفاياها وأسرارها.. هو يعرفها وأنا وغيري من الكتاب لا يعرفها.. والذي حيرني وحير الكثير من أصدقائه الكتاب والمفكرين وحتى السياسيين.. انه يعرف كل أدباء العالم وتولداتهم وكتاباتهم وحتى حياتهم الخاصة والعامة.. وفوق هذا وذاك له رأي آخر بكل ما كتبوا وناقشوا وما سألوا وما أجابوا.. حتى أنني اضطر في بعض الأحيان لشراء مؤلفات ذلك الكاتب فاقرأ ما قال به ( حسن ) فأجد الكثير من صدقه واطلاعه وجرايته حتى وكأنه عاش معهم أو صاهرهم أو أن والدته منسوبة إليهم.. هو يركض فوق الحائط بلا أرجل ويعوم بالماء ويغوص نحو الأعماق ويقترب من الصخور ويقف أحيانا عند حافات المقابر ويعقد ندوته الأدبية لأبناء قريته..(هو جدل الوجه والقناع وثنائية السطح والمحتوى) وأنت تعايشه ترى أن تركيبته كأنها من ركام المعادن وصفائح الحديد يبني عليها خطابه الجميل كنواة أساسية.. وهذا نابع من إيمانه وإدراكه ليعطي شيئاً من الوظيفة المجانية لها، أما صلابته مهما ومهماته فهي اكثر شجاعة هو رجل غيور ومغرور يهاجم ويخترق يصوب دون أن يطبق الفرضة على الشعيرة.. مشيته مع نفسه، حركته ذات طرد مركزي، وهو ذو أعمال نحتية خضعت لطريقة معينة لتكسبها وتأطرها.

-2-
بإطار فضفاض وبذلك يخلق التلاحم والتواصل في جميع كتاباته من رؤى وأفكار ومقترحات فكرية وجمالية و(حسن مطلك) مميز في اللحظة المرحة.. فالكلام عنه يطول لكني اعترف، وهذا رأيي الشخصي، أن القاص المبدع (حسن مطلك) من ابرز رجال الحداثة، رغم صغر عمره، وانه ساهم بخلق أنماط جديدة في كتابة القصة والرواية.. اقرأ له صفحة واحدة فستجري من عمق سريرته.. إنه يبحث في كل المغارات من أجل الضوء ليأخذك ويجذبك دون درايتك.. كتاباته تستوقف القلوب الواجفة خلف الدور وعند ضفاف الأنهر وفي الصحراء الواسعة.. هو يحكي عن الخراب.. وكأنك تعيش معه في دوامات فارغة. والحقيقة، وكما عرفته، هو يريد فضح العالم، وهو يريد أن يكتب ما يريد وتتوقد كتاباته في الزنزانة والمنفى.. هو طليق لكنه سجين. قال لي بأنه: (بائس.. لكنه مغرور).. هو مبتل الأيدي، لكنه يملك الاقتدار والاقتحام.. هو صلب لكنه هادئ.. يصل إلى ما يريد الوصول إليه.. كل شيء وكأن لم يحصل شيء! بحيث يجعلك تبحث عن نفسك بدون ضوء.. يتفحص كثيراً.. يُرى انه متعب ومهموم ولا يستطيع الكلام ولا حتى رد السلام وإبداء الرأي، لكنه يُفحم من يجادله ويناقشه في أمور الأدب والثقافة بحيث يرفع يديه ويسلم تسليم.. وهو طائر فرح.. دائماً يصفق بجناحيه المتعبة ولا يبدو عليه أي يأس؟، انه يواجه عالما غامضا يطمس ويستعبد الآخرين لذلك تراه يتهرب عما ينبغي فعله.
أما عالمه السياسي فانه يسوده الغموض تماما سوى التلميحات في بعض الأحيان. عندما أكون في ضائقة أدبية؛ سواء من طبع مؤلفاتي وعدم قدرتي أو لعدم نشر قصصي والموافقة عليها، آتيه منفعلا" وأطلب منه قراءتها والرد عليها في اليوم الثاني، وما أن يراني حتى يبتسم ويقول: الصبر جميل يا أبا الأنوار فلا تتعجل. وعندما اصرخ: هل قرأتها؟ وعرفت لغزها؟. يجيب بهدوء: قرأتها بتأمل وتستحق النشر. عندها افقد أعصابي ويتعالى الصراخ، وأنا الرجل الثقيل كما يحلو أن يسميني رحمه الله. واذكر مرة في عام 1981 بالضبط أني كتبت قصة (العرس الآخر) ولم يوافق على نشرها لعدة مبررات، وذهبت في مهمة خارج المحافظة أو ما نسميه بالواجب، لكوني أحد الفنيين في القوة الجوية، وعند عودتي رأيت زوجتي تلوح بصحيفة فرحة وهي تقول: لقد نشر حسن مطلك قصتك. وأذكر كذلك أن غداءه كان عند جاري العزيز (عبدالله صالح) الملقب بأبي فاضل.. لم اسأله عن الكيفية التي تمت بها الموافقة لأني أعرفه إذا قال شيء يفرض بالدليل والبرهان والحجة، ودعوته إلى تناول قدح من الشراب البارد في محلة (وادي الحجر) التي كتبت عنها مجموعة قصصية كاملة.

-3-
.. وأذكر انه قال لي بالحرف الواحد: إنهم يخافون من كتابة الثوار. ولما سألته: كيف أيها الشاب المغرور؟. أجاب بابتسامته: لأن صدى الكلمة يا صاحبي كالريح العاتية وهم يخافون من الرياح. منذ ذلك الحين بدأت اقرأ كتاباته بكل تأن وأعيد قراءتها وأناقش بها زوجتي، وكانت تجيب: أنت مجنون لكن لا خوف عليك.. خوفي على هذا الشاب الذي لا أفهم حرفاً من كتاباته. وبدأ يكتب وينشر ويسافر إلى بغداد ويلتقي بالأدباء وأصبح نشره غزيراً وأن مجلة (الطليعة الأدبية) لا ترد له طلباً، وكذلك الصحف الأخرى.. أقول؛ أن اسمه قد لمع فعلاً، وبدأنا في المقاهي وأثناء الندوات الأدبية؛ الكل يحكي باسم (حسن مطلك).. هذا الرجل القروي المقتدر الذي يُفحم من يريد إفحامه، وهذه الكلمة ترددت على مسامعي عدة مرات، وبدأت اقترب من حسه الوطني العالي كلما كثرت قراءاتي لكتاباته واخرج ما يدور بذهني بعد أن آخذ وقتا بتحليل أقواله. وكان وقتها يبدوا شاباً عادياً، وحاولت مرات عديدة إثارته حول الوضع الحالي وترف الحكام وحاجة المعوزين.. وقتها ضحك ضحكة طويلة وقال: بدأت أفتحك. وقتها قلت له: لقد فهمتك قبل أن تفهمني. عندها أجابني: أبداً.. أنا فهمتك منذ عام 1967 عندما سجنوك أثناء تقديم قصتك (الورد والشوك) لمجلة (الجندي). قلت: لكنك صغير ولم أعرفك. استحلفته بالله عمن أخبره؟. فأجابني بهدوء كعادته: أم الأنوار. قلت له: لكننا لم نكن قد تزوجنا بعد!. سكنت الدهشة ثم أجاب: لنكتب عن (التغيير). قلت له: ماذا تقصد؟.. وضح رجاءً. همس بأذني: ألا ترى ما يدور من حولك؟. قلت: بالطبع لكن ما العمل يا صديقي؟. سكت وأطال السكوت، وهذه ليست من طباعه.. وعلى الفور بعد برهة أجاب وكأنه في حالة استعداد: " الطوفان ". قلت له: أبعدني عن ألغازك ومتاهاتك وأجبني أمانة في رقبتك.. ماذا تريد؟.
أجاب بعصبية: قلت لك لنبحث عن التغيير والتغيير لا يكون إلا بالطوفان، ولن يبقِ منهم أحداً.. لان بقاء أحد منهم يعني موتنا جميعاً. ثم اعتذر عن عصبيته وغادرني دون وداع .. منذ ذلك الوقت بدأت أضع النقاط على الحروف وقتلني الخوف عليه.. بعد شهر تقريباً جاءني يحمل صحيفة وفيها لقاء معه يسمي فيه نفسه بالرجل المغرور وانه قادر على أن يقلب الأمور ويصل إلى ما يريد، وفيما معناه، ولا اذكر نصه، لكنه أكد انه قادر على الوصول لما يريده وانه كاتب له وزنه وعليهم أن يعطوه المساحة التي تليق به.. وقال لي: ألم اقل لك باني رجل اقتحامي.

ـ 4 ـ
ومرت الأيام والسنين واشتركنا في المسابقة القصصية لوزارة الثقافة والإعلام ولا اعرف كم عدد المشاركين وكانت النتائج فوزه الأول على القطر بقصته التي عنوانها (عرانيس ).. والحقيقة أنها أحدثت ضجة كبيرة في الأوساط الثقافية وقد اتهمه بعض المغرضين بان السيد مدير التربية والذي مسقط رأسه في الشرقاط تدخل في الأمر وأعطى فوز (حسن مطلك) لان قريته تابعة للشرقاط وهناك صلة بينهم.. والحقيقة تقال أن اغلب الأدباء وقفوا وقفة واحدة لتكذيب هذا الخبر. وفي لقاء بعد الفوز وبعد تهنئته قال بصوت يكاد لا يُسمع: ( الفوز القادم أهم واشمل وسأطبع على حسابي كل مخطوطاتك). انبهرت من هذا القول وأنا اعرف انه لا يملك شيئاً.. ولو كان يملك شيئا على سبيل القول لطبع كتبه هو.. أو لدفع طبع روايتي (البيارق) والتي كلف طبعها على ما اذكر (300) دينار قطعتها من قوت أولادي ومن راتبي البالغ (100)دينار. إنني اخبر زوجتي بكل صغيرة وكبيرة ولما أوجزت لها ما دار بيننا من نقاش قالت: (اترك المسكين يشوف طريقه). واذكر وقتها أن فاضل عبدالله كان عند أخواله في قضاء الشرقاط (قرية سديره) وأخواله هم أهل (حسن)، ضحك عندما سمع ذلك، وقتها كان في المتوسطة والإعدادية، وقال: (كانت والدة حسن قبل فوزه تلومه على قراءته وعدم مساعدة أهله في الزراعة، وان هذه الـ (شخابيط) لا تطعم والفلاحة هي التي تطعم ولما فاز وقدم لها ثلاثة آلاف دينار، فرحت وراحت تدافع عنه ولم تقبل أن يذهب للمزرعة.. بل تدعوه للمزيد من القراءة والمطالعة). وبدأ نجمه يسطع في الساحة الثقافية واصبح اسمه يذكر في جميع الندوات كشاب قاص مبدع وبدأت الصحف تكتب عنه واسمه صار لا يسقط عن لسان الأدباء، ناهيك عن قريته وأبناء جلدته..
اختفى حسن مطلك وكلما سألت عنه قالوا: انشغل بالتدريس وأمور الحياة الأخرى وظهرت غيمته الممطرة بولادة مؤلفه الجديد الـ (دابادا) وذاع صيته وبدأ كنجم لامع في سماء الأدب وراح الكتاب الكبار يكتبون عن دابادا حسن مطلك.
والنقاش جار حول محتواها ومضمونها وشدة حبكاتها.. وانه ماذا يريد حسن مطلك من كل ما قاله..؟. وقد كتب عنها الكثير وكثر توزيعها، واذكر أنها طبعت في لبنان ثم انتشرت في كل أنحاء الوطن. واذكر ما كتب عنها صديقه المرحوم محمد جنداري وما قاله من: أن هذا الشاب مبدع ودابادا هي أروع ما كتب في هذا القرن..

-5-
وبدأت اقرأ الدابادا شأني شأن الآخرين من الأدباء والقراء والمحبين لـ(حسن مطلك).. قرأتها عدة مرات وفي كل مرة احصل على لغز.. وفي القراءة الرابعة توصلت إلى جملة مفادها: أن حسن مطلك يريد التغيير وحتماً انه مشترك أو سيشترك في انقلاب الحكم ونقلت ذلك لزوجتي فصرخت بي، ولأول مرة في حياتها: أن خل الولد يعيش. ولما عاتبتها على صراخها قالت: (مسكين بعدو شاب خطية بعد ما شاف شيء من دنياتو وهذولة ما ينكدرلهم).
وبدأت أفكر في مسيرة المرحوم وغروره وكل كلماته وافكك حلقاتها وأبعادها ووصل عندي الشك اليقين عند لقاءي أو عند دعوتي إلى حفلة عرس في مسقط رأسي في قرية (الحود الفوقاني) من قرى ناحية (القيارة) حيث جلست مع المرحوم الشهيد النقيب (صباح عبدالله حسن) وتركنا العرس ورحنا نتناقش حول العسكرية وتذمر الضباط والمراتب والتسلط والانفراد بالسلطة والسجون وأمور كثيرة، واذكر انه سألني عن (حسن مطلك) وكتاباته ورأيي فيه تجرداً عن العشائرية. قلت له: شاب مغرور ينظر إلى الأمور بعين مغرور ويحلم بأشياء أكبر من عمره. أجابني: نحن أبناء منطقة وفرحنا واحد وحزننا واحد ماذا فهمت منه؟. قلت: انه متذمر من الحكم ويريد التغيير على ما أظن. قال بتوسل: كيف عرفت؟. قلت من خلال (دابادا) ه وكلامه الملغوم معي. واخذ بيدي خارج بيت العرس وقال: (أمانة الله عليك هل قال لك شيء). قلت: أبداً لكني فهمت من كلامه الشيء الكثير وأنكما سيان وأنكما تريدان الانقلاب. فجأة قال: وأنت؟. وأقولها بصراحة متناهية؛ قلت: ( الوضع يخوف، ولا يمكن لأي قوة أن تقهرهم ). هز رأسه واستأذن بالانصراف. بعدها التقيت الشهيد حسن مطلك وكان متعبا جداً ومتفائلاً جداً ويتكلم عن كانون.. حتى أني ظننت انه قد كتب رواية لهذا اليوم..! وقتها كنت في الكلية العسكرية الثانية وطردت منها أثناء نقاش حول أن صدام حسين رجل سياسي وميداني. قلت: سياسي وليس ميداني والدليل انه لم يخدم العَـلَم. لم أكن أعرف بأن الخبر وصله. ربت على كتفي واقسم بالله أنه سيأخذ كل حقوقي وستنشر جميع كتاباتي وتوزع.
ولا اعرف كم بقى من كانون لكن على ما أظنه ثلاثة أو أربعة اشهر عندما قال لي: ستأخذ إجازة قبل كانون وستعيش هناك فترة من الزمن، أعرفك على كثير من الأدباء والكتاب وربما أساعد في نشر قسماً من كتاباتك. قلت له مازحا: ( زرّع يا جحش حتى يجيك الربيع). قال بتأسف: كلام لم اسمعه منك من قبل يا أبا الأنوار. قبلته وقلت له معتذرا: لا تعاتبني يا مغرور فأنا (...). قال: صدقت، لكن قل لي كيف صوتك؟. قلت مازحاً: هل تريد أن أكون مطرباً. ضحك وأجاب: أبداً.. أبداً لكني سأمتحنك قبل كانون القادم. أجبته فوراً: سأنجح. أجاب: بالطبع.
ودعني وداعاً حاراً ولم أره بعدها. أذكر انه وقف على بعد أمتار وقال: ( لا تنسى انك من رجال الظل). حيث اختفى عن الساحة الثقافية ولما سألت بيت أبو فاضل جاري في الموصل.. هز رأسه وأخبرني أن أخباره مقطوعة نهائياً وأن مقره بغداد أو كركوك.

-6-
اختم شهادتي بالقول الآتي:
إن الشهيد حسن مطلك أول من كتب الحداثة في الثمانينات وانه كذلك أول من مد جسور التواصل الثقافي والأدبي بين القرى والأرياف والأقضية والنواحي.. صحيح أن الناس يقولون باني كنت سباقا لذلك وان الدليل لهم أني أسست رابطة أدباء وكتاب القيارة عام 1989 لكني أقول وللأمانة: كان ضوء وصوت حسن مطلك يغطي الجميع بما فيهم أنا. والحقيقة الأخرى: أن للقاص والمبدع الشهيد حسن مطلك مملكة خاصة وعجيبة وان الدخول إليها صعب جداً.. بل وأحيانا وبسبب واحد أن الغموض والرؤية في مملكته تحتاج إلى الصبر والتأني والتأمل واخذ الحيطة والحذر الشديدين وان حراسها مدججون بالسلاح الفكري العالي وان كنوزها ليست كالكنوز التي نعرفها.. ولا أظن أن أحداً قد اقترب منها.. حتى أخوه الدكتور الأديب المبدع محسن الرملي.. وإن اقترب فلم يقترب إلا نحو حافاتها الشمالية الغربية، إن صح التقريب. أما أنا فقد اقتربت، على ما أظن، بشكل حسن وحيطة وحذر عاليين.. إن كل كلمة من كلماته، كما ذكرت، تولد الينابيع وان كل بذرة ستلد آلاف الأشجار المعمره وان الأشهر والسنين ستشهد كتابات واعية ومدركة وستحمل كثيرا من الألغاز المتشابكة والمعقدة.. وان سيرة الشهيد الغائب الحاضر في قلوب كل الخيرين ستكون ثورة الأمل والبحث عن الأمان.. ثورة العدل والمساواة والحرية التي ترفرف فوق أسوارنا العالية والتي نادى بها شهيدنا لأكثر من أربع وعشرين سنة.
نم في ضريحك يا حسن مطلك مرتاح البال.. فقد أديت الرسالة وأعطيت دمك وفكرك وكل ما تملك لخدمة المساكين والفقراء ولطريق أبهى وأجمل.. وإننا على العهد سائرون مستلهمين منك ومن صحبك الكرام العزيمة والإقدام وان لا تهزنا الرياح العاتية مهما تعددت أشكالها واتجاهاتها بعد أن توكلنا على الله ناصر المجاهدين.
كما يمكن القول بأنه أعطى المثل الحقيقي لأبطال كتاباته وأضاف نغمة واعية ومدركة ونظرة شمولية لمستقبل مجهول ومعركة دائمة من خلال قصصه المتفرقة هنا وهناك.. وانه كعالِم أكد على الأصالة والابتكار والمخيلة بعالم مشترك مترابط عجيب. فهو ينقلك إلى عالم الأموات وبواطن الأرض لتحس بتلك الديدان التي تعيش دون شمس.. وانك لا تستطيع اقتناص معنى جملة إلا في الغوص في أعماقه وعند حافاته فهو يبني من الرمل أهرامات في صحراء متناهية الأطراف فيولد لها المطر ليكون الاخضرار..

-7-
واغلب قصصه توصف بالصدق، وكلما تعددت شخصياتها تكون اكثر وضوحا، والفاحص المدرك لكتاباته يرى أن حكاياته تستساغ بوعي.. وكأنه يعطيك تعزية نفسه لمعالجة معضلة ما.. وكأنه قد ألم بها جيداً.. أعود فأقول: إن الحديث عن مملكة الأديب سلسلة ليس لها نهاية نعيشها اليوم لأنها تبشر بالرضا المرتقب.. فهو محارب جيد للأفكار حتى في نفحة اللحود، ذرى في الإبداع وسر الحياة التي فارقها في عنفوان شبابه هو كونه معارض وفاضح لعالم منحرف.. هو لم يكتب حرفاً واحداً لصدام بينما كان أحوج من غيره لذلك. بدأ حرب الكتابة ثم الجودة بالنفس ولذلك وجد ملاذه وخلاصه بالحب فلما لم ينفع الحب بدأ بالهجوم لذلك اصبح عنوان الحياة الجديدة فأبقى لنا صورة صافية ممتزجة بالأمل والحب والسلام والخير بالأهل والأصحاب.. وانه نجح إلى حد بعيد بدمج علم النفس بأشخاصه.. فهو ينتمي إلى كل الأجيال.. واكرر: لابد من تشكيل فريق عمل ودخول مملكته لمعرفة أسراره.. وهذا لا يكون إلا بالبصيرة والتعقل، عندها سنصل إلى عالمه العجيب وسنكشف عن كنوزه الكثيرة وسنكتب الكثير بلا شك وهذا ما سنفعله بعون الله تعالى..
رحم الله حسن مطلك.. الشاب الذي احرق نفسه ليضيء الدرب للآخرين.. وليخلق عالماً فيه الفضيلة والتسامح والعادات التي ننشدها جميعا ونناضل من اجلها حد الموت كما ناضل من قبلنا حسن مطلك وصحبه الأخيار رحمة الله عليهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*عطية محمد أحمد الجبوري: كاتب عراقي، سكرتير تحرير جريدة (الحياة الجديدة) ومحرر جريدة (الإنقاذ). aljeboury2000@hotmail.com

مقال / عدنان حسين أحمد

النَص المُزدوج

عدنان حسين أحمد

أثار إعدام الروائي حسن مطلك نقمة الوسط الثقافي العراقي، ففضلاً عن أهميته كإنسان يحق له أن يعيش حياته الخاصة كما يشاء، فهو فنان تشكيلي، وخطّاط، وقاص، وروائي، وكاتب مسرحي ينتمي إلى كتّاب القصة والرواية الطليعيين في العراق، بل أن روايته الأولى (دابادا) التي أثارت جدلاً واسعاً في المشهد الثقافي العراقي قد رفضتها دور النشر العراقية كلها ومن دون استثناء بسبب ”فنيّتها العالية“، وقد أعرب الناقد د.عبد الله إبراهيم عن دهشته لمثل هذه التبريرات غير المنطقية في تأخير نشر الرواية حيث قال:”إذ أُتهِمتْ.. ويا للعجب؛ بأنها رواية طليعية، لم يحِنْ أوان نشرها بعد. ولا بد من الانتظار سنوات كيما تتوافر إمكانات قرائية لدى القرّاء لتقبّل عالمها الجديد، وطرائقها السردية المبتكرة."(8). ومع ذلك فقد نشرتها ”الدار العربية للموسوعات“ في بيروت عام 1988، وكتب عنها العديد من النقاد العراقيين والعرب، كما أعادت نشرها ”الهيئة المصرية العامة للكتاب“ في القاهرة عام 2001 تحت محور ”كتابات جديدة“ لتشير إلى أهميتها ودورانها في فلك الرواية المختلفة والمغايرة لما هو سائد من الأنماط السردية. وتأكيداً على قوة الابتكار في هذا النص الروائي سنقتبس الفقرة الآتية من المقال ذاته للدكتور عبد الله إبراهيم حيث يقول:”لا تعتمد هذه الرواية.. على التفسير ووصف سلوك الشخصيات، والعناية بالاستهلال والذروة والحل، ولا تُعنى ببناء حكايتها، ولا بمحاولة إقناع الآخرين بصدقها أو عدمه، إذ تعد ذلك جزءاً من الموروث الذي لا بد من الانطلاق منه إلى ما هو جديد.. إلى ما هو مبتكر.“(9)
لا شك في أن رواية " دابادا " هي نص متعالٍ، لا يعتمد على بنية حكائية رصينة، بقدر اعتماده على لغة متوهجة تحاول الوصول إلى فضاء ما بعد اللغة، أو قول ما لم تقله اللغة نفسها من خلال هيمنة الرؤية على سياق النص الغائب الذي يستمد قوته من اللغة المضيئة أو اللغة الصوتية ذات الإيقاعات المميزة في آنٍ واحد، والتي لا تحيل إلى المعنى حسب، وإنما تنشُد استدراج المتلقي إلى فضاء مليء بالمفاجآت المدهشة. لنقرأ ما قاله القاص محمود جنداري عن رواية "دابادا" وتفرّد مبدعها في تجاوز الأنماط الكتابية السائدة آنذاك حيث قال:" إن حسن مطلك يقترح علينا الكتابة خارج شروط الرواية، أو خارج شروط الفن المتوارثة وبذلك يقطع الطريق على المخيلة وخداعها، ولا يعطيها إلا أقل جسامة في العمل الروائي، وبذلك يطمئننا إلى أنها ليست خدعة، إنما هي غير ذلك.". لقد اختار حسن مطلك خلال العقد الثالث والأخير من حياته أصعب المسالك وأوعرها في كتابة نصه الإبداعي المخاتل، والقائم على "غياب النص" بحسب توصيف الناقد د.باسل الشيخلي، والذي يعتمد على "تصديع البنية الحكائية" كما يذهب د.عبد الله إبراهيم، أو استثماره للموروث الشعبي والأسطوري كما يؤكد القاص عبد عون الروضان، إضافة إلى سلسلة طويلة من الأساليب والتقنيات التي تفنن بها حسن مطلك خلال السنوات الخمس التي كرسها لهذا النص الروائي المُؤلف من "220" صفحة من القطع المتوسط.

الأسلوب المخاتل
لا أنوي هنا الخوض في التفاصيل الدقيقة لشكل الرواية ومضمونها، ولكنني سأتوقف عند تقنيات الأسلوب المخاتل الذي يراوغ رقيب السلطة، ويتحايل عليه من أجل الوصول إلى القارئ. كان حسن مطلك كاتباً جريئاً، وقد قطع على نفسه عهداً بأن يتحدى السلطة القمعية ويقارعها، ولكن بطريقته الخاصة التي تعتمد على الأسلوب غير المباشر. وعلى القارئ أن يتأنى كثيراً في أثناء قراءته لأي نص من نصوصه كي يمسك بالدلالات المُرَّحّلة التي يبتغيها الكاتب، ويريد من القارئ أن يلامسها، ويصل إليها، حتى ولو في القراءة الثالثة للنص.جاءت الإشارة إلى شجاعة حسن مطلك من قبل الروائي جبرا إبراهيم جبرا الذي عاش في العراق نحو خمسة عقود، حيث قال:" إنها رواية غير عادية، فهي جديدة، وكاتبها شاب جريء."(10) لم يُتح هامش الحرية الضيّق جداً للنقاد العراقيين الفرصة لقول الأشياء "اللامقولة أو المحجوبة بفعل الخوف والترهيب السلطوي" وحتى جبرا إبراهيم جبرا، الكاتب العربي الذي كانت له حظوة لدى رموز النظام السابق، اكتفى بالإشارة إلى جرأة حسن مطلك من دون تسليط الضوء على مواطن الجرأة في النص الروائي المخاتل الذي يحتاج إلى قراءة تفكيكية تحلّل النص، وتعيد صياغته من جديد، خصوصاً وأن هذه الرواية كما يعتقد عبد الرحمن مجيد الربيعي بأنها "رواية مختلفة، لا يمكن أن تذكِّرنا بأي عملٍ روائي آخر، ولم تتعكز على إنجاز روائي سابق.. إنها رواية وحيدة ومكتفية بما حملت."اعتمد حسن مطلك في كتابة هذه الرواية على أسلوب" الواقعية المُطلَقة "وكما هو معروف فإن الكاتب الذي يتبنى هذا الأسلوب يحاول أن يحشّد أغلب الفنون القولية وغير القولية في نصه الروائي بعد أن يحطّم الحواجز التي تفصل بين هذه الأجناس الإبداعية، ويذوّبها إلى الدرجة التي يصعب فيها الفصل بين جنس إبداعي وآخر.

الكتابة المقنّعة
كما أفاد حسن مطلك في هذه الرواية، وفي روايته الثانية (قوّة الضحك في أورا) التي صدرت بعد إعدامه بثلاث عشرة سنة، من بنية "النص المزدوج"، والدلالات المقنّعة، والتقنيات السينمائية لعل أبرزها اللعبة المونتاجية التي تأتي في أهميتها بعد "عين الكاميرا" والسيناريو، وما إلى ذلك من معطيات سينمائية. وقد ذهب بعض النقاد إلى الاعتقاد بأن لغة حسن مطلك هي السر الأكبر الذي يكمن وراء نجاح هذا النص الروائي المغاير فقد أكد الناقد د.باسل الشيخلي بأن "هذه الرواية تتجاوز حدود الواقعية لتدخل في إشكالية أكبر وأوسع من نمطية الكتابة المقنّعة... وإن لغة دابادا هي سر قوتها"(11) وعلى رغم من قناعتي التامة بأن اللغة المشعّة التي استعملها حسن مطلك هي عنصر مهم من عناصر البنية الروائية، إضافة إلى كل التقنيات الأخرى التي وظّفها في نصه الروائي إلا أنني أجد نفسي مضطراً هنا للتوقف عند اللغة المقنّعة، والنص المزدوج، أو المخاتل الذي يشير بوضوح تام إلى ترحيل الدلالة من المعنى المباشر إلى المعنى المجازي الذي يقصده كاتب النص ومبدعه بوصفه شخصاً ناقماً على السلطة، ومؤلّباً عليها. ففي رواية "دابادا" ثمة إحالة واضحة إلى السلطة القمعية التي رمز إليها من خلال الحمار " قندّس" فشاهين حاول قتل "قندس" الذي هو رأس السلطة "قفز ملتقطاً مديته، والمدية في يده، هاجر في الرأس، الحمار المدهون بزيت الخروع على بعد ذراع وطعنة.. طعنة.. طعنة"( دابادا ص،195 ) غير أنه كان يمسك مُديته بالمقلوب، فيطعن يده "ويهجم الألم لحظة رؤية الدم." (دابادا،ص195). لقد أصاب شاهين نفسه، وأن الدّم الذي يراه قد تفجّر من باطن يده، وليس من الحمار قندس. "أعرف بأني لم أقتله لأني اكتشفت فيما بعد... استعملت المدية بشكل معكوس لأن كفي ظل يؤلمني والدم هو دمي أنا لا دم الحمار"( دابادا ص210). لقد تنبأ حسن مطلك بموته المبكر، وهذا جزء من آلية الإنزياح المجازي للسارد والراوي العليم إلى شخصية حسن مطلك المقنّعة حين قال في روايته:" أنه يعي وقائع موته كمن ينفذ خطة طويلة بذل في إعدادها زمناً يمتد من آشور بانيبال حتى القيامة"(دابادا،ص52) وذهب شقيقه د.محسن الرملي إلى تأكيد نبوءة حسن الذي أدرك بأنه سوف يموت في الثلاثين من عمره حينما قال في نصه الروائي الأول:" سأموت في الثلاثين أو أتعرض لأزمة."(دابادا،ص107) ويفسّر محسن الرملي هذه الأزمة بمحنة التعذيب التي تعرّض لها شقيقه حسن مطلك طوال الأشهر الستة قبل أن يُنفّذ به حكم الإعدام شنقاً حتى الموت. وقد استشهد حسن فعلاً قبل أن يكمل الثلاثين من عمره، ولم يمت الحمار قندس لا الفعلي، ولا المجازي الذي رُحلِّت إليه الدلالة، بل أن الكارثة قد حلّت بكل الشخصيات الوطنية التي اشتركت في التخطيط لمحاولة الاغتيال، وقلب نظام الحكم الاستبدادي في العراق. وفي رواية "دابادا" ما يؤكد هذه النبوءة أيضاً حيث نقرأ:"تسلل المساء الحزين إلى بقعة هاجر التي لا تعرف ماذا تقول.. فكانت تقوم لتكنس جثث العصافير الساقطة على العتبة"(دابادا، ص205) تمتد اللغة المقنّعة في النص المراوغ الثاني أيضاً (قوة الضحك في أورا) حيث لا يمكن قراءة هذا النص قراءة واقعية من دون ترحيل دلالاته إلى القراءة المجازية، التي تمر عبر "الواقعية المُطلقة أو الكلّية". ولا يمكن البتة أخذ شخصية المستر أوليفر على أنه مجرد منقِّب أثري من دون ربطه بالسلطة سواء أكانت خارجية قادمة من الغرب الإستعماري، أم داخلية متواطئة مع الآخر الإمبريالي، ولا يمكن التعاطي مع شخصية ديّام بوصفه مواطناً عابراً لأنه يشكّل جزءاً حيوياً من الذاكرة الشعبية للناس. وقد اضطر في نهاية النص الروائي إلى المراوغة والكذب من أجل إنقاذ الكنز الذي يضم المكتبة الآشورية المطمورة في باطن الأرض. اعتمد حسن مطلك على اللغة المقنّعة، والنص المخاتل من أجل تمرير ثيماته وأفكاره لعقد من السنوات بسبب طبيعة العلاقة الإشكالية بين المثقف العراقي والسلطة الشوفينية، وحينما سنحت له أول فرصة لمنازلة الدكتاتورية، ترك القلم المُصادَر جانباً وقرر حمل السلاح لأنه كان موقناً بأن صرح الدكتاتورية لا يقوّضه إلا رصاص الثائرين.
---------------------------------------------------------------------
*جل الإحالات المشار إليها بالأرقام يمكن النظر إليها في العدد 11 من مجلة (ألـواح) سنة 2001م مدريد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر هذا المقال في صحيفة (الصباح الجديد) بتاريخ 19/7/2006م بغداد.
**عدنان حسين أحمد: كاتب وناقد عراقي يقيم في هولندا.

مقال / حسين سليمان

ما الأدب أو العراق

حسين سليمان

لقد لفت نظري رسالة موجهة إلى ناطق فرج من ناصر محمود نشرتها مجلة ألواح وكنت قد تأملت قبل ذاك في نفس المجلة عالم حسن مطلك. فأدركت مقدار الضلال والهلاك، الهدر، الذي ارتكبه (ابن العراق) صدام حسين في حق أهله وشعبه.
لم تأخذني الصور ولا الرسم أو الموسيقى والتي وصفت مرحلة العراق كما أخذتني الكلمات التي كتبها ناصر محمود، على سبيل المثال. لقد لمست عن حق العبارة الأدبية الضائعة، في الوطن العربي، الروح التي نطمح للإمساك بها في رسالة هذا الأديب، وفي كتابات كونية لا يعرفها لا كافكا ولا غيره من موديلات الأدب العربي المعاصر، كان قد كتبها حسن مطلك. لقد وصل هذان الأديبان إلى شعلة الأدب التي تضيء اللغة وتضيء الزمان. ولقد أدركتُ مقدار الخسارة برحيلهما. وحسمتْ من جانب آخر الكلمات التي كتبها حسن مطلك تساؤلي عن العمق الذي ينفذ إليه الأدب. حيث كثيرا من الأحيان كنت أظن بأن الرسم والموسيقى لهما الباع الأطول في الوصول إلى أعماق الإنسان، إلى هز روح وجوده، لكنني كنت قد نسيت المعنى الروحي للكلمة وبأن الكلمة كانت قد جاءت من قلنا له كن!.
هذا النوع من الكتابة هي كتابة أنبياء العصر ولقد خسرنا الكثير على يد القائد الملهم. ليس العراقيون ما خسروا فقط بل كل العرب، خسرنا حياة عمرها تقريبا خمسين عاما. ولقد ساهم بهذه الخسارة مثقفو الوطن، الأدباء الكتاب الذين كانوا يتقاطرون للسلام ولتأييد حاكم بغداد. لقد ضربوا بعرض الحائط معنى الأدب وضيعوا فرصة مشرقة كانت ممكنة لهم. فتحولوا إلى كتبة بالأجرة، إلى شعراء بالأجرة. بعيدون كل البعد عن الأدب. فهؤلاء لم يدركوا أو لم يفهموا هروب مظفر النواب، مثلا، منذ تقريبا ثلاثين عاما فخانوا بذلك عهد الكلمة والأدب. هؤلاء باعتقادي لم يكونوا أدباء أبدا بل كانوا كتاب إنشاء. يطوعون الكلمة والجملة، يفهمون الإعراب والنحو. لهم علاقة مدرسية مع اللغة لكنهم لا يقتربون أبدا من ميدان الأدب. فالأدب هو كائن لا تلمسه الجملة السلسة حلوة الأسلوب. الأدب هو دين، دين حقيقي يرفع شعلته من خبر الضياع الذي لحق بالروح فيريد أن يصهرها من جديد في الأتون.
علينا أن نتأمل بعمق أدب العراق في هذه المرحلة، أن نأخذه درسا لمن يريد أن يمسك بالجذوة. حيث أن الروح التي فيه هي روح لها تماما المقدار الرياضي ـ المطلق من العلو والسمو ما كان لنظام صدام حسن. فبمقدار ما كان ينحدر هذا الحاكم بأقدامه الهابلة كان معين الأدب يصعد محلقا في سماء الإنسانية.
هيوستن. 24 آذار مارس 04
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*حسين سليمان: husolaiman@yahoo.com .عن موقع (كيكا) في آذار 2004م.

شهادة / عامر سلطان


حسن مطلك.. اختصر الطريق إلى الإبداع بطلاسم قريته

الجالس في الصورة هو حسن مطلك


عامر سلطان

(1)
كثيرا ما يكون المرء وحيدا في هذا الزمان رغم أن له بيت وزوجة وأطفال، وإذا لم يحصل على الوحدة يقتنص بعض اللحظات كي يكون وحيدا. وعندما يغزو الليل هذه الوحدة يؤنسها أكثر ويجعلها رومانسية لتنبعث منها أحلام الماضي والمستقبل. جربت ذلك ووجدت نفسي وجها لوجه قبالة ذاتي حلقت خلالها كعصفور حر في الأفاق. أطير بأجنحة الخيال فتضاء أمامي ازرقاقات السماء وابحث في الوجوه العديدة والغائبة من أصدقاء الماضي البعيد علني أجد زملاء الدراسة في جامعة الموصل .انفتحت خلالها ذاكرتي على مسافة زمنية عمرها عشرين عاما أو يزيد. وجوه منورة بأمل الغد. أستطيع تذكر أسمائهم: فارس سعد الدين، يحيى صديق، مروان محي الدين، ثابت محمد خضير وحسن مطلك روضان. كان وجه الأخير يسرق مني سكوني وهدوئي لأبحث فيه عن صورة الإنسان الطيب داخل أديب متجدد. كنا أصدقاء كلمة وفكر، كانت رؤوسنا الصغيرة محشوة بمشاريع أدبية كبيرة متضاربة الاتجاهات، تجمعها الرغبة في الإبداع وتقديم الجديد والمثير. متكئين على قدرات كتابية متواضعة، كانت في وقتها مناسبة لأعمارنا الفتية. ولا زلت أتذكر ذلك النهار الشتائي القصير عندما تقدمت بهدوء إلى زملائي ـ ومنهم حسن مطلك ـ بمشروع إنتاج مجلة ثقافية أدبية مستقلة عن سلطة عمادة كلية التربية والاتحاد الوطني آنذاك. عندما اجتمعنا لأول مرة فوق الثيل الأخضر لحدائق كلية الآداب. التهب الجميع حماسة وعاهدوني على خوض غمار هذه التجربة. بأقلامهم وأموالهم وحماستهم، وراح (حسن) يمجد هذه الخطوة ويعرض إضافة إلى عرض زملاءه ريشته وألوانه في التصميم والإخراج الفني.

(2)
كانت الأيام قليلة والرغبة كبيرة لإنجاز هذا العمل. هذا يذهب لفحص النصوص لغويا في قسم اللغة العربية، وأخر يدور حول الطلبة في المركز الطلابي ليعرف آرائهم في موضوع العدد الذي كان حول المرآة. وأنا كنت أتابع الطباعة على الآلة الطابعة، وصورة إخراج الصحيفة في وحدة الطابعة في كلية التربية.
في زحمة العمل كنا لا ننقطع عن الاجتماع والمناقشة والحوار ولا نخرج من هذه الدوامة إلا ونحن نقابل وجه (حسن) طافحاً بالتفاؤل عبر عينين هادئتين لكنهما متمردتين في ذات الوقت، لا نعرف منه هل هو راض عما أنجز. وراء عينيه حكاية طويلة لشاب قدم من قرية على ضفاف دجلة متجشما عناء طريق الصحراء.
لا أتذكر انه أباح لي يوماً من الأيام عن لواعج صدره أو آرائه في الناس أو المجتمع الموصلي. لكنه فرح كثيرا بالعدد الأول والوحيد لمجلتنا (المُربي) وحزن معنا على يتم هذه المجلة بعدما فشلنا في استدرار عطف الجهات الرسمية آنذاك لدعمنا.

(3)
في ممر كلية الآداب المزدحم بخضرة الأشجار وقامات الطلبة الذين يقطعونه ذهابا وإيابا هاربين من محاضرات آلفو سقامتها لأساتذة متحذلقين أو بحثا عن فرص جديدة للحب والصداقة مع زميلاتهم. من بين هؤلاء أشاهد وجه (حسن) وجها طفوليا لقروي متعطش لعوالم المدينة وأشياءها. يكتفي معي بالإصغاء ومسايرتي في المشي موزعا نظراته السريعة على جميلات كلية الآداب مستلهما جمالهن بحس الفنان والإنسان.
وأنا منهمك في طروحاتي معه أحس حضوره الجسدي بينما يغيب عني مجاله النفسي الذي يحيط به، أحسه يقتحم هذا العالم المزدحم والجميل بعذابات داخلية وهواجس متخفيا في صورة مواسم الزراعة والحصاد ولوحات الرقص الشعبية التي يعيشها مع رجال ونساء قريته. كنا جميعا نقضي أوقاتاً غير مرتبة، مرة في المكتبة المركزية، وأخرى في المطعم الجامعي. وأخرى في الكافيتريا، وفي كل اللقاءات يتعمق في ذاكرتي وجه (حسن) الطفولي بملامحه والمنفتح على الآخرين في تعاطيه. يختبئ وراءه وجه الناقد الاجتماعي ويتمنى طول المقابلة ليعبر عن حبه ومعاناته من الحبيبة والناس والآخرين، وحينما تعجبه شخصية معينة يغرق إلى أذنيه للاهتمام فيها ولا يترك مجالا حتى يعرف الأشياء التي يريد معرفتها. و(حسن) لا ينقطع عن النظر بعينيه الصغيرتين الحادتين إلينا مرة يشاركنا التعاطف مع أفكارنا وأخرى يتراجع يهما وهما تغوصان داخل محجريهما بضحكة سهلة لطيفة. كانت عيناه المغسولتين بدموع الفرح والانبهار بجدة الأشياء والأشخاص مع صوته الناعم الهادئ تعيد إلينا الرغبة في المواصلة والاستمرار قي الحديث.

(4)
تاريخ (حسن) يبتدئ من أول سيارة استقلها من الشرقاط إلى الموصل كان تحدياً كبيراً له. يكون أو لا يكون. ليس هناك من طلبه للنزال لكنه الهاتف الداخلي. فهو موجود بجسده داخل السيارة التي ستصل إلى الموصل، وخارج نوافذ هذه السيارة ارض غريبة عنه يتصورها ممنوعة منعا جعله يشعر بالحرج والخجل من مباشرتها .لم يغب الإنسان عن فكره في أعماله الكتابية أو التشكيلية لذلك جرب اللقاء مع (المواصلة القح) ونجح في بناء علاقات صداقة وزمالة معهم. أما أشياء المدينة فانه نظرها من بعيد وهو يتسكع في شوارعها ويدخل مقاهيها ومطاعمها وبعض بيوت أهلها. ووجد قلبه معلق ومتوجع منذ النظرة الأولى لناسها، وكم من المرات رجع إلى قريته أخر الأسبوع كسير القلب ومن بعد المسافة كانت عينيه ترى في واقع تلك الأيام نقطة سوداء في داخلها نافذة مملوءة بالنور.
أستطيع أن أتكلم ألان عن شعوره في لحظات صمته التي نواجهها في وجهه التي كانت عبارة عن لحظات ولادة للثورة على ذاك الواقع الذي كان يرى عدم جدوى الكلام في تغيره. خاصة معنا. وحسن المفكر القاص الفنان صفات كان يعرفها زملاءه المختلطون به إلا أن صفة السياسي لم تكن معروفة بعد، ولو أن هناك كثير من القضايا الاشتراكية والديمقراطية والعالم الثالث قد مرت في أثناء بعض الأحاديث، وقد سخر حسن لأجل ذلك فكره اليساري الاشتراكي غير المعلن حتى لأقرب زملاءه.

(5)
إذا تمثلنا طريق الشرقاط ـ الموصل المعروف لسكنة تلك المنطقة نساءً ورجالا، حتى بعد فَصل القضاء عن الموصل إدارياً، بقي هذا الطريق رابطاً روحياً للشرقاطيين يذكرونه ويحنون إلى أيامه، وكان حسن واحداً من مجموعة الشباب المثقف الذي درس في جامعة الموصل وبقي أربع سنوات في كلية لتربية. لم يجن من ورائها سوى معاقرة القراءة والعديد من الأصدقاء الأدباء. وحقا كانت رحلته هذه مليئة بألوان فرشاته التي حفظت معاناته في مرسم جامعة الموصل. وشهدت سنوات بقاءه تلك اعتلال صحته النفسية وقربه من مرض الاكتئاب. وأشهد أن ليس هنالك غير مميز كان يثقل به مسيرته وإذا أعطته الجامعة شهادة التخرج من الكلية بيده اليمنى فانه قد أخذ بيده اليسرى شهادة الرسوب في حبه وبقي الأول الذي عاش من أجله ضائعاً يبحث له عن أرض. اشعر أن كثيرين من زملائنا يشاركوني هذا الرأي، وأتذكر الآن اللقاء الوحيد معه قبل سماعي الأخبار المتضاربة عن رحيله وكيف رأيت الفرح في محجري عينيه وهو يحدثني عن فوزه بالجائزة الأولى التي أقامتها دائرة الشؤون الثقافية في وزارة الأعلام آنذاك، كانت قصة (عرانيس) والتي لم أقراها. فرحة ناقصة لحسن، فعلى الرغم من فائدتها المادية والاعتبارية له إلا أنها جاءت في الحديث عن موضوع يريد أن يقول فيه بحرية أكثر مما موجود فيها.. ألا وهو موضوعة الحرب. وقصة (عرانيس) عمل من وحي قريته فمن العنوان الذي يحاكي دواخل الفلاحين وتبريراً مهماً لدخول عالم الثقافة عن طريق أدوات القرية.

(6)
كنا نجتمع صباحا، حسن مطلك القادم من القسم الداخلي ونحن الموصليون المنزلقون من بيوتنا الأنيقة في أحيائها الحديثة مع إضاءة الصباح نحمل كتبنا الجامعية ومعها نحتضن طموحاتنا الأدبية ولا يخلو (الليفكس) لكل واحد منا من كتاب أدبي أو مقتطفات لكتاباتنا المتواضعة آنذاك ونتحلق على الطاولات المستديرة لكافتيريا الجامعة ونتكلم ونتكلم مسحورين بصوت فيروز وكلمات سعيد عقل وألحان الرحابنة ولا نخرس إلا عندما تغلق أفواهنا على أكواب الشاي أو الشاي بالحليب. وفي هذا الجو الرومانسي ألاحظ بشرة حسن السمراء المصقولة والخالية من أي اثر لحب الشباب أو النمش وانظر في حركة إطباق شفتيه على كوب الشاي الزجاجي ومن زاويته على الطاولة يلاحظني، يرتد إلى الوراء ويأخذ كامل راحته ليؤكد بهذه الحركة بأنه متمدن. وما يفعله جزء من قابليته على استلهام المدينة.. وفي ذاك الوقت قد يأخذنا نقاش طويل حول قضية معينة يصبح رأس حسن بشعره الأسود أقرب إلى صورة أعرابي عائد من الصحراء الغربية واضعاً فوق رأسه الكوفية والعقال.

(7)
حينما حاول أن يعبر عن رأيه فيّ كانت كلماته نارية مصنوعة بانفعالات فنان وأديب رومانتيكي. لقد توقفت كثيراً عند عباراته العميقة التي استصرخت فيّ كل تخيلات المبدع والإنسان، وإذا ما تذكرت تلك العبارات الآن وبعد أكثر من عشرين عام، أرى فيها إعجاباً بنظارتي السوداء التي رأى حسن فيها لغزا للعبقرية، كان يتأملها في شخصيتي. وفي فترة لاحقة لذلك مع استمرار علاقتي به، وجدت حسن يضع في خياله هالة حول بعض المبدعين الذين يروقون له ويحيلهم إلى طوطم، ومن تلك الطوطم صورة أدونيس وطروحاته الفكرية والأدبية وعبد الوهاب البياتي وسعدي يوسف. ومن عاداته القروية والتي بقيت مسيطرة عليه حتى بعد دخوله الحرم الجامعي مطالعته لكل شخص يتعرف عليه لأول مرة ويتفحص ملامحه بإحساس الطفل مستخدماً عينيه في النظر ولسانه في الثرثرة، وإذا ما كان هناك موقفا مطرباً أو مرحاً أطلق قهقهته المعروفة لزملائه.. وتشعر بالسعادة تغمر وجهه وعينيه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في (دنيا الرأي) بتاريخ 26/7/2006م.